← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

لائحة محققي الأجزاء ١ - عبد الله يحيي السريحي ٣ - أ. د. أحمد عبد القادر الشاذلي ٤ - د. حمزة أحمد عباس ٥ - ا. د. محمد عجاج الخطيب - ا. د. مصطفى مسلم - د. صالح رضا ٦ - بسام محمد بارود ٧ - عبد العباس عبد الجاسم ٨ - بسام محمد بارود ٩ - بسام محمد بارود ١٠ - د. يحيى الجبوري ١٢ - إبراهيم صالح ١٥ - وليد محمود خالص ١٦ - محمد إبراهيم حُوَّر ١٩ - د. يونس أحمد السامرائي ٢٢ - د. عماد عبد السلام رؤوف ٢٤ - د. يحيى الجبوري ٢٦ - د. حمزة أحمد عباس ٢٧ - د. حمزة أحمد عباس

стр. 2

السفر الأول: في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا المحقق: عبد الله بن يحيى السريحي

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة تحقيق السفر الأول (¬*) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فهذا هو المجلد الأول من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» للمؤرخ والأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ، والمكون من سبعة وعشرين مجلدا، الذي سعى المجمع الثقافي بالإمارات العربية المتحدة إلى نشره نشرة محققة تحقيقا علميا تليق بمستوى الكتاب ومكانته العلمية والتاريخية في التراث العربي الإسلامي، وستزود هذه الطبعة بالكشافات والفهارس الفنية التي تيسر البحث في الكتاب والإفادة منه. وهذه هي المرة الأولى التي قدّر لهذا الكتاب أن يرى النور كاملا، فكلّ ما نشر منه من قبل أجزاء أو موضوعات مختارة من بعض أجزائه، إذ أن ضخامة حجم الكتاب وتشعب موضوعاته جعلت من العسير على المجهود الفردي القيام بهذا العمل؛ فمسالك الأبصار أقرب ما يكون إلى الموسوعة منه إلى الكتاب العادي الذي يمكن أن نصنّفه في فرع من فروع المعرفة، فهو عبارة عن موسوعة شاملة عن العالم العربي والإسلامي حتى القرن الثامن الهجري (عصر المؤلف)، وتشمل الجغرافيا والتاريخ والتراجم (تراجم الفقهاء والمحدثين والأدباء والشعراء والأطباء … ) وتشمل أيضا: المعادن والنبات والحيوان ودراسة الأديان والفرق والمذاهب … إلخ فكان لابد أن يقوم بهذا العبء جماعة، أو مؤسسة ثقافية كبرى، ولهذا بادر _________ (¬*) سأقتصر في مقدمتي الموجزة هذه على الحديث عن الجزء الأول ومنهج تحقيقه، أما المقدمة العامة للتحقيق المتضمنة دراسة الكتاب والتعريف به وبمؤلفه فستأتي مفصلة عقب الانتهاء من تحقيق أجزاء الكتاب مع آخر جزء أو مع الفهارس الشاملة للكتاب

стр. 4

المجمع الثقافي استشعارا منه لمسؤليته ولدوره الريادي المتميز في خدمة ثقافة الأمة وتراثها بهذه المهمة، حيث عهد بتحقيق أجزاء الكتاب إلى نخبة من المحققين المتخصصين، كل في مجاله، وشرّفني المجمع بتكليفي بتحقيق الجزئين الأولين من المسالك باعتبار محتواهما قريب الصلة من كتاب «معجم البلدان» لياقوت الحموي، الذي أعمل حاليا في تحقيقه. وكانت قد جرت محاولة سابقة لنشر هذا الكتاب في الربع الأول من القرن المنصرم (القرن العشرين) تبناها العالم والأديب المصري أحمد زكي باشا، المتوفى سنة ١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٤ م فقام بجمع مخطوطات الكتاب من مختلف مكتبات العالم، واستطاع أن يستكمل منه نسخة كاملة (ملفقة) صورها وأودعها دار الكتب المصرية، ولم تكن قد اجتمعت نسخة كاملة منه في مكتبة واحدة قبل ذلك، بل كانت مبعثرة في مكتبات أوربا وتركيا. وسعى إلى نشره مع الكتاب الموسوعي «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (المتوفى سنة ٦٧٧ هـ) (١) بالإضافة إلى عشرين كتابا من أمهات _________ (١) ساهم الأستاذ أحمد زكي بتصوير نسخة كاملة (بالتصوير الشمسي) من كتاب «نهاية الأرب» وتقع في ٣١ جزءا في نحو ٤٤٠٠ صفحة من مكتبات الآستانة، واسندت مهمة تصحيح طبعة الكتاب إلى لجنة (إحياء الآداب العربية)، التي عرفت فيما بعد: (القسم الأدبي، بدار الكتب المصرية) بعدما نقلت مهامها إلى دار الكتب سنة ١٩٢١ م، وأشرف عليه نخبة من كبار العلماء والمصححين. وصدر الجزء الأول من «نهاية الأرب» سنة ١٩٢٣ م، واستمرت أجزاؤه في الصدور فصدر منه حتى سنة ١٩٢٨ (٦) أجزاء، ووصلت سنة ١٩٥٤ م إلى (١٨) جزءا، ثم انتقلت مهمة تحقيقه ونشره إلى المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ثم إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب، واستكملت طباعته سنة ١٩٩٣ م في (٣٣) جزءا. انظر: كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، دار الغرب الإسلامي، ط ٢ (١٩٨٧ م)، ص ٤٤١، سركيس: معجم المطبوعات العربية والمعربة، القاهرة (١٩٢٨ م) ٢/ ١٨٨٤ - ١٨٨٥، عبد الحليم الندوي: منهج النويري في كتابه نهاية الأرب، دار الفكر، دمشق (١٩٨٧ م)، ص ٨٠، عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي منهجه وتطوره، دار المعارف، القاهرة (١٩٩٣ م)، ص ٩٨.

стр. 5

كتب التراث، ضمن مشروعه الذي اقترحه ل «إحياء الآداب العربية» وعرضه على وزير المعارف آنذاك أحمد حشمت باشا، الذي رحّب بالمشروع وسانده، وأقره مجلس النظار (مجلس الوزراء) في جلسته التي رأسها الخديو عباس في ٢١ شوال سنة ١٣٢٨ هـ، الموافق ٢٤ اكتوبر ١٩١٠ م، واعتمد مجلس النظار لانجاز هذا المشروع مبلغ (٩٣٩٢) جنيها تحت اشراف المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية. شرع الأستاذ أحمد زكي بتحقيق قسم من الجزء الأول من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (سيأتي ذكر طبعته بالتفصيل)، ونشرته دار الكتب المصرية سنة ١٩٢٤ م، ضمن مشروع «إحياء الآداب العربية»، وتوقف عمله عند هذا الحد، مع أنه عاش عشر سنوات بعد صدور هذا الجزء، حيث توفي سنة ١٩٣٤ م، ولعل عمله كأمين سر مجلس النظار (الوزراء)، أعاقه عن الاستمرار في تحقيق الكتاب، أما الأستاذ محمد كرد علي فقد أرجع السبب في ذلك إلى أن الأستاذ أحمد زكي كان يحب الاستئثار بكل شيء، وأنه «أحب أن يتفرد بهذا العمل العظيم، إذ كان يحب التدقيق ولا يثق بغيره أبطأ بالطبيعة في إخراج العمل، فاسترجع المبلغ الذي كان خصّص لهذه الغاية» (١). وبعد ذلك بأكثر من ستين سنة قام الدكتور فؤاد سزكين عامي ١٩٨٧ م ١٩٨٨ م بنشر مصورة مخطوطة «مسالك الأبصار» ضمن مشروعه لتصوير الكتب النادرة من كتب التراث العربي المخطوطة منها أو المطبوعة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التي أصبحت في حكم المخطوط من حيث _________ (١) محمد كرد علي: المعاصرون، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق (تصوير) دار صادر، بيروت (ط ١٩٩٣: ٢ م)، ص ٥٢ - ٥٣

стр. 6

الندرة، ضمن منشورات «معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية» الذي يديره بجامعة فرانكفورت، ألمانيا الاتحادية، سلسلة «عيون التراث» المجلد ٤٦/ ١ - ٢٧ في سبعة وعشرين سفرا (١)، حسب تقسيم المؤلف، وطبع منه مائتي نسخة. مخطوطة الكتاب: اعتمدت في تحقيق الكتاب على مخطوطة مكتبة أحمد الثالث في طوبقابوسراي إستانبول، رقم ٢٧٩٧/ ١، التي نشرها بالتصوير فؤاد سزكين (انظر ما سبق)، المجلد رثقم ٤٦/ ١، من سلسلة «عيون التراث»، وهي النسخة نفسها التي اعتمد عليها المرحوم أحمد زكي في تحقيق (الباب الأول) من هذا الجزء، وتقع مخطوطة هذا الجزء في ٣٧٢ صفحة (٢) ومتوسط عدد السطور (١٩) سطرا، وفي كل سطر نحو (١٢) كلمة. ولم يعرف تاريخ نسخها على وجه الدقة، ومن المؤكد أنها نسخت على مراحل، فبعضها نسخ قبل سنة ٧٤٤ هـ، أي قبل وفاة الحافظ تقي الدين السبكي، الذي تولى نسخ الصفحات (١٨٣ - ٢٩١)، وبعضها نسخ سنة ٧٤٨ هـ أو ٧٤٩ هـ (انظر الفقرة التالية) وأعتقد أن هذه المخطوطة كانت نسخة المؤلف؛ لأنه كتب بخطه القسم الأكبر من هذا الجزء، وله إضافات وتصحيحات ألحقها في حواشي الكتاب وبعضها عملها في جذاذات (بطاقات) ثبتها بين صفحات الكتاب، ولم يؤرخ المؤلف لتاريخ تأليف (نسخ) الكتاب، ولكن من خلال دراسة المخطوطة يتبين أنه كتبها على مراحل، فالصفحات من (١ - ٦٠)، ومن (١٦٥ - ١٨٢) _________ (١) انظر مقدمة فؤاد سزكين (العربية) للجزء الأول من مصورة مسالك الأبصار لمعرفة مصادر المخطوطات الأصلية للكتاب (٢) مصورة كتاب المسالك كاملة مرقعة بالصفحات، وليست بالأوراق كما هي العادة في المخطوطات

стр. 7

ومن (٢٩٥ - ٣٧٢) يبدو أنه بدأ كتابتها قبل سنة ٧٤٤ هـ، أي قبل وفاة الحافظ تقي الدين السبكي (سيأتي التعريف به) الذي تولى قراءة هذا القسم من الكتاب واستدرك السقط والنقص (في المتن) بقلمه في الحواشي، أما الصفحات من (٦١ - ١٦٤) فقد كتبها المؤلف أو أعاد تبيضها في وقت متأخر عما سبقها، وأرجح أنه كتبها في أواخر سنة ٧٤٨ هـ أو أوائل سنة ٧٤٩ هـ (١) وذلك لأن المؤلف ذكر (ص ١٢٧ من المخطوط) أنه زار مقام الخليل ﵇ في ذي الحجة سنة ٧٤٥ هـ، وذكر أيضا (ص ١٤٠) أن الرواق المحيط باحدى كنائس دمشق نقض واشتريت بقايا حجارته لعمارة الجامع اليلبغاوي (جوار بردا) سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، بينما نجد تاريخ إنتهاء المؤلف من تدوين السفر الرابع عشر من مسالك الأبصار في الثامن عشر من ذي القعدة سنة ٧٤٥ هـ، وهو الجزء الوحيد المؤرخ من أجزاء الكتاب الباقية بخط المؤلف وعددها تسعة أجزاء: (٢٦، ٢٥، ١٩، ١٧، ١٥، ١٤، ٦، ٥، ١) أما الصفحات من (١٨٣ - ٢٩١) فهي بخط الحافظ أبو الفتح تقي الدين محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن تمام السبكي، المتوفى سنة ٧٤٤ هـ (٢)، وهو من أقران المؤلف، وكان هذا الناسخ قد قرأ خطبة الكتاب على مؤلفه، وأثبت ذلك في صفحة العنوان، ولم يظهر اسمه أو تاريخ قراءته بسبب تأكّل اسفل صفحة العنوان، وقد تعرفت على خطه من سماعات دونها في نهاية _________ (١) توفي ابن فضل الله العمري بالطاعون في التاسع من ذي الحجة سنة ٧٤٩ هـ. (٢) أبو الفتح تقي الدين محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن تمام السبكي، قاض، وعالم بالفقه والحديث، وله اهتمام بالأدب والشعر، تولى القضاء نيابة عن ابن عمه تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي (المتوفى سنة ٧٥٦ هـ) بالقاهرة، ثم انتقل إلى الشام ودرّس بالمدرسة الركنية، نسخ بخطه مصنفات كثيرة ومنا بعض أجزاء مسالك الأبصار، وله ملاحظات على بعض الآجزاء المكتوبة بخط ابن فضل الله العمري، توفي سنة ٧٤٤ هـ. انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ٣/ ٢٨٤، الدرر الكامنة ٤/ ١٤٤، الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٥٣، حسن المحاضرة ١/ ٤٢٦.

стр. 8

كتاب «شيخه أبي المعالي يحيى بن فضل الله العمري» (١) والد المؤلف، مؤرخة في السابع من شهر شعبان سنة ٧٣٤ هـ، وشاركه المؤلف في السماع (انظرها في نماذج الصفحات المصورة من المخطوطة). ومخطوطة هذا الجزء مصححة ومقابلة، واستدرك النقص والسقط في الحواشي متبوعا بكلمة (صح) وفيها زيادات وإضافات (كما ذكرت سابقا) أضيفت في الحواشي، أو ثبتت في جذاذات (بطاقات) ثبتها المؤلف بين الصفحات، ويلاحظ أن أغلب هذه الزيادات عبارة عن فوائد واستطرادات لحكايات وأخبار وأشعار لها صلة بموضوعات الكتاب، ومعظمها نقل عن كتاب «بدائع البدائه» لعلي بن ظافر الأزدي. وتحتوي المخطوطة على خمس لوحات (خرائط للعالم والأقاليم) أربع منها ملونة، وأهمها (الخريطة المأمونية)، وهي النسخة الوحيدة المحفوظة من خريطة العالم التي صنعها جغرافيو المأمون (٢). طبعة الأستاذ أحمد زكي اشرت فيما سبق إلى أن المرحوم أحمد زكي باشا قام بنشر قسم من الجزء الأول من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» سنة ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٤ م بدار الكتب المصرية، ضمن مشروع (إحياء الآداب العربية)، والقسم الذي نشره أحمد زكي يتضمن الباب الأول من الكتاب، بالإضافة إلى مقدمة المؤلف، ويشكل هذا القسم نحو ثلاثة أرباع الأصل المخطوط، من صفحة _________ (١) توجد من هذه المخطوطة نسخة مصورة بخزانة مخطوطات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، من مصورات غازي خسروبك (سراييفو)، وهي نسخة نفيسة بخط مؤلفنا أحمد بن يحيى ابن فضل الله العمري، وقد تفضل مركز جمعة الماجد مشكورا بتصوير نسخة منها. (٢) فؤاد سزكين: مقدمة النسخة المصورة من مسالك الأبصار، السفر الأول، ص ٦

стр. 9

(١ - ٢٩١) من أصل (٣٧٢) صفحة، هي إجمالي عدد صفحات المخطوط. ويبدو أنه أجّل نشر تتمة هذا الجزء، وهو (الباب الثاني: في ذكر الأقاليم السبعة)، ويحتوي على ذكر ثلاثة أقاليم فقط من الأقاليم السبعة، ليلحقه مع بقية الأقاليم السبعة الواردة في الجزء الثاني من الكتاب. ويعتبر الأستاذ أحمد زكي باشا أول من أرسى قواعد تحقيق كتب التراث على أسس علمية حديثة في العالم العربي (١)، ولهذا جاءت نشرته للكتاب نشرة علمية متقنة مزودة بحواش وتعليقات مفيدة، ولكنّها قليلة ومحدودة، إمّا لأنه اهتم بضبط النص - على طريقة المستشرقين - أو لأن أغلب مصادر الكتاب التي يعول عليها في التحقيق والتخريج كانت ما تزال مخطوطة ويصعب الرجوع إليها والإفادة منها، وصنع لموضوعات الكتاب عناوين جانبية في جوانب الصفحات لتيسر للقارئ والباحث الإفادة من الكتاب، وذيّل الكتاب بمستدرك مكون من (١٦) صفحة ضمّنه التصحيحات والتصويبات التي اهتدى إليها بعد طبع الكتاب، والأخطاء في هذه النشرة محدودة جدا مقارنة بحجم الكتاب وكثرة المصطلحات والألفاظ الغريبة أو الأعجمية، وبعضها يعود إلى التصحيف الوارد في الأصل، أو لأسلوب النساخ المتقدمين في وضع علامات الإهمال للحروف المهملة، مثل حرف السين التي وضع الناسخ له علامة صغيرة على شكل الرقم (٧) فظنها المحقق شينا معجمة. وقد عارضت طبعة الأستاذ أحمد زكي بالأصل، وأثبتّ الخلاف بينها في الحاشية، ورمزت لها بالرمز (ط). _________ (١) عبد السّلام هارون: التراث العربي، دار المعارف (١٩٧٨ م)، ص ٥٣ - ٥٤، محمود محمد الطناحي: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مكتبة الخانجي (١٩٨٤ م)، ص ٨٢، عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي منهجه وتطوره، دار المعارف (١٩٩٣ م)، ص ١٠١، ويعود الفضل كذلك للأستاذ أحمد زكي في تطوير حروف الطباعة وإدخال علامات الترقيم الحديثة في المطبوعات العربية.

стр. 10

عملي في الكتاب: حاولت جاهدا تحرير وضبط النص ليصبح أقرب ما يكون إلى الوجه الذي أراده عليه مؤلفه، واتبعت في سبيل ذلك المنهج التالي: ١ - اعتمدت في تحقيق النص على المخطوطة التي سبق وصفها، وأفدت من طبعة الأستاذ أحمد زكي باشا في القسم الذي نشره من هذا الجزء، فقد خففت عني عناء النسخ، وأتممت نسخ القسم الأخير غير المنشور من المخطوط وهو (الباب الثاني) من الكتاب، وقد لقيت في نسخ وتحقيق هذا القسم عنتا شديدا لكثرة التصحيف والتحريف بها، لا لرداءة الخط، فالخط واضح ومقرؤ، ولكن لغرابة وعجمة الكثير من كلماتها، لأنها تتعلق بذكر البلدان: المدن والجزر والمسالك القديمة في (الأقاليم السبعة)، ومعظم هذه الأسماء أعجمية، ومعظم مادة هذا (الباب)، نقلها المؤلف عن كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، نقلا مختصرا، مع التصرف أحيانا في النص بالتقديم أو التأخير، أو إعادة صياغته بأسلوبه، وأغلب الظن أن المؤلف اعتمد على نسخة سقيمة من هذا الكتاب، وما أكثر ما يعتري مثل هذا النوع من الكتب التي يكثر فيها الأعلام الجغرافية الأعجمية التصحيف والتحريف والاختلاط، وخاصة مع تطاول الزمان وتعاقب النساخ وفيهم الكثير من الجهلة (١). _________ (١) كان هذا أحد دوافع العالمين الجليلين: أبو عبيد البكري (ت ٤٨٧ هـ) وياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ) لتأليف معجميهما: «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» و «معجم البلدان» وضبط الأعلام الجغرافية بالتشكيل والحروف؛ لأن أسماء الأماكن في كتب الجغرافيين المتقدمين قد أصبحت «مصحفة مغيّرة، وفي حيز العدم مصيرة، قد مسخها من نسخها» كما يقول ياقوت، وقال أبو عبيد البكري: «فإني لما رأيت ذلك قد استعجم على الناس أردت أن أفصح عنه بأن أذكر كل موضع بيّن البناء، معجم الحرف، حتى لا يدرك فيه لبس ولا تحريف .. ورب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله، فإن صحته لا تدرك بالفطنة والذكاء»

стр. 11

٢ - أبقيت الحواشي والتعليقات التي صنعها المرحوم أحمد زكي باشا في القسم الذي حققه من الكتاب كما هي، وأتبعت كل حاشية بذكر اسمه مختصرا بين قوسين (زكي)، اعترافا بفضله وجهده، واحتراما للأمانة العلمية. ٣ - رجعت إلى المصادر التي استقى منها المؤلف مادة كتابه، وعارضت النصوص التي نقلها بالمصادر المنقولة عنها، وقد ساعدني ذلك كثيرا في تصويب الأسماء أو الكلمات المحرفة (في الأصل)، وصححت ما تبين لي وجه الصواب فيه، أو ما اتفقت عليه المصادر، وأثبت في الهامش رسم الكلمة المصحفة ومصادر التصويب، أما إذا اختلفت المصادر في رسم الكلمة أو الاسم فإنني أكتفي بالإشارة إلى هذا الاختلاف. وبيّنت المصدر الذي نقل عنه المؤلف، لأنه أحيانا يغفل عن ذكر المصدر (المتأخر) الذي نقل عنه مباشرة ويذكر المصدر المتقدم وكأنه رجع إليه، مثال ذلك نقله الفصول (الثاني والثالث والرابع والخامس) من الباب الأول عن كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري، حرفيا ولم يشر إليه، وإنما ذكر الثعالبي وكتابه «فقه اللغة» الذي نقل عنه النويري. ٤ - عرّفت بالأعلام - غير المشهورين - وخاصة من لهم صلة بمضمون النص، وحاولت أن تكون تراجم الأعلام الذين ترجم لهم المؤلف في أجزاء متفرقة من كتابه هذا، مختصرة حتى لانثقل الحواشي بتراجم مكررة، وكان بالإمكان الاكتفاء بالإحالة إلى الأجزاء التي فيها تلك التراجم، ولكني خشيت أن يتأخر نشر تلك الأجزاء فيحرم القارئ من الفائدة ٥ - عرّفت بالبلدان والمواضع التي أمكنني الاهتداء إلى تحديد موقعها، وفي أي بلد (دولة) هي، وما إذا كانت ما تزال معروفة باسمها القديم الذي ذكره

стр. 12

المؤلف، أو أنها قد تغيرت، واستبعدت من ذلك الأماكن المشهورة، وكذلك الأماكن المندثرة التي يصعب تحديد موقعها، حتى وإن كان لها ذكر في المصادر الجغرافية القديمة لأنني وجدت أن تعريف بلدة ما بأنها في خراسان أو في السودان أو في قبيلة من القبائل العربية القديمة يدخل في باب تعريف المجهول بمجهول، وذلك لأن خراسان القديمة عند الجغرافيين المسلمين قد توزعت الآن بين ثلاث دول: إيران، وأفغانستان، وتركمانستان، ويشمل السودان القديم (إفريقية الوسطى) ما بين السودان الحالي إلى أطراف مالي والسّنغال في غرب إفريقيا، أما مواطن القبائل العربية فقد جهل أكثرها في عصرنا، بالإضافة إلى أن المؤلف اعتمد كثيرا في النقل عن كتاب «الجغرافيا» لبطليموس، وخاصة في الفصل السادس من (الكتاب الأول)، ومعظم الأسماء فيه أما مندرسة ولم يعد لها وجود، أو محرّفة نتيجة الترجمة السيئة عن اليونانية القديمة، مع ما أضيف إليها من عبث النساخ، والنشرة المصورة من مخطوطة أياصوفيا لكتاب «الجغرافيا» (١)، يصعب الرجوع إليها والإفادة منها. ٦ - خرّجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأشعار، والأمثال، والأقوال التي استشهد بها المؤلف في كتابه بالرجوع إلى مصادرها الرئيسة. ٧ - شرحت بعض المفردات والمصطلحات الغامضة بما يعين على فهم النص، وأهملت ماعداها حتى لا تتحول الحواشي إلى شرح، أما المصطلحات الفنية الواردة في وصف عمارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة التي نقلها المؤلف عن كتاب «سلسلة العسجد في وصف الصخرة والمسجد» لتاج الدين أبي الفضائل أحمد بن أمين الملك، فأغلبها لم أجد لها ذكرا في كتب المعاجم أو _________ (١) نشرها الدكتور فؤاد سزكين ضمن سلسلة (علم الخرائط)، المجلد (١)، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، جامعة فرانكفورت، ألمانيا الاتحادية (١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م)

стр. 13

العمارة، واعتقد أن مؤلفه اعتمد في وصف البناء على المشاهدة والسماع لا على النقل من المصادر، مستخدما المفردات العامية الشائعة في القدس آنذاك. وقد رحل المرحوم أحمد زكي باشا إلى القدس في شهر يونيو ١٩٢٣ م، وزار الحرم القدسي لأجل تحقيق تلك المفردات، ولكنّه ولم يخرج من ذلك بطائل. (١) وكانت أمنيتي - لو أن الطريق سالكة إلى القدس الشريف - أن أتشرف بزيارة تلك الرحاب الطاهرة، وأزود الكتاب بصور ملونة لتلك الأجزاء من العمارة والنقوش في المسجد الأقصى وقبة الصخرة التي عجزت المعاجم العربية عن التعريف بها، وأسأل الله العلي القدير أن يطهر الأقصى وسائر الأرض العربية المحتلة من رجس الاحتلال الصهيوني، وما ذلك على الله بعزيز. ٨ - أفدت من ملاحظات العلامة الأديب محمد كرد علي على طبعة الأستاذ أحمد زكي، التي نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية بدمشق حاليا) المجلد (٦) لسنة ١٣٤٤ هـ/ ١٩٢٦ م)، ص ١٨٤ - ١٩٠، وأفدت كذلك من تعليق الأديب حبيب الزيات المنشور بمجلة (لغة العرب)، عام (١٩٢٨ م)، ص ٣٢٢ - ٢٤٢، واقتصرت ملاحظات وتعليقات الأستاذ الزيات على (كتاب الديارات) من هذا الكتاب. ولا يفوتني في الختام أن أشكر المجمع الثقافي على عنايته واهتمامه بخدمة تراث الأمة بتحقيق ونشر أمهات كتب التراث، ومن أبرزها «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» و «معجم البلدان» في الوقت الذي تراجع فيه دور المؤسسات العربية عن القيام بواجبها في الإسهام بخدمة ثقافة الأمة وتراثها، فللقائمين على _________ (١) انظر قائمة التصويبات والتصحيحات ص ٣ الملحقة بطبعة الأستاذ أحمد زكي من كتاب مسالك الابصار.

стр. 14

المجمع الثقافي والعاملين فيه أسمى آيات الشكر والتقدير، وأخص بالذكر: معالي الأستاذ محمد أحمد السويدي الأمين العام، وسعادة الأستاذ جمعة عبد الله القبيسي الوكيل المساعد لشؤون دار الكتب الوطنية، والأستاذ أحمد محمد عبيد رئيس قسم المخطوطات والنشر، ومساعده الأستاذ عادل عسكر العبيدلي، والزميل الفاضل الأستاذ بسام محمد بارود، الذين كان لهم الدور البارز في التخطيط لهذا العمل العظيم ومتابعة إنجازه وتنفيذه، وأشكر كذلك الولد محمد عبد الله السريحي الذي أعانني في صف (الباب الثاني) من هذا الكتاب ومراجعته وبعد، فهذا جهد المقل، فإن حالفني التوفيق في هذا العمل فذلك بفضل الله وتوفيقه، وإن جانبني الصواب فالكمال لله وحده، فليس لأحد من البشر عصمة سوى الأنبياء ﵈، وعذري أنني قد بذلت جهدي على حسب طاقتي وعلمي ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلّا بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ والحمد لله رب العالمين في البدء والختام. أبوظبي في الثالث من شهر محرم الحرام سنة ١٤٢٣ هـ الموافق للسابع عشر من شهر مارس (آذار) سنة ٢٠٠٢ م عبد الله بن يحيى السريحي

стр. 15

¬ صور من الأصل المخطوط

стр. 16

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلاّ بالله يقول العبد الفقير إلى الله تعالى، الراجي عفوه، أحمد بن يحيى بن فضل الله ابن المجلي بن دعجان بن خلف بن أبي الفضل نصر بن منصور بن عبيد الله بن عدي بن محمد أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح ابن أبي سلمة - وقيل أسلمة - بن عبيد الله بن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، عفا الله عنه ولطف به آمين: الحمد لله خالق الأرض ومن عليها، ومبدئ الخلق منها ومعيدهم إليها، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تحفظ ما لديّها. وأشهد أن محمدا سيدنا عبده ورسوله الذي فتح به لأمّته من خلفها وبين يديها - صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تفيض على المشارق والمغارب من جانبها - وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فلمّا كانت النفوس لا يصلحها إلا التنقّل من حال إلى حال، والتوقّل على شرفات الشدّ والارتحال، للاطّلاع على الغرائب، والاستطلاع للعجائب، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩]، وقال: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك: ١٥]، (وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى اَلسَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى اَلْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى اَلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ﴾

стр. 17

﴿اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ﴾) (١) [آل عمران: ١٩١]، ولقد ذكر النبيّ ﷺ ، خطبة قس بن ساعدة (٢) بعكاظ، وفيها قوله: «إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا». ولقد طالعت الكتب الموضوعة في أحوال الأقاليم وما فيها، فلم أجد من بين (٣) أحوالها، ومثّل في [٣] الأفهام صورها، لأنّ غالب تلك الكتب لا تتضمّن سوى الأخبار القديمة، وأحوال الملوك السالفة، والأمم البائدة، وبعض مصطلحات ذهبت بذهاب أهلها، ولم يبق في مجرّد ذكرها عظيم فائدة، ولا كبير أمر، وخير القول أصدقه، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالّة على المقصود في ذكر (الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهر فالأظهر، والأشهر فالأشهر وما لم أجد بدّا من ذكره في ذلك ومثله، وحالة) (٤) كل مملكة، وما هي عليه، هي وأهلها في وقتنا هذا، مما ضمّه نطاق تلك المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة، لأقرّب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أمّ كلّ مملكة من المصطلح والمعاملات، وما يوجد فيها

стр. 18

غالبا، ليبصر أهل كلّ قطر القطر الآخر، وبيّنته بالتصوير (١)، ليعرف كيف هو، كأنه قدّام عيونهم بالمشاهدة والعيان، مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة، وفيما لم أره بالنقل ممّن يعرف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأذنه. ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، من ذوي التدقيق في النظر، والتحقيق للرواية، واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كلّ مملكة، لآمن من تغفّل الغفلاء، وتخيّل الجهالات الضالّة، وتحريف الأفهام الفاسدة. فإن نقلت عن بعض الكتب المصنّفة في هذا الشأن، فهو من الموثوق به فيما لابدّ منه: كتقسيم الأقاليم، وما فيها من أقوال القدماء، واختلاف آراء الحكماء، (إلى غير ذلك من غرائب وعجائب، وأخبار ملل ودول، وذكر مشاهير أعلام، وتاريخ سنين وشهور وأيام مما هو مسرح أمل، ومطمح ذي عمل) (٢) لأجمّل به كلامي، وأكملّ به نقصي، وأتمّم به بهجة النظر، ورونق الصفحات: كالطراز في الثوب، والخال في الخد، لا لأكثر به سواد السطور، وأكبّر به حجم الكتاب، ولم أقتصر بذكر الأقاليم، عند ذكري الممالك، مقصد [٤] الجغرافيا، كالأول والثاني والثالث، ولا بما تطلق عليه المسمّيات، كالعراق وخراسان وأذربيجان. بل أذكر ما اشتملت عليه مملكة سلطان، جملة لا تفصيلا، على ما هي عليه المدينة التي هي قاعدة الملك: كقرشى والسّراي من قسمي توران (٣) و

стр. 19

توريز (١) من إيران، أو ما لا بدّ من ذكره معها، والغالب في تلك المملكة من أوضاعها، والأكثر من مصطلح أهلها. ولا أعني ذوي الممالك الصّغار، إذا كانوا في مملكة سلطان قاهر عليهم، آمر فيهم: إذ هم جزء من كلّ، بل الذكر لكلّ سلطان يستحقّ اسم السلطنة: لاتساع ممالك وأعمال، وكثرة جنود وأموال، ويتغطى بذيله من لعلّه يكون في مملكته من ذوي الممالك الصّغار: كصاحب حماة مع صاحب مصر، وصاحب ماردين مع صاحب إيران، اللّهمّ إلا أن تكون تلك المملكة مفردة لملك أو ملوك، وليس عليهم سلطان يجمعهم حكمه، ويمضي فيهم أمره: كملوك الجيل، وملوك جبال البربر، وما يجري هذا المجرى، ويسري كوكبه هذا المسرى. ولم آل جهدا في تصحيح ما كتبته بحسب الطاقة، من غير استيعاب ولا تطويل، ولم أعرّج إلى ملوك الكفّار ركابي، ولا أرسيت بجزائر البحر سفني، ولا أسهرت في الظلمات عيني، ولا أتعبت في المحفورة يدي (إلا ما ألممت منه إلمامة الطيف المنقّر، ونغبت (٢) منه نغبة الطائر الحذر) (٣) لأنّ غالب ما يقال (والله أعلم) أسماء لا يعرف لها حقيقة، ومجاهل لا توصّل إليها طريق (٤).

стр. 20

ولم أقصد في المعمورة سوى الممالك العظيمة، ولا خرجت في جهاتها عن الطريق المستقيمة: اكتفاء بالحقّ الواضح، والصدق الظاهر، مما اتصلت بنا حقيقة أخباره، وصحّت عندنا جليّة أحواله. وقنعت بما بلغه ملك هذه الأمّة، وتمت [٥] بكلمة الإسلام على أهله النعمة، ولم أتجاوز حدّها، ولا مشيت خطوة بعدها، إلا ما جرّه سياق الكلام، أو طارح به شجون الحديث: مما اندرج في أثناء ذلك، أو اضطرت إليه تعريجات السالك، أو اقتضاه سبب، أو دخل مع غيره في ذمّة حسب. وإن كان في العمر فسحة، وفي الجسم صحّة، وللهمّة نشاط، وللنفس انبساط - وما ذلك على الله بعزيز، ولا من عوائد ألطافه الخفية بعجيب - لأذيلنّ بممالك الكفّار هذا التصنيف، وأجيء بفارسه المعلم وخلفه من سبّيهم رديف. لكنني لم آت في هذا الكتاب بذكر ممالكهم - على اتساع بلادها - إلا عرضا، ولا سطرت من تفصيلها إلا جملا: توفيرا للمادة، وتيسيرا للجادّة، ولأتمتع برونق الأنوار، ولا أشوب بسواد الليل بياض النهار. على أنّني ربما ذكرت في مكان ما قاربه من بلاد الكفّار، وذكرته للمجاورة رجاء أن يؤخذ بشفعة الجوار. ولم أذكر عجيبة حتّى فحصت عنها، ولا غريبة حتّى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه، وتبرّأت منها، وقد يقع الإنكار لأكثر الحقائق من الناس: لنقصان العقول، لأن الذي يعرف الجائز والمستحيل، يعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرة الله تعالى قليل، وقد وصف الله تعالى الجهّال بعدم العقل، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقد أودع الله من عجائب المصنوعات، في الأرض والسّماوات، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾

стр. 21

﴿فِي اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، (وقد أرانا من عظيم قدرته، وبدائع صنعه، ما جلا الشك، وأوضح الحقّ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟) (١). وأول ما أبدأ بالمشرق، لأن منه يتفتح نوّار الأنوار، وتجري أنهار النهار، إلى أن أختمه بنهاية المغرب، إلى البحر المحيط، لأنه الغاية [٦] وإليه النهاية إلا فيما لم أجد بدّا من الابتداء به من المغرب إلى المشرق: كتخريج الأقاليم، لابتداء الأطوال من الجزائر الخالدات (٢) بالبحر الغربي (٣)، أو ما هذا حكمه، أو وقع عليه قسمه. وقطعت فيه عمر الأيّام والليالي، وأثبتّ فيه بالأقلام أخبار العوالي، وشغلت به الحين بعد الحين، واشتغلت ولم أسمع قول (اللاحين (٤)، وحرصت عليه حرص الضّنين، وخلصت إليه بعد أن أجريت ورائي السنين. وشرعت فيه) (٥) في أيام من ماننا (٦) بإحسانه، وأمّننا في سلطانه: سيّدنا ومولانا، ومالك رقابنا، السلطان بن السلطان، السيّد الكبير الملك الناصر، العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر، المؤيّد المظفّر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، نائب الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، ملك البحرين، خادم الحرمين،

стр. 22

حامي القبلتين، مبايع الخليفتين، بهلوان جهان، إسكندر الزمان، ناشر علم العدل والإحسان، مملّك أصحاب المنابر والأسرّة والتخوت والتيجان، جامع ذيول الأقطار، مبيد البغاة والطّغاة والكفّار، هازم الروم والفرنج (١) والكرج (٢) والأرمن والتتار، سلطان البسيطة، مثبّت أركان المحيطة، إمام المتّقين، وليّ أمور المؤمنين، متعهّد حج بيت الله الحرام وزيارة سيّد المرسلين، أبي المعالي محمد بن مولانا السلطان الكبير الشهيد أبي المظفر قلاوون (٣)، سيّد ملوك الأرض على الإجماع، المخصوص بملك أشرف البقاع: (٤)

стр. 23

سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد … ملء المسامع والأفواه والمقل! فأدام الله أيامه، وأدار على مفارق النجوم أعلامه! وسميته: «مسالك [٧] الأبصار في ممالك الأمصار» وعلى الله أعتمد، ومنه أستمد، وإياه أسأل التوفيق والإعانة، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل! وفهرست ما تضمّنه وجملته قسمان: القسم الأول - الأرض. القسم الثاني - في سكان الأرض. القسم الأوّل من الكتاب في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا وهو نوعان: النوع الأوّل - في ذكر المسالك. النوع الثاني - في ذكر الممالك. أمّا النوع الأوّل المشتمل على المسالك ففيه أبواب: الباب الأوّل - في مقدار الأرض وحالها. وفيه فصول: الفصل الأول - في كيفية الأرض ومقدارها. الفصل الثاني - في أسمائها وصفاتها.

стр. 24

الفصل الثالث - في أسماء التراب وصفاته. الفصل الرابع - في الغبار وصفاته. الفصل الخامس - في أسماء الرمال وصفاتها. الفصل السادس - في أحوال الأرض. ويستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار، والبحيرات، والمساجد الثلاثة، وما درج معها، وذكر جمل من الآثار القديمة. الباب الثاني - في ذكر الأقاليم السبعة. وفيه فصول: الفصل الأول - في تقسيم الأقاليم. الفصل الثاني - فيما وقع في الأقاليم من المدن، والجزائر العامرة، برا وبحرا، تصويرها بأشكالها، (ويتصل بذلك كلام جمليّ في أمر مشاهير ممالك عبّاد صليب، في البرّ دون البحر). الفصل الثالث - في ذكر أطوال النهار في كل إقليم. الباب الثالث - في البحار وما يتعلّق بها. وفيه فصول: [٨] الفصل الأول - في ذكر البحار. الفصل الثاني - في ذكر الرياح، وصورة القنباص (١)،

стр. 25

الفصل الثالث - في ذكر نبذة من العجائب، برا وبحرا. الباب الرابع - في القبلة والأدلّة عليها. وفيه فصول: الفصل الأول - في أقوال الفقهاء. الفصل الثاني - في الاستدلال عليها بالنجوم. الفصل الثالث - في الاستدلال عليها بالرياح. الفصل الرابع - في الاستدلال عليها بالجبال. الفصل الخامس - في الاستدلال عليها بالأنهار. الفصل السادس - في قبلة كلّ أرض. وخاتمة الباب فصل جامع يشتمل على ذكر تداخل الشهور، والكواكب الثابتة، والسيّارة، وصورة الأفلاك، والقول في الخسوف والكسوف، وما يستطرد في ذلك، ويندرج معه لاستخراج القبلة، وما اندرج في ذلك، وتسميته استطرادا لتعلق بعضه ببعض. الباب الخامس - في ذكر الطرق. وفيه فصلان: الفصل الأول - في تعاريج الطريق. الفصل الثاني - في سواء الطريق. النوع الثاني - في ذكر الممالك. وهو خمسة عشر بابا:

стр. 26

الباب الأوّل - في مملكة الهند والسند. الباب الثاني - في ممالك بيت جنكز خان. وفيه فصول: الفصل الأول - في الكلام عليها جمليّا. الفصل الثاني - في مملكة القان الكبير، صاحب التخت، وهو صاحب الصين لخطا (١). الفصل الثالث - في التّورانيّين، وهم فرقتان: الفرقة الأولى - فيما وراء النهر. الفرقة الثانية - في خوارزم والقبجاق. الفصل الرابع - في الإيرانيّين. الباب الثالث - في مملكة الجيل. وفيه فصول: الفصل الأول - في بومن. الفصل الثاني - في توليم (٢) [٩]. الفصل الثالث - في كسكر. الفصل الرابع - في رشفت.

стр. 27

الباب الرابع - في مملكة الجبال. وفيه فصول: الفصل الأول - في الأكراد. الفصل الثاني - في اللرّ (١). الفصل الثالث - في الشول. الفصل الرابع - في شنكارة. الباب الخامس - في مملكة الأتراك بالروم. وفيه ستة عشر فصلا: الفصل الأول - في مملكة كزمينان. الفصل الثاني - في مملكة طنغرلو. الفصل الثالث - في مملكة توازا. الفصل الرابع - في مملكة عيدلي. الفصل الخامس - في مملكة كصطمونيّة. الفصل السادس - في مملكة قاويا. الفصل السابع - في مملكة برسا. الفصل الثامن - في مملكة اكيرا. الفصل التاسع - في مملكة مرمرا.

стр. 28

الفصل العاشر - في مملكة مغنيسيا. الفصل الحادي عشر - في مملكة نيف. الفصل الثاني عشر - في مملكة بركى. الفصل الثالث عشر - في مملكة فوكة (١). الفصل الرابع عشر - في مملكة أنطاليا. الفصل الخامس عشر - في مملكة قراصار. الفصل السادس عشر - في مملكة أرنمناك. الباب السادس - في مملكة مصر والشام والحجاز. الباب السابع - في مملكة اليمن. وفيه فصلان: الفصل الأول - فيما هو بيد أولاد رسول. الفصل الثاني - فيما هو بيد الأشراف [١٠]. الباب الثامن - في ممالك المسلمين بالحبشة. وفيه سبعة فصول: الفصل الأول - في مملكة أوفات. الفصل الثاني - في مملكة دوارو. الفصل الثالث - في مملكة أرابيني.

стр. 29

الفصل الرابع - في مملكة هدية. الفصل الخامس - في مملكة شرخا. الفصل السادس - في مملكة بالي. الفصل السابع - في مملكة داره. الباب التاسع - في ممالك مسلمي السودان على ضفة النيل الممتدّ إلى مصر، وفيه فصلان: الفصل الأول - في مملكة الكانم. الفصل الثاني - في النّوبة. الباب العاشر - في مملكة مالّي. الباب الحادي عشر - في مملكة جبال البربر. الباب الثاني عشر - في مملكة إفريقيّة. الباب الثالث عشر - في مملكة برّ العدوة. الباب الرابع عشر - في مملكة الأندلس. الباب الخامس عشر - في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم، ومضارب أخبيتهم ومساكنهم.

стр. 30

القسم الثاني من الكتاب في سكان الأرض من طوائف الأمم وهو أنواع: النوع الأوّل - في الإنصاف بين المشرق والمغرب. وهذا النوع له شبهان: شبه بالقسم الأول بحسب موضوعه، وما اندرج معه، وتعلق بذيل المفاخرة بين الجانبين من النبات والمعدن، وله شبه بهذا القسم بحسب ما اندرج فيه [١١] من ذكر طوائف العلماء، الذين هم أعيان الناس، وذكر سائر الحيوان، إلا أن هذا الشّبه أقوى، لأن المقصود من المكان ساكنه، فألحقناه بهذا القسم. النوع الثاني - في الكلام على الديانات: وهي ست نحل، وأربع ملل. النوع الثالث - في الكلام على طوائف المتديّنين. النوع الرابع - في ذكر التاريخ. وفيه بابان: الباب الأول - في ذكر الدّول التي كانت قبل الإسلام. الباب الثاني - في ذكر الدّول الكائنة في الإسلام. ومن حيث عيّنا التبويب، وبيّنا الترتيب، نشرع في ذكرها بابا بابا إلى انتهاء الأبواب، ونوعا إلى انقضاء الكتاب. والله المؤمّل في عمر يوفيّ بتمامه، ويوفرّ الموادّ على مدد أقسامه، مع ما هو أبقى من الابتهال إلى الله فيما هو أهمّ: من التفويض إليه، والابتهاج بما لديه، مما

стр. 31

يوقّى المهجات، ويرقّي الدرجات، في الدنيا والآخرة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، والمقدّر له والهادي إليه! والرغبة إلى من وقف على هذا الكتاب، ووقع منه نظره على خطإ أو صواب، أن يصفح عما جنح فيه القلم إلى الزّلل، وتخطّى إليه الفكر من الخطل، ويبسط العذر لمن لم يجب البلاد، ولم يجل في الآفاق، ولم يتهم في تهامة ولا. أعرق في عراق، ولا خطب الدّأماء (١)، ولا خبط الظّلماء، ولا اقتحم لجج البرّ والبحر، ولا تعدّى مصر والشام والحجاز، ولا فارق ممالك كان هو وأسلافه فيها تحت قيد العلق والشواغل، لما كان يتقلّده منهم ابن عن أبيه، وأخ عن أخيه، من أعباء الدول وأمور [١٢] الممالك، وأثقال الفكر والمهمات، وشغل الأسماع والأبصار، مما يستغرق بعضه الأوقات، ويقطع عن الأسباب، حتّى عن لفظة سؤال، ولحظة كتاب، إلى أن وهبني الله فراغا ألّفت فيه هذا الكتاب. وهذا أوان سرد ما اشتمل عليه كل قسم من الأبواب. ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلّي العظيم، وأستغفر الله إن الله غفور رحيم!

стр. 32

القسم الأوّل من الكتاب في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برّا وبحرا وهو نوعان النوع الأوّل في ذكر المسالك وفيه أبواب الباب الأول في مقدار الأرض وحالها وفيه [ستة] فصول

стр. 33

الفصل الأول في كيفية الأرض ومقدارها (١) الذي نبدأ به، بعون الله وقدرته، في القول في هذا الفصل، ما قام عليه البرهان، وهو أن العالم كري ويدل عليه المشاهدة بالعيان، لمن رعى الشمس من مطلعها إلى مغيبها، وكذلك النجوم من مشارقها إلى مغاربها، لأنها تطلع حتّى تتوسّط السماء تقويسا، ثم تنحطّ حتّى تغيب عن العين كذلك، فتقطع نصف دائرة، فعلم بالضرورة أنها تقطع في الغيبوبة عن العين نصف دائرة، نظير ما قطعت في الظهور، ليكمل تمام الدائرة. والذي تلخّص من أقوال أهل العلم والنظر في الهيئة: أن العالم كرة، والأرض مركزها، والماء محيط بها لا يفارقها، إلا ما انكشف. فالأرض في جوف الماء، والماء في جوف الهواء، والهواء في [١٣] جوف الفلك: كالمحّة في جوف البيضة في القشر. ووضعها وضع متوسّط، والهواء إما جاذب لها إلى جهة الفلك أو دافع عنه،

стр. 34

وذهب بعضهم إلى أنها مستقرة بالوضع: فالأرض في فلك الماء، وفلك الماء في فلك الهواء، وفلك الهواء في فلك النار (وهو الأثير)، وفلك النار في فلك القمر، وفلك القمر في فلك عطارد، وفلك عطارد في فلك الزّهرة، وفلك الزّهرة في فلك الشمس، وفلك الشمس في فلك المرّيخ، وفلك المرّيخ في فلك المشتري، وفلك المشتري في فلك زحل، وفلك زحل في فلك البروج (وهو المكوكب)، وفلك البروج في الفلك الأطلس. والمكوكب في رأي فلاسفة الإسلام أنه المعبّر عنه عند أهل الشريعة الشريفة بالكرسيّ، وأن الأطلس هو المعبّر عنه عندهم بالعرش. وحركات الأفلاك الثمانية في فلك القمر إلى المكوكب، من الغرب إلى الشرق، ويرى هذا بالمشاهدة في طلوع القمر. ولهذا كان تخريج الأقاليم من الغرب إلى الشرق بالمتابعة. فأما التاسع، الأطلس، فحركته من الشرق إلى الغرب، وبحركته تتحرك، كما يتحرك راكب السفينة بحركة السفينة، وقد تكلّمت الفلاسفة على مقعّر الأطلس، ولم يتكلموا على محدّبه، وغاية ما قالوا: إنّ بعد التاسع، لا خلا ولا ملا، وإلى هنا انتهى علمهم وانقطع نظرهم، والله أعلم بغيبه! قلت: وزعموا أنّ في الثامن كلّ الكواكب إلّا السبعة، قالوا: والبرهان على أنها في الثامن، أنّ حركات هذه الكواكب الستة أسرع من حركات سائر الكواكب، والكوكب لا يتحرّك إلا بحركة فلكه، ولا يمكن أن يكون في التاسع، لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة بالتقريب دورة واحدة، فإذا لم يكن في أحد السبعة ولا في التاسع، لم يبق إلا أن يكون في

стр. 35

الثامن. على أن ابن سينا قد قال في الشفاء (١): «لم يبن لنا بيانا واضحا أن الكواكب الثابتة في كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض، إلا بإقناعات، وعسى أن يكون ذلك واضحا لغيري». وقد شبّه بعضهم العالم، فقال: «بطيخة في بركة ماء، فالبزر المدن، وبيوت البزر العمران، واللحاء مجموع الأرض، والماء البحر المحيط، ومقعّر البركة الهواء، ودائرها الخارج الفلك». قلت: وهذا التشبيه ليس بشيء. وقال الشريف الإدريسي (٢) في كتاب رجار (٣) (واسم هذا الكتاب: «نزهة

стр. 36

المشتاق في اختراق الآفاق» صنّفه للملك رجّار صاحب صقلّيّة، وكان فرنجيا محبّا للعلم وأهله من كل ملة)، والذي قاله (١): «الأرض مستقرة في جوف الفلك، وذلك لسرعة حركة الفلك، وجميع المخلوقات [١٤] على ظهرها، والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثّقل، بمنزلة [حجر] المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه، فالأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهذا هو طول الأرض، وهو أكبر خط في الأرض، كما أن منطقة فلك البروج أكبر خطّ في الفلك». قال (٢): «واستدارة الفلك في موضع خطّ الاستواء ثلثمائة وستون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والإصبع ستّ حبّات شعير، مصفوفة، ملصقة بطون بعضها لظهور بعض فتكون بهذه النسبة إحاطة الإرض مائة ألف ألف ذراع واثنين وثلاثين ألف ألف ذراع، وهي من الفراسخ أحد عشر ألف فرسخ»، وقال الشريف (٣): «وهذا بحساب أهل الهند، وأما هرمس فإنه قدّر إحاطة الأرض، وجعل لكل جزء مائة ميل، فتكون ستّة وثلاثين ألف ميل، وتكون من الفراسخ اثني عشر ألف فرسخ». قلت: فالتفاوت بين الحسابين ألف فرسخ، زائدة في حساب هرمس على حساب أهل الهند، وذلك نصف السّدس.

стр. 37

وقد زعم مرحبان الفيلسوف أن إردسناس (١) الحكيم قال: إنها مائتا ألف وخمسون ألفا أشتياديوات، وأشتياديو (٢) هو ثمن ميل، عنه أربعمائة ذراع

стр. 38

عندهم، فذلك أحد وثلاثون ألف ميل ومائتا ميل وخمسون (١) ميلا. وقد ذكر صاحب المجسّطي (٢) أنّ دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل وثلاثون ميلا، وأن قطرها [وهو] عمقها سبعة آلاف ميل وستمائة ميل وثلاثون ميلا. (قال فريد زمانه، علاء الدين أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، عرف بابن الشاطر (٣): «الأولى أن يقسم دور كرة الأرض على ثلاثة وسبع لأنه نسبة قطر كل دائرة إلى محيطها، وهو أصحّ، وعلى هذا فيكون الدور أربعة وعشرين ألف ميل، ويكون القطر سبعة آلاف وستمائة وستا وثلاثين ميلا وثلث خمس مجبورا. (قلت): (٤) وذكر صاحب كتاب الكمائم أن طول الأرض ظاهرا وباطنا، وبرّا وبحرا [١٥] معمورا وغير معمور، أربعة وعشرون ألف ميل، قال: «وهي التي تقطعها الشمس بين نهارها وليلها».

стр. 39

وذكر أبو عبيد البكري (١) في كتاب «المسالك والممالك» (٢) أن حبيشا المنجّم (٣) ذكر عن خالد بن عبد الله [المروزي] (٤) أنه أخذ ارتفاع القطب لعبد الله المأمون ببريّة ديار ربيعة وهي برية شيحان المقاربة لسنجار (٥)، فوجد مقدار درجة من الفلك ستة وخمسين ميلا من الأرض، فضرب العدد في ثلثمائة وستين، التي هي جملة درج الفلك بمجموعة، فانتهى ذلك إلى أربعة وعشرين ألف ميل ومائة ميل وستين ميلا (٦)، قال: «فهو دور كرة الأرض المحيطة بالبرّ والبحر». فقطرها على هذا ستّة آلاف ميل وأربعمائة ميل وأربعة وعشرون ميلا ونصف ميل ونصف عشر ميل، بالتقريب. قال (٧): «والمعمور نصف هذا المحيط، من خط الاستواء إلى الشمال، ومنها

стр. 40

العمران في الشمال يؤول (١) في برطانية (٢)، فيكون ذلك تقدير الربع» (٣)، (قال ابن الشاطر: «إنّ واجب الحساب، على ما ذكر، عشرون ألف ميل ومائة وستون ميلا، وإنّ القطر يكون ستة آلاف وأربعمائة ميل وأربعة عشر ميلا ونصف ميل مجبورا») (٤). قلت: والذي حرر في زمن المأمون، لكل درجة، ستة وخمسون ميلا وثلثا ميل، وبعض الذين حرروا ذلك رأوا أنه ستّة وخمسون ميلا، لا غير. ولعل الأوّل أقرب، لأنه قد يكون هذا الكسر أهمل في القياس، وعلى الأول الأكثر، وعليه عملنا في هذا الكتاب، وسيأتي في ذكر سواء الطريق إيضاحه، إن شاء الله في مكانه، ولم نعمل على ما حرر للمأمون دون ما حرّره القدماء، إلا لأنّه أقرب إلينا وأشبه بنا. وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع مأموني، فالدرجة تسعة عشر فرسخا إلا تسع فرسخ، وهو الذي عليه عمل هذا الكتاب. وأمّا على رأي القدماء، فتكون كلّ درجة اثنين وعشرين فرسخا وتسعي فرسخ، وأما البريد، فكلّ أربعة فراسخ بريد. وأمّا العمران من الأرض، فقال البكريّ (٥): تقدير الرّبع - وقد ذكرنا ما قاله آنفا - وقال آخرون: الثّلث، وقال بعضهم: إن العمران من الأرض ما بين الثّلث إلى الرّبع، أقل من الثّلث وأكثر من الرّبع.
следующие страницы →