يا صاح قد جمع السّرو … رلنا بقربك ما تبدّد
قم فاسقني والسحب با … كية وطرف البرق أرمد
والليل فد شابت ذوا … ئب أفقه والبدر أمرد
والماء في وسط الصّرا … ة كأنّه زرد مبدد
وقوله: (١) [الهزج]
خف الأمر وإن هان … ولا يطغ بك الشّبع
ولا تصد من الكل … فة ما يصقله الطّبع
فقد يخشى من الفأ … ر على من عضّه السّبع
ومنهم:
١٧ - أبو الفتح، محمد بن عبد الله، سبط ابن التعاويذي (١٣)
الملقّب بأمين الدّولة. رجل تدفع العين عوذه، وتمنع من يرتاد الرّوض نبذه.
كان من الكتاب استرزاقا لا صناعة واستحقاقا. لو أن مادته في الشّعر له (٢٨) بضاعة. وأدبه نسب النسيم إذا سرى سحرا، ونبّه عيون النّور من وسعه الكرى.
وله في الشعر توليد غير موءود، وديوان شعر ما فيه مخرّج لا مردود. وكله مما يلج بلا استئذان، ويصل إلى القلب قبل الأذان، إلاّ أنّ الغوص في أكثره قليل، والدّقيق في مواضعه منه حليل.
وهو ممن تديّر ريفا، وتفيّأ من النّخيل ظلا وريفا، لا يعلّله إلا أساها، ولا يعلمه شكوى الفراق إلا نوح الحمائم في مصبحها وممساها. وكان مسترزقا
стр. 5987
بالمديح، مادّا منه كفّ المستميح.
وبعث مديحا إلى السّلطان صلاح الدّين - قدّس الله روحه - أرسله لأمله رائدا، وبعث يطلب بكرمه معنى زائرا.
وبعث قصيدة إلى العماد الكاتب استجداه فيها فروة يدفع بها برد الشّتاء الكالح، ونبل الوبل الرّاشق، وخطّار البرق الرامح.
وكان شيخنا شهاب الدّين مفتونا بطريقه، مغبونا في رحيقه. لا يقدم عليه شاعرا من معاصريه، ولا يحب ذا أدب لا يكون من ناصريه.
وحدّثني الحافظ أبو الفتح ابن سيّد الناس العمري، قال: كان قاضي القضاة ابن دقيق العيد يثني عليه ويقول: من يحسن مثل قوله: (١) [السريع]
سرت بنا في ليلة القرّ … تجمع بين الإثم والأجر
والله لو مدحت بمثلها لأجرت عليها ألف دينار.
قلت: وحسبه ثناء هذين وكفى.
ومن سهل مطبوعه، وجيده المنتقى من مطبوعه، قوله: (٢) [الخفيف]
بات يجلو عليّ روضة حسن … بتّ منها ما بين روض وآس (٣)
قلقي من وشاحه وبقلبي … ما بخلخاله من الوسواس
ومنه قوله: (٤) [المنسرح]
стр. 5988
وقائد الجرد كالعقارب لا … يدركها في نجائها البصر (١)
حماتها كلّ يوم ملحمة … حماتها والقنا لها إبر
ومنه قوله: (٢) [مجزوء الكامل]
قالت وأدمعها تسي … ل أسى على الخدّ الأسيل
(٢٩) يا بين كم أجليت يو … م نوى الأحبّة عن قتيل
منها في المديح:
يا فارج الكرب العظي … م وكاشف الخطب الجليل
أحسنت في الدّهر المسي … ء وجدت في الزّمن البخيل (٣)
ومنه قوله: (٤) [الخفيف]
بأبي الأسمر العزيز وقد با … ت على غيرة الوشاة سميري (٥)
زارني بعد هجعة يمسح الرّق … دة عن جفن عينه المزرور
ومنه قوله: (٦) [الكامل]
عودي مريضا في يديك شفاؤه … أشفى وأنت بما يكابد أعلم
ولطالما وجد الطّبيب لدائه … برءا إذا كان الطّبيب المسقم (٧)
стр. 5989
ومنه قوله: (١) [الطويل]
يعزّ على زرق الأسنّة عودها … وما نهلت ذوابلها السّمر
تحوم ظماء والنحور كأنّها … مناهل ورد والرّماح قطا كدر
ومنه قوله: (٢) [مجزوء الكامل]
أين استقلّت بالحبيب ركابه ومتى ظعن
ولربّ ليل بتّ فيه صريع باطية ودن
مع مخطف لدن القوام إذا انثنى رخص البدن
لكنّني كفّرت ليلة زرته عنّي وعن
ومنه قوله: (٣) [المنسرح]
قد أقسمت لا اهتدى الخيال إلى … جفني وبرّت لمياء في القسم
أمزج شكواي بالخضوع لها … ودمع عيني صبابة بدمي
ومنه قوله: (٤) [الكامل]
يا شاكي اللّحظات شكوى مغرم … يلقاك وهو من التجلّد أعزل
أصمت لواحظك المقاتل راميا … أفما يدقّ على سهامك مقتل
(٣٠) ومنه قوله: (٥) [الطويل]
стр. 5990
إذا ما أظلّتني عناقيد فرعها … سقتني بكأس الثّغر ماء العناقيد
ومنه قوله: (١) [السريع]
وليلة بات سميري بها … وناظري بالنّجم معقود
حتى انمحى صبغ الدّجى واغتدت … كأس الثّريّا وهي عنقود (٢)
ومنه قوله: (٣) [الكامل]
خذ في أفانين الصّدود فإنّ لي … قلبا على العلاّت لا يتقلّب (٤)
أتظنني أضمرت بعدك سلوة … هيهات عطفك من سلوّي أقرب
ومنه قوله: (٥) [مجزوء البسيط]
وبارد الظّلم شتيت الثّغر … واهي المواعيد معا والخصر (٦)
في خدّه ماء الشّباب يجري … قافية من شعري (٧)
أصبحت لا أملك فيه أمري
ومنه قوله يمدح: (٨) [الكامل]
قوم إذا اعتقلوا مثقفة القنا … لوغى حسبت الأسد في الآجام (٩)
стр. 5991
غلب ولكن في المغافر منهم … حدق المها وسوالف الآرام
ومنه قوله: (١) [الوافر]
عليل الشوق فيك متى يصحّ … وسكران بحبّك كيف يصحو
وأبعد ما يرام له شفاء … فؤاد من لحاظك فيه جرح (٢)
فبين القلب والسّلوان حرب … وبين الجفن والعبرات صلح
ومنه قوله: (٣) [المتقارب]
حمته صوارم ألحاظه … فأصبح والثّغر من فيه ثغر
نشدتك يا ظالم المقلتين … هل عند قلبي لعينيك وتر
ومنه قوله: (٤) [الوافر]
بنفسي من وهبت لها رقادي … قليلي بعد فرقتها طويل
(٣١) وما بخلت عليّ بيوم وصل … ولكنّ الزّمان بها بخيل
ومنه قوله: (٥) [السريع]
تختلف الأيام في أهلها … مثل اختلاف المدّ والجزر
وما لإنسانيتي شاهد … عندي سوى أنّي في خسر
ومنه قوله: (٦) [الطويل]
стр. 5992
ومما شجاني أنّني يوم بينهم … شكوت الذي ألقى إلى غير راحم
ولو كنت مذ بانوا سهرت لساهر … لهان ولكنّي سهرت لنائم
ومنه قوله يذكر عود الوزارة: (١) [الكامل]
أنتم وإن رغم العدى ورّاثها … قدما وغيركم الدعيّ الملحق
لكم استفاد على الإباء شموسها … وبكم تجمّع شملها المتفرّق
ومنه قوله: (٢) [المتقارب]
وربّ ليال مزجنا بهنّ … حرّ الفراق ببرد التلاقي
تقضّت قصارا ولكنّها … أطالت عليّ الليالي البواقي
ومنه قوله: (٣) [مجزوء الكامل]
جذلان من مرح الشّبا … ب ينام عن ليل المسهّد (٤)
ظبي سقاني خمر عيني … هـ فأسكرني وعربد
ومنه قوله: (٥) [مجزوء الرجز]
وليلة شربت فيها بالرقاد السّهرا … قضّيتها يزاحم العشاء منها السّحرا
لو كحّل الصّبح بها من قصر ما شعرا … باريتها نواظرا مكحولة وطررا
فبتّ أستجلي بها وهي سرار قمرا
стр. 5993
ومنه قوله يصف الحمام الرسائلي من مديح: (١) [الوافر]
تنال بجدّك الطّلبات حتما … فليس يفوتها أبدا طلاب (٢)(٣٢) وتصدر عن مراحلها سراعا … كما ينقضّ للرّجم الشّهاب
تخوض دماء أفئدة الأعادي … فمنه على معاصمها خضاب
ومنه قوله: (٣) [الرجز]
يا نابذا بين الظّباء قلبه … ذريّة لكل سهم عاثر
كيف تعرّضت وأنت حازم … يوم اللّوى لأعين الجآذر
أما علمت أن أحداق الظّبا … ء النّجل لا يؤخذن بالجرائر
ومنه قوله: (٤) [مجزوء الكامل]
لله زورته وقد … مالت إلى الغرب النجوم (٥)
وقلادة الجوزاء عق … د في ترائبه نظيم
وقد انتشى خوط الأر … اكة والحمام له نديم
ومنه قوله: (٦) [الطويل]
يجيل على متنيه سود غدائر … كما نفض الغصن المرنّح أوراقا (٧)
وقالوا نجا من عقرب الصّدغ خدّه … فقلت اعترفتم أنّ فيه درياقا
стр. 5994
ومنه قوله: (١) [البسيط]
يظنّ من فتنته أنّها عنم … ولّت تشير بأطراف مخضّبه
أنّ الخضاب على ذاك البنان دم … تروقه وهو لا يدري لشقوته
منها في المديح: [البسيط]
يكاد يقطر من نادي أسرّته … ماء الحياء ومن أعطافه الكرم
ومنه قوله: (٢) [مجزوء الكامل]
قم يا نديم فناد في النّدماء حيّ على الفلاح (٣)
سيما ونشر الرّوض قد جلبته أنفاس الرياح (٤)
والديك كالنشوان من طرب يصفّق بالجناح
ومنه قوله: (٥) [مجزوء الكامل]
ولقد نزعت عن الغوا … ية لا بسا ثوب الوقار
(٣٣) لما تبلّح فجر فودي … وانجلى ليل العذار
وكذا المريب يسير لي … لته ويكمن في النّهار
ومنه قوله يعاتب: (٦) [الكامل]
لا غرو أن نسيت عهود مودتي … وقديم أيامي وسالف صحبتي
стр. 5995
أنا لا أعدّ اليوم إلا ميّتا … ومتى وفى الأحياء قطّ لميّت
ومنه قوله: (١) [المتقارب]
فمن شبّه العمر كأسا يقرّ … قذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافيا … على صفحة الكأس من أوّله (٢)
ومنه قوله: (٣) [مخلع البسيط]
لم يبق لي في هوى الغواني … مذ تقضّى الصّبا طماعه
خلعت نفسي من التّصابي … ما لأخي الشّيب والخلاعه
أنكرن مني شيبا وعدما … فلا بضاع ولا بضاعه
ومنه قوله يذم خشكنانجة من قصيدة: (٤) [البسيط]
وخشكنانجة سوداء فارغة … كأنّها قطعة من قرن جاموس
ومنه قوله: (٥) [الوافر]
إذا ما الرّعد زمجر خلت أسدا … غضابا في السّحاب لها زئير
وإن سلّت صوارمها الغوادي … أفاض عليه جوشنه الغدير (٦)
ومنه قوله: (٧) [السريع]
стр. 5996
وروضة غنّاء باكرتها … والشّمس قد جاوزت الحوتا
سرت بريّاها نسيم الصّبا … تحمل نشر المسك مفتوتا (١)
وردّ ما استودعه تربها … من لؤلؤ القطر يواقيتا
ومنه قوله: (٢) [المنسرح]
يرنحها نشوات الشباب فتمشي … كما انعطف الغصن غضّا
(٣٤) صحت وهي بالدّلّ سكرى القوا … م وصحّت لواحظها وهي مرضى
أقام لي خدّك الدّليل بما … ضرّمه من جوى على كبدي
إنّ مرايا الأحداق تحرق ما … قابله نورها على البعد
وقوله: (٣) [الوافر]
أدر كأس المدام عليّ صرفا … ولا تفسد كؤوسك بالمزاج
ودعني والصّلاة إذا تدانت … فليس على خراب من خراج
وقوله: (٤) [الطويل]
سمحت بدمعي للدّيار مسائلا … رسوم الهوى لو أنّ تسآلها يجدي
على القلب تجني كلّ عين بلحظها … وعيني على قلبي جنت وعلى خدّي
وقوله: (٥) [المنسرح]
وريع سرب النّجوم فاستبقت … في أخريات الظلام تطّرد (٦)
стр. 5997
وطار عن وكره إلى الأفق النّس … ر وخاف الغزالة الأسد
وقوله: (١) [الكامل]
قالت أتقنع أن أزورك في الكرى … فتبيت في حكم المنام ضجيعي
وأبيك ما سمحت بطيف خيالها … إلا وقد ملكت عليّ هجوعي
ومنهم:
١٨ - أبو الغنائم، محمد بن عليّ بن المعلّم الواسطيّ (١٣)
الملقّب نجم الدّين. شاعر كأنّما حرّك بكلّ هوى، وحرّق بكلّ جوى، فتحمّل كلّ صبابة، وتجمّل بالصبر لو أصابه. فداوت نسيمه وصبا (٢)، وهبّت جنوبا وصبا (٣). وسكن البطائح، وسكب في رواقها الأحمديّ (٤) دم كلّ دمع طائح.
وعني بشعره بين يديّ شيخ الطائفة أحمد بن الرفاعيّ، قدّس الله روحه، فطاب به هو والفقراء، فعادت عليه بركاتهم، وسرت فيه حركاتهم، وحصلت له حظوة نهنهته في العراق، ورفعت رأسه من الإطراق، فلم يخل مجلس (٣٥) رئيس من منشد لشعره أو مستنشد، ومتّهم به أو متحدّ.
واتّخذت ديوانه الوعّاظ موضع إنشادهم، ومكان استشهادهم. فذهب بالقلوب، ونهب الألباب، بلفظه الخلوب، للطافة مأخذه، وقرب وصوله إلى القلب ومنفذه: حتّى إنّ الكلمة كانت تختطف من فمه، وتقتطف قبل أن يثمر
стр. 5998
بها أفنان قلمه. فلا تنشد له قصيدة إلا تناهب إنشادها من حضر، وتواثب إليها كلّ منهم وابتدر. فقلّ أن تميّز منشد له بإنشاد، أو برز منفردا بإيراد، لمسابقة الحضور له إلى أبياتها، مسارعة الجميع له إلى غاياتها، لسرعة انتشارها، وسعة اشتهارها، فجاء كلّه حلوا رقيقا، وصفوا رحيقا.
ومن مختاره المختال، وشجاره المعتال، قوله: [المتقارب]
دعوه فقد قيل إن الغرا … م جنون وما كذب القائل
ولا تسلو حاضرا غائبا … كفى مخبرا دمعه السائل
قفا بي ولو ساعة في العقي … ق لنبكي على النّاحل النّاحل
يحاول من دمعه ناصرا … على البين والنّاصر الخاذل
وقوله: [الطويل]
ألم تسأموا عذلي، دعوني والبكا … ألام على فيض الدموع ألام
أسكّان نجد أين أيّام رامة … إذ الورد من ماء الوصال جمام
صحا كلّ ذي سكر بكم غير شارب … له النّجم خدن والدّموع مدام
سلوا غير طرفي إن سألتم عن الكرى … فما لجفون العاشقين منام
وخلّوا زفيري يحد دمعي فكلّما … تتابع برق استهلّ غمام
وقوله: [البسيط]
أضلّه وطريق الرّكب ملحوب … وها أمامك حيث البان ملحوب (١)
عرّج وقف وقفة لوت الإزا … ربه فما عليك به إثم ولا حوب (٢)
دع التجلّد وامدد للغرام يدا … من غالب الشّوق أمسى وهو مغلوب
стр. 5999
(٣٦) وما خلت أنّ الهوى يقضي عليّ به … والحبّ كالحين للإنسان مجلوب
لم أخل أنّ سرّ الوجد يفضحه … من الحمائم تغريد وتطريب
فما بدا البارق العلويّ معترضا … إلا أبيت وعندي منه ألهوب
كأنّما هو من جنبيّ مخترط … للومض أو هو في جنبيّ مقروب
يبدو وأبكي دما فهو الصدوق منى … ما لاح إذ ومضه بالبيض محجوب
وقوله: [البسيط]
كم لي أمدّ غطاء الصّبر أستر أس … رار الغرام وكفّ البين يكشفه
وكم أكتّم دمعي وهو منسكب … يجري، وخوفا من الواشي أكفكفه
لا تنكروا ماء أجفاني وحمرته … لو كان في العين دمع كنت أنزفه
أفنى الهوى أدمعي نزفا ولم يرني … سوى دمي فهو بالتّوديع يذرفه
ومنها في المديح:
وما أمتّ بشعر بتّ أنظمه … للمدح فيك ولا سجع أصنّفه
أخذت منك الذي أثني عليك به … فأنت لا أنا بالنّعمى مؤلّفه
وقوله: [المنسرح]
دار بقوس صحّت النفوس بها … والحبّ حيث الشّقاء والعلل (١)
مذ سكنتها البدور ما انتقلت … عن جوّها والبدور تنتقل
توسع فتكا فليس ندري ال … جراحات بها أم عيونها النّجل
وقوله: [الرمل]
стр. 6000
كلفي فيكم قديم عهده … ما صباباتي بكم مكتسبه
أين ورق الجزع من لي أن … أرى عجمه أو أن أشاهد عربه
ونعم إذا بان حزوى فاسألوا … إن شككتم في عذابي عذّبه
عن جفوني النوم من بعده … وإلى جسمي الضّنى من قرّبه
وصلوا طيفا إذا لم تصلوا … مستها ما قد قطعتم سببه
(٣٧) فإلى أن تحسنوا صنعا بنا … قد أساء الحبّ فينا أدبه
أعشق اللّوم لحبي ذكركم … يا لمرّ في الهوى ما أعذبه
وقال: [الخفيف]
قسما بالقدود وهنّ رماح … ولحاظ العيون وهنّ سهام
ويجور الهوى وأعظم أقسا … م المحبّين هذه الأقسام
لأطيلنّ وقفة الحزن في ال … أطلال حتّى يرثي لي اللّوّام
وقال من أخرى: [الطويل]
تظلّ عيون النّور في تلعاته … إلى أعين السّحب الهوامي روامقا
فتضحك أنواء السّحاب إذا بكت … عليه غزار موثقا وشقائقا
وقال من أخرى: [الطويل]
تخال لديه الشّمس في الجوّ غادة … عليها ردى من نقعه وخمار
ويقدحن من نقع الحوامي على الحصى … لظى برءوس السّمر منه شرار
وقال منها في المديح:
وراح ببذل المال صبّا كأنّه ال … فرزدق والجود الصّريح نوار
إذا هزّ يوم الرّوع رمحا فإنّما … لثعلبه صدر الكميّ وجار
стр. 6001
وقال: [الطويل]
فللّه عطف من صبا الغور مائس … وللّه طرف من سنا البرق يدمع
يشاهد منه النّجم جفن مسهّد … ويقرع منه الخدّ ماء مشعشع
وقال من أخرى: [الطويل]
وصارخة من أيكة أجّجت له … لظا طالما أذكته في قلبه الورق
بكت طربا فانصاع يبكي تشوقا … فدمعتها زور ودمعته حقّ
وهل يستوي ذو صبوة وابن راحة … إذا استعبرا، هيهات بينهما فرق
ذري الآن يا ورقاء نوحك إنّما ال … بكاء لمن دمعه يخجل الودق
(٣٨) فما أنا بالمثني عليك وإنّما … له الحزن في هذا البكا ولك السّبق
وقال: [المنسرح]
يا للهوى نمّت الجفون بنا … وليس يخلو المحبّ من زلل
ما عصينا القلوب، أعينهم … نحن، وهبنا القلوب للمقل
وقال: [الخفيف]
قل لحيّ على اللّوى والكثيب ال … فرد جاد الحيا الكثيب الفردا
قد وقفنا من بعدكم نسأل ال … بان ضلالا عنكم ويشكو الرّبدا (١)
فشفانا صمتا، ولم يشف نطقا … وحكاكم لينا ولم يحك قدّا
وقال: [الطويل]
عسى من كسا الجسم السّقام يعوده … ومن سلب الجفن المنام يعيده
стр. 6002
فما يبري المشتاق إلا معلّة … وينقص داء المحبّ إلا مزيده (١)
وقال: [البسيط]
هو الحمى مغانيه مغانيه … فاحبس وعان بليلى ما تعانيه
لا تسأل الرّكب والحادي فما سأل ال … عشّاق قبلك من ركب وحاديه
ما في الصّحاب أخو وجد يطارحه … حديث نجد ولا صبّ نجاريه
إليك عن كلّ قلب في أماكنه … ساه، وعن كلّ دمع في مآقيه
ما واجد الصّبر في المعنى كفاقده … وجامد الدّمع في المعنى كجاريه
لقي الكئيب هوى عادت أواخره … على العقيق كما عادت أواليه
يجدّد العشق والأشجان تخلفه … وينثر الدّمع والأحزان تطويه
ربع، ثغور الهوى، لا الرّوض يضحكه … وأعين العشق، لا الأنواء تبكيه
خلا، وغير فؤادي ما يهيم به … دعا، وغير دموعي ما تلبّيه
يا منزلا بدواعي البين منتهب … وما البليّة إلاّ من دواعيه
فالنّار من زفراتي لا بوارقه … والماء من عبراتي لا غواديه
(٣٩) ومودع القلب إذ ودّعته لهبا … حاشاه حاشاه من قلبي وما فيه
يوهي قوى جلدي من لا أبوح به … ويستبيح دمي من لا أسمّيه
قسا فما في فؤادي ما يعاتبه … ضعفا يلاقي فؤادي ما يقاسيه
لم أدر حين بدا والكأس في يده … من كأسه السّكر أم عينيه أم فيه
وما المدامة إلا من تثنيّته … وما الظّلامة إلاّ من تثنّيه
لو لم يطل عصره فخرا وتاه به … عجبا لما اهتز عطفاه من التّيه
وقوله: [الكامل]
стр. 6003
عرض العقيق له وجرعاء الحمى … فطواهما نظرا وأعرض عنهما
هاجا صبابته ولم يقل اسلما … لهما ولا حال الهوى ما هجتما
صونا لسرّهما القديم وحقّ من … حمل المحبّة أن يصون ويكتما
منها: [الكامل]
يا ردفه، افتضح الكثيب، وعطفه عرف ال … قضيب بما استعارا منكما
ما ضرّ ذاك، الظّلم لو اتّقى … ظلمي وعاف تألّمي ذاك اللّمى
وقوله: [الكامل]
وا رحمتا للصّبّ تاه وما له … جلد، ولا حمل الأذى من عاده
هو في العراق، وقلبه بتهامة … يا قرب مسمعه، وبعد فؤاده
وقوله: [الكامل]
لو رام هذا السّائق العجلان … خبر الغضا لا بان عنه البان
أمسوا، وقد ظعنوا يحدّث عنهم … ويميل عنه كأنّه سكران
ما يستفيق كأنّما عرضت له ال … أشواق أو ولعت به الأشجان
وكأنّه صبّ تهيج له الصّبا … ذكرى تمايل عندها الأغصان
بانوا وفي عذباته من طيبهم … ماء الثّرى، وكأنّهم ما بانوا
إن تجتنب حزوى فلا ذهل بها … يستوقف الحادي ولا شيبان
(٤٠) فخفى هوى نطقت به أجفانه … هيهات ليس مع البكا كتمان
ينسى، وأذكره العقيق وما له … ولهي ولا دمعي به الهتّان
منها:
стр. 6004
أأصونه وهو العقيق وطالما … سمحت به الأجفان وهو جمان
إنّ الألى بخلوا برد تحيّة … ما ضنّ بعدهم بدمع شان
خذ من عيونهم الأمان وهل لمن … حمل الغرام من العيون أمان
كم في البراقع من قسيّ حواجب … تصمي القلوب وغيرها المرنان
منها:
واستقبلوا الوادي فأطرقت المهى … وتحيّرت بغصونها الكثبان
فكأنّما اعترفت لهم بقدودها ال … أغصان أو لعيونها الغزلان
وقوله: [الوافر]
إذا رفعت عن الغور الخيام … وعزّ مرامها هان الحمام
دعوني والبكا، فلغير طر … فيّ البكا ولغير أذنيّ الملام
منها:
أقصّ على البشام بها حديثي … ولولا الدّمع لاحترق البشام
أشبّب بالغصون فلا التواء … ينوب عن القدود ولا قوام
يفرّق شمل دمعي البان فيها … وينظم نثر شكواي الحمام
يميل كأنّما يقسى نسيم … يمرّ عليه أو دمعي مدام
منها:
إذا كانت حواجبها قسيّا … فإنّ لحاظ أعينها سهام
إذا نفسي ودمعي قابلاه … درى ما الريح والغيث الرهام
وقوله: [الكامل]
стр. 6005
دعني فما اخضرّ العقيق … إلاّ وصرّح نبته بزفيري
مهلا فما دمعي بمحبوس ولا … قلبي على جور النّوى بصبور
(٤١) وإليك عن ذكر المحبّين الألى … درجوا فما المطويّ كالمنشور
وقوله: [الكامل]
ما وقفة الحادي على يبرين وه … والخليّ من الظّباء العين
إلا ليمنحني جوى ويزيدني … مرضا على مرضي ولا يبريني
قسما بما ضمّت إليه شفاههم … من قرقف في لؤلؤ مكنون (١)
إن شارف الحادي الغوير لأقضين … نحبي ومن لي أن تبرّ يميني (٢)
ولقد مررت على العقيق بزفرة … أمسى الأراك بها بغير غصون
فبكا الحمام وما يحنّ صبابتي … وشكا المطيّ وما يحنّ حنيني
وأظنّ ما اشتملت عليه أضالعي … أهدي الذي حلّت به لجفوني
فلذاك نار حشاي يظهر سرّها … من حرّ هذا الدّمع بعد كمون
أنا كالسّحاب إذا توالى برقه … والى بغيث كالدّموع هتون
يا صاحبي ما أنت إن لم ترث لي … يوما على سرّ الهوى بأمين
سل باللّوى إن كنت تخبر فيه عن … دمعي الطّليق ودمعي المكنون
وقوله: [مجزوء الكامل]
قف بي على الوادي الذي … أقوى ربا وعفا محلا
أشكو بلائي إليه وال … مشكوّ من شاكيه أبلى
وعلى مرارات الهوى … ما أعذب الشّكوى، وأحلا
стр. 6006
وقوله: [الكامل]
وتنكّر الوادي فأصبح بعدهم … قفرا وشمل جميعهم متبدّدا
وكأنّما الأغصان لم تصبح به … سكرى ولم يمس الحمام مغرّدا
وقوله: [البسيط]
بانوا بزهر النّجوم الطّالعات فما … في الرّبع معنى ولا بالرّوض من زهر
(٤٢) وأيّ نور تشيم العين من فلك … أمسى خلاء بلا نجم ولا قمر
وقوله: [الكامل]
إنّ الألى رحلوا بأقمار الدّجى … وربا النقا ونواظر الغزلان
لم ينج ربّ صنيعة بتدرّع منهم … ولا بالشّدّ ربّ حصان
شهروا عن الطعن العيون وكيف لا … تحمي وهنّ مقاتل الفرسان
وقوله: [الكامل]
وأصون عن نظر الوشاة مدامعي … من أن يبوح الدّمع بالكتمان
ويخونني طرف فينطق بالذي … أخفيه من شأن الممنع شاني
ما لي وما لليل وقف طوله … هدي الكواكب وقفة الحيران
وقوله: [الكامل]
لا تعجبوا إن عاف مشربه الذي … أجفانه سمحت بأحمر مربد
هي مهجة لا دمعة جمدت وقد … ذابت دما فكأنّها لم تجمد
منها:
أمزودي الأضياف ضيف جمالكم … لم يحظ لا بقرى ولا بتزوّد
لا رقة للمشتكي بجنابكم … وجد المحبّ ولا جدى للمجتدي
стр. 6007
أترى الذي صبغ الوجوه برقة الص … صهباء صاغ قلوبها من جلمد
وقوله: [مجزوء الكامل]
رحلوا بأغيد مائس ال … أعطاف معسول الشمائل
طامي الوشاح بعيد مه … وى القرط ريّان الخلاخل
يفترّ عن درّ علاه … كأنّ مبسمه المراسل (١)
يجفو ويبعث طيفه … فهو المقاطع والمواصل
كالبدر وجها وهو أب … هى طلعة والبدر كامل
(٤٣) والغصن قدا وهو أح … سن منه معتدلا ومائل
والسّحر لحظا وهو أف … تك في الحشا من سحر بابل
وقوله: [المنسرح]
أين تريد درّس الربع البلا … هو الحمى فاحبس عليه الإبلا
وقفت أشكوه بجفن مارقا … حوادث البين، وقلب ماسلا
بكيته فهل رأيتم طللا … قبل وقوفي فيه يبكي طللا
عليّ أن أمطره دمعي وما … عليّ إن جاد الحيا أو بخلا
وقوله: [البسيط]
لم يدر بي عاذلي لولا لظى نفسي … ولا اهتدى الطيف بي لولا توقّده
يا للهوى دلّ عذالي على سقمي … وجدي الذي كأحرّ النّار أبرده
وقوله: [من الرجز]
يا صاح إن فتّ الأراك سالما … منه مراحا لم يفته مغدا
стр. 6008
يهدي إليك النوح من حمامه … غبّ الهدوء قلقا ما يهدا
أمّا الهوى: بان اللّوى ورنده … سقى الحيا بان الهوى والرّندا
وقوله: [البسيط]
يقوى البلاء على قلبي وأوثره … علما بأنّ بلائي فيه يؤثره
وتستلذّ الضّنى نفسي وعادتها … ألاّ تمرّ بصاف لا تكدّره
يا نازلين الحمى رفقا بقلب فتى … إن صاح بالبين راع باح مضمره
لا تحسبوا الصّدّ عن عهدي يغيّرني … غيري ملازمة البلوى مغيّره
كم تستريحون في صبحي وأتعبه … وكم تنامون عن ليلي وأسهره
وقوله: [الرمل]
أتلقّى باحتجاجي ذنبه … مغمدا ما من مساويه سهر
فإذا قيل أسا قلت عفا … وإذا قيل جنى قلت غفر
(٤٤) ما دنا إلاّ نأى من عزّه … هو والشّمس سواء والقمر
يوسفيّ الحسن زادت بسطة … بمعانيه على البدو الحضر
وقوله: [مجزوء الكامل]
ما زال يظهرني البكا … لهم ويخفيني النّحول
حتى رثى لي حاسدي … فيهم ورقّ لي العذول
وقوله: [من الرجز]
تنبهي يا عذبات الرّند كم … ذا الكرى هبّ نسيم نجد
مرّ على الرّوض وجاء سحرا … يسحب ثوبي أرج ورند
حتى إذا عانقت منها نفحة … عاد سموما والغرام يعدي
стр. 6009
وا عجبا منّي أستشفي الصّبا … وما تزيد النّار غير وقد
أعلّل القلب ببان رامة … وما ينوب غصن عن مد
وأسأل الرّبع ومن لي وعى … رجع الكلام أو سخا بردّ
تعلّة وقوفنا بطلل … وضلة سؤالنا لصلد
وأقتضي النوح حمامات اللوى … هيهات ما عند اللوى ما عندي
بانوا فلا دار العقيق بعدهم … داري ولا عهد الحمى بعهدي
وأنت يا عيني وعدت بالبكا … هذا الفراق فانعمي بالوعد
آه من البعد ولو رفقتم … ما ضرّني تأوّهي للبعد
ما ذا على العاذل لو كنّيت عن … حزوى وليلى بالحمى وهند
وقوله: [الطويل]
أمن بابل أم من لواحظك السّحر … أمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه الموت أم حادث النوى … وهل هو شوق بين جنبيّ أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله … دمي أم دموع العاشقين أم القطر
أيحكي الحيا عذب المذاقة أبيضا … سيول دموعي وهي مالحة حمر
يجفّ السحاب الرطب فيكم وتنضب ال … مياه وطرفي ما يجفّ له شفر
بكيت دما إذ ليس لي عنكم غنى … وذبت جوى إذ ليس لي عنكم صبر
منها:
وفي الركب من لو حطّ ليلا نقابه … لردّ الدآدي وهي من وجهه قمر (١)
بكى فالتقى باللؤلؤ الرطب هازئا … على نحره من طرفه اللؤلؤ النثر
стр. 6010
وقوله: [الطويل]
أجيراننا إنّ الدموع التي جرت … رخاصا على أيدي النّوى لغوال
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة … كلوث إزار أو كحلّ عقال
ومنهم:
١٩ - عمارة بن عليّ بن زيدان الحكمي (١٣)
الفقيه، اليمني، الشافعيّ. شاعر لا تنقشع عارضته، ولا تتوقع معارضته، لو قاومه المغلّب لما ناهضه، أو قاوله الفرزدق لما ناقضه. لا يدرك لبحره قرار، ولا لبدره سرار (١). كان عربيّا فصيحا، ينطف ردنه خزامى وشيحا، تكلم بلسان العرب فما أخطأ، ولا فات سهما ولا عرفا، بفصاحة تسيل شعابها وتسير هضابها. وأصله من مدينة يقال لها (مرطان) من تهامة، وتأدّبه بزبيد من اليمن. وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فسيّره القاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة المعظمة رسولا إلى مصر، فسرى إليها يتأنّس بمهنّده، ويقطع الظلام يكتحل في كل ميل بإثمد. هذا، ورائد الفضل يقدمه، وقائد الحظّ يخدمه.
فأتى مصر والملك الصالح ابن رزيك يومئذ وزيرها، وبه يبتدأ من يزورها، والفائز اسم ابن رزيك معناه، ومضطجع مهد لولاه لم يلهم لمعناه، فأكرم الصالح منه زائرا أشهى من الطيف لماما، وأخفّ من الضيف مقاما، ودخل على الفائز بقبو الذهب وهو في مجلس كلّ أشمّ الأنف فيه خاضع، وكلّ شامخ الرأس لديه متواضع، وكلّ طرف متشاوس به عضيض، وكلّ جناح همة متعال عنده مهيض، لا يتكلّم فيه إلاّ أذن وقال صوابا، ولا يتكلم فيه إلاّ من منحه الحصر (٤٦) أن
стр. 6011
يردّ جوابا، والفائز على سرير مرتفع تقع مرامي العيون دونه وتودّ أسرّة النجوم أن تكونه، وزعماء الجيش قد أخذت مجالسها في نواحيه، ومنعتها المهابة أن تتخيل أنها فيه، فأنشد قصيدة مر بها الفائز ووزيره الصالح ووصف حسن قيامه بالمصالح، وهي: (١) [البسيط]
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النّعم
لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد … تمنّت اللجم فيها رتبة الخطم
قرّبن بعد المزار العزّ من نظري … حتى رأيت إمام العصر من أمم (٢)
ورحن من كعبة البطحاء سائرة … وفدا إلى كعبة المعروف والكرم (٣)
فهل درى البيت أنّي بعد فرقته … ما سرت من حرم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها … على النقيضين من عفو ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدّسة … تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوّة آيات تنصّ لنا … على الحقيقين من حلم ومن حلم (٤)
وللمكارم أعلام تعلّمنا … مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلى ألسن تثني محامدها … على الحميدين من فعل ومن شيم
دراية الشّرف البذّاخ ترفعها … يد الرّفيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا … فوز النّجاة وأجر البرّ في القسم
لقد حمى الدين والدّنيا وأهلهما … وزيره الصّالح الفرّاج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله … إلاّ يد لصنيعي السّيف والقلم (٥)
стр. 6012
وجوده أوجد الأيام ما اقترحت … وجوده أعدم الشّاكين للعدم
قد ملّكته العوالي رقّ مملكة … تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني … في يقظتي أنّه [من] جملة الحلم (١)
يوم من العمر لم يخطر على أملي … ولا ترقّت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها … عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
(٤٧) ترى الوزارة فيه وهي باذلة … عند الخلافة نصحا غير متّهم
عواطف أعلمتنا أنّ بينهما … قرابة من جميل الرأي لا الرّحم (٢)
خليفة ووزير مدّ عدلهما … ظلا على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقص عند فيضهما … فما عسى تتعاطى منّة الدّيم (٣)
فاستحسن قصيدته الحاضرون. ثم عاد إلى مكة وهم إليه بعيونهم ناظرون.
ثم إنّ صاحب مكة أعاده إلى الفائز مرة ثانية، وهبّت إلى مصر ريح يمانية ومدّ إليها منه بحر عدّت البحار السبعة ثمانية. وأتاها على نيّة مقيم، وبعلانية أنّه عنها لا يريم، فلما دنا عمارة من الفائز أدناه، وسوّغه فوق مناه، شكرا لمسعاته، وبرّا كلّمه به بغير ترجمان من دعاته، وذلك بما لقّنه ابن رزيك وفطّنه، واستجلبه به ليوطّنه، ثم اختص بابن رزيك خصوصيّة اللسان بالبيان، واليد بالبنان، فغرفه الصالح بسجله، وعرفه نجح ما جاء لأجله، وجعله لا يطأ الثريّا برجله، ولا يطلب الجوزاء بأن تصاغ بحجله، وقد تقدّم في ترجمة الفائز ذكر وفادته، وأنّها كانت بكر سعادته، وأتينا هناك على عيون من أخباره، ومكنون من أشعاره، فلقد أحلّه ابن رزيك منه مكانا تسفّ عنه الرياح المحلّقة، وتشف عنه مصابيح النجوم
стр. 6013
المعلّقة، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه، قوة ارتباطه، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائز ليدخل في مذهبه، ويعجّل له آلاف ذهبه، فتباعد من أربه وتأفف من سوء مشربه، وكان الصّالح قد كتب إليه: [الكامل]
قل للفقيه عمارة يا خير من … أضحى يؤلّف خطبة وكتابا
الأبيات الخمسة المقدّمة الذكر، فيما مرّ من هذا الكتاب. فلما أتت عمارة هذه الأبيات، وسع من الغيظ فوق مليئه، وحمل النّفس حشو عبيئه، وأبى له أن يخيب يقينه، وأنف له لهذه الدنيّة دنية، وكان شافعي المذهب، حسن المعتقد، متعصّبا لأهل السنّة. وكان هذا ينكّب خطّته، ويتجنّب خلطته (٤٨) وكتب إليه جوابا أقذاه، وطوى جوانحه على أذاه وهو: [الكامل]
يا خير أملاك الزّمان نصابا … حاشاك من هذا الخطاب خطابا
الأبيات الثّلاثة المقدّمة أيضا. ثم إنّ الصّالح يفسد ما بينه وبين عمارة، وسكت عنه تصريحا وإشارة، وسدّ هذا الباب فلم يفتح له قفلا، ولم يكلّفه منه فرضا ولا نفلا، بل قاربه إذ جانب، وواصله إذ جاذب، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء، وقسيمي بؤس ونعماء، وكان الصّالح يغمره ببحره، ويؤمّره على أمره، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه، وحقيبة ثنائه، يقرن كل بيت بوفقه، وينظم كلّ معنى إلى لفقه، ومضت قريحته على هذا التوالي، ودبت الأيام ودرجت الليالي، بفرائد ماتت بين السحر والنحر، وقصائد نظمت حاشيتي البرّ والبحر، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه، وطرقت الأندية والخدور، وحلت الأطراف والصدور، وقال فسكت كلّ متكلّم، وصدّ كلّ ناطق مترنّم، ويدلّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السّلطان صلاح الدّين، ومنها قوله: [الطويل]
أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي … لنفثة مصدور وأنّة موجع
стр. 6014
يقاصرني خطو الزمان وباعه … فقصّر من ذرعي وقصّر أذرعي
وأخرجني من موضع كنت أهله … وآداني بالجور في غير موضعي
تيممت مصرا أطلب الجاه والغنى … فنلتهما في ظلّ عيش ممتّع
وزرت ملوك النّيل أرتاد نيلهم … فأدركت آمالي وأخصب مرتعي
وجاد ابن رزيك فيهما بمواهب … وكم زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
مذاهبهم في الجود مذهب سنة … وإن خالفوني في اعتقاد التشيّع
فقل لصلاح الدّين والعدل شأنه … من الحاكم المصغي إليّ فأدّعي
فيا راعي الإسلام كيف تركتنا … فريقي ضياع من عرايا وجوّع
ونصري له من حيث لا أنت ناصر … بضرب صقيلات ولاطعن شرّع
فمالك لم توسع عليّ وتلتفت … إليّ التفات المنعم المتبرّع
فيا واصل الأرزاق كيف تركتني … أمدّ إلى زند العلا كفّ أقطع
وأقسمت (٤٩) لو قالت لياليك للدجى … أعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي
فيا زارع الإحسان في كلّ تربة … ظفرت بترب تنبت الشّكر فازرع
ومن شعره النّادر وقوله المبادر، ما سأشنّف به هذا التّصنيف، وأكمل عور هذا التّأليف. وقد حكى ابن خلكان عنه، وقد ذكره، قال: «ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن، أنّه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، ثم قال: فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كلّ الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة بحسن صحبته. ثم قال: وكانت بينه وبين الكامل ابن شاور صحبة متأكّدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه: (١) [الطويل]
إذا لم يسالمك الزّمان فحارب … وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
стр. 6015
ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربّما … تموت الأفاعي من سموم العقارب (١)
فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد … وخرّب فأر قبل سدّ المآرب (٢)
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز … عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف اللّيل والصّبح معرك … يكرّ علينا جيشه بالعجائب
وما راعني غدر الشّباب لأنني … أنست بهذا الخلق من كلّ صاحب
وغدر الفتى في عهده ووفائه … وغدر المواضي في نبوّ المضارب
إذا كان هذا الدّرّ معدنه فمي … فصونوه عن تقبيل راحة واهب
رأيت رجالا أصبحت في مآرب … لديكم وحالي وحدها في نوادب (٣)
تأخّرت لما قدّمتهم علاكم … عليّ وتأبى الأسد سبق الثّعالب
ترى أين كانوا في مواطني التي … غدوت لكم فيهنّ أكرم نائب (٤)
ليالي أتلو ذكركم في مجالس … حديث الورى فيها بغمز الحواجب
ومما كان فيه بلاؤه الموكّل بالمنطق قوله - وقد رأى مصلوبا مما أنشد له ابن سعيد - وقال: وكأنما كان لسان حاله، وهو: [الكامل]
ورأت يداه عظيم ما جنتا … فنفرن ذي شرقا وذي غربا
(٥٠) وأمال نحو الصدر منه فما … ليلوم في أفعاله القلبا
وكذلك أنشد له قوله: [الكامل]
يا ساكن الجفن القريح وليته … يرعى لجاري الدّمع حقّ الجار
стр. 6016
ومن شعره قوله: [البسيط]
واقبض على كلماتي كفّ منتقد … زيف الكلام فليس الصّفر كالذّهب
قصائد لم تزل في كلّ جارحة … من حسنها نشوات الخمر والطّرب
كانت مكرّمة المثوى منزّهة … في أرض مصر عن التّصريح بالطلب
فأصبحت في زمان التّرك طامية … تحوم حول زلال الماء والعشب
حتى كأنّ أذى قلبي يطيب لهم … كالعود لولا حريق النّار لم يطب
وقوله: (١) [الكامل]
غصبت أميّة إرث آل محمّد … سفها وشنّت غارة الشّنان
وغدت تخالف في الخلافة أهلها … وتقابل البرهان بالبهتان
لم تقتنع حكامهم بركوبهم … ظهر النّفاق وغارب العدوان (٢)
وقعودهم في رتبة نبويّة … لم يبنها لهم أبو سفيان
حتّى أضافوا بعد ذلك أنّهم … أخذوا بثأر الكفر في الإيمان
فأتى زياد في القبيح زيادة … تركت يزيد يزيد في النّقصان
تأمل هذا اللفظ المحكم، والمعنى المحكّم، والتجنيس الخالي من التكليف، والعبارة البريئة من التعقيد، والعروس المحببة إلى من زفّت إليه، وجليت عليه، وإلى المقاصد الملائمة لهوى الممدوح، وقد جلاها هذا الفقيه السّنّي، لابسة إزار التشيّع المحض، (٥١) بارزة في رداء الروض الغض. وقد أكثر النّاس في هذا المعنى فما منهم من قارب هذا الفحل ولا داناه، ولا أشبه أعلى شعره ولا أدناه، ولهذا تحق له بهذا المدح ومثله أن يخصّ، تنكأ الشيعة جناحه وتريشه بالندى،
стр. 6017
وقلّ من يسود سدى، ولهذا كان قسيم ذهبها وإن باين تأسي مذهبها، وهذا الذي أورده في الدّولة الصّلاحيّة ذلك المورد الذي عجز عن إصداره، ورفعه على الجذع التي لا تناسب جلالة مقداره، ولكنه القضاء المحكّم، والبلاء المختّم، فنعوذ بالله من خرق لا يرقع، وخرق يودع صاحبه البلقع.
عدنا إليه، ومنه قوله: [الكامل]
يا حاسدي عضد الإمام جهالة … غضّوا جفونكم على الأقذاء
فو حقّه ما نال إلاّ حقّه … والدرّ أحسنه على الحسناء
وقوله: (١) [الطويل]
خفضت لواء الحمد من بعد رفعه … وحلّت بنان العتب عقد لوائي
ولم يتخلّف بيننا كلّ خامل … أشرّف من مقداره بهجاء (٢)
وقوله: [البسيط]
ألقى الكفيل أبو الغارات كلكله … على الزمان فضاعت حيلة النّوب
لما تمرّد بهرام وأسرته … جهلا وراموا قراع النبع بالغرب
صدّعت بالناصر المحيي زجاجتهم … وللزجاجة صدع غير منشعب
في ليلة قدحت زرق النّصال بها … نارا تشبّ بأطراف القنا الأشب
ظنوا الشجاعة تنجيهم فقارعهم … أبو شجاع قريع المجد والحسب
سقوا بأسكر سكرا لا انقضاء له … من قهوة الموت لا من قهوة العنب
تسنّموا إبلا يتلو قلائعهم … يا عزة السّرج ذوقي ذلة القتب
(٥٢) كأنهم فوقها خشب مسنّدة … إن النّفاق لمنسوب إلى الخشب
стр. 6018
سما إليهم سموّ البدر تصحبه … كواكب من سحاب النقع في حجب
في فتية من بني رزيك تحسبهم … عن جانبيه رحا دارت على قطب
كأنّ لمع المواضي في أكفّهم … صواعق في الوغى تنقضّ من سحب
متوّج من بني رزيك تنسبه … بين المساعي إلى جرثومة العرب
ما أليق التّاج معصوبا بمفرقه … وربّ معتصب بالتاج مغتصب
أرضته عن هفوات النّاس قدرته … فما يكدّر صفو الحلم بالغضب
تجر بين يديه من سوابقه … قبّ ترقرق منها الحسن في أهب
من كلّ أجرد مسكيّ الأديم له … صبغ إذا شاب رأس الليل لم يشب
وأحمر شفقيّ اللون متّقد … بحدّة الشوط لا بالسوط ملتهب
مسوّمات عراب لم تزل أبدا … تجلى وتكسى بما بزّت من السّلب
يرى لكلّ هلال من مراكبها … خيط المجرّة مجرورا على اللبب
جرد إذا جرّدتها كفّ عزمته … للغزو هزّت عذاب الشرك في العذب
تثير نقع دخان تحته لهب … إنّ الدّخان لنمّام على اللهب
تحكي مجر عواليها إذا رحلت … عن منزل أثر الحيات في الكثب
لانت صفاة عدو أنت قارعها … فاصلب على ملّة الأوثان والصّلب
فعندك الضّمّر الجرد التي عرفوا … وفوقهن أسود الغاب لم تغب
إذا تهنت بك الأيام قاطبة … فما الهناء بمقصور على رجب
وقوله: [الكامل]
جاءته إخوته ووالده إلى … مصر على التدريج والترتيب
فانظر إلى الأسباط زارت يوسفا … والشّمل مجتمع إلى يعقوب
جاءوا وما جاءوا أباهم فرية … بحديث ذيب أو دم مكذوب
стр. 6019
وقوله: (١) [الطويل]
فهاجرت بعد الصالح الملك هجرة … غدت سببا للعز وهو المسبب (٢)(٥٣) غفرت به ذنب الليالي التي مضت … وربّتما يستوجب العفو مذنب
رأينا بيومي بأسه ونواله … علا ضاع فيه حاتم والمهلّب
أقول لمغترّ بظاهر بشره … تيقظ فإنّ الماء تخفيه طحلب
ولا تركنن للبحر عند سكونه … وبادر فإنّ البحر إن هاج يعطب
وقد يبسم الضرغام وهو معبّس … وقد يتلظى البرق والغيث يسكب
وقوله: [الطويل]
عليم بأوضاع السياسة لم يزل … يصرفها منه الخبير المجرّب
وهون قدر الانتقام فما يرى … له أثر في وجهه حين يغضب
هذا الذهب الإبريز، والأنموذج الغريب، والمدح الذي يحثا في وجه سواه التّراب والحلم الذي ليس فيه ما يستراب، والحكمة ثمانيه [هكذا!] وما أثمن حكمته، وأوفر حظّه منها وقسمته، وانظر إلى أين طوّح نظره، وهمته، عدنا إليه، وقوله: [البسيط]
نور النبوة في ذا الدست مؤتلق … للنّاظرين ونار العزم تلتهب
في صدره فائز بالنصر محتجب … بنوره وبتاج العز معتصب
لا يستوي وملوك الأرض في شرف … إلاّ كما يتساوى الصّفر والذهب
من معشر شابت الدنيا ومجدهم … غصن وأثوابه فضفاضة قشب
لولا الوزير أبو الغارات ما خفقت … للنصر في القصر رايات ولا عذب
стр. 6020
وسطوة لو خلت عن عفو مقتدر … على العقاب لكاد الجوّ يلتهب
يا ابن النبي نداء ما لصاحبه … قلب إلى غير حسن الظنّ ينقلب
كم موقف لك قد نادى نداك به … يا مادحين لكفّ المادح السّلب
وقوله: [البسيط]
الأروع البرّ لا تخشى بوادره … إذا استخفّت رجالا سورة الغضب
لو كان في السّلف الماضي لكان به … إما وليّا لعهد أو وصيّ نبي
(٥٤) وقوله: [البسيط]
عمت رعايته أقصى رعيّته … حتى استوى نازح منها ومقترب
يا طالب الشرف الأقصى ولو عدمت … بنو أبي طالب ما أنجح الطلب
ولو تولت بنو رزيك نصرتكم … في سالف الدهر ما نابتكم النّوب
أندى الملوك وجوها غير أنّهم … ترضى المواضي بأيديهم إذا غضبوا
وقوله: (١) [السريع]
طرقتها والليل وجف الجناح … وما تلبّست بثوب الجناح (٢)
في ليلة بات نجادي بها … ذوائب تخفق فوق الوشاح (٣)
وفاح من عرف الصبا عنبر … أحرقه الفجر بجمر الصباح
لاموا عليها مغرما سمعه … كراحة الناصر عند السماح
كأنما أسيافه روضة … لما بها من ورقات الصفاح
والملك لا يسكب خطّابه … إن لم يكلّمهم كلوم الجراح
стр. 6021
فالقدس قد آذن إغلاقه … على يدي يوسف بالانفتاح
ملك إذا حدّثت عن بأسه … قال النّدى واذكر حديث السّماح
وقوله: (١) [الكامل]
ضاق الصّعيد على جيادك بعد ما … ضمنت صعادك فتح كلّ صعيد (٢)
والغرب واليمن القصيّ وأهله … من خوفهم في قائم وحصيد
فإلى متى أيدي الكماة معوقة … عن نشر ألوية ونشر بنود
وخلفت مملكة تقول طريقها … للدّهر أرّخ بي وخلّ تليدي
وقوله: [الكامل]
شرفا بني رزيك إنّ علوّكم … أبدا على مسّ الحديد حديد
لا تفتل الأيام حبل مكيدة … إلا وفيه لأمركم تأكيد
وقوله: (٣) [الكامل]
يا دار دار عليك سعد المشتري … وجرى إليك زلال نهر الكوثر (٤)(٥٥) ولقد كسيت من الرّخام غلائلا … نسجت ولكن من نقيّ المرمر
وكأنّ حسن سواده وبياضه … ليل تبسّم عن صباح مسفر (٥)
كمرايش الحبرات أو كقلائد … كافورهنّ مفصّل بالعنبر
دارت مناطقه على فسقيّة … تملى فتحكي مقلة من محجر (٦)
стр. 6022
وعلى جوانبها بساط خميلة … قد فروزوه بالنّبات الأخضر
وقوله: [الوافر]
رحلت وكان حظي في رحيلي … وقربي في التّنائي عن بلادي
فمن عثرت به قدم فإني … بمصر قد عثرت على المراد
وقوله: (١) [الكامل]
سفر الزّمان بواضح من بشره … وافترّ باسم ثغره من ثغره
وأضاء حتى خلت فحمة ليله … طارت شرارا من توقّد فجره
بالياسر المغني بأيسر جوده … والمقتني عزّ الزّمان بأسره (٢)
ما كانت الدّنيا تضيق بطالب … لو أنّ واسع صدرها من صدره
لله هذه الديباجة الخسروانية، والحبرات اليمانية، عدنا إليه:
وقوله: [البسيط]
هبت رويحة نجد وهي من قطري … فعطّرت بالخزامى نفحة المطر
عليلة النّفس الحادي وأحسن ما … هبّ النسيم عليلا آخر السّحر
واستشرفت عقدات البان لي فهفا … قلبي بمعتدل منها ومنأطر
أضمّهنّ وفي الأغصان تسلية … عن القدود وليس العين كالأثر
والليل قد طال حتى خلت أنجمه … مسمّرات أو الأفلاك لم تدر
قالت: كبرت وشبّت فيك ناشئة … من الغرام تنافي حالة الكبر؟!
ومادرت أنّ حبّ الحبّ منبته … في أسود القلب لا في أسود الشّعر
стр. 6023
أنكرت أشهب رأسي بعد أدهمه … والفرع ليل وحسن الليل بالقمر
(٥٦) يا قصّر الله باع الدهر كيف سعى … في نقض مبرمة الأطراف في مزر
وردّ بقلة راسي وهي ذاوية … وكان أخضرها ريحانة العمر
وقوله منها: [البسيط]
من ذا يعيرك أجفانا لتوقعها … في قبضة الظالمين الدمع والسهر
قالوا أتبكي لهم والقلب من حجر … فقلت والماء قد يجري من الحجر
قلب: هو الطير في جوّ الغرام فلم … تبتاعه إنّ ذا بيع على غرر
لكلّ ورد ذبول قد سمعت به … إلاّ الذي فوق خديه من الخفر
لك الحديث الذي تبقى حوادثه … ما قيّد الذكر مثل الصارم الذّكر
قالوا إلى اليمن الميمون رحلته … فقلت ما دونه شيء سوى السّفر
لا توقدن لها النّار التي عهدت … خفّض عليك تنل ما شئت بالشّرر
الحال ملء يد والقوم ملك يد … وما أطيل وهذا جملة الخبر
يا عدن كم فيك إلاّ في ربا عدن … للجسم من وطن والقلب من وطر
ردها على الصّفو من حمات مشرعها … فقد عهدناك ورّادا على الكدر
وطأ بها هامة الدنيا وأوح إلى … فرق المنابر ما توحي إلى السّور
كانت إليك عيون الملك ناظرة … وكنت أشرف مأمول ومنتظر
تصدّعت بك من مصر زجاجتها … ما للزجاجة من صبر على الحجر
غسلت بالسّيف والأيام راغمة … ما كان فوق رداء الملك من وضر
وقد قصدتك في جاه وفي وزر … وإن فعلت فما تخطي خطا سفري
فإن عزمت فقل فيها لعزمك يا … ذريعة الخير لا تبقي ولا تذري
стр. 6024
وقوله: (١) [الكامل]
وأجلّها يوم الخليج فإنّه … من بينها يوم أغرّ مشهّر
وافاك فيه النيل وهو من الحيا … خجل يقدّم رجله ويؤخّر
قد جاء معتذرا إليك وتائبا … من ذنبه الماضي ومثلك يعذر
(٥٧) لولا تعثّره بأذيال الثّرى … ما كان مذرورا عليه العنبر
ولو أنّه لاقى ركابك صافيا … صرفا لكدّره العجاج الأكدر (٢)
ولقد عدمناه فنبت نيابة … عزّ الغنيّ بها وأثرى المعسر
كسر الخليج عبارة عن منّة … أضحى بها كسر البريّة يجبر
وقوله: (٣) [الكامل]
أكفيل آل محمّد ووليّهم … في حيث عرف ولائهم إنكار (٤)
واخجلتا للبيض كيف تطاولت … سفها بأيدي البيض وهي قصار
رصدوك في ضيق المجال بحيث لا ال … خطّيّ متّسع ولا الخطّار
أوفى أبو حسن بعهدك عندما … خذلت يمين أختها ويسار
غابت حماتك واثقين ولم يغب … فكأنّهم بحضوره حضّار
لا تسألن إلاّ مضارب سيفه … فلقد تزيد وتنقص الأخبار
هي وقفة رزق المكرّم جهدها … وعلى رجال يومها والعار
وقوله: (٥) [الكامل]
стр. 6025
لم تحترق دار الخليج وإنّما … شبّت لمن يسري بها نار القرى
طلبت يفاع الأرض دون وهادها … فتوقّدت في راس شامخة الذّرى
طلعت طلوع النّجم نال به الهدى … سار أضلّ طريقه فتحيّرا (١)
ودليل ذلك أنّها لم تشتعل … في اللّيل حتّى رنّقت سنة الكرى
أوهل تزور النّار ساحة جنّة … أجريت فيها من نداك الكوثرا
فتملّ دارا شيّدتها نعمة … يغدو العسير بأمرها متيسّرا (٢)
ألبستها بيض السّتور وحمرها … فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا
لم يبق نوع صامت أو ناطق … إلاّ غدا فيها الجميع مصوّرا
فيها حدائق لم تجدها ديمة … أبدا ولا نبتت على وجه الثّرى
لم يبد فيها الرّوض إلاّ مزهرا … والنّخل والرّمان إلاّ مثمرا (٣)(٥٨) وبها من الحيوان كلّ مسهّر … لبس النسيج العبقريّ مشهّرا
أنست نوافر وحشها بسباعها … فظباؤها لا تتقي أسد الشّرى
وبها زرافات كأنّ رقابها … في الطّول ألوية تؤمّ العسكرا
نوبّية المنشا تريك من المها … روقا ومن بزل المهاري مشفرا
وقوله: [من الرجز]
عند ظباء الجلهتين (٤) ثاره … وبين أطناب المها عثاره
فلا ترقّا لشكاة مغرم … أسلمه إلى الضّنى اصطباره
تخيّر الموت بألحاظ المها … فخلّيا عنه وما اختياره