وقوله: [الرمل]
حظّ عينيّ من الدّنيا القذى … وفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحة … ما أراد الله إلاّ هكذا
وقوله: [السريع]
لمّا بدا في خدّه عارض … وشاق طرفي نبته الأخضر
أمطر أجفاني مستقبلا … فقلت هذا عارض ممطر
وقوله: [الخفيف]
إن بدا لي وتبت عن شرب راحي … ودعاني إليه دفّ وعود
فأدر يا نديم كأس مدامي … وعليّ الضّمان أنّي أعود
وقوله: [مخلع البسيط]
عطشت في مجلس وفيه … ساق كريم يدير خمرا
سقيت لما عطشت كأسا … يا ليتني لو عطشت أخرى
وقوله: [الطويل]
تعشّقته ظبيا فنمّ عذاره … فناديت يا قلبي خلصت من السّبي
فقال أتسلو عند نبت عذاره … ألم تدر أنّ المسك ينبت في الظّبي
وقوله: [مجزوء الكامل]
من يكن أعمى أصمّا … يدخل الحان جهارا
(٢٨٧) يسمع الحان تتلى … وترى النّاس سكارى
وقوله: [الطويل]
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهى … فأخفى عن المعشوق حالي وما يخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضة … من الورد وهي اليوم موردة الحلفا (١)
стр. 6337
وقوله: [المجتث]
أهوى رشا غريرا … لم يبق فيّ بقيا
من مهجتي ودمعي … رعيا له وسقيا
وقوله: [الخفيف]
يا رسول الحبيب غث مستهاما … مغرما يعشق الغرام ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهج … ر فهو ممّن يرى الحديث أمانه
وقوله: [الطويل]
أناديك موسى إذ رأيتك واردا … ومقتبسا نارا وقد قيل لا ولا
أيا قابسا خذ من فؤادي جذوة … ويا واردا رد من دموعي منهلا
وقوله: [مخلع البسيط]
قل للذي حين رام رزقا … بكلّ مالا يليق لاذا
стр. 6338
أقصر عناء ونم قريرا … فالرّزق يأتي بدون هذا
وقوله: [الطويل]
وقائلة يوم الوداع أرى دما … تفيض به عيناك قلت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننا … يذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وقوله: [الكامل]
وإلام أمنحك الوداد سجيّة … وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس لي … دمع يعي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليّ: [الطويل]
نشأت شهاب الدين بالعلم والحجا … وفقت الورى فضلا وعلما وسؤددا
(٢٨٨) شهاب العلا قد كان قبلك في العلا … شهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله: [السريع]
ضيّعت أموالي في سائب … يظهر لي بالودّ كالصّاحب
لّما انتهى مالي انتهى ودّه … واضيعة الأموال في السّائب
وقوله: [الطويل]
يقول نديمي عن نصوح بكفّه … لقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت هو المطبوخ من جسد لها … ألم تره قد صار منها على الثّلث
وقوله: [الطويل]
أقول لثغري والحبيب رضابه … مدامي، ونقلي لثم أيد وأرجل
أيا ثغر قبّل جيده وجبينه … تنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل
стр. 6339
وقوله: [الطويل]
وساحر طرف عقرب فوق صدغه … تدبّ إلى قلبي ولم أملك الدّفعا
وحيّة شعر خلفها نحو مهجتي … يخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وقوله: [مجزوء الكامل]
لما حكى برق النّقا … لمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عن … دمعي الحديث كما جرى
وقوله: [مجزوء الكامل]
قد كنت أحسب بعدكم … حتى توخّيت السّرى
وظننت دمعي بعدكم … يجري دما وكذا جرى
ومنهم:
٦٦ - سليمان بن أبي داود
علم الدين، صاحب الديوان. العلم الفرد، الذي ساد ذكره وساد الشّكر شكره، وسال بذائب النّضار فكره، وسام الدّر الغالي فهان لديه قدره، وولي المناصب السلطانية، وكان صدر رتبها، وسرّ كتبها، ورأس دواوينها، وأساس قوانينها، وآس دوحها الخضر، وورد (٢٨٩) أفانينها.
وتقدّمت له خدمة لقرا سنقر المنصوري، حلّ فيها عنده المحلّ الجليل، وصحبه بها مدّة، وفارقه على وجه جميل، وكان معه حيث رجع عن قصد الحجّ، موجّها إلى البريّة، وأخبرني أنّه وصل معه إلى الفرات، ثم رجع بإذنه، حيث خلاّه صاحبه، وتغلغل ووطئ ذلك البساط، وتوغّل وأتى الباب الشّريف الناصريّ، فعرف وفاءه لصاحبه، وقيامه له من حسن الصّحبة بواجبه، واتّخذه
стр. 6340
موضع المعوّل، والوفاء الذي شكر بدونه السموأل، وهو أقدر النّاس على نظم، وأسرع فيه تقريبا لفهم، ومنه قوله: [مجزوء الرجز]
قلت له: كم تشتكي … أتشتهي خذ واتّكي
فقال: لا. قلت له: … لا تشتهي وتشتكي
وقوله في زوجة له ماتت، وكانت لخلائقه قد واتت، ثمّ مضت كأنها ما أصبحت عنده، ولا باتت، فجرحه مصابها، وجرّعه صابها، فواصل حزن قلبه قطيعتها، وأنطق لسان شكواه فجيعتها: [الطويل]
أقول لقلبي حين غيبها الثّرى … تسلّ فكلّ للمنيّة صائر
وفي كلّ شيء للفتى ألف حيلة … ولا حيلة فيمن حوته المقابر
وقوله: [الكامل]
قالت وقد راودتها عن حالة … يا جارتي لا تسألي عمّا جرى
إنّي بليت بعاشق في أيره … كبر بلا فلس ويطلب من ورا
وقوله: [الطويل]
وبي رشأ ريحان خطّ عذاره … مسلسله حول الحواشي محقّق
على وجنة قد ورّد الورد لونها … وقلب شقيق الروض منه مشقّق
ومنهم:
٦٧ - يحيى بن محمّد بن زكريا، العامريّ
الخبّاز في التنّور. وهو شاعر عطّل الخبّاز البلديّ فنّه، وأنف أن يكون من الخبز أرزي خدنه، وسجر التنّور وأوقده ذهنه، بقريحة محصّلة لم تتّكل، على حاصل ابن القمّاح، ولا قنعت بمدّ (٢٩٠) ابن خضير الحوراني، لما تشكّله على الألواح. ما قدح خاطره المتوقّد إلاّ مثل هذا الفكر المسجور، ولا استمرئ فكره المتدفّق إلاّ قيل جاء أمر الله وفار التّنّور. تتحاشد عليه المسامع تحاشد الطّبون (١) وتتحاسد تحاسد نظرائه في الزّبون. تدرك فطرته المعاني بخرصها، وتودّ الشمس لو جرّت ناره إلى قرصها. تودّ فحمة الليل لو أنّها في تنّوره أحرقت، وعنبرة الصّدغ لو استدارت بوجوه أرغفته التي أشرقت، بتصرّف لا تتلوّم به الأعذار، ومعنى يخرج من فكره وله الغداة نوار، إلى خطّ كأنّه رغيفه على الألواح له من الشّونيز (٢) عذار. فلو رآه ابن الروميّ لعدل عن مدح صانع
стр. 6341
الرّقاق، وقطع له دونه بالاستحقاق، ولراسله ابن المعتزّ في تشبيهه السّوقي، وقدّمه على تشبيهه الملوكي، لبديهته التي في مثل اللمح بالبصر، وصناعته التي بينما هو متجمّع لها كأنّها كرة إذا بها قوراء كالقمر، وسرعته التي مقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء تلتقي فيه بالحجر.
ومن شعره قوله: [الطويل]
كأنّ هلال الصّبح والشهب حوله … مليك عليه الخاصكيّة تحدق
ولفّ الثريّا قصة رفعت له … عليها لسان الصّبح بالبشر ينطق
وقوله: [الكامل]
زهر السّفر جل بالجميل رأيته … قد فاق زهر اللّوز في الأوصاف
هذا ينثّر للنّسيم دراهما … ونثار ذا بخفائف الأنصاف
وقوله: [الطويل]
стр. 6342
ولم أنس زهر اللّوز عند عشيّة … وقد ميّلت ريح الصّبا لين أعطافه
طربنا لتغريد الحمائم فوقه … فنقّط وجه الأرض من جملة أنصافه
وقوله: [الكامل]
أين السيوف من العيون نسلّها … غلظا وإن كانت بصقل تلمع
إنّ السيوف قواطع بصقالها … إلاّ العيون إذا تصدّت تقطع
وقوله: [الطويل]
ولّما رأى حبّي سقامي يزيدني … فقال: إلى كم ذا المقال يزيد
(٢٩١) فقلت: وهل لي صحّة وسلامة … وجفناك مرضى إن ذا لبعيد
وقوله: [السريع]
قلت لمن ينتف أصداغه … لا يكره الريحان حول الشقيق
واعتق لشعر الذّقن من نتفها … فالشيخ سنّيّ يحبّ العتيق
وقوله من قصيد: [الكامل]
والياسمين كأنّه من فضّة … قد صيغ للنّدمان كالصّلبان
ولأجل ذا قد غرّد الشّحرور في … حلل السّواد كحلية الرّهبان
وقوله: [البسيط]
بادر إلى فرص اللّذّات في الغلس … واجل المدامة تغنينا عن القبس
فمسكة الليل قد فتّت نوافجها … على الرياض فأهدت أطيب النّفس (١)
ووجه روضك بسّام ونرجسه … محدّق الطّرف لا يخشى من النّعس
стр. 6343
وإن رأيت النّدى في الأقحوان بدا … فنزّه الطّرف بين الثّغر واللّعس
وقوله: [الكامل]
لا تعجبوا لسرور من أحببته … ودمي عليه في المحبّة يسفك
فدم الشقيق يسيل من وجناته … وبجنبه ثغر الأقاحي يضحك
وقوله في مثاقف: [المتقارب]
لئن شبّهوا قدّه بالغصون … أو الوجه بالبدر خافوا عليه
وأخطا المشبّه في حقّ من … غدا الغصن والبدر في قبضتيه
وقوله: [الطويل]
تتيّمت زهر اللوز من أجل سبقه … يخبّرنا إنّ الرّبيع لقادم
وأعجب ما عاينته منه أنّه … يقطّع من أعضائه وهو باسم
وقوله في أقطع: [الطويل]
وبي أقطع ما زال يسخو بماله … ومن قاصديه قطّ ما ردّ سائل
(٢٩٢) تناهت يداه فاستطال عطاؤها … وعند التّناهي يقصر المتطاول
وقوله مضمّنا: [الوافر]
أحبّ الجحر دون الكسّ قصدا … ولا أبغي على ذاك ازديادا
ولي نفس تحلّ بي الرّوابي … وتأنف أن يحلّ بي الوهادا
وقوله: [السريع]
باكر عروس الرّوض واستجلها … وطلّق الحزن ثلاثا بتات
بقهوة حلّت لنا كلّما … حلّت لآلي القطر جيد النبات
стр. 6344
وقوله: [الكامل]
ومعقرب الأصداغ أسبل برقعا … فسبا لكلّ معقرب ومبرقع
قالت لواحظه لطالب قبلة … في خدّه لا تخش قلب البرقع
وقوله: [الوافر]
بعيشك هاتها صفراء صرفا … صباحا واطّرح قول النّصوح
فهذي الشمس قد بزغت بعين … تغامزنا على شرب الصّبوح
وقوله: [الكامل]
اشرب على الغيم الجديد عتيقا … وانظر بكأسك لؤلؤا وعقيقا
واطف اللهيب بكأس راحك ساعة … واحرق همومك بالرّحيق حريقا
والحق صبوحك بالغبوق لذاذة … ما العيش إلاّ صبحة وغبوقا
من كفّ ساق صاغه منشيه من … لطف فلم تنظر لديه عقوقا
ساق أبعناه العقول بكأسه … فأقام فينا للمسرّة سوقا
ثمل المعاطف قدّه من لينه … رشق القلوب به فصار رشيقا
وشققت ثوب تصبّري من خدّه … لّما له صار الشقيق شقيقا
شرقت لرؤيته العيون بدمعها … وجرت دما لما رأته شريقا
وبريقه زاد الحميّا رقّة … وبشعره زاد البروق بريقا
(٢٩٣)
خرست أساوره وأنّ وشاحه … فتخاله قلبا عليه خفوقا
أرخى ذوائبه وقال أبينهم … فرق فقلت له أراك دقيقا
يجفو الصّديق صديقه في مثله … ولطالما هجر الصّديق صديقا
قد جاز في حدّ الملاحة مثلما … فضل المؤيّد جاوز العيّوقا
ومنهم
٦٨ - محمّد بن عليّ، الحمويّ
المعروف بالشت .. (١)
ومنهم:
٦٩ - عمر بن المظفّر بن عمر بن محمّد بن أبي الفوارس بن عليّ، الورديّ، أبو حفص، زين الدين (١٣)
أحد القضاة ببلاد حلب، وفي ذلك قال: (٢) [الكامل]
قد قيل لي قاض وأيّ فضيلة … لاسم هو المستثقل المنقوص (٣)
стр. 6345
قلت: وهذا الورديّ ذو أدب. حسبك ما تشمّ من شذاه، وتضمّ من ورده تحت قطر نداه. وأقمت قبل تمام هذا التأليف مدّة أسأل عنه الرّكبان، وأتطلّبه حتى جاءني منه أوائل ورد في أواخر شعبان، فتحرّجت بمراهقة الصيام من إدارة كؤوسه، وتحجّرت في كتمانه خوفا أن يجعل رمضان نهار أكله بشعشعة شموسه، وقلت لسابق سحابه: أمسك عنانك الصيّب، ولمورد ورده من أين لك هذا النّفس الطّيّب، ونظرت إلى مدبجه، وقلت: إنّك للعلم الفرد، ثم التفتّ إلى أرجه، وقلت: وإنّك ماء الورد إن ذهب الورد. وتحيّرت هل هو مما أنبتت حلب أو نصيبين، وهل هو مما شحّ به الشّجر أو درّ من دارين. ورأيت ما ينسب إلى الخدّ الورديّ في ديباجته، وإلى المدام الورديّ في زجاجته. لا بل هو الورد على رغم
стр. 6346
المنكر، وهو المضاعف حسنه إن كرّر. ثمّ قدمت حلب فأتاني، وعرض عليّ من شعره كلّ غضّ القطاف، ورديّ العطاف، لا يشكّك فيه الممتري (٢٩٤)، ولا يرتاب قبل جفاف النّدى عن الورق أنّه الورد الطّري، فاجتنيت به الورد من غصنيه، واجتلبت الورد لكنّه مما لا يعدّه مرتبط الجياد في حصنيه، واجتبيت الورد إلاّ أنّه الأسد المتعقع زئير لسنه، واجتليت الورد إلاّ أنّه العنبر الورد في يد مختزنه، وكدت أستخرج منه ماء الورد إلاّ أنه قد أعرق، وتكلّل منه بالجوهر مثل لؤلؤ الطّلّ المفرّق، وقلت بوركت من ورديّ يعير ثغور العذارى عقوده المجوهرة، وورد منسوب في نصيب نصيبين لا قطعت أيدي الحوادث من أنسابه شجرة، وظللت أنشدها ويجتهد الحسود فلا يقدر يجحدها، وطفقت أقلّب جنيّه الورديّ، وأقبّل شفاه ورده، والساقي يتوهّم فيقول تارة: دع قدحي. وتارة يقول:
خلّ خدّي، وأجتني باكورته من فرعه المنتمي إلى علي، وأنشر نشره ورياحه تضرّ حاسده الجعليّ. ولو عاصره ابن قلاقس وعقل، لقال: دعني أتستّر بورقي، وأختبيء من الأرض في نفقي، وأسرق من وشيه الورديّ خضرة سرقي. ولما أدّعى - وقال الحقّ - بنفسج صبحي، ووردة شفقي، ولو جاء بكيرا في أوّل الأوان لما وسم الأبيوردي في اسمه بالزّيادة، ولا كان إلاّ عبده أبو عبادة، ولكان صنو الصنوبريّ لا بل أبان عجزه على التّحقيق، وقصوره في وصف الرّوض الأنيق، وعرّفه - وقد ضيّع عمره في وصف الرّوض وشقيقه - بأنّ ساعة من الورد بعمر الشّقيق.
وهو ممّن ضرب إلى الفقه بعرق، وظهر له في النّحو حذق. وولي القضاء وهو له مستحقّ. ومن شعره الذي يقرّ له الكلام الحرّ بالبرق، وتسأله القرائح المماتنة الرّفق، ما أثبته له الفاضل أبو الصفاء خليل الصّفّديّ. ومن خطّه نقلت، وفي أثنائه أبيات لأبي الصفاء ذكرها، واعترض بمثل أثناء الوشاح المفصّل دررها، كان قد أنشدها لقاضينا الورديّ، فأخذ معناها قسرا، وركّبها في صورة أخرى، إلاّ أنه استزار منها حلم الطّيف، وأكرم ملقيها لمّا أتته من حلب إلى دمشق، وقال يا كرام الورد ضيف، ومما ذكر للوردي قوله المستدعي يحثّ كؤوس المدام، وكيف (٢٩٥) لا، وهي أيّام الورد في غبوق الغمام. فمنه قوله: (١) [الكامل]
أتظنّني أصغي إلى اللوّام … في حبّ من ذلّي بها إكرامي
فبقدّها وبخدّها وبثغرها … غصن وتفاح وحبّ غمام
لما تبدّت بين أتراب ومن … سحب البراقع لاح بدر تمام (٢)
ناديت يا قلبي ويا طرفي معا … أنا قد وقعت ففارقا بسلام (٣)
стр. 6347
وقوله: (١) [الخفيف]
سل وميض البروق عن خفقاني … وعليل النّسيم عن جثماني
ولهيب الهجير عن نار قلبي … وخفيّ الخيال عن أجفاني
وقوله: (٢) [الكامل]
إن عاد لمع البرق يخبر عنكم … وأتى القبول مبشّرا بقبولي
فلأقدحنّ البرق من نار الحشا … ولأخلعنّ على النّجوم نحولي
وقوله: (٣) [الوافر]
وسود صيّرتها السّود بيضا … فلا تطلب من الأيّام بيضا
فبعد السّود ترجو البيض ظلما … وقد سلّت عليها السّود بيضا
وقوله: (٤) [البسيط]
انهلّ أدمعها درّا وفي فمها … درّ وبينهما فرق وتمثال
لأنّ ذا جامد في الثغر منتظم … وذاك منتثر في الخدّ سيّال
وقوله: (٥) [الخفيف]
стр. 6348
جاءنا الورد في بديع زمان … فقطعناه في منى وأمان
ونهبنا فيه لذيذ وصال … وهتكنا فيه عروس الدّنان
وغلطنا فيه ببعض ليال … فخلطنا شعبان في رمضان
وقوله: (١) [الكامل]
أنّى لورقاء الغضا تشكو النّوى … وغدت مضاجعة قضيب البان
فلو طوّقت جيدا وقد خضبت يدا … وشدت بألحان على عيدان
وقوله: (٢) [الكامل]
ومرنّح الأعطاف مهضوم الحشا … يهتزّ من هيف بلين قوام
نمّ العذار على صحيفة خدّه … أنا خائف من فتنة النّمّام
(٢٩٦) وقوله: (٣) [البسيط]
أحاط بالخال فوق الخدّ عذاره … لّما تكوّن في نور ونيران
مكان عابد نار فوق وجنته … وقد غدا راهبا في دير شعران
وقوله: (٤) [البسيط]
لّما رأوا حسن شامات بوجنته … وقد نما حولها خاف من الزّغب
قالوا لقد شان شامات له شعر … فقلت والله ذا من أفحش الكذب
لكنّها نفحات المسك قد نثرت … وصيغ منثور ذاك المسك بالذّهب
وقوله: (٥) [البسيط]
стр. 6349
زهت عقارب أصداغ له مسخت … في نار وجنته نملا وما احترقت
حتى إذا اجتمعت عادت بوجنته … حبّات مسك على خدّيه واخترقت
وقوله: (١) [البسيط]
قد خطّ في خدّه من زغب … فقال لي عاذلي هل عنه سلوان
أما ترى نمّ نبت فوق وجنته … فقلت ما نمّه زور وبهتان
وإنّما كتبت كلّ المحاسن في … صحيفة الخدّ والسّطران عنوان
وقوله: (٢) [البسيط]
لا تحسبوا شعرا من فوق وجنته … يشين خدّا صقيلا راق منظره
لكنّه سلّ من أجفان مقلته … سيفا فمثّل في الخدّين جوهره
وقوله: (٣) [البسيط]
كأنّ عارضه في الخدّ حين نما … خفيّ غيم بدا في جانب الشّفق
أو عنبر الخال فوق الخدّ محترق … دخّانه قد علا في خدّه الشّرق
وقوله: (٤) [الرمل]
بي من لو قال لي مبسمه … ادن والثم غرت أن ألثمه
غاب عن عيني نهارا كاملا … ليتني أعلم من علّمه
وقوله: (٥) [المجتث]
стр. 6350
إن جزت سلعا فسل عن … ظبي من الظّبي أحسن
(٢٩٧) مكّنته من فؤادي … ومهجتي فتمكّن (١)
لا تطلبوا فيه صبري … فالصّبر أوهى وأوهن (٢)
أفنيت فيه وجودي … ولست أسمع ممّن
وقوله: (٣) [السريع]
علقت أعرابيّة ريقها … شهد ولي فيها عذاب مذاب (٤)
طرفي بها نبهان والرأس من … شيبان والعذال فيها كلاب (٥)
وقوله: (٦) [المتقارب]
وأفشيت سرّي إلى صاحبي … فعدت له طول دهري ذليلا (٧)
فوا أسفا كيف أودعته … ليوم العداوة سيفا صقيلا
وقوله: (٨) [مجزوء الرجز]
أنتم أحبّائي وقد … فعلتم فعل العدى
حتّى تركتم خبري … للعاشقين مبتدا (٩)
стр. 6351
وقوله: (١) [السريع]
إذا مضى للمرء من عمره … خمسون عاش العيشة السيّئة
وإن شكا قال له دهره … أجمل فلي عندك نصف المئة (٢)
وقوله: (٣) [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما … فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السّفرة كفّا ترفا … فحسبنا أنّ في السّفرة جبنا
وقوله: (٤) [مجزوء الرجز]
قلت وقد عانقته … عندي من الصّبح قلق
قال: وهل يحسدنا … قلت: نعم: قال: انفلق
وقوله: (٥) [السريع]
بالله يا معشر أصحابي … اغتنموا علمي وآدابي
فالشّيب قد حلّ رأسي وقد … أقسم ما يرحل إلاّ بي
وقوله: (٦) [الوافر]
стр. 6352
وكنت إذا رأيت ولو عجوزا … يبادر بالقيام على الحرارة
(٢٩٨) فأصبح لا يقوم لبدر تمّ … كأنّ النّحس قد ولي الوزارة
وقوله: (١) [المنسرح]
رامت وصالي فقلت لي شغل … عن كلّ خود تريد تلقاني
قالت: كأنّ الخدود كاسدة … قلت: كثيرا لقلّة القاني
وقوله: (٢) [مجزوء الرجز]
لا تصحبنّ أعورا … وإن تناهى زينه
لو كان فيه راحة … ما فارقته عينه
وقوله: (٣) [مجزوء الكامل]
لّما شتت عيني ولم … ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خدّه … والنار فاكهة الشّتا
وقوله: (٤) [السريع]
لما رأى الزهر الشقيق انثنى … منهزما لم يستطع لمحه
وقال من جاء؟ فقلنا له: … «جاء شقيق عارضا رمحه» (٥)
وقوله: (٦) [السريع]
стр. 6353
من كان مردودا بعيب فقد … ردّتني الغيد بعيبين
الرأس واللّحية شابا معا … عاقبني الدّهر بشيبين
وقوله: (١) [مجزوء الرمل]
دهرنا أضحى ضنينا … باللّقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي … واجمعينا أجمعينا
وقوله: (٢) [الرجز]
أنتم أحبّائي وقد … فعلتم فعل العدى
حتى تركتم خبري … في العالمين مبتدا (٣)
وقوله: (٤) [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه … والحرب فيما بينهم سائر (٥)
قال: علام اقتتلوا هكذا … قلت: على عينك يا تاجر
وقوله: (٦) [الكامل]
مرض الفؤاد وصحّ ودّي فيكم … وأقام تذكاري وجفني نازح (٧)
إنسان عيني كم سهاد كم بكا … «يا أيّها الإنسان إنّك كادح» (٨)
وقوله: (٩) [البسيط]
стр. 6354
يعيب شعري أقوام وأعذرهم … فإنّ شعري ورديّ وهم جعل
شعري وإن كان سهلا فهو ذو ثقل … على حسودي فهو السّهل والجبل
стр. 6355
(٢٩٩) وقوله: (١) [مجزوء الرمل]
العروضيّ فلان … أن بدت منه هنات
فله جدّات سوء … فاعلات فاعلات (٢)
وقوله: (٣) [السريع]
مرّت نساء كالظّبا خلفها … أدهم يحميها عن الكيد
قالوا لما يصلح؟ قلت الظّبا … للصّيد، والأدهم للقيد
وقوله وزاده: (٤) [البسيط]
ديار مصر هي الدّنيا وساكنها … هم الأنام فقابلهم بتقبيلي (٥)
يا من يباهي ببغداد ودجلتها … مصر مقدّمة والسّرح للنيل (٦)
стр. 6356
آخر السّفر السادس عشر من كتاب مسالك الأبصار. ويتلوه - إن شاء الله - في السابع عشر. ثمّ لم يبق إلاّ ذكر الشّعراء بالجانب الغربيّ.
الحمد لله وحده، والصلاة والسّلام على سيّدنا محمّد، خاتم النبيّين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالعه وانتفع منه: يحيى بن محمد بن الحسين المدني
طالعه أفقر العباد: حليم البغدادي سنة ١٢٠٩
طالعه أفقر عباد الله ربّي: أحمد خليل الشافعي
عفا الله تعالى عنهم سنة ٨٣٤
стр. 6357
السفر التاسع عشر: بقية شعراء مصر
المحقق: د. يونس أحمد السامرائي
стр. 6358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
كلّفنى المجمع الثقافي مشكورا، بتحقيق الجزء التاسع عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، للقاضي شهاب الدين أحمد بن يحيى ابن فضل الله العمري، وزوّدني بنسخة فريدة من مخطوطة هذا الجزء. وتم الاتفاق بيني وبين المجمع بتاريخ ٢٣ من جمادى الأولى سنة ١٤٢١ هـ الموافق ٨/ ٢٠٠٠/ ٢٣ م، على أن تكون المدة المقررة للانتهاء من التحقيق سنة واحدة، وقد انتهيت من التحقيق بتاريخ ٤/ ٢٠٠١/ ١٥ م.
وقبل أن أتحدث عن المخطوطة أرى من المستحسن أن أذكر شيئا مقتضبا عن مؤلفها، وأجتزئ بما جاء مختصرا عنه في الوافي بالوفيات للصفدي. قال:
أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري، القاضي شهاب الدين أبو العباس، هو الامام الفاضل البليغ المفوّه الحافظ حجّة الكتّاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسلا، يتوقد ذكاء وفطنة، ولا يعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله، فقد رزقه الله أربعة أشياء قلما تجتمع في غيره وهي: الحافظة والذاكرة والذكاء وحسن القريحة في النظم والنثر.
وكان ذا معرفة دقيقة بتاريخ المغول من لدن جنكزخان وهلمّ جرّا، وإماما في معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان، ولد بدمشق ثالث شوال سنة سبعمائة، وأخذ العلم عن كبار رجال العصر، وله مصنفات كثيرة أشهرها (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، يقع في عشرين مجلدا.
стр. 6359
وقد أطنب الصفدي في ترجمته له، وذكر الكثير من صفاته وأحواله وكان له معه مكاتبات.
وتوفي الشهاب يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبعمائة (١).
تقع المخطوطة في (٣٧١) صفحة، وتشتمل على أربع وعشرين ترجمة تبدأ بترجمة الشاعر السراج الورّاق، واستغرقت هذه الترجمة مئتين وخمس صفحات، وهي أطول التراجم. وقد عمد ابن فضل الله - على ما يبدو - إلى ديوان الشاعر فاختار منه ما شاء مرتبا على حسب القوافي. اختار مقطوعات كما اختار قصائد ورسائل، ومن الطريف أن أطول قصيدة اختارها له كانت في رثاء حمار.
وتلي هذه الترجمة اثنتان وعشرون ترجمة لعدد من الأدباء والشعراء كانت تتراوح هذه التراجم بين صفحة واحدة أو صفحات. وتنتهي المخطوطة بترجمة ابن نباتة المصري وهي أطول التراجم بعد ترجمة الورّاق، فقد استغرقت مائة وثلاث عشرة صفحة، اختار للشاعر قصائد ومقطوعات ولكنه لم يلتزم بإيرادها كما جاءت متسلسلة في الديوان، كالذي فعله في ترجمة السراج.
المخطوطة كتبها ناسخ واحد، وهذا واضح في الخط في عامتها، إلا في صفحة واحدة فقد كانت بخط مغاير تكاد كلماتها تكون مندمجة، حتى ليصعب فكّ الكثير من كلماتها، وقد بذلت الكثير من الجهد في سبيل معرفة ما جاء فيها، وتركت مالم يتيسر لي قراءته، ولهذا أثبت صورة، الصفحة هذه لعل أحدا يستطيع قراءة ما لم يتسنّ لي قراءته.
_________
(١) الوافى بالوفيات ٨/ ٢٥٢ وانظر: فوات الوفيات: ١/ ١٥٧ والنجوم الزاهرة ١٠/ ٣٣٤.
стр. 6360
في صفحة العنوان طرر وتملكات وكلها لا تكاد تتبين كلماتها. كتبت تراجم المخطوطة بخط النسخ فيما كتب الشعر بخط الثلث. وأسطرها تختلف في أعدادها بحسب نوع الشعر المتمثل به، فإذا كان المختار قصيدة فالأسطر تكون أكثر عددا مما هو عليه إذا كان المختار مقطوعة - وتركت في المخطوطة فراغات كثيرة تتراوح بين الأسطر والصفحة وكأنها مواضع لبقايا ترجمة أو لترجمة ساقطة، وقد أشرت إلى ذلك في أماكن ورودها.
وفي ترجمة ابن نباتة لم يذكر فيها سوى اسمه واسم أبيه وجده. لم تقابل النسخة على نسخة أخرى، وهناك تعليقات في حواشيها أكثرها استحسان لشعر الشاعر المتمثل بشعره وخاصة شعر السراج الوراق وابن نباتة وهي تعليقات ليست بذات قيمة يمكن أن يفيد منها المحقق.
لم يلتزم ابن فضل الله في إيراد التراجم بحسب تسلسلها التاريخي أو الأبجدي ولم يذكر تواريخ مواليد أصحابها ولا وفياتهم، وكان يكتفي بسرد أخبار عنهم أو أوصاف لهم، بأسلوب مسجع، لا يخلو من مبالغة ومن تكلف أحيانا. وعلى الرغم من صحة ما كان يرويه من أخبار وأحاديث، فإنه كان غير دقيق في بعضها الآخر.
ولم يقتصر على إيراد الشعر وإنما كان يذكر ما للمترجم من رسائل أيضا.
وقد تيسر لي أن أقف على سبع عشرة ترجمة في مصادر شتى فأثبت ما كان مبترا في النسخة أو فارغا فيها.
أما ما جاء في هذه المخطوطة من أمور وعلامات فيمكن إجماله فيما يأتي: -
١ - جمال خط الناسخ وضوحه.
стр. 6361
٢ - ضبط ما جاء في المخطوطة شعرا ونثرا.
٣ - شيوع الأخطاء: من تحريف وتصحيف ونحو وإملاء.
٤ - سقوط كلمات من النصوص.
٥ - اختلال الأوزان العروضية.
٦ - كتابة كل بيتين بيتا واحدا.
٧ - وضع حاء صغيرة تحت الحاء الكبيرة.
٨ - وضع صاد صغيرة تحت الصاد الكبيرة.
٩ - وضع ألف (١) تحت الحروف المعجمة كالجيم والخاء والضاد بدل النقطة.
١٠ - إهمال نقاط الكثير جدا من الحروف.
١١ - شطب أو ضرب عدد كثير من المقطوعات أو أبيات من القصائد.
١٢ - انطماس عدد من الكلمات وخاصة ما جاء في الحواشي.
١٣ - وضع ثلاث نقاط على هذا النحو … بين كل فقرة وأخرى.
١٤ - كتابة: أرى - أرا، الكرى - الكرا .....
١٥ - في ترجمة من كانت لهم تراجم في مصادر أخرى، وفي ترجمة ابن نباتة يمكن القول إن هناك مقابلة بين هذه التراجم والمصادر الأخرى، وبخاصة ترجمة ابن نباتة، حيث كان لديوان الشاعر غير المحقق أثر في تصحيح الكثير مما وقع في المخطوطة من هفوات. أما نصوص السراج الوراق وهي أطول النصوص فليس هناك مصدر آخر يمكن أن يكون نسخة أخرى.
١٦ - كثرة التضمين والاقتباس لدى الشعراء.
стр. 6362
١٧ - خلو النسخة من ذكر اسم ناسخها أو تاريخ النسخ.
وأما عملي في التحقيق فيتلخص فيما يأتي:
١ - تصحيح ما وقع من أخطاء مختلفة في النصوص من تصحيف وتحريف ونحو وإملاء.
٢ - تقويم ما وقع من اختلال في الأوزان.
٣ - وضع أسماء للبحور.
٤ - ضبط النصوص التي لم تضبط.
٥ - التعريف بالكثير مما ورد من أسماء وحوادث أو نقص في التراجم.
٦ - تخريج النصوص من أشعار وآيات وأمثال ومنها الأشعار المضمنة.
٧ - شرح ما بدا لي أنه محتاج إلى الشرح من الألفاظ.
٨ - كثرة التقديرات لما سقط من كلمات وخاصة الشعر.
٩ - استشارة عدد من المختصين في عدد من الحوادث والأسماء الواردة في النصوص.
١٠ - ترك ما لم يتيسر لي تقويمه من أوزان أو قراءته من كلمات وهو قليل جدا بالقياس إلى ضخامة ما في المخطوطة من نصوص.
١١ - إسقاط بعض حروف الكلمات المكشوفة وإبقاء ما يدل عليها لدى القرّاء المتمرسين مراعاة للآداب.
١٢ - استعنت بحواشي النجوم الزاهرة في شرح عدد من المصطلحات أو الأسماء، لأنها حواش حديثة.
стр. 6363
١٣ - لكثرة الأسماء وتشابهها في الكنى والألقاب حتى ليجعل البت فيها غير دقيق، استعنت بكلمة (لعل أو لعله) حذرا من الوقوع في الخطأ.
١٤ - رمزت للمخطوطة بالحرف (م) ولديوا ابن نباتة بالحرف (د).
وبعد:
فإن التحقيق عمل علمي وأخلاقي لا يقدره إلا من يمارسه ويعانيه، وهو على ما فيه من حلاوة التقويم ولذته، لا يخلو من مرارة العناء وبذل الجهد الجهيد، وقد بذلت ما في الطاقة في سبيل تقويم نص تعرّض إلى ما تعرّض إليه من شيوع الآفات، وجهل النساخ، وانفراد النسخة وحواشي الكتاب شهيد على هذا الجهد المبذول.
ومن الله التوفيق
стр. 6364
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعلى اللّه توكلت
ومنهم
١ - السّراج الورّاق: (١)
стр. 6365
سراج ما برح لسانه يلهج، وإحسانه في تجلية الظّلم ينهج، طارت أجنحة ضرمه بالسّمعه، وتوقّد منه السّراج وقد شرقت بالبكاء الشّمعه.
وكان في شعراء ذلك العصر على توقّد جمهرتهم، وتوقّي نيران أسرتهم، هو المغشىّ ناره دون القبيله، والمشكور بما يعاب به غيره من طول الفتيله، ولم نطمع تلك الرّياح الهوابّ في إمالة شعلته، ولا في إماتة مصباحه، ظمآن بغلّته (١)، وكان لو قدح به زند الفجر لأنار، أو استصبح (٢) به اللّيل لما ميّزت ساعاته من
стр. 6366
النهار، أو شبّت بناره الرّياض لعمّمت كلّ منابتها بالنّوّار (١)، أو قذفت بها الحياض لتممّت للقرى (٢) بها مواقد النار، وكم له من بيت يؤسّسه، (ومشكاة يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه (نار) (٣).
لو استضاء بسراجه ابن المعتز (٤) لما سمح بعاريته للصباح، أو التّنوخيّ (٥) لما
стр. 6367
( .... ) (١) لبريق الصّفاح، أو الإسكندريّ (٢) لما عدل عن البحر إلى الخلج، ولا وجد غنى عنه من قال: (الرمل)
إنّ بيتا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السّرج (٣)
بل لو عنّ ذكراه لابن أبي الخصال (٤)، لعلم أنّه ما أخصب، أو
стр. 6368
الجزريّ (١) لما لقي الكباش بقرن أعضب (٢)، بل لو لم يخيّم على معاصره ابن الخيمىّ (٣)، لما عاج معاجا، ولا ظنّ أنّ برق الجزع (٤)، وإن أوفى إمداده، ولا يقال إنّه راق إلاّ وفي الورّاق ما فيه وزياده.
стр. 6369
وكان هو والجزّار (١) فرسي رهان وقبسي نار، لا يسكت لهما لسان، يتناقضان تناقض الفرزدق (٢) وجرير (٣)، ويتعارضان تعارض ابن القيسرانيّ (٤)
стр. 6370
وابن منير (١)، يطلعان طلوع الشّمس والقمر المنير، ويقولان قول الانصار، منّا أمير ومنكم أمير (٢).
وكان شعراء ذلك الصّدر معهما في المطارحة على حسب الاتّفاق، وما يقدّر لكلّ واحد منهم من الاتّفاق، إلاّ أنّ الحلبة (٣) كانت تخلى لهذين الفحلين وهما لا يبقيان، والأرض لا تسعهما، ومرج البحرين يلتقيان (٤)، إلاّ أنّ أبا الحسين الجزّار (ممن ذبح معه بسكينه، وعرف قدر مسكينه) (٥). وأصبح به لا يعرف شحمه من ورمه، ولا يرى معه ٧ لاّ قطعة لحم، ممّا علق على وضمه (٦)، لا تضيء مع سراجه شمسه، ولا يمتدّ مع جوده (٧) نفسه.
وكتب الورّاق لوالي مصر الدّرج (٨)، وقطف من ثمر الإنشاء إلاّ أنّه ما تعلّق
стр. 6371
(إذا سلك سبيله) (١) إلاّ بفج (٢).
فأمّا نظمه فهو السّلوك (٣)، ورقمه (٤)، لم يزل لكبراء الوزراء والملوك.
وجمع شعره بنفسه، وجاء يزيد على ألف ورقة، والمختار من هذه الطبقة قوله: (كامل) - ١ -
١ - شجّت جبين مدامها بالماء … فبنانها منها خضيب دماء
٢ - زمّت أشعتها (٥) الدّجى فمضى وقد … سلب الحباب قلادة الجوزاء
٣ - وبدت على وجنات (٦) من طافت بها … فرأيت جذوة مارج في ماء
٤ - حمراء تسكر من جفون مديرها … ما أشبه الحمراء بالحوراء
- ١ - كررت الأبيات مع زيادة بيت في الرقم (٢٩)
стр. 6372
- ٢ - (١) ٤/ أ (و) قوله: (وافر)
١ - سألتهم وقد حثّوا المطايا … قفوا شيئا (٢) فساروا حيث شاؤوا
٢ - وما عطفوا عليّ وهم غصون … ولا التفتوا إليّ وهم ظباء
- ٣ - (و) قوله: (كامل)
١ - يا ربّ صن وجهي عن الكرماء … فضلا عن الحاجات للؤماء
٢ - فلقد رأيت القوم جفّوا أيديا … حتّى كأن لم يخلقوا من ماء
- ٤ - (٣) وقوله: (سريع)
١ - يا بني الآداب قد مات الرّجا … وقد اشتدت وعزّ النّجباء
- ٢ -
- ٤ -
стр. 6373
٢ - سفن الآمال في بحر المنى (١) … وحلت (٢) منّا فأين الرّؤساء؟
- ٥ - وقوله: (وافر)
١ - كفى ضعفاء مصر ظالميها … وأورد عدله ذيبا وشاء
٢ - وأظهر فيه سرّا من عليّ … أضاء لنا ومن يخفي ذكاء (٣)
٣ - ولم نعجب لفيض النّيل (٤) إني … وإبراهيم علّمه الوفاء
- ٦ - (٥) وقوله: (كامل)
١ - ولقد أدام الصّاحب بن محمّد … بذل القرى فى القفرة البيداء
- ٥ -
- ٦ -
стр. 6374
٢ - ولو أنّ فيها حاتما (١) منع القرى … وغدا ابن مامة باخلا بالماء
٥/ ب و (قوله) (٢) (متقارب)
١ - تجلّى لنا البدر في خلعة … لفاض عليها السّنا والسّناء (٣)
٢ - من الفاختيات (٤) لمّا بدت … بها طلعة البدر كانت سماء
- ٧ -
стр. 6375
- ٨ - وقوله: (وافر)
١ - أمولانا الأمير وأنت سمح … يجيب نداك من قبل النّداء
٢ - لقد برد الهواء عليّ فارحم … فما حال السّراج مع الهواء؟
- ٩ - وقوله: (كامل)
١ - يدعو الضّيوف بألسن من ناره … يمسي (١) الكريم بها مجاب دعاء
٢ - يمحو سواد اللّيل ألوية لها … حمر تسير أمام كلّ لواء
٣ - يأوي لها يمن وقيس راية … حمراء تصدر (٢) عن يد بيضاء
٦/ أ ٤ -
فبأيّ قدح نرتقي لعلائه … ما أبعد الشّعرى (٣) من الشّعراء
- ١٠ - وقوله: (كامل)
١ - يا واهب (٤) الصّلحاء من دعواته … فوق الذي يحوي مجاب دعائها
- ٩ -
- ١٠ -