عدنا إليه. وقوله يخاطب شيخه علاء الدّين النّحّاس: [الوافر]
علاء الدّين أضحى بحر علم … يجيب السّائلين بلا قنوط
أحاط بكلّ ما في الأرض علما … فقل ما شئت في البحر المحيط
وهذا من المقاصد الحسنة، إذ جعله قد أحاط بما في الأرض، وهو البحر المحيط، إذ هكذا حقيقته.
عدنا إليه. وقوله وقد دعي إلى مجلسين يفضّل أحدهما: [الوافر]
دعيت فكان أكلي فخد طير … ولم أشرب من الصّهباء نقطة
وما يومي كأمس وذاك أنّي … أكلت إوزّة وشربت بطّة
وهذا والله غاية ما بعدها.
عدنا إليه: [السريع]
مذ زارني المحبوب تحت الدّجى … مبرّدا قلبي من قيظه
تطّلع الصّبح علينا ولم … يشعر به فانشقّ من غيظه
وقوله يحرّض على القتال: [الكامل]
انهض بنا نحو العدوّ فإنّهم … في غفلة من قبل أن يتيقّظوا
فجيادنا للغيظ تأكل لحمها … حنقا عليهم والظّبى تتلمّظ
وقوله في مطرب: [الكامل]
يا من يلازم موضعا في شدوه … قسما لقد شرّفت مني مسمعي
لو كان لي سعد وحقّك لم تزل … أبدا تعنّيني بهذا الموضع
وقوله يصف نارا: [الكامل]
стр. 6162
وكأن نارا أضرمت ما بيننا … ولهيبها يخشى سطاه ويجزع
سوداء أحرق قلبها فتكلّمت … بسفاهة فينا كلاما يلذع
وقوله: [الكامل]
لا ذنب للنيران إن هي أخمدت … زمنا فصنّ العرق فيه بنبضه
كانون أرعدها فأصبح جسمها … للبرد يدخل بعضه في بعضه
(١٥٥) وقوله يصف فانوسا: [الكامل]
انظر إلى الفانوس تلق متيّما … ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهّب قلبه لنحوله … وتعدّ من تحت القميص ضلوعه
وفيه يقول: (١) [الطويل]
يقول لها الفانوس لما بدت له … وفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثّوب تنظري … ضنى جسدي لكنني أتستّر (٢)
وفيه يقول: [البسيط]
أبدي اعتذارا لذا الفانوس حين غدا … في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرما ما بين أضلعه … نار الجوى فغدا بالثّوب يسترها
وقوله يصف درعا: [الطويل]
ودرع إذا ألقيتها وسط مهمه … رأيت القطا فيها يغبّ ويكرع
يكاد إذا عاينت ضحضاح ما بها … يلوح بها للصّفو حوت وضفدع
إذا ما أتاها الرّمح ظنّ بأنّها … غدير نشأ في مائه فهو يخضع
стр. 6163
ويرعد متن السّيف علما بأنّه … متى زارها في شهره يتقطّع
ولو كان أنّ في ضلوعه … من الغمد يلقاها لما كان يطلع
وإن جاءها سهم يناد بها سردها … أرى النّصح يا مغرور أنّك ترجع
إذا كان هذا في قنا اللحظ والظّبى … صنيعي فقل لي ما بضعفك أصنع
فلو لجأت نفس إليّ وجاءها … رسول المنايا لم تكن منه تجزع
وقوله: [الوافر]
ونهر كلّما هبّت عليه النّ … واسم في الذّهاب وفي الرّجوع
يؤثّر فيه تجعيدا خفيفا … كوطء الصّافنات على الدّروع
وقوله في غلام ينظر وجهه في مرآة: (١) [الكامل]
طوبى لمرآة الحبيب فإنها … حملت براحة غصن بان أينعا
(١٥٦) واستقبلت قمر السّماء بوجهها … فأرتني القمرين في وقت معا
وقوله في غلام لابس قباء أصفر: [الطويل]
ولّما ارتدى من أصفر اللّون حلّة … كسا عاشقيه حلّة من طباعها
وما هي إلاّ شمس خدّيه أشرقت … فألقت على أثوابه من شعاعها
انظر إلى رأي هذا الشاعر الأصيل، ولطف معناه الذي خضعت له شمس الأصيل، هل يقال أحسن منه في لابس أصفر، أو يجلي مثله الصباح إذا أسفر.
عدنا إليه. وقوله يصف ناعورة: [الكامل]
وناعورة قالت لنا بأنينها … قولا ولم تدر المقال ولم تعي
كم فيّ من عيب يرى مع أنني … أبدا أسير ولا أفارق موضعي
стр. 6164
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهر … للناظرين وأعيني في أضلعي
وقوله: [الطويل]
أيا ذا الذي قد كفّ كفّيه عامدا … عن الجود خوف الفقر ما ذاك سائغ
أتخشى، سهام الفقر ما دمت منفقا … تصيبك، والنّعمى عليك سوابغ
وقوله: (١) [الكامل]
حاذر أصابع من ظلمت فإنّه … يدعو بقلب في الدّجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا … إلاّ دعاء أصابع المنثور (٢)
وقوله: [الكامل]
لّما دعا المنثور أن الورد لا … يأتي وإن يصلى بنار سعير
ودّت ثغور الأقحوان لو أنّها … كانت تعضّ أصابع المنثور
وقوله: [الكامل]
أنعم على المنثور منك بزورة … فلقد أراه والسّقام حليفه
ما اصفرّ إلا حين غبت ولم تزل … تدعو بأن يأتي إليه كفوفه
وقوله: (٣) [الكامل]
مذ لاحظ المنثور طرف النّرجس ال … مزور قال وقوله لا يدفع
(١٥٧) فتّح عيونك في سواي فإنه … عندي قبالة كل عين أصبع
وقوله: [الكامل]
стр. 6165
مذ قلت للمنثور إنّ الورد قد … وافى على الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرّة … بقدومه وتلوّن المنثور
ومنهم:
٤٦ - الأمير السليمانيّ (١٣)
رجل من أبناء الأمراء، وبطل تجلّى بأبناء الأسود بلا مراء، كان من أضرى الضّراغم، وأعزّ الفوارس. إذا أنف شمّ الرّغام أنف الرّاغم، ثمّ خلع تلك الملابس، وولع بما كان له أفخر لابس. واجتنب الأمراء وصحب الفقراء، ولبس رداء التصوّف، وترك رياء التصرّف، وترك دويرة أبي القاسم الشّميساطي بباب الجامع الأموي. وأصبح عن النّاس بمعزل، وقال ما مثل الدّويرة منزل. وخمدت منه تلك السّطا الفاتكة، ولم يجنح مع دويرة الشّميساطي أن يقول: يا دار عاتكة.
وكان من صاغة الشعر، وباعة القصائد بأغلى سعر. وممّا اختار لنفسه، ومن خطّه نقلت، ومن ظبائه السّوانح عقلت، قوله: [البسيط]
لو عاين اللائم اللاّحي محاسنه … لما خلا قلبه من حبّه أبدا
شمس سنا، غصنا قدّا نقا كفلا … سهما لحاظا طلا ريقا طلا جيدا
يزيد قلبي لهيبا في محبّته … إذا ترشّفت من ذاك اللّمى بردا
وقوله: [الكامل]
ولقد سريت على أغرّ كأنّه … لهب الهشيم أصاب ريح الشّمال
وله إذا ضاق الفضاء وحطّمت … سمر القنى، وعلت سماء القسطل
دوران زوبعة وخفّة شمأل … وصدام جلمود وعطفة جدول
стр. 6166
وقوله: [الكامل]
إن مسّ ذاك الوجه من كره أذى … أخفاه عن لحظ العيون فلم تره
فكذا أخوه البدر عند كماله … يعتاده مسّ الكسوف من الكره
(١٥٨) وقوله: [الكامل]
لك معنيان إذا طرقت أراهما … وإذا ذكرتك في النّسيب أريهما
بيني وبينك من جمالك عامر … فالحسن والإحسان يظهر فيهما
وقوله: [الكامل]
أعلقتكم حبل الوداد وجئتكم … بمودّة ما زال ثابت أسّها
مثل السّفين تجشّمت صعدا وجا … دبها على علاّتها من نفسها
وقوله: [الكامل]
قولوا لمن أضحى سواء عندهم … ما يوجب الإعراض والإلمام
بإضافة الأعلام لا تتعرّف النّ … كرات بل تتنكّر الأعلام
وقوله: [الكامل]
لا غرو إن وصف امرؤ وصفي ونا … ل مكانتي يوما وليس بطائل
تجري الصّفات على أمر ليست له … ويقام مفعول مقام الفاعل
وقوله: [المنسرح]
لا تك ممن يقول أعرف هـ … ذا الأمر جهلا منه وما عرفه
سل غير مستكبر فإن حيا … ة الجهل بين الحياء والأنفه
стр. 6167
وقوله: [المنسرح]
في الناس من يخطئ الصّواب فإن … ردّ إليه يعود كالنّاسي
وإنّما من يرى الصّواب ولا … يعرفه لا يعدّ في النّاس
وقوله: [الطويل]
الخاتم المنقوش زينة لابس … وحرز لما يحوي من العين والقدّ
فمن جاءني كالصّخر عاد كما بدا … ومن جاءني كالشمع حصّل ما عندي
وقوله: [الطويل]
إليك أمير المؤمنين بعثتها … عروسا تهادى في صوان وفي خدر
سليلة أعراب بنجد بيوتها … وما برحت من قصر عيسى إلى النّهر
لدى ناهب عجم الطّغاة نفوسهم … وأمواله نهب الفصيح من الشّعر
أليلة قدر قمت أنشد مدحة … لديه، وما أدراك ما ليلة القدر
(١٥٩) أؤمّل نعمى ثيّبا أستزيدها … على حسن ما أهديت من ناهد بكر
وقوله: [البسيط]
إن لم يصب من عدوّ سهمه غرضا … يوم النّضال فإن الرّأي صائبه
وإن سرى في بهيم الخطب سائره … تريك محتوم ما يأتي تجاربه
ومنها:
غيث يسحّ على الدّاني فيغرقه … جودا وتنشر للقاصي ذوائبه
وكلّ ما جلّ من مال ومن نشب … فالعدل جامعه والجود ناهبه
وقوله: [الطويل]
إذا ساس ملكا سار كالشّمس أشرقت … عليه فنجم الظّلم في الأفق آفل
стр. 6168
وإن حكّ مسودّ الخطوب برأيه … جلاه كما تجلو الصّفاح الصّياقل
ومنها:
إذا اعتقلوا سمر الرّماح فعقلهم … بمولاهم صيد وبيض عقائل
وإن نكحت بيض الصّدور فإنّها … تحيض دما في الرّوع وهي حوامل
وقوله: [الطويل]
فلا تتّخذ عونا على الدّهر دائبا … سوى العدمس الوجناء والفرس النّهد (١)
فإني حلبت النّاس ثمّ مخضتهم … فما حصلت كفّاي منهم على زبد (٢)
وقوله: [الطويل]
عزيز إذا عاززته في عظيمة … ألّمت، فإن لاينته لان جانبه
إذا اضطرّ لم يحلم ويحلم قادرا … على مذنب والغيظ يزور حاجبه
وقوله: [الرجز]
إن القضاء قاذف المرء إلى … مقدوره أو جاذب بطوقه
أفّ لمن يجبن عن أقرانه … إنّ الجبان حتفه من فوقه
وقوله: [الرجز]
ندعوك للأمر الذي يعزّنا … دفاعه عنّا فليس يبرح
ليس لهذا الأمر إلاك فتى … إن الحديد بالحديد يفلح
стр. 6169
(١٦٠) وقوله: [الكامل]
وكأنّ بركة مائها ماويّة … تحكي النّجوم الزّهر في جريانها
فتريك لامع مائها في سقفها … وتريك زخرف سقفها في مائها
ومنها:
وكأنّ ألواح الرّخام موائلا … في لونها وصقالها وصفائها
أمواه آنية تخالف لونها … فتشبّهت كلّ بلون إنائها
ومنها:
تمّت محاسنها بجمّام لها … تتخلّل الضّرّاء في سرّائها
كالكير يخلص سرّه بحريقه … فنعيم داخلها بطول شقائها
تبدو لعينك في القباب بدورها … وتضيء في أرجائها وسوائها
وبكلّ أنبوب سكوب قنية … فدموعها تجري جوا والنار في أحشائها
ومنها:
ودمشق، زاد الله ملكك، جنّة … جدواك فيها مثل قسمة مائها
علّمه يرقى مثل جودك في ذرى … أو غالها ويصبّ في بطحائها
وقوله: [البسيط]
إنّي ليحزنني ذكرى مآربه … وقصده الشّرف المقصود بالدّأب
جرت أمانيه تتلوها منيّته … شدّا فما وقفا إلاّ على الإرب
قضى وفي قلبه من فقد صبيته … حزن يدوم مع الأيام والحقب
كالعظم ليس بذي روح ويؤلمه … أذى المشارك مثل العرق والعصب
وقوله: [البسيط]
стр. 6170
ملك له من بني العباس منزلة … علياء يقصر عن إدراكها زحل
سمت جلالا فلو مدّت لتلمسها … كفّ الخضيب عراها الضّعف والشّلل
وقوله: [مجزوء الرجز]
إيّاك يا منتحلا … حديث شعري متّضح
(١٦١) شعري كالمسك من … يسرق منه يفتضح
وقوله: [الطويل]
صفاتك أصفى من سماء سحابة … رأت من مديحي حيث مازجها بحرا
ولكنّها تهمي عليّ فرائدا … فآخذها ماء وأقذفها درّا
وقوله: [الكامل]
لا تركننّ إلى صفاء مصاحب … إن لم تكن أحكمته تجريبا
فالماء يصفو للعيون وإنّه … ليريك كلّ ممثّل مقلوبا
وقوله: [الطويل]
نصبت على التمييز إنسان مقلتي … أشاهد قدّا منه نصبا على الظّرف
أأخشى فراقا بعدها أو قساوة … وقد جاؤوا والصّدغ للجمع والعطف
وقوله: [الخفيف]
لم يوفّق من أعوزته المدارا … ة ولا طال من يطول عناده
وإذا المرء صيّر الحقد طبعا … مات غبنا ولم تمت أحقاده
فاجعل الحلم والسّماح جناحي … ك تصيد ما لم تكن تصطاده
стр. 6171
واقتصد في الأمور إن لبيب النا … س من أعجب اللبيب اقتصاده
هي منّي نصيحة لك والنّص … ح كبير نفاقه وكساده
وقوله: [مجزوء الرمل]
قل لمن علّم خطّا … مرّة لا نلت علما
زدت عين الشّرّ شرّا … وسقيت السّهم سمّا
وقوله: [الكامل]
إنّي لأعرف في الرّجال مخادعا … يبدي الصّفاء وودّه ممذوق
مثل الغدير يريك قرب قراره … لصفائه والقعر منه عميق
وقوله: [الخفيف]
لم تغيّر يا أحسن النّاس ودّي … بدوام الصّدود والتّعذيب
شافع واحد من الحسن يمحو … ألف ذنب لا سيّما من حبيب
(١٦٢) وقوله: [الطويل]
وقد كان روح الأرض حال حياته … وأيّة روح لا يفارقها الجسم
لقد عدم المعروف بعد وفاته … ولو أنّه حيّ لما عرف العدم
وقوله: [مجزوء الرجز]
يا هرما كأنّه نصل يراه من لمح … وصغيره من شاهد الوضع اتّضح
فلو تهيّا سهمه وركّب السّهم وصح … رمى به عفريت بلقيس على قوس قزح
وقوله: [الطويل]
أساكن مصر قرّ عينا ولا تخف … فقد كفل الجبّار رعي مقامها
стр. 6172
وقد صحّ نقلا أن مصر كنانة … وأهرامها منها يصول سهامها
وقوله: [الوافر]
تبيّن أنّ صدر الأرض مصر … ونهداها من الهرمين شاهد
ووا عجبا وقد ولدت كبيرا … على هرم وذاك النّهد ناهد
وقوله: [البسيط]
يا ويح ناعورة باتت تؤرّقني … فواصلت حزن آصالي بأسحاري
باتت تئنّ وتبكي في تقلّبها … لكن على غير أوطان وأوطار
فهيّجت أنّتي شوقا إلى سكني … وأرسلت دمعي الجاري على الجار
وقوله: [مجزوء الكامل]
لا تعذلنّي في العرو … ض ولو رأيت القصد حائر
دارت عليّ دوائر … فجهدت في فكّ الدوائر
وقوله: [الكامل]
فتّ التّتار على عتيق مقرّب … ورجعت لكن فوق جدّ مقرف
وإذا اصطفى الملك الخؤون لنفسه … ولملكه فالذنب ذنب المصطفي
وأخوك خانك قبل ذاك فما نجا … فابكوا مليكا خانه الأخ والصّفي
والعين تشبه أختها في خلقها … ولرّبما اختلفا كعيني أخيف
ومنها:
تتلو الجواسق فاطرا أسفا وقد … كانت بقربك تاليات الزّخرف
(١٦٣) وقوله: [الوافر]
стр. 6173
أميل إلى سكون وانقطاع … مريح والزّمان به ضنين
وكيف يرام من حركات دهر … يدور بأهله أبدا سكون
وقوله: [الخفيف]
نمّ فوق الخدّين منه عذار … لا تراه العيون إلاّ خيالا
كإناء من عسجد فيه ماء … نقشت تحته الصّناع مثالا
وقوله: [الوافر]
تقاطع صاحباي على هناة … جرت بعد التّصافن والتّصافي
وذا مالا يضمّهما مكان … كأنهما معاقبة الزّحاف
وقوله: [الطويل]
وصلت فلمّا أن ملكت حشاشتي … هجرت فجد وارحم فقد مسّني الضّرّ
فليت الذي قد كان لي منك لم يكن … وليتك لا وصل لديك ولا هجر
فلا عبرتي ترقى ولا فيك رقّة … ولا منك إلمام ولا عنك لي صبر
وقوله: [البسيط]
إن دام بعدكم لا شكّ في تلفي … أنتم دوائي وأنتم في الهوى دائي
بقاي بعدكم يا من كلفت بهم … كالحوت في البرّ أو كالضّبّ في الماء
وقوله: [الكامل]
أنّى تكيّف أو تمثّل ذات من … عجزت عقول الخلق عن أوصافه
مهما تمثّل ناظر أو خاطر … فالله جلّ ثناؤه بخلافه
وقوله: [المتقارب]
стр. 6174
أنام إذا أنا حدّثته … لأن حديثي لا ينفع
نشاط المحدّث في لفظه … على قدر فهم الذي يسمع
وقوله: [مجزوء الكامل]
يغتابني فإذا التفتّ … أبان عن محض صحيح
وثبا كوثب البحتريّ … من النّسيب إلى المديح
وقوله: [الخفيف]
من مجيري من أسمر اللون كالأس … مر قامت عليّ فيه القيامه
(١٦٤) حسد البدر حسنه فلهذا … ذاب غيظا حتى بدا كالقلامه
لعبت خلفه الذّؤابة فاس … تكبر تيها فقبّلت أقدامه
وقوله: [الكامل]
والشّعر كالدّينار جيّده … ورديئه كالفلس في الصّرف
ضرب كضرب العود تسمعه … وقعاقع كالطّبل والدّفّ
ومنهم:
٤٧ - الحسام الأحدب، وهو أبو العوف، منقذ بن سالم بن منقذ بن رافع بن جميل بن منير بن مزروع المخزومي
شاعر ولد بالمعرّة، وعقد راحه بالمسرّة، ومن ثمّ بين نبلائها نجم، ومن يمّ فضلائها انسجم. ونشأ بدمشق منذ كان في سن اليافع، واخضرّت فيها فروعه، فقيل له أبو الغصن لغصنه اليانع. ولم يكن مثله في الحدبان والهلال الذي تقوّس، ولا شبيهه في الأغصان ولو تهوّس، إلا أنه ما سدّت بمثله محرومة محروم، ولا سدّت قريش على نظره نطاق مخزوم.
стр. 6175
وقد ذكره الفاضل أبو العباس، ابن العطّار الكاتب، قال: «وكان قامته دون قعدة الرجل» خلاف قول سلم الخاسر: [المتقارب]
إلى ملك من بني الخيزرا … ن كان القيام لديه قعود
وقد أنشده من شعره قوله: [الكامل]
لولا ظماي إلى جنى رشفاتها … عفت الكؤوس وما شربت مداما
وممنّع الزّورات زور خياله … من أجله أنا أعشق الأحلاما
يهوى الزيارة في الظّلام مجالسا … فأودّ لو عاد الصّباح ظلاما
من لي بمعشوق الشّمائل لم ينل … بدر التّمام إذا رآه تماما
رشأ لقتل محارب ومسالم … إن لم يهزّ الرّمح هزّ قواما
وقوله: [الطويل]
سلوا ورق بانات الحمى عن تشوّقي … وجز بالمنحنى عن تحرّقي
ففي دين بعد البين ما بعض بثّه … يدلّ على قلب المعنّى وما لقي
(١٦٥) وليس الذي عندي من الوجد والأسى … بمستحدث عن بعد يوم التّفرّق
ولكنها نار تشبّ ضرامها … نوانا فما تخبو إلى حين تلتقي
وفي ذلك الحيّ التّهامي كاعب … كغصن النّقا عضّ النظارة موثقي
إذا طلعت شمس النهار رأيتها … تحاذر ذاك الحيّ منها وتتّقي
وقوله: [الكامل]
وفتور لحظك وهو آفة سكرنا … لا ما أتى في الكأس والإبريق
ما فاتك الحرّ الحلال وإنّما … حلو حديثك فيه مرّ عتيق
وقوله: [الخفيف]
стр. 6176
لا تزدني على شديد اشتياقي … فكفاني من الأسى ما ألاقي
فإلى من وأنت خصمي ووالي ال … حسن أشكو جناية الأحداق
ونصوح يقول نم لترى الطّي … ف فتحظى منه ببعض التّلاقي
يا رفيق المحبّ أطنبت في التّع … نيف، ما هذه شروط الرّفاق
وقوله: [الكامل]
ما للغواني قلّ منها ناصري … لّما رأت خذلان شبّي النّاصل
عطلي من الأحباب أبقاني على … حال الأسى فأعجب لحال عاطل
وقوله: [الكامل]
زمن الصّبى هل ما تولّى يرجع … هيهات ذلك والشّباب مودّع
كم قد بكيت عليك لو أجدى البكا … وأسفت لو أنّ التّأسّف ينفع
لا تنكرنّ لهم خضوعي ذلّة … من ذا يحبّ ولا يذلّ ويخضع
وحمائم بالغور بتّ مؤرّقا … أشكو الذي تشكو وباتت تسجع
وأحبّة قطعوا حبال مودّتي … لم يبق لي في الوصل منهم مطمع
قالوا تعرّض بالخيال وطيفه … والطّيف كيف يزور من لا يهجع
وقوله: [الطويل]
تجمعت الأحزان من كلّ جانب … عليّ كشمل الحيّ لّما تفرّقا
(١٦٦) حبست على أطلاله الدّمع سافحا … ففي سفح ذاك المنحنى راح مطلقا
أطلت إليه بثّ شكوى صبابتي … [ومثلي] يطيل البثّ من كان شيّقا
ولما اجتمعنا للوداع عشيّة … جزعت ولما يبعد العهد باللّقا
وإن تبت عنكم كارها فأليّة … بحبّكم لا بتّ إلاّ مؤرّقا
стр. 6177
وقوله: [الطويل]
سرى البرق من نحو الحمى يتألّق … فهاج لمسراه الحمام المطوّق
وغرّد حتى قلت مثلي متيّم … وأعلن حتى قلت مثلي مؤرّق
وبتّ أناجي الشوق حتى إذا بدت … عن الصبح أثواب الظلام تشقّق
وقفت بربع الدار عنهم مسائلا … فكادت لما بي دمنة الدار تنطق
وقوله: [الطويل]
مرير التّجنّي ثغره خصر الجنا … بصدري به قبض وعذري له بسط
أباح دم العشّاق خطّى قدّه … فهل جاءه غير العذار به خطّ
وقوله: [مجزوء الكامل]
طاب الصّبوح مع الغبوق … فامزج لنا راحا براح
مشمولة قد عتّقت … في دنّها من عهد نوح
حمراء صرفا إن بدت … في كأسها أزرت ببوح
أو ما ترى راووقها … يبكي على الزّقّ الذّبيح
خذها وإلا ما النصي … ح فلا تطع قول النصيح
وقوله: [الخفيف]
يا نسيم الصّباح عيّ لساني … قصر والغرام شرح يطول
أنت مأمونة على السّرّ فاستملي … حديثي وحقّقي ما أقول
جدّدي بيننا المواثيق فالله … على ما نقول وكيل
في عذول عن السّلوّ وفي … أذنيّ وقر عما يقول العذول
ما عليهم لو خفّفوا من غرامي … إن عبء الغرام عبء ثقيل
(١٦٧) وبذاك الصّريم ريم لقتلي … فاعل وعن صدّه مفعول
стр. 6178
قمر من جبينه ومن الفر … ع لرأيه بكرة وأصيل
أشبهت لون قده حوّة … الثغر فذا عاسل وذا معسول
يا عنيدا بالصدّ هل لظما الصب … ب إلى رائق الوصول وصول
إن نار الجفا التي أنت مصل … فوق ما يستحقّ منك الخليل
وقوله: [الكامل]
كرّر عليّ فإنّ أخبار النّقا … أمست أحقّ لمسمعي أن تطرقا
وأعد عليّ حديث من حلّ الحمى … فلربما ناب الحديث عن اللّقا
وقوله: [الطويل]
أهاجك نجد أم شجتك المنازل … فأكناف سلع فاللوي فالمعاقل
فيا حبّ وصل لم تشبه قطيعة … ويا طيب حبّ لم تشنه العواذل
ولم أنس سكّان الحمى وقد اغتدوا … رواحل قد شدّت لديهم رواحل
فما أوسقوا يوم الترحّل أو سقوا … مطيّهم إلا ودمعي مناهل
ولما نأوا نأيا تولّيت إثرهم … أسائل بعد القوم والدمع سائل
فلو قصدوا الإنصاف أدنوا وباعدوا … ولو عدلوا في الحكم صدوا وواصلوا
أيا فالقا هام الدّجى بقلوصه … توقّ النّقا إن كنت نجدا تحاول
وإياك أن تأتي الأراك مخافة … أراك وقد أصمى فؤادك نائل
وقبّل إذا أقبلت أحجار حاجر … ومثّل به فالرسم للرسم ماثل
وحيّ به حيّا متى رمت ريمة … يصدّك عنه الذابل القدّ ذابل
فكم علقتنا من هواه علائق … خذلنا بها والحبّ للمرء جاذل
وكم قد توسّلنا إليه بمدمع … فسال ولم تنفع لديه الوسائل
ولما رأيت السّحر بدعة طرفة … تيقنت حقّا أن عيناه بابل
стр. 6179
وقوله: (١٦٨) [البسيط]
وعاذر في الهوى أن دان جاهله … فللهوى مسلك مستويل زلق
يردي الكميّ وإن جلّت بسالته … ويستباح حماه المدره العرق
هل أنت عاصم باك سوف يدهمه … إما حريق بنار الشوق أو غرق
لله من واله ولم ترم بسكان النقا … ولّما يزل ما اعتاده القلق
فلا تعجّب من ذلّي وعزّهم … فطالما ذلّ أقوام إذا عشقوا
وإن حرمت لذيذا من وصالهم … فالمستحقّون شيئا قلّ ما رزقوا
ومنهم:
٤٨ - عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، أبو محمد، موفّق
المعروف بالورن، الواعظ، الكحال، المتطبّب. واعظ لا يغر، ولا فظ بلفظ الدّر، وطبيب يمسح بيده السّقام، وكحّال لا تروّع بعده العيون بالمنام. دمث الأخلاق، غيث الروض فخاب سعي نسيمه الخفّاق، وتنقّل في السّكنى بمصر والشام، ثم اتخذ بعلبك من مساكنها دارا، ورضي بساكنها جارا، ثمّ لما حمّ حمامه، وقاربت الممات أيامه، رحل إلى مصر فتوسّد بها فراش التراب، وحطّ بها رحله، ثمّ لم يبعث له ركاب، وشعره الذّ من غفلة الرقيب، وزورة الحبيب، فمنه قوله: [الطويل]
يسائل طرفي عن خيالك في الكرى … فيخبر سهدي أنّ طرفك راقد
ويحسب وكرا ناظري طائر الكرى … وما هو إلا للسّهاد مصائد
وقوله: [الكامل]
قلبي وطرفي في ديارهم … هذا يهيم بها وذا يهمي
стр. 6180
رسم الهوى لما وقفت بها … للدمع أن يجري على الرّسم
وقوله: [السريع]
تشابهت والصّبح في نورها … ففرّق الساقي بفرق دقيق
ومزّقت ثوب الضحى فانثنى … من بزلها يرفي بخيط رقيق
وقوله: [الكامل]
رقّ النسيم لطافة فكأنّما … في طيّه للعاشقين عباب
وسرى يفوح معطّرا وأظنّه … لرسائل الأشواق فيه جواب
(١٦٩) وقوله: [الكامل]
إن ضيّعوا عهدي فعهد هواهم … بين الجوانح سرّه مكنون
وحياتهم، أما السّلوّ فإنّه … شك وأما حبّهم فيقين
وقوله: [الكامل]
شمت الحسود لأني ضنيت وما درى … أنّي بأثواب الضّنا أتشرّف
يا غائبين وما ألذّ نداهم … وحياتكم قسمي وعزّ المصحف
وقوله: [الطويل]
رتق الحمى حدّث بأخبار لوعة … لها من فؤادي بالجفون تواتر
ويا نسمات الصّبح قولي لراقد … هناك الكرى، إنّي لبعدك ساهر
وقوله: [الطويل]
خليلي ما للبرق يخفق غيرة … أبرق حماها مثل قلبي عاشق
وما للمطايا قد حداها اشتياقها … حتى لها مثلي تحنّ الأيانق
стр. 6181
تميل غصون البان شوقا لقدّها … فتنطق إشفاقا عليها المناطق
وينشقّ قلب للشقائق غيرة … إذا حدّقت حينا إليها الحدائق
وقوله: [الكامل]
نقل الأراك بأنّ ريقة ثغره … من قهوة مزجت بماء الكوثر
يا طيب ما نقل الأراك لأنّه … يرويه نقلا عن صحاح الجوهر
حكى الفاضل أبو العبّاس بن العطّار، الكاتب، أنّ أخت الشيخ قطب الدين موسى بن القويني كانت مزوّجة في الرّحبة، فلمّا مات زوجها توجّه أخوها قطب الدين لإحضارها فأقام عندها لتقضي مدّة العدّة، ثمّ يحضرها، فكتب إليه الورن: [الكامل]
مولاي قطب الدين موسى دعوة … من نازح يسلو قطيعة وصله
أتراك ما آنست نار تشوّقي … يا من قضى أجلا وسار بأهله
قال: وكان بالبقاع قاض يلقّب شهاب الدين، وله ولد مليح اسمه موسى (١٧٠) فأتاه فقيه مشهور يحبّ الغلمان، وكان قد أطلّ شهر رمضان، فتلقّاه القاضي، وأنزله عند ابنه، فكتب إليه الورن: [السريع]
قل لشهاب الدين يا حاكما … في سرعة الحبّ على الجار جار
آويت في ذا الشهر ضيفا يرى … أنّ دبيب الليل مثل النهار
وهو فقيه أشعريّ الخصا … يعلّم الصّبيان باب الظّهار
إياك إن لاحت له غفلة … لفّ كبار البيت بعد الصّغار
قال: وكان بالبقاع وال من أهل الأدب، يعرف بابن درباس، واسمه عليّ، وكان ينظم الشّعر ويتوالى، والوزير بدمشق إذ ذاك بدر الدين جعفر بن الآمدي، وكان يتوالى أيضا. فاتّفق أنّه ولّى عنده بالبقاع كاتبا ممن سلم من التّشمير من
стр. 6182
ديوان المطابخ، وكان من حديث هؤلاء أنهم سرقوا قندا كبيرا، كان قد حمل من غور الكرك، ليطبخ بدمشق للسلطان، فبلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس، فأمر بهم فسمّروا، وطيف بهم على الجمال، إلاّ هذا الكاتب، فإنّه شفع فيه، فأطلق بعد أن قدّم الجمل ليسرّ، فلمّا استخدمه ابن الآمدي بالبقاع، ضيّق على ابن درباس، فأقام يعمل قريحته فيما يكتبه إلى ابن الآمدي فيه، فلم يأت بشيء، فسأل الورن في ذلك فكتب: [البسيط]
شكية يا وزير العصر أرفقها … ما كان بأملي هذا من ولاك علي
لم يبق في الأرض مختار إلا فتى … من بقايا وقعه الجمل
فضحك ابن الآمدي، وقال: قال الحق والله، ثم عزل ذلك الكاتب، ولم يستخدمه بعدها.
ومنهم:
٤٩ - يوسف بن أحمد بن محمود، الأسديّ، أبو العزّ وأبو المحاسن، جمال الدين. عرف بابن الطّحان (١٣)
وهو المسمى بالحافظ اليغموري، لنسبته إلى صحبة ابن يغمور. محدّث لا يملّ، ومؤرّخ لا يخلّ، وحافظ مدد بحره لا يقلّ، وفاضل لا يعجز أن يستدلّ، ملأ بخطّه الورق، ورمى بخطبه الفرق، وكتب أوقار أحمال، وأوراق تعاليق تقيّد خطا الجمال، صدوق، نقله محقّق، (١٧١) وقوله مصدّق، وحديثه موثّق. كم له من مجموع حسن، ومسموع ما أطرب به طائر على فنن، وكان له طرف تشفّ، ولطف تخفّ، وأدب شكره واجب، كأنه الغمز بالحواجب. وحكي أنه مرض لابن يغمور مملوك كان يعزّ عليه، وكان يعوده طبيب من أخصّاء أصحابه،
стр. 6183
فمات المملوك، فلما خرجت جنازته، خرج الطّبيب فيمن خرج معها، فلما حضر الدفن قعد الطبيب على القبر وهو يحفر، ثم بقي يقول للحفّار احفر كذا، اعمل كذا، افعل كذا، فقال له الحافظ اليغموري: يا سيّدنا أنت قد عملت ما يجب عليك وما قصّرت، لازمته حتى وصّلته إلى هنا، وأمّا من هنا ورايح، ما بقي يتعلّق بك. الذي عليك أنت عملته، وبقي الذي على هذا، وأشار إلى الحفار، فخزي الرجل، وضحك كلّ من حضر الدفن. ورأيت بخطّ ابن العطّار ما صورته وقد ذكره، فقال: «وكتب إليه الأديب شهاب الدين محمّد بن عبد المنعم ابن الخيمي، وكلاهما أرمد: (١) [الوافر]
أبثّك يا خليلي أنّ عيني … غدت رمداء تجري مثل عين
حديثا أنت تعرفه يقينا … لأنّك قد رمدت وأنت عيني (٢)
فكتب جوابه: [الوافر]
كفاك الله ما تشكو وحيّا … محاسن مقلتيك بكلّ زين
فإنّي من شفائك ذو يقين … لأني قد شفيت وأنت عيني (٣)
ومن شعره قوله: (٤) [الرمل]
رجع الودّ على رغم الأعادي … وأتى الوصل على وفق مرادي (٥)
ما على الأيام ذنب بعدها … كفّر القرب إساءات البعاد (٦)
стр. 6184
ومنه قوله: (١) [الرمل]
أنا مرآة فإن أبصرتم … حسنا أنتم بها ذاك الحسن
أو تروا ما ليس يرضيكم فقد … صدئت إذ لم تروها من زمن (٢)
ومنهم:
٥٠ - جوبان القوّاس (١٣)
واسمه رمضان، ولقبه أمين الدين. لسان (١٧٢) ينفق درّا، وبيان ينفث سحرا، وسنان يصيب نحرا، وحسّان يؤيّد بروح القدس إذا قال شعرا، كان لا يقرأ ولا يكتب، ولا سلف له سابق بأديب، ولا درس، بل كان شغله صنعة القسيّ يطلع أهلّتها، ويصنع من سقام الأصيل حلّتها. وحكى لي شيخنا شهاب الدين محمود الحلّي الكاتب عنه، أنه كان يدّعي الأميّة، وكان بخلاف ما يدّعيه، قرأ وكتب وحفظ المفصّل في النحو. وحكى لي صاحبنا الشيخ جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن الغويرة السّلميّ عنه، أنّه كان يأخذ الخطوط المنسوبة الفائقة بخط ابن البوّاب، والوليّ التبريزي، وأمثالها ويضعها قدّامه بحيث يراها، ثمّ يقصّ من التّوّ مثلها ويلصقها أسطرا على الدروج، لا يفرّق بين ما قصّه منها بالمقصّ وبين ما كتبه أولئك الكتّاب بالقلم. وحكى لي حسن بن المحدّث الكاتب أنه كان يكون قاعدا في عمل صناعته وهو ينظم القطعة من الشّعر، النظم الجيّد المرضي، وفي شعره ما يبلّل بقطره الغمائم، ويلطم بنشره اللطائم، ومنه قوله: (٣) [الطويل]
стр. 6185
وعهدي بوجه الأرض مبتسما فلم … تغرغر منه الدّمع في مقل الغدر (١)
إذ أرجف الماء النسيم لوقته … كساه شعاع الشمس درعا من التّبر
وقوله:
نصون الحميّا بالقناني وإنّما … نصون القناني بالحميّا ولا ندري (٢)
ولما حكى الرّاووق في العين شكله … وقد علق العنقود في سالف الدّهر
تذكّر عهدا بالكروم فكلّه … عيون على أيام عصر الصّبا تجري (٣)
يناولنيها مخطف الخصر أغيد … فلله ذاك الأغيد المخطف الخصر
يقول وفرط السّكر يثني لسانه … إلى غير ما يرضي التّقى وهو لا يدري (٤)
ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري … فدون الذي تحوي أنامله خصري
وقوله:
لك بين حزني والسّرور مقام … فلذاك أعذر في الهوى وألام
(١٧٣) ولك السّرى بين الرّقاد ويقظتي … فالوجد لا فكر ولا أحلام
يا حيرة العشّاق في سبل الهوى … إذ ليس يدرك علمه فيرام
كتب الغرام على صحيفة خدّه … مت عاشقا فلتتعب اللّوام
وقوله:
أدر علينا كأس ذكر الحبيب … فإنّه يسكر سكرا عجيب
لو نسيمات بنشر الحمى … تأتي مع الصّبح لمات الكئيب
стр. 6186
وا رحمتا للصّبّ إن عرضوا … بذكر من يهواه عند الرقيب
يروم أن يكتم أحواله … وكيف تخفى لمحات المريب
وقوله في مليح له خال رقم ديباجة خدّه، وخال أنّه هو سبب صدّه، وأتى بلفظة حاله هنا تورية حسنة على ابتذالها وكثرة استعمالها: [السريع]
وأسمر يخجل سمر القنا … معسوله تحمي بعسّاله
يتمنّى خال على خدّه … وآفة العشاق من حاله
وقوله: [الطويل]
تحمّلت فيك السّقم حتى رحمتني … فحاكيت حالي والتوجّع مسقم
وأحرقت قلبي بالجفا وسكنته … فلا غرو إن فاحت عليك جهنّم
ومذ غاض ما استودعت في الخدّ من دمي … بكيت به إلاّ فمن أين لي دم
وقوله: [السريع]
لولا عيون الرشأ الأكحل … ما وصل السّهم إلى مقلتي
رقّ لي العاذل من لوعتي … فكيف لو شاهده عذّلي
وقوله: [مجزوء الخفيف]
سار مزموم ركبهم … وهو عنّي مجنّب
فأنا اليوم بعدهم … بالمغاني مشبّب
وقوله في القوس، وبذل فيه جهد استطاعته، وأجاد في صناعته:
[الخفيف]
أنا عون على هلاك عداكا … زادك الله نصرة وحماكا
(١٧٤) فادعني في الوغى تجدني صبورا … نافذ السّهم في العلا فتّاكا
стр. 6187
ربّ في الحرب نلت مطلبك ال … أقصى وما بي من قدرة لولاكا
وقوله في مليح لعب بالصوالجة، فطارت الكرة إلى وجهه فأثّرت فيه، وحقّقت باللّدم له بالبدر التّشبيه: [البسيط]
وافى وقد أثّرت في وجهه كرة … جاءته قاصدة من غير مقتصد
لم ألق في حرجي من فعلها ألما … بقدر ما نالني من شدّة الحسد
وقوله: (١) [مجزوء الكامل]
ربّح وخذ بنسيئة … واشرب وامطل ودافع (٢)
فأحقّ ما أكل المحا … لي مال أرباب المطامع
وقوله، وهما في جملة قطعة من قطعه السائرة، وأبياته التي علقت بكلّ ذاكرة: (٣) [البسيط]
لاح الهلال ابن يوميه فأذكرني … شرب المدامة تجلى من يد السّاقي (٤)
كأنّه شفق للكأس قد نقصت … بالميل والخمر شفّاق على الباقي
وقوله: [مجزوء الوافر]
تفرّق عقله فرقا … كذاك يصاب من عشقا
وأودع قلبه حجرا … من الوجنات فاحترقا
وقوله: [الكامل]
стр. 6188
قابل مذلّة من أتاك بعذره … بالصفح إنّ العذر خير شفيع
وإذا غفرت فلا تشوب حلاوة ال … غفران منك مرارة التقريع
وقوله: [الوافر]
أغايظه ليعرض بالتجنّي … فيحلو لي إذا أبدى الدلالا
وإن عرف الفتى مقدار شيء … عزيز من بضاعته تغالى
وقوله: (١) [مخلع البسيط]
جئت أريد الحمّام يوما … فغرّني النقش والحصير
أنقل خوف الوقوع رجلي … فيها كما ينقل الضرير
(١٧٥) جهنّم لا يصاب فيها … وهج بل الكلّ زمهرير
وكلّما جاءها زبون … قلنا ألم يأتكم نذير
وقوله: [المنسرح]
نفس الخسيس البخيل كامنة … فيه ولو حاز ملك قارون
يعطي ويقري وفي مخايله … منّ شحيح وكظم مغبون
وقوله: (٢) [الوافر]
حمانا الترك وانتهكوا حمانا … وليس يفي التواصل بالصدود (٣)
حمونا بالصوارم والعوالي … وجاروا باللواحظ والقدود
وقوله يرثي صديقا له: [الخفيف]
стр. 6189
كيف نسلو يا زين أو نتناسى … خلقا منك يطرب الجلاّسا
لست أبكي عليه لكن على نف … سي أبكي فقد عدمت النّاسا
وقوله: [الطويل]
ولما نزلنا دوحة الزهر نجتلي … محاسن ما قد نظّمته يد القطر
فما خلتها إلاّ تماثيل عنبر … وقد جلّلت من فوقها شبك الدّرّ
وقوله: [البسيط]
أرني المنافس في الدنيا ليجمعها … حرصا وللرزق حكم يبطل السّببا
كلاعب النّرد يفني في تصرّفه … جهدا ويمنعه المقدار ما طلبا
وقوله: [البسيط]
وباقة ألّفت من نرجس نضر … تروق أبصارنا بالمنظر العجب
تخال مائدة من فضّة وضعت … وبثّ فيها سكاريج من الذّهب (١)
وقوله: [المديد]
أيّها الحادي أقم نفسا … فلعمري فيك إحسان
اسأل الأحباب أن يعدوا … عودة فالقوم قد لانوا
(١٧٦) رحلوا والقلب بينهم … يتوارى وهو وجلان
خيفة ممّن يهيم بهم … كلّ من في الركب غيران
وحكي أنه كان يعهد غلاما مصونا، ذا جمال رائق، وكمال فائق، وحسن يعذر به الوامق، وانجذاب يطمع بمثله العاشق، وكان يعهده يجرح قلبه ولا يكلّمه، ويروي نظره منه ولا يطفأ تضرّمه، فمرّ به وقد تمادى عليه زمان في
стр. 6190
حانوت معلّمه، فمذ رآه افترّ له بمبسمه، فأراد أن يجلس إليه فأشار إليه ألاّ يفعل، فعلق قلبه برحم إيمائه، وقوي طمعه في الوصول إلى نجم سمائه، وكان الغلام قد خاف معلّمه لأنّه كان به مفتونا لا يكفّ عنه نظرا، ولا يبصر غيره ولا يرى، وكان المعلّم وهو الذي راض جامح ذلك الغلام، وعلّمه أن يرمي بطرفه تلك السّهام، فانصرف عنه وهو يقول: [المنسرح]
أقصد حانوته فيغمزني … أن لا تقف عندنا لتهتكنا
فإنّ هذا معلّمي رجل … قد لاط قسطا من عمره وزنا
لا جمّل الله من معلّمه … بالسّتر عرقا إن مات أو دفنا
علّمه صنعة يعيش بها … معه، وأخرى بها أموت أنا
قلت، وقد سكّن (معه) في هذا البيت وهو معيب. وكان شيخنا شهاب الدين محمود ﵀ يقول: قلّ أن نهضت قافية مقيّدة، أو عمّر بيت سكّنت فيه مع.
قلت: وفي قول شيخنا هذا مطلقا نظر، و (مع)، الساكنة مع غير ضمير أخفّ منها ساكنة مع الضمير. ثمّ نرجع إلى تتمّة شعره فنقول، ومنه قوله: [الطويل]
ألقت هواي في هواكم فراضني … فلم يبق لي نفس تخالف عن أمري
وقد كنت ذا صبر على ما ينوبني … فعلّمني هجرانكم قلّة الصّبر
وقوله: [السريع]
لما بدا الشّعر على سالفيه … سعى به من كان يسعى إليه
(١٧٧) ما عاينت من قبله مقلتي … بدرا عراه النّقص من جانبيه
وقوله في الحشيشة: [الوافر]
стр. 6191
إذا فرص بدت لك فانتهزها … فأعمار السّرور بها قصار
وخذها من معنبرة بلون … كلون الآس يلحقها اصفرار
تطوف على الأكفّ بغير كاس … لها، وحياتها الحبّ الصغار
وودّع غيرها إن خفت عارا … فحسوة غيرها ذل وعار
فلو أنّ الحشيش تزيد فهما … لنال بفهمه الرّتب الحمار
وقوله: [السريع]
يعبث عجبا بقلوب الورى … في الشّحّ بالوصل وبذل السّماح
يؤنس بالنرجس من يجتني … فإن لوى أطعمه بالأقاح
وقوله في الأذريون، وأهل دمشق تسمّيه (الكركاش): [الكامل]
انظر إلى الكركاش وهو محدّق … كالتّبر محتاط عليه يدار
فكأنّه فم شادن متبسّم … من فوق رأس لسانه دينار
وقوله: [السريع]
تبّا لحمّام نشبنا بها … لم نر فيها خصلة صالحة
فبابها كالفحم لكنّها … كالثّلج منها نقطة راسخة
والماء كالبولة لكنّه … سخن غليظ سهك الرائحة (١)
فيها ضباب عاقد تغتدي … أوجهنا في نقعه كالحة
والسّدر كالوحل على أرضها … قد لزم الشّعر من البارحة
وما الذي يذهب غيّابه … وليس فيه نقطة شارحة
وفيم أترف من أحذم … علامة الشّرّ به لائحة
стр. 6192
تتلو علينا كلّما جئنا … هـ نتلو سورة الفاتحة
وقوله: (١) [السريع]
نفّش غصن البان أذنابه … واهتزّ عند الصّبح عجبا وفاح
وقال هل في الروض مثلي وقد … عزوا إلى غصني قدود الملاح (٢)(١٧٨) فحدّق النرجس يهزا به … وقال حقّا قلته أو مزاح؟!
قال له البان ألا تستحي … ما هذه إلاّ عيون وقاح (٣)
وقوله: [الخفيف]
وعدت زورة إذا الليل جنّا … فتجافى الكرى جفون المعنّى
وغدا بين خوفه والدّجى هل … ل إليه الصباح أو هي أدنى
وقوله: [مجزوء الرجز]
ذو مقلة صحيحة … ألحاظها منكسرة
كأنّها من فعله … بصبّها معتذرة
أوصافه كاملة … وفي الورى مختصرة
يا ربّ خذ رقيبه … فهو أشدّ العشرة
وقوله: [الوافر]
لئن جحدتني العينان ظلما … وجوب دمي فإنّ الخدّ يشهد
بخلت على الخليل بغير ذنب … جناه بطيب مرشفك المبرّد
стр. 6193
وقوله في المائدة وهي الخونجاه: [مخلع البسيط]
وذات أصل لها زكيّ … يصلح بين المغاضبين
تسعى على الرأس إن أتتنا … طورا وطورا على اليدين
وقوله: [السريع]
وذات وجهين وما فيهما … عين ولا أنف ولا حاجب
لها فم ليس له مدخل … وهو لّما يسقونه شارب
ومنهم:
٥١ - محمد بن العفيف، سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، التلمسانيّ، أبو عبد الله، شمس الدين (١٣)
نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيف لا بل أخفّ موقعا في الكرى، لم يأت إلاّ بما خفّ على القلوب، وبرئ من العيوب، ورقّ شعره فكاد يشرب، ودقّ فلا غرو للقصب أن يرقص، وللحمام أن يطرب. ولزم طريقة دخل بها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وجاء بكلّ لطيف، وأجاد التورية والكلّ معها لفيف، وبرز على (١٧٩) أقرانه ففات الرّفقة، وملأ العين بما جاء به من الرّقّة، وكان لأهل عصره، فمن جاء على آثارهم افتتان بشعره، وافتنان فيه وفي ذكره، وخاصة أهل دمشق، فإنّه بين عمائم حياضهم ربّي، وفي كمائم رياضهم خبّي، حتّى تدفّق نهره، وأينع زهره، وكان يرى أنّهم جلدته، وأبناء بلدته، وإن كان قديمه من بلد سوى بلدهم، ولمولد غير مولدهم.
وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا يروون له
стр. 6194
شعرا إلاّ عظّموه كالمشاعر، ولا ينظرون له بيتا إلا كالبيت، ولا يقدّمون عليه سابقا، لو قلت: ولا امرأ القيس لما باليت. ومرّت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق لهم من زمانها إلاّ تذكّره، ولا من إحسانها إلاّ ما تشكره. وأكثر شعره - لا بل كلّه - رشيق الألفاظ، سهل على الحفّاظ، لا يخلو من الأمثال العاميّة، وما تحلو به المذاهب الكلاميّة، فلهذا علق بكلّ خاطر، وولع به كلّ ذاكر، وعاجله أجله فاخترم، وأحرم أحبابه لذّة الحياة وحرم. ذكر شيخنا أبو حيّان وهو آخر من ذكره في مجاني العصر، وقال: مولده بالقاهرة في عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وستمئة، ومما أنشد له قوله في طبّاخ: (١) [مجزوء الرمل]
ربّ طبّاخ مليح … فاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكن … شغّلوه بالقدور
وقوله: (٢) [السريع]
أسير أجفان بخدّ أسيل … كليم أحشاء بطرف كليل (٣)
في حبّ من حظّي كشعر له … لكن قصير ذا وهذا طويل (٤)
ليس خليلا لي ولكنّه … يضرم في الأحشاء نار الخليل (٥)
يا ردفه جرت على خصره … رفقا به ما أنت إلاّ ثقيل
وقوله: (٦) [الهزج]
стр. 6195
وقد سوّد حظّي من … ك يا أبهى الورى غرّة (١)
سواد الخال والعار … ض والمقلة والطّرّة (٢)(١٨٠) قديم الهجر من لفتى … قديم في الهوى هجره
رأينا من جفا وجنا … ولكن زدت في كرّة (٣)
فهل تسنح أو تس … مح بالوصل ولو مرّة (٤)
فقد أصبحت لا أمل … ك من صبري ولا ذرّة
وقد صيّرني هجرك … في كس أخت ما أكره (٥)
عذيري فيه من قمر … يريك بخدّه الزّهره
إذا قارن بالأكؤس … إذ بشرتها ثغره (٦)
أراك الذّهب المصري … ي فوق الفضّة الفقرة
ومما أنشد له الفاضل أبو الصفا الصّفديّ قوله: (٧) [الخفيف]
ومليح كالبدر زار بليل … فجلا حسنه الدّجى إذ تجلّى (٨)
وما درى منزلي ولكنّ قلبي … بلهيب الجوى هداه ودلاّ (٩)
стр. 6196
وعجيب منه فقيه ذكيّ … بمحلّ النزاع كيف استدلاّ
وقوله: (١) [الكامل]
ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا … باللّثم للعتبات بعض الواجب (٢)
وأتيت أقصد زورة أحيا بها … فرددت يا عيني هناك بحاجب (٣)
وقوله في رسّام: (٤) [مجزوء الرجز]
قلت لرسّامكم … بك الفؤاد مغرم (٥)
قال متى أذيبه … فقلت حين ترسم (٦)
وقوله: (٧) [من الرجز]
يا بأبي معاطف وأعين … يصول منها رامح ونابل (٨)
فهذه ذوابل نواضر … وهذه نواظر ذوابل
وقوله: (٩) [الطويل]
حللت بأحشاء لها منك قاتل … فهل أنت منها نازل أم منازل (١٠)
стр. 6197
أرى الليل مذ حجّبت ما حال لونه … على أنه بيني وبينك حائل
(١٨١) أيسروا يا طلعة البدر طالع … ومن شقوتي حظّ بخدّك نازل
ولو أنّ قسّا واصف منك وجنة … لأعجزه نبت بها وهو باقل
وقوله: (١) [الطويل]
بلا غيبة للبدر وجهك أجمل … وما أنا فيما قلته متقوّل
لحاظك أسياف ذكور فما لها … كما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلّما … ويلزمه دور وفيه تسلسل
ولا عيب عندي فيك إلا صبابة … لديك بها كلّ امرئ متبدّل (٢)
وعهدي أنّ الشمس بالصّحو آذنت … وسكري أراه من محيّاك يقبل (٣)
وقوله: (٤) [السريع]
في غزلي من لحظ ذاك الغزال … أخبار صبّ قتلته النّبال
غصن سقته أدمعي ثمّ ما … أثمر لما مال إلاّ الملال
وهبته ياقوت دمعي ولا … يسمح لي مبسمه باللآل (٥)
حلّ ثلاثا يوم حمّامه … ذوائبا تعبق منها الغوال (٦)
فقلت والقصد ذؤاباته … واسهري في ذي الليالي الطّوال
стр. 6198
وقوله: (١) [الطويل]
وكم يتجافى خصره وهو ناحل … وكم يتحالى ثغره وهو بارد (٢)
وكم يدّعي صونا وهدب جفونه … تفتّرها للعاشقين مواعد (٣)
وقوله: (٤) [الرجز]
مثل الغزال نظرة ولفتة … من ذا رآه مقبلا ولا افتتن
أحسن خلق الله ثغرا وفما … إن لم يكن أحقّ بالحسن فمن
وسنّ في شرع الهوى تسهّدي … وحرّم الأجفان لذّات الوسن (٥)
في ثغره وصدغه ووجهه … الماء والخضرة والوجه الحسن (٦)
وقوله: (٧) [الوافر]
وبين الخدّ والشفتين خال … كزنجيّ أتى روضا صباحا
(١٨٢) تحيّر في الرياض فليس يدري … أيجني الورد أم يجني الأقاحا
وقوله: (٨) [السريع]
كأنّ ذاك الخال لما غدا … يلوح في سلسلة من عذار
أسيود يخدم في جنّة … قيّده مولاه خوف الفرار
стр. 6199
قلت والمذكور له محاسن كثيرة سوى هذا، منها قوله في نحوي: (١) [السريع]
يا ربّ نحويّ له مبسم … تقبيله غاية مطلوبي
قد صغّر الجوهر من ثغره … لكنّه تصغير تحبيب
وقوله في مليح يعمل الكوافي اسمه علي: (٢) [مخلع البسيط]
اسم حبيبي وما يعاني … قد أظهرا لوعتي وحبّي (٣)
قالوا: عليّا، فقلت: قدرا … قالوا: كوافي، فقلت: قلبي (٤)
وقوله: (٥) [مجزوء الوافر]
عذار فيه قد عبثوا … محبّوه وقد عنتوا
يخاف عيون واشيه … فيمشي ثمّ يلتفت
وقوله: (٦) [مجزوء الكامل]
إنّي لأشكو في الهوى … ما راح يفعل خدّه
ما كان يعرف ما الجفا … لكن تفتّح ورده
وقوله: (٧) [الكامل]
стр. 6200
بعث العتاب برقعة محمرّة … جاءت تهدّدنا بفرط جفائه (١)
فسألتها عنه فقالت إنّه … ذبح الوداد فكنت بعض دمائه (٢)
وقوله: (٣) [الكامل]
ما أنت عندي والقضي … ب اللّدن في حال سوا (٤)
هذاك حرّكه الهوا … ء وأنت حرّكت الهوى
وقوله: (٥) [الوافر]
جلا ثغرا وأطلع لي ثنايا … يسوق بها إلى قلبي المنايا (٦)(١٨٣) وأنشد ثغره يبغي افتخارا … أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا (٧)
وقوله: (٨) [الكامل]
لي من هواك بعيده وقريبه … ولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أعيذ جماله بجلاله … حذرا عليه من العيون تصيبه
إن لم تكن عيني فإنّك نورها … أو لم تكن قلبي فأنت حبيبه
هل حرمة أو رحمة لمتيّم … قد قلّ فيك نصيره ونصيبه (٩)