قلت: وهذا شعر بديع، ونظم صنيع، ونمط عال رفيع، لا يقدر عليه كل قائل، ولا يحظى معه معارض بطائل. ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله:
ومعلق! وانظر هذه التورية ما أتمّها وأحسنها وأقواها وأمكنها. ثمّ أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال: في قنّب طورا وطورا في حرير! وظاهره على مجرى اللغز، يوهم أنّ شيئا له جسم، علق بخيط حرير، أو حبل قنب، وباطنه يريد الورق. وهو يصنع من هذين (٢٥٨) حيث يعهد الشاعر. وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح، وكان تماما موفيا بالمراد. وكذلك قوله في البيت الثاني: ولقد تراه مسلسلا. يجري مجرى قوله: ومعلق. فأما البيت الثالث، فمعناه أكثر من لفظه، وتفهمه أكبر من حفظه. فأما كونه جعله يكون معلقا على الجباه، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ، وما هو من هذا النوع. وأما قوله:
وفي البطون وفي الظهور، فكذا يكتب: تارة في بطون الأوراق، وتارة في ظهورها. وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة، لم يعدم فيه رونق المجاز. والبيت الرابع نوع منه آخر. وقوله: وفوق أجنحة الطيور، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي. فانظر إلى محاسن ما أتى به، واعجب لإيجازه.
عدنا إليه. قال في دود القز: (١) [الطويل]
وما حيوان عكسه مثل طرده … له جسد سبط وليس له قلب
ضعيف وكم أغنت مجاجة ريقه … فقيرا به أمسى ومربعه خصب
يرى من خشاش الأرض طورا وتارة … من الطير لكن دونه تسبل الحجب
شقيّ لنفع الغير يسجن نفسه … وليس له في السجن أكل ولا شرب
وقال في العود: (٢) [السريع]
стр. 6302
وأعجميّ أخرس ناطق … له لسان مستطاب الكلام
مناجيا في الحجر أربابه … طورا وفي البيت العتيق الحرام
قلت: ولله مذهبه في هذين البيتين، لو وصف هذا الألمعي العود بأطيب من نغمه وأرجه. وقوله: أعجمي، وصفا له، قول صدق، إذ العود الشجر أعجم لا ينطق، والعود عود الطرب من وضع الأعاجم. ولسان العود هو الذي يحرك به الوتر. وقوله مستطاب الكلام وهو طربه. وقد أتبعه بقوله: ساجيا في الحجر ربّا له، لأنه كان كأنّه يناجي ربه، وهو الضارب به. وقوله: وفي البيت العتيق الحرام، هو العود الهندي. يقال: إن عهد البيت الحرام زاده الله شرفا منه. فاعرف لهذا الرجل حقه، واعلم حذقه.
عدنا (٢٥٩) إلى بقية مختاره. قال في الحشيشة يحسّن قبيحها، ويدّعي تفريحها: (١) [الوافر]
تغانى بالحشيش عن الرّحيق … وبالورق الجديد عن العتيق
وبالخضراء عن حمراء صرف … وكم بين الزّمرّد والعقيق
وقال أيضا فيها: (٢) [البسيط]
في الكيس لي عوض عمّا حوى الكاس … وفي القراطيس عمّا ضمّت الطّاس
وبالجديد غرامي لا معتّقة … وسواسها في صدور النّاس خنّاس
مدامة ما لها في الرّأس وشوشة … تطغي النّفوس ولا في الصّدر وسواس
ولا تكلّف نفسا غير طاقتها … ولا يخاف بها ضرّ وإفلاس
كم بين خمر يخاف الحدّ شاربها … وخمرة ما على شرّابها باس
ولا نبيت إذا شئنا نعاقرها … لنا على الباب حفّاظ وحرّاس
حوض الدّواة لها جان ومزودها … دنّ وكاساتها ظفر وقرطاس
وقال أيضا: (٣) [السريع]
في الكيس لا في الكأس لي قهوة … من ذوقها أسكر أو شمّها
لم ينه نصّ الذّكر عنها ولا … أجمع في الشّرع على ذمّها
ظاهرة النّفع لها نشوة … تستنقذ الأنفس من همّها
فشكرها أكثر من سكرها … ونفعها أكثر من إثمها
وقال: (٤) [السريع]
стр. 6303
جاءت بوجه بين قرطين … شبيه بدر بين نجمين
فامتدت الأعين منا إلى … عينين منها تحت نونين
قالت لكي تعبث بي لا تكن … للنّفس نونا بعد ميمين
فقلت إن عارضتني بعدها … قطعت سينا بين كافين
وقال: (١) [المنسرح]
عنّفتها إذ فست على ذكري … وهو لعمري في غاية الكبر
(٢٦٠) قالت دع اللوم والعتاب فلو … دفعت هذا في است البعير خري
لو أن ضعفيه جاء من قبل … ما كان عندي لذاك من أثر
لكنه مع جفاء جثّته … صال فقدّ القميص من دبر
قلت: فشيخي قد قال مبتدئا … وذاك في العلم صادق النظر
الأير للجحر حربة خلقت … لو كان للكس كان كالطّبر
وقال: (٢) [الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها … وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى … وفي قلبها مما تكابده رهج
وظلّت تقاسي من فعالي شدّة … ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيه تجشّأت … وذاك ضراط لم يتمّ له نضج
وقال: (٣) [المنسرح]
стр. 6304
ولي غلام كالنجم طلعته … أخدمه وهو بعض خدّامي
تراه خلفي طول النّهار فإن … دجا لنا الليل صار قدّامي
جعلته في الحضور مع سفري … كفروة الحارث بن همّام
وقال: (١) [الوافر]
وليلة عانقت كفّاي بدرا … كأنّ ضياء مبسمه نجوم
لثمت الثغر منه فقام أيري … فعنّفني وأقبل لي يلوم
وأسكتني الحياء فقال أيري … أقم عذري فإنّ اللوم لوم
أيقدر من له عقل ولبّ … ومعرفة يراك ولا يقوم
وقال: (٢) [السريع]
قالوا اخضب الشّيب فقلت اقصروا … فإنّ قصد الصّدق من شيمتي
فكيف أرضى بعد ذا أنّني … أوّل ما أكذب في لحيتي
وقال يعتب ابن المعتز عن قوله: (٣) [المتقارب]
стр. 6305
(٢٦١) ونحن ورثنا ثياب النبي … ي فكم تجذبون بأذيالها
لكم رحم يا بني بنته … ولكن بنو العم أولى بها
ومنها:
قتلنا أمية في دارها … ونحن أحقّ بأسلابها
إذا ما دنوتم تلقيتم … زبونا أقرت بجلاّبها
وقوله: [المتقارب]
وقلت ورثنا ثياب النّبي … ي فكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا يورث الأنبياء … فكيف حظيتم بأثوابها
أجدّك يرضى بما قلته … وما كان يوما بمرتابها
وإذ جعل الأمر شورى لها … فهل كان من بعض أربابها (١)
وقولك أنتم بنو بنته، … ولكن بنو العمّ أولى بها
بنو البنت أيضا بنو عمّه … وذلك أدنى لأنسابها
وقلت بأنّكم القاتلو … ن أسود أميّة في غابها
ولولا سيوف أبي مسلم … لعزّت على جهد طلاّبها
وقال: (٢) [الرجز]
стр. 6306
انهض فهذا النّجم في الغرب سقط … والشّيب في فود الظّلام قد وخط
والصّبح قد مدّ إلى نحر الدّجى … يدا بها درّ النّجوم تلتقط
وألهب الإصباح أذيال الدّجى … بشمعة من الشّعاع لم تقطّ
وضجّت الأطيار في أوراقها … لّما رأت سيف الصّباح مخترط
وقام من فوق الجدار هاتف … متوّج الهامة ذو فرع قطط
يخبّر الرّاقد أنّ نومه … عند انتباه جدّه من الغلط
والبدر قد صار هلالا ناحلا … في آخر الشّهر وبالصّبح اختلط
كأنّه قوس لجين موتر … واللّيل زنجيّ عليه قد ضبط
(٢٦٢) وفي يديه للثّريّا ندب … يزيد فردا واحدا عن النّمط
فأيّ عذر للرّماة والدّجى … قد عدّ في سلك الرّماة وانخرط
أما ترى الغيم الجديد مقبلا … قد مدّ في الأفق رداه فانبسط
يلمع ضوء البرق في حافاته … كأنّ في الجوّ صفاحا تخترط
وأظهر الخريف من أزهاره … أضعاف ما أخفى الرّبيع إذ شحط
ولان عطف الرّيح في هبوبها … والطّلّ من بعد الهجير قد سقط
والشّمس في الميزان موزون بها … قسط النّهار بعد ما كان قسط
وأرسلت جبال دربند لنا … رسلا صبا القلب إليها وانبسط
من الكراكي الخزريّات التي … تقدم والبعض ببعض مرتبط
كأنّها إذ تابعت صفوفها … ركائب عنها الرّحال لم تحط
إذا وعاها سمع ذي صبابة … مثلي، تقاضاه الغرام ونشط (١)
فقم بنا نرفل في ثوب الصّبى … إنّ الرّضى بتركه عين السّخط
والتقط اللّذة حيث أمكنت … فإنّما اللّذّات في الدّهر لقط
إنّ الشّباب زائر مودّع … لا يستطاع ردّه إذا فرط
أما ترى الكركيّ في الجوّ وقد … نغّم في أفق السّماء ولغط
أنساه حبّ دجلة وطيبها … مواطنا قد زقّ فيها ولقط
فجاء يهدي نفسه وما درى … أنّ الرّدي قرينه حيث سقط
فابرز قسيّا من كمنداناتها … إنّ الجياد للحروب ترتبط
من كلّ سبط من هدايا واسط … جعد التّلاع منه في الكعب نقط (٢)
أصلحه الصالح باجتهاده … فكلّ ذي لبّ له فيه غبط (٣)
стр. 6307
وما أضاع الحزم عند حزمها … بل جاوز القيظ وللفصل ضبط (١)
حتى إذا حرّ حزيران خبا … وتمّ تموز وآب وشحط
وجاء أيلول بحرّ فاتر … في نضج تعديل الثّمار ما فرط
(٢٦٣)
أبرز ما أحرز من آلاته … وحلّ من ذاك المتاع ما ربط
ومدّ للصنعة كفّ أوحد … منزّه عن الفساد والغلط
وظلّ يستقري بلاغ عودها … فسبّر الأطراف واختار الوسط (٢)
وجوّد التّدقيق في لحامها … فأسقط الكرشات منه والسّقط (٣)
ولم يزل ينقلها مراتبا … تلزم في صنعته وتشترط
стр. 6308
فعند ما أفضت إلى تطهيرها … صحّح دارات البيوت والنّقط
حتى إذا قمّصها بدهنها … جاءت من الصّحّة في أحلى نمط
كأنّها النّونات في تعريقها … يعرج منها بندق مثل النّقط
مثل السّوار في يد الرّامي فلو … شاء طواها وحواها في سفط
لو يقذف اليمّ بها مالكها … ما انتقض العود ولا الزّور انكشط
كأنّما بندقها نيازك … أو من يد الرّامي إلى الطّير خطط
من كلّ محني البيوت مدمج … ما أخطأ الباري به ولا فرط
كأنّه لام عليها ألف … وقال قوم: إنّها اللاّم فقط
فاجل قذى عيوننا ببرزة … تنفي عن القلب الهموم والقنط
فما رأت من بعد هور بابل … ومائه التّيّار عيشا يغتبط
ونحن في مروجه في نشوة … عند التّحرّي في الوقوف للخطط
من كلّ مقبول المقال صادق … قد قبض القوس وللنّفس بسط
يقدمنا فيها قديم حاذق … لا كسل يشينه ولا شطط (١)
يحكم فينا حكم داود فلا … ينظر منّا خارجا عمّا شرط
لا يشبك الأسباق من جفّته … ولم يكن مثل القرلّي في النّمط (٢)
إذا رأى الشرّ تعلّى وإذا … لاح له الخير تدلّى وهبط (٣)
ما نغم المزهر والدّفّ إذا … فصّل أدوار الضّروب وضبط
أطيب من تدفدف التّمّ إذا … دقّ على القبض الجناح وخبط
(٢٦٤) والطّير شتّى في نواحيه فذا … قد اكتسى الرّيش وهذا قد شمط
وذاك يرعى في شواطيه وذا … على الرّوابي قد تحصّى ولقط
فمن جليل واجب تعداده … ومن مراع عدّها لا يشترط
يعرج منّا نحوها بنادق … لم ينج منها من تعلّى واختبط
فمن كسير في العباب عائم … ومن ذبيح بالدّماء يعتبط
وقال، وورّى وكأن قصده كان طلب الدّرياقين: (٤) [الخفيف]
стр. 6309
قيل لي تعشق الصّحابة طرّا … أم تفرّدت منهم بفريق
فوصفت الجميع وصفا إذا ضوّ … ع أزرى بكلّ مسك سحيق
قيل هذي الصّفات والكلّ كالدّر … ياق يشفي من كلّ داء وثيق
فإلى من تميل؟ قلت إلى الأر … بع لا سيّما إلى الفاروق
وقال في السلطان وقد لعب بالكرة: (١) [الكامل]
ملك يروّض فوق طرف قارع … كرة بجو كان حكاه ضبابا
وكأنّ بدرا في سماء راكبا … برقا يزحزح بالهلال شهابا (٢)
وقال في أدهم ذي حجول: (٣) [الكامل]
ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي … في متن أدهم كالظّلام محجّل
رام الصّباح من الدّجى استنقاذه … حسدا فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنّه صبغ الشبيبة هابه … وخط المشيب فجاءه من أسفل
وقوله: (٤) [الكامل]
لا غرو أن يصلى الفؤاد لبعدكم … نارا تؤجّجها يد التّذكار
قلبي إذا غبتم يصوّر شخصكم … فيه وكلّ مصوّر في النّار
وقوله: (٥) [الكامل]
ولما سطرت الطرس شوّهت لفظه … وجئت بما شاهدت من لحنه عمدا
عساك ترى عيبا به فتردّ لي … جوابا لأنّ العيب قد يوجب الرّدّا
(٢٦٥) وقوله: (٦) [الطويل]
стр. 6310
لئن سلّ الزّمان لنا مناصل … فصنع الودّ عندي غير ناصل
فإن يك قد تأخّر عنك سعيي … فإني بالدعاء لكم مواصل
ولم تثن النّوى أوتاد ودّي … بأسباب القطيعة والفواصل
وإنّي إن وصفت لكم ودادي … كأنّي طالب تحصيل حاصل
وقوله يصف غلاما تركيا على فرس يرمي الظباء بالسّهام: (١) [الطويل]
وظبي بقفر فوق طرف مفوّق … بقوس رمى في النّقع وحشا بأسهم
كبدر بأفق فوق برق بكفّه … هلال رمى الليل جنّا بأنجم
وقال في فرس: (٢) [الوافر]
وعادية إلى الغارات ضبحا … تريك لقدح حافرها التهابا
كأنّ الصّبح ألبسها حجولا … وجنح اللّيل قمّصها إهابا
جواد في الجبال تخال وعلا … وفي الفلوات تحسبها عقابا
إذا ما سابقتها الرّيح فرّت … وأبقت في يد الرّيح الترابا
وقال: (٣) [الطويل]
وإنّي لألهو بالمدام وإنّها … لمورد حزم إن فعلت ومصدر
ويطربني في مجلس الأنس بيننا … أنابيب في أجوافها الرّيح تصفر
ودهم بأيدي الغانيات تقعقعت … مفاصلها من هول ما هي تنظر
وصفر جفون ما بكت بمدامع … ولكنّها روح تذوب وتقطر
وأشمط محنيّ الضّلوع على الضّنى … به الضّرّ إلاّ أنّه يتستّر (٤)
стр. 6311
إذا انجاب ستر اللّيل ظلّت ضلوعه … مجرّدة تضحى لديك وتخصر
وقال: (١) [السريع]
قد نشر الزّنبق أعلامه … وقال: كلّ الزّهر في خدمتي
لو لم أكن في الحسن سلطانه … ما رفعت من دونه رايتي
(٢٦٦) فقهقه الورد به هازئا … وقال: ما تحذر من سطوتي
وقال للسّوسن: ما ذا الذي … يقوله الأشيب في حضرتي
فامتعض الزّنبق من قوله … وقال للأزهار: يا صحبتي (٢)
стр. 6312
يكون هذا الحسن بي محدقا … ويضحك الورد على شيبتي
قلت: وهذا قول يقطر ظرافة ويحسن، وإن كان حديث خرافة.
وهذا آخر ما اخترت من جميع ديوانه، وبديع ما ضمنه من الفريد في صوانه. وقد وقفت عليه، وكله ناطق بصنيعه، مذهب بشعاع توشيعه. ولم اقتصر على هذا لأن بمثله يكتفى، وإنما أقللت للقناعة، وأتيت من عينه بمقدار ما تعرف به بقية البضاعة. وقد وقفت له على نثر لا يقاس بنظمه، وإن كان الكلّ درّ، ولا يقاربه، وكلّ منهما يسر، وإنما هو في طبقة هذا الشعر حيث ترى، وأين الثريّا من الثّرى. وقد كان كتب إليّ كتابا وددت لو حضرني لآتي به، وإن كنت جدّ ضنين وأسمح به، وإن كان لا يسمح بالثمين.
ومنهم:
٦٢ - محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الحنفي
الفقيه العدل، الأديب، الشاعر. أبو عبد الله شمس الدين الخياط الدمشقي.
قادر أتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تطعه إلاّ قسرا أنداد الفضائل، لا يجيء البحر له إلى كعب، ولا يحاول إلاّ النجوم، لا يعجزه مرامها الصّعب. وكان خصم نفسه في الأدب، يدرس فنونه النافعة، ويغرس أفنانه اليانعة. فاحتذى مفارق الرءوس وانتعل، وعرفت الرّجال بغيرهم وعرف بما فعل، سدّ الفجاج على المعائب، وعدّ صفو المزن رنقا بالشوائب. وله قصائد أدرك منها ما رامه ابن الروميّ في مطوّلاته، وتمّ لأبي تمام في تطوّلاته، وفات حوليّات زهير بن أبي سلمى، وخوليّات ابن العبد، وطرف طرفة أعمى، وما منها إلاّ ألحق بالسّبع
стр. 6313
الطّوال، وحاربت في جوّ النّسور العوال، فكأنها كانت لتلك القصائد كامنة، لتلك (٢٦٧) السبع المعلّقات ثامنة، بل ما أتت بعد تلك السبع الشّداد، إلاّ كالعام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، ومنه يجنون ويهصرون. وله قطع تقطع كلّ أجدع، وتقرّع كلّ حميّ أنفه لا يجدع. فيومه يومان، وطعمه طعمان، بكلّ كلمة هي إبر النّحل أو مشاره، وفخر الدهر أو عاره، تلعّبا بالكلام كيف شاء صرفه، ومن شاء وضعه به أو شرّفه، فطالما أوقد حائن وهدف عرّضه لرميه فدفع بيديه حدّ المدى، ووضع إصبعيه في فم الرّدى، على أنّه خير أخ في الشدائد، وأعظم مقاوم لسمّ الليالي الأساود، وكلمه لا يغشى بوارقها بالسّحب، ولا ثلاث رودها إلاّ بالرّماح منصلة بالشّهب. ومن شعره المحرّك للأطراب، المبيّض لقادمة الليل والفجر في آخره كما شاب جناح الغراب، قوله: [السريع]
كم نلت في الأسفار من شدّة … لم تحص في عدّ ولم تحصر
فهذه عين وذا محجر … والموت بين العين والمحجر
ومنه قوله: [السريع]
ديار مصر جنّة فتّحت … أبوابها في الحسن للمبصر
وغير بدع أنّها جنّة … ونيلها جار من الكوثر
ومنه قوله: [الطويل]
شكت زوجة القاضي من الطّلق شدّة … فنال الإمام الهمّ وهو همام
فقلت له صبرا جميلا فربّما … يكون مع الطّلق الشديد غلام
ومنه قوله: [الوافر]
وما طلبي الشهادة خوف نقص … على مالي ولا طمع الزّيادة
ولكنّي لإسلامي وديني … وتوحيدي حرصت على الشّهادة
стр. 6314
ومنه قوله: [الطويل]
تهنّ فلان الدين شهرا مباركا … فصب لك فيه بالعلاء المكارم
(٢٦٨) وإن تك قد باشرت في يوم موسم … فسائر أيام الكرام مواسم
ومنه قوله: [السريع]
الحبس حبس النّفس عن قصدها … وإنّما نقمته نعمة
لا سيّما إن كان أعجوبة … كثرة ناموس بلا حرمة
ومنه قوله: [السريع]
مولاي سيف الدين يا من له … أصل زكيّ في انتساب الملوك
أسمعتني وعد ديوك وقد … أكلت كفّي قبل أكل الديوك
ومنه قوله وقد ردّد مقصود المعنى وزاده: [السريع]
كم ليلة بالبرد قضّيتها … في شدّة والعين لم تهجع
وليس لي أكل سوى راحتي … وليس لي شرب سوى أدمعي
ومنه قوله: [السريع]
حفيت من طول طوافي على … بشر لأحظى بالنّدى الوافي
فاعجب لعكس الحال ما بيننا … هذاك بشر وأنا الحافي
ومنه قوله: [الطويل]
إلى كم أمنّي النّفس في طلب الغنى … أقول عسى ينزاح فقري وربّما
وما العار إلاّ أن أرى عاريا وما … عليّ كما قالوا سوى مطر السّما
ومنه قوله: [الوافر]
стр. 6315
عجبت من الزمان ومن بنيه … ورفضهم الأهاجي والمدائح
أروح على منازلهم وأغدو … وليس أشمّ للجدوى روائح
ومنه قوله: [الكامل]
يا سيّدي قد طال مكث قصيدتي … وأعيذ سيّدنا من النّسيان
إن كان في يوم المعاد إجازة … أمّلتها من كفّة الميزان
ومنه قوله [الكامل]
(٢٦٩) رقب الهلال الناس واجتهدوا فلم … تره العيون وكفّها عنه العمى
لا غرو إن خفي الهلال عن الورى … ورآه في الأرض ابن ناطور السّما
ومنه قوله: [الطويل]
يقولون في سمّ الخياط قناعة … فلا ترم شكر العيش في القنع بالدمّ
فقلت لهم إنّي أخاف من الرّدى … ولا آمل البقيا ورزقي من سمّ
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
يا سيّدا لم يزل بحمدي … بين بني جنسه محلاّ
أسلفتني موعدا جميلا … فاسمح بإنجازه وإلاّ
ومنه قوله: [البسيط]
قالوا تردّد فبيت المال فيه غنى … لكلّ مشتمل بالفقر محروم
فحين وافيته لم ألق فيه سوى … مسوّدات لتأخير وتقديم
فيه صناديق أوراق بلا ورق … قد أوسقوها بتحديد المراسيم
قبض وصرف ومردود وفذلكة … بلا حساب وتخريج لمعلوم
فاحذر إذا جزت بيت المال فهو بلا … لام وفيه مخاريم بلا ميم
стр. 6316
ومنه قوله: [السريع]
وقيّم مغرى بسفك الدّما … كلّ سليم بيديه سليم
صعقت خوفا منه لّما غدا … في كفّه موسى ورأسي الكليم
ومنه قوله: [السريع]
إن تهجروا الخياط عمدا فما … له إلى غيركم هجرة
يقصّ أخباركم ناقلا … حديثكم بالخيط والإبرة
ومنه قوله: [الوافر]
أرى المحبوب يفعل كلّ ذنب … ويغضب والهوى أمر عجيب
وأسأله الرّضى والذنب منه … كأنّي من إساءته أتوب
(٢٧٠) ومنه قوله: [السريع]
لم أنس والمحبوب في مجلسي … كالبدر يسقيني كؤوس الرحيق
يجمع لي ضدّين من عارض … له جديد ومدام عتيق
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
عذار حبّي دقيق معنى … تجلّ من حسنه الصفات
حلا لرائيه وهو نبت … هذا هو السّكّر النبات
ومنه قوله: [السريع]
خلّفت بالشام حبيبي وقد … يمّمت مصرا لغنى طارق
والأرض قد طالت فلا تبعدي … بالله يا مصر على عاشق
ومنه قوله: [الوافر]
стр. 6317
صبرت على صروف الدهر حتّى … رماني من هويت بسهم صدّ
وأسقمني بهجران طويل … وقال دواؤه بالوصل عندي
ومنه قوله: [البسيط]
سار الحبيب بقلبي يوم ودّعني … ولم يدع لي صبرا ساعة البين
وقال إن كنت مشتاقا إلى نظري … أجر المدامع حمرا قلت: من عيني
ومنه قوله: [البسيط]
قلبي شكا حبّ خياط يمزّقه … فكيف من قلق لي فيه تثبيت
قد كفّ عن غيري طرفه ونمنم لي … خدا كأنّ عذارا فيه تنبيت
ومنه قوله: [الطويل]
لربوتنا واد حوى كلّ بهجة … فعيش الورى يحلو لديه ويعذب
يروق لنا الأنهار تحت حنكه … فلا عجب أنّا نخوض ونلعب
ومنه قوله: [مجزوء الخفيف]
ربّ علق عيوبه … عدد الرّمل والحصا
(٢٧١) يأخذ الأير ضاحكا … ثمّ يبكي على الخصا
ومنه قوله: [السريع]
يا من على عينيه شعريّة … قد أضرمت في القلب نار الغرام
يشبه بدرا طالعا نصفه … ونصفه الآخر تحت الغمام
ومنه قوله: [السريع]
لا تحسبوا شطبا على خدّه … قد لاح من فعل سيوف الجنون
стр. 6318
وإنّما من رقّة خدّه … قد أثّرت فيه لحاظ العيون
ومنه قوله: [السريع]
قد طال فكري في القريض الذي … من نفعه لست على طائل
أقرّني زورا فصرت امرأ … صاحب ديوان بلا حاصل
ومنه قوله: [الخفيف]
لي بأرض الشام شرّ مقام … لا مكاني يرجّى ولا إمكاني
أسهر الليل في مكابدة الشّع … ر وأبكي النّهار للحرمان
ومنه قوله: [الخفيف]
قل لمن حضّنى على الدين أقصر … عن ملامي فليس لي تقصير
لا تسلني عن الصّلاة فبيتي … مسجد غير أنّه مهجور
ومنهم:
٦٣ - حسن بن علي العزّي
ابن نفسه، وصاحب يومه لا أمسه، يعرف بالزعاري، نسبة إلى غور زعر، لا إلى الكلاب، وإن كان قد فغر فمه فأشبهها، وغرّ بأنّه بشر إلاّ أنه سوّد صورته وشوّهها. أعقل منه سكان المارستان، وآمن عاقبة منه حنش البستان، وأقلّ غيبة منه وجوه أهل البهتان، وأملك منه لشهوته الحمار، شمّ بولة الأتان. لا دين يرجع إليه، ولا عقل يرد عليه، ولا محتسب يقيم عليه (٢٧٢) الحدّ، ويمسك يديه، بعقيدة لا يغسل السيف عارها، ولا يواري الليل عوارها، أثقل من منّ، وأشحذ من مسنّ، وأبغض من مساء رقيب، وأشأم من صباح ذيب، وأقدر من قمل، وأحرص من نمل، وأسقط من الذّباب، وأسمج من الذّئاب. بعرض أسرع
стр. 6319
تفطّرا من الزّجاج، وآكل للقدر من الدّجاج. لا له زاجر يردعه، ولا أمر من العفاف يسعه، يطير مع كلّ ناعق، ويعوي لكلّ ناهق، إذا شعر نبح، وإذا أنشد كبح. يتهادى إلى كلّ مجلس كأنّه زلزلة، ويتباذى وما حرج من الخطوة الحاضرة قدر أنمله. على أنّه حام تتحامى صرحه الذّئاب، ويعرف فضله على كثير ممّن لبس الثياب. يرعى العظام ولا يلج بيت جاره إلاّ أنّه يسعى حول الخيام، ذو حميّة ما شهد شبهها يوم الكلاب، وحفيظة ما عرف مثلها لبني كلاب، ببصر حديد، وساعد شديد، وفطنة لو تقيّد بها علم الطّبّ أو تنحّل علم أبقراط فصار الأكحل لا يخاف الغارة الشعرى ولا يهاب في السماء العوا. لا يزال في الحيّ منه طائف يسعى، ومقدام الأسد إذا أقعى، تتوقّى الأعداء من كلبه، وتتطاول الرءوس ولا تصل إلى ذنبه. فاتك أخلا رامة من ظباتها السوانح، وسبق بطشه الجوارح. إذا رأته كلاب الحيّ بصبصت أذنابها، وأكرمت مقدمه كأنّها تعرف أنسابها. إذا نبذت له الحصاة ينزو لوقعها، وينبو لسمعتها. وله خطّ يروق وشي قلمه، ويطول بعصيّ يراعه كأنّما يهش بها على غنمه. هذا مع رجوعه إلى أكرومته وعفافه، وقنعه بقليل الذّمّ بلغه، واللحم موفر لأضيافه، وعدم تهافته على آمال تتنافس طلابها، ودنيا تزاحم منها على جيفة وتهارش كلابها.
وحكى لي من لا أتّهمه، ممن كان يصحبه ويلزمه، (٢٧٣) ويبيت عنده ولا يضجره ولا يبرمه، أنّه كان ينام عنده الليلة الطويلة بتمامها، ويصبح النّهار ويتضحّى وهو نائم، فإذا حضر الغداء، أنبهه فقعد فأكل، لا يغسل وجها ولا يدا، ولا يقف مع أمر كأنّه خلق سدى، ما استيقظ وتوضّا، ولا صلى سنة ولا فرضا، هذا مع إصرار لا يهمّه منه لبس القبائح، ولا يخيفه تشيع الفضائح، ولا يضرّه أن يبيت جسمه سماط السّياط، وعرضه قرى القوابح. وعلى هذا فهو شاعر يملأ السمع عجبا، ويهزّ الجماد طربا، لا يفوته صيد معنى شارد، ولا ليل
стр. 6320
يسهره لراقد. بديهة في التحصيل اعتادها، وقدرة على صيد شوارد المعاني لا ينكر له إذا صادها. عجبا له وهو في هذا النّسب العريق، والمشابهة في التخلّق والتخليق، كيف خالف عادة مثله في الوفاء، وكيف حمد من نوعه كلّ مضمر، ووصف وهو بالجفاء، إلاّ أنّ محاسن شعره نطقت، ويد المعرفة به سبقت، وله حقّ الصّحبة التي كانت إنفاقا، فليتها لا كانت ولا أنفقت. ومن بدائعه قوله فيما كتب به إليّ: [الكامل]
أبدا يجدّد لي الحمام إذا شدا … ذكراك في الليل البهيم إذا هدى
يا غصن بان طار قلبي نحوه … شوقا فبلّ جناحه قطر النّدى
أترى دمي في وجنتيك فإنّني … عاينت خدّك لا يزال مورّدا
أم نار حسنك أوقدت في صحنه … فوضعت قلبي منه خالا أسودا
عقد الجفون بكلّ نجم طالع … طرف يطالعني على بعد المدى
شرقت به عين وغصّ بشخصه … صدري وضمّ عليّ وارده يدا
ثمّ انتضته يد الفراق بيقظة … من مقلتيّ وكان فيها مغمدا
منها:
نجل الخليفة من قريش والذي … حاز المفاخر طارفا أو متلدا
سلك الطريق إلى عديّ جدّه … في المجد والحسب الصريح فما عدا
(٢٧٤) وجلت مخايله الرئاسة إذ نضا … عنه الغمامة ثمّ لاث السؤددا
أورى زناد الدين بعد خموده … حينا ونار الجاهليّة أخمدا
وعصى دعاء اللات بعد بلوغه … وأطاع في الله النبيّ محمّدا
بنيت معاليه على قصد القنا ال … خطّيّ إذ سلك الطريق الأقصدا
وأقام أعمدة المآثر وارتقى … درج المعالي في السّيادة مصعدا
وأحلّ أسرار الممالك صدره … فحنت أضالعه عليه تودّدا
стр. 6321
فلو استطاع الماردون لوحيه … سمعا علوا صرحا إليه ممرّدا
لكنّهم منعوا برجم شهابه … أن يقعدوا للسّمع منه مقعدا
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الطويل]
عفا بعدهم بطن العقيق فلعلع … فوادي الغضا فالمنحنى فطويلع
منازل عفّاها البلى فتأبّدت … معالمها بعد النّوى فهي بلقع
هي الدار يصبيني صباها ولم يزل … تجرّعن فيها الأمرين أجرع
وزعني بها الصبر الجميل عن الأسى … دموع على ليل الصّدود توزع
سقى الله أيامي بها وإن انقضت … مراجعتي فيها لمن ليس يرجع
وحيّ لياليّ التي زالت المنى … وقد زلن والأيّام تعطي وتمنع
ومنها:
فساروا بمثل الشّمس حطّت لثامها … وكم دون تلك الشّمس بدر مقنّع
لوت جيدها فيما ترى العين دمية … تحاط بألحاظ الكماة وتمنع
يراقبنا فيها غيور كأنّما … ترى الشّمس منها بين قرنيه تطلع
إذا زلّ عنها سجنها أحدقت به … لواحظ قد غطّت عليهنّ أدمع
يشقّ إليها الدّمع وهي سريعة … يشقّ عليها والقنا وهي شرّع
ومنها:
شهاب يضيء الخطب رأيا مهذّبا … عليه الحسام الهندوانيّ يطبع
(٢٧٥) سليل أبي حفص إلى مثل هديه … وآثاره في صالح الذّكر ينزع
فتى عدويّ يجبن السيل دونه … إذا همّ ناجاه فؤاد مشيّع
إذا ناب خطب ناب فيه عن القنا … يراع له أنف الكريهة يجدع
وألفاظ حرّ حرّة لا يديرها … خداع إذا مرّت وذو الحرب يخدع
يصيح على الأعداء في كلّ بقعة … غراب لها بالطّرس والنّقس أبقع (١)
стр. 6322
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الوافر]
سقى عهد الحمى صوب العهاد … بكلّ أجشّ منفتق المزاد
كأن حبيك ريّقه إذا ما … تراكم قطره رجلا جراد
يفضّ عراه لمع البرق فيه … كما هتك الدّجى شرر الزّناد
فيسرق منه أجفان الخزامى … ندى كالدّمع في الأجفان بادي
فلو أنّ الجماد يطيق شكرا … له لنطقن ألسنة الجماد
حيا يحيى موات التّرب منه … بنفث الرّوح أفواه الغوادي
ثرى دار وجدت بها شجوني … ولكنّي عدمت بها فؤادي
منازل باعدت ما بين قلبي … وسلواني وجفني والرّقاد
يعارض ذكرها ريقي فتشجى … لهاتي منه بالعذب البراد
ويبرأ من نسيم المسك أنفي … إذا هبّت صبا تلك البلاد
منها:
إذا الحلماء والفصحاء جاؤوا … وجيء بهم لإسداء الأيادي
فمن قيس بن عاصم وابن قيس … ومن قسّ بن ساعدة الإيادي
ذكرتك يا ابن فضل الله ذكرى … علا هي والكواكب في عداد
وقد نوّهت باسمي فهو فرد … أجوز به النّجوم علي انفرادي
وألبسني احتفالك بي رداء … خلعن عليه أفئدة العباد
وقد أوطأت آثاري أناسا … على آثارهم وطء الجياد
стр. 6323
(٢٧٦) فكنت لهم عليانا ودوني … إذا ما حاولوا خرط القتاد
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الكامل]
أطروق طيف من خيالك عائد … يعنى بوسنان اللواحظ هاجد
قطع السماوة بعد هدء قائما … بالودّ في حفظ العهود لقاعد
ومن العجائب أن تحسّ دنوّه … بعد الجفاء لنازح متباعد
أصبو إليه ودون منهل ثغره … ما دون مورد كلّ عذب بارد
خفقان ألوية ولمع أسنّة … زرق تفارط في أنامل ذائد
للماء تحت طلا لهى وضاءة ال … خدّ المورّد تحت فرع وارد
منها:
برّاق ثغر الجود يشعر نشره … بالرّيّ أشعار الغمام الرّاعد
وترى السكينة في خفافي عطفه … كالصّفو في ماء الغدير الرّاكد
يسطو فيبرأ تاج كلّ مملّك … لسطا يديه من بنان العاقد
وإذا اجتنى للجود ناط يمينه … بالنيّرات إلى يمين القاصد
وتظلّ تحسده الملوك فإنّني … لأرى الملوك على نداه حواسدي
أطناب عزّيه على هام السّهى … موصولة من عزمه بقواعد
يتعثّر الخطب المفاجئ بينها … ويقيل عثرة كلّ حدّ صاعد
وقوله مضمّنا: [الكامل]
أفديه أغيد شعره وجبينه … نور تلألأ في ظلام داجي
والفرق بين الشّعر فوق جبينه … عريان يمشي في الدّجى بسراج
وقوله: [الرجز]
стр. 6324
قد بعتهم قلبي يوم بينهم … بضمّة التوديع وهو محترق
ولم أجد من بعدها لردّه … وجها، وكان الرّدّ لو لم نفترق
وقوله: [المتقارب]
(٢٧٧) أتى ابن نباتة ديوانه … يوقّع والجهل قد أوقعه
فلمّا تصدّر لم يدر ما … يصدّر في الكتب المصفعة
فقالوا حمار وهذا الجمود … يدلّ على أنّه بردعه
وقوله: [المتقارب]
أرى ابن نباتة لما غدا … يعرّض في كتبه بي غوى
فإن كنت كلبا فقد حمّلوا … على عرسه كلّ كلب عوى
وقوله: [المنسرح]
كأنّما الورد حمرة وندى خدّ مليح أبكاه توبيخ
فانظر إليه في أفق مجلسنا كواكبا كلّهنّ مرّيخ
وقوله: [البسيط]
يا سيّدي أهل دار الطّعم قد كذبوا … حتى عليّ بوعد غير منضبط
فاعلم على كلّ حال أنّهم سقط … لا يفلحون فلا تغترّ بالسّقط
وقوله في يوم ثلج: [الطويل]
كأنّ مغاني جلّق حين أشرفت … وقد عمّ منها الثلج بكلّ طريق
كواعب قامت في انتظار لزائر … يبسطن لممشاه ثياب دبيقي
وقوله: [الوافر]
стр. 6325
بدا والليل مضموم الجناح … بريق مثل منبلج الصباح
سريع الومض في وطفاء تشكو … تثاقل خطوها هيم البطاح
أصاخ لها الثرى وقد ارجحنّت … وشافه وقعها ثغر الأقاحي
فأولد بطن ذاك السّفح زهرا … كواعبه التقين على سفاح
فمن قان يخال دما وزاه … أغرّ كأنّه بيض الأداحي
كأنّ المزن والأغصان خيل … عطفن على الرّبى بكؤوس راح
فوا لهفيّ من جفن وثغر … رقيق الخصر مجدول الوشاح
(٢٧٨) أغنّ إذا نضا برديه لاحت … معاذير المتيّم للّواحي
شكا خدّاه من طرفي جراحا … وقلبي منهما دامي الجراح
فلم أر مثل ناظره وقلبي … وكلّ منهما شاكي السّلاح
ومن قصيدة: [الطويل]
سرى ونقاب اللّيل بالفجر قد حطّا … وخطّت يد الإصباح في فوده وخطا
وقد شغلت أيدي الضّحى بنجومه … أناملها يلقطن جوهرها لقطا
وألقت خواتيم الثّريّا اليد الّتي … لها فكّت الجوزاء من أذنها القرطا
وشقّت على اللّيل البهيم ابتسامة … من الصّبح شقّت عن ترائبه مرطا
وخادع مطرود الكرى كلّ ناظر … وسدّ عن الرّمل أبرده الأرطى (١)
خيال إذا أدنته من كبدي المنى … شفاها فقد يدنو المراد وإن شطّا
خليليّ ما أولاكما بتحيّة … تردّ إلى من شطّ إن جئتما الشّطّا
يذاد لها ماء الفرات إذا انتهت … إلى كبد تشتاق من عاته السّقطا (٢)
стр. 6326
ومن قصيدة: [الكامل]
لله مطّلعون من قلل الحمى … تدنيهم الذّكرى وإن لم يسعفوا
بين البروق ثغورهم تجلو الدّجى … ومع الشّموس وجوههم تستشرف
أنكرت منزلهم بعيني والحشا … يدريه للشّعف القديم ويعرف
ومن قصيدة: [الكامل]
غادي الدّيار فناج فيها فعلنا … وشكا الذي نشكو الحمائم موهنا
صبّ بكى إثر الخليط وعاقه … أن يستقلّ وراءهم فرط الضّنى
زالت حمولهم وفيها أنفس … قد أبدلوها بالضّلوع المنحنى
لله ما سترت غمائم خمرهم … من أقمر تبدو فيحجبها السّنا
هي والبدور على قوالب أفرغت … لكن أرى الآدى إلينا الأحسنا
بانوا وأتبعهم فؤادي حسرة … يستصحب الأكباد فيها الأعينا
(٢٧٩) يتلفّتون إلى قتيل نواهم … وهم الظّباء وأيّ ظبي ما دنا
ويلينهم مرّ النّسيم لطافة … وهم الغصون وأيّ غصن ما انثنى
واها لها ولكلّ غصن ليّن … لو ضمّ منه الصّدر قلبا ليّنا
وقوله: [الخفيف]
ومليح ما زال طاير عقلي … واقفا في الهوى على غصن قدّه
ضمّ نبت الشّقيق زهرا وكانت … علّة الضّمّ أنّه جنس خدّه
وقوله: [الكامل]
أعطى أزمّته الصّبا والشّمالا … وانقاد أدهم بالبروق محجّلا
غيث قفا إثر الكواكب ذيله … فعفا وأرسلها سحائب جفّلا
ما قبّلت منه الكمائم هيدبا … إلاّ وقد حسبته كمّا مسبلا
стр. 6327
لبست له الغدر الدّروع وقد رأت … برقا يهزّ على الأبيرق منصلا
وقوله: [الوافر]
جرت كبدي مع الدمع المندّي … حواشي وحشتي غبّ العقاب
فكانا لؤلؤا رطبا أضيفت … فرائده إلى ذهب مذاب
فيالك حلية لوفزت منها … بشيء لافتديت به شبابي
وقوله: [الوافر]
حبست الدمع ثمّ جعلت جفني … سياجا ما له عنه انفراج
فما زلتم بجودكم إلى أن … تجرّى الدّمع وانخرق السّياج
وقوله: [المتقارب]
وأغيد ألثغ خاطبته … وقد أبدل السّين في اللفظ ثا
فقلت له زر فقال الرقي … ب أراه مع الصّبح قد غلثا
فقلت أرى جبلا لا يرق … فؤادك لي قال لي قد رثا
وقوله: [السريع]
كأنّما طابعه المشتهى … من تحت تلك الشّفة الزاهرة
(٢٨٠) مركز بيكار الجمال الذي … صحّح وضع الطلعة الباهرة
فاعجب لأيدي الحسن إذ قرّرت … مركزه في طرف الدائرة
وقوله: [الرمل]
أعجب ما في مجلس اللهو جري … من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهة مم … ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وقوله: [السريع]
أنا القليل العقل في خرقي الذي … أهلكه في كلف المشارب (١)
стр. 6328
ما نلت من تضييع موجودي سوى … تصفية الكاسات في شواربي
وقوله: [مخلع البسيط]
قالت وقد أنكرت سقامي … لم أر ذا السّقم يوم بينك
لكن أصابتك عين غيري … فقلت لا عين غير عينك
وقوله: [الطويل]
جرت من بعيد الدار لي نفحة الصّبا … فقد أقبلت حسرى من السّير ظالعة
ومن عرق مبلولة الجيب بالنّدى … ومن تعب أنفاسها متتابعة
وقوله: [الكامل]
لي عند مشتجر الرّياح إذا التقى ال … جمعان واستنّ الجياد الضّمّر
وتراكمت سحب المنايا واعتلى … في الجوّ من وقع السّنابك عثير
وانهلّ من زرق الأسنّة فوق مغ … برّ التّراب دم عبيط أحمر
وعلى الثرى من كلّ شهم أروع … ثوب بتفضيل المنون مشهّر
من أبيض في مفرقيه أبيض … أو أسمر في جانبيه أسمر
قلب تخيّلك الظنون له فما … تصبيه حادثة ولا تتغيّر
وقوله: [المتقارب]
فتنت بأسمر حلو اللّمى … لسلوانه الصّبّ لم يستطع
стр. 6329
(٢٨١) يقطّع قلبي وما رقّ لي … ودمعي يرقّ وما ينقطع
وقوله: [الطويل]
لقد نبتت في الصّالحيّة دوحة … من العزّ يحلو لي جناها ويعذب
فطاب لدى قاضي القضاة محلّها … وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
وقوله: [الكامل]
ركب البريد سواي نحو قمامة … للرّزق كابن نباتة النّجّام
وأتوا وأجربة البريد وراءهم … وأتيت لا خلفي ولا قدّامي
وقوله: [الوافر]
توهّم إذ رأى حبّا يحاكي … على شفتيه درّا في عقيق
فقلت له وحقّك ليس هذا … سوى حبب على كأس الرّحيق
وقوله: [مجزوء الرمل]
يا فم المعشوق سبحا … ن الذي زانك زينا
قد تحلّيت بدرّ … فتحيّيت إلينا
وقوله: [الطويل]
أتى سرطان الشّام مصر مهاجرا … ليلجأ في النّيل السّعيد إلى جرف
فإن منعوه النّيل خوف نجاسة … فقل نهر قلّوط عليه إلى الأنف
ومنهم:
٦٤ - ألطنبغا العلمي الجاولي، أبو جعفر، علاء الدين (١٣)
стр. 6330
هو اليوم واحد في جنسه، لا أعرف له ثانيا، ولا لفضله مدانيا. يتبارى سيفه وذهنه، ويتجارى جواده وخاطره، وكلاهما يحرز له رهنه. لو اجتمع هو والفارابيّ في مجلس ابن حمدان، لأراه بمعانيه كيف الطّرب. أو جاوره الجوهريّ لقيل له لقد حكيت ولكن فاتك النّسب. أو جالسه أيدمر السّنائي لاستمدّ من موادّه الغزيرة. أو وقف على ديوانه ابن العديم، لأقرّ بأنّه فخر التّرك لا مولى وزير الجزيرة.
لقد أسمع من كلمه ما رقّ كأسه حتى شرب، ونفح من شذاه ما سلّم به إلى أنّ جياد المسك (٢٨٢) ما كان من بلاد الترك قد جلب. فيا له فارس جواد وإجادة، أصبح فيهما بلا نظير، وبلغ منهما غاية كلّ مضمار وغاية كلّ ضمير.
وأتى بالدّرّ كأنّه مبسمه، أو من فلول سيفه لما اخترطه.
هذا وقد طبع على سجايا لو تمثّلت كالزّجاج لشفّت. ومرايا لو قلقل طوارق الليل لكنّت شيمة ممازجة، وسجيّة كريمة. تحلّى بملابسها، وأحسن ما فيها أنّها تركيّة ساذجة.
ومن شعره الفائق قوله: (١) [البسيط]
سبّح فقد لاح برق الثّغر بالبرد … واستسق كفّ الطّلا من كفّ ذي ميد
ستعرب اللّفظ للأتراك نسبته … له على كلّ صبّ صولة الأسد
يا عاذلي خلّني فالحسن قلّده … عقدا من الدّرّ لا حبلا من المسد
ويل لمن لا مني فيه ومقلته … نفّاثة النّيل لا نفّاثة العقد
وقوله: (٢) [الكامل]
خود زها فوق المراشف خالها … ولئن فتنت به فلست ألام
فكأنّ مبسمها وأسود خالها … مسك على كأس الرّحيق ختام
وقوله: (٣) [المجتث]
وبارد الثغر حلو … بمرشف فيه حوّة
وخصره في انتحال … يبدي من الضّعف قوّة
وقوله: (٤) [الخفيف]
стр. 6331
ردفه زاد في الثّقالة حتّى … أقعد الخصر والقوام السّويّا
نهض الخصر والقوام وقاما … وضعيفان يغلبان قويّا
وقوله: (١) [الطويل]
تخاطبني خود فأبدي تصامما … فتكثر تكرار الخطاب وتجهر
فأصغي لها أذنا وأظهر عجمة … لكيما أرى درّا من الدّرّ ينثر
وقوله: [البسيط]
قال النّحاة بأنّ الاسم عندهم … غير المسمّى وهذا القول مردود
الاسم عين المسمّى والدّليل على … ما قلت أنّ شهاب الدين محمود
وقوله: (٢) [الوافر]
стр. 6332
(٢٨٣) وصالك والثّريّا في قران … وهجرك والجفا فرسا رهان
فديتك ما حفظت لشؤم بختي … من القرآن إلاّ لن تراني
وقوله: [الكامل]
وكأنّ عارضه تسلسل دورة … وحلا مراشف ثغره من شهده
نمل سعى يبغي ضريب رضابه … لكن توقّف من تصرّم خدّه
وقوله: [الكامل]
بالرّعب أحضر الخدود وشاربه … فليهن بالرّيق المعسّل شاربه
سلطان عشق كلّما كلّمته … يزور ناظره ويقسو حاجبه
وقوله: [الطويل]
وقالوا عذار الخدّ فيه صبابة … وإنّ به كلّ الجمال يتمّ
وقوله: [المتقارب]
عذارك والخدّ قد أظهرا … جميع الذي فيهما يرمز
وأنّى يصان الهوى فيهما … وهذا ينمّ وذا يغمز
وقوله: [الخفيف]
شغف الطّرف والعذار بخدّ … فيه ماء وجمر نار يشبّ
كلّما احمرّ خجلة وحياء … ينعس الطّرف والعذار يذبّ
وقوله: [الكامل]
نقلوا الهوى عنّي وقد شاع الخبر … حتى درى بصبابتي كلّ البشر
стр. 6333
إنّ العيون الضيّقات فتنّني … لا الأعين النّجل التي فيها الحور
يا من يعرّض للهلال فؤاده … من سطوة الأتراك الحذر الحذر
قوم إذا رقّوا يروقوا في الوفا … فإذا قسوا قاسا محبّهم الخطر
لا يعرفون سوى السّهام ورشقها … إمّا بأيديهم وإمّا بالنّظر
عند الجلاد ضراغم لكنّهم … في مجلس اللذّات زهر أو زهر
من كلّ ريّان القوام مهفهف … يختال في حلل الملاحة والخفر
(٢٨٤) من آل خاقان كلفت بحبّه … زنجيّ لحظ والحواجب والشّعر
لّما بدا للناس قالوا إنّ ذا … ملك أتى بالحسن ما هذا بشر
وقوله: [المديد]
مت شهيدا في غزال ألوف … ليّن الأعطاف غير عطوف
خدّه دون ظبا مقلتيه … جنّة تحت ظلال السّيوف
وقوله: [الكامل]
وإذا بليت من الهموم بلسعة … فاجعل سلافك عاجلا درياقها
لم يظلموا راووقها في صلبه … فلقد أباح دماءها وأراقها
وقوله: [الطويل]
بكت عندما عانقتها يوم ودّعت … فقالت: لقد زاد البعاد وأفرطا
فو الله لا أدري ألؤلؤ دمعها … أم العقد من ذاك العناق تفرّطا
وقوله: [الكامل]
سفرت عن الوجه المنير نقابها … واستقبلت قمر الدّجى فتشابها
حتى إذا حاشى الرّقيب تبرقعت … شمس غدا ذاك النقاب حجابها
стр. 6334
لم أنسها يوم الوداع وقد دعت … دمعا يكلّل خدّها فأجابها
فكأنّه درّ على ديباجة … أو روضة طلّ السّماء أصابها
خافت غداة البين من رقبائها … لّما رأت بلّ الدموع نقابها
زجرت دموعا مثل لؤلؤ ثغرها … حتى حسبنا كلّلت أهدابها
وقوله: [المتقارب]
خذوا حذركم من سيوف المقل … فليس لكم بسطاها قبل
وقوا أنفسا إن رمت أسهما … فما هي إلاّ سهام الأجل
وإن نفثت سحرها أورنت … فليس تفيد الرّقي والحيل
فهل لدمي آخذ من رشا … يصول ولا يختشي إن قتل
(٢٨٥) وقوله: [الكامل]
وسرت سيوفك في الكماة كما سرت … سنة الكرى في مقلة النّوّام
لا يشعرون إذا قطعت رقابهم … لولا التحاق الهام بالأقدام
وقوله: [الخفيف]
وكأنّ الكماة صرعى مدام … رقدوا من ظباك لا إغفاء
إذ سقتهم سيوفك البيض كأسا … فتراهم صرعى تفانوا دماء
ومنهم:
٦٥ - سليمان بن داود بن سليمان بن محمّد بن عبد الحقّ، الحنفيّ، أبو الربيع، صدر الدين
من بيت فقه وقضاء، وعلم كأحسن وجوه الكواكب الوضاء. تفقّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغلب على ظنّي أنّه لم يعلق في المدارس بوظيفة.
وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمّ عاد. ووصل مع رسل جاءت منهم مشاركا في الرّسالة، مشارا إليه بينهم بالجلالة. ما الأري (١) المشار إلاّ مذاقه، ولا النّهار المنير إلاّ إشراقه، ولا سلاف العقار إلاّ ما أسمع، ولا البدور الكوامل إلاّ ما أطلع، ولا العراب الأتراب إلاّ ما أبدى من بنيّات فكره فجلا أو أكنّ فبرقع.
وهو في كلّ فنونه مبرّز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحدّه، وملك منه ملكا سليمانيّا لا ينبغي لأحد من بعده، بقريحة عرفت بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرّفت في ملك البيان تصرّف سليمان وقلمه الخاتم، لقدرة طبّ (٢) بها فخر
стр. 6335
العقود، وتصرّف بها تصرّف سليمان بن داود. لم يبق عروض حتى زخر له بحره، ولا سرّ بلاغة حتى ضمّ عليه صدره، ولا تفنّن أهل غرب أو شرق حتى جمع، وتفنّن فيه حتى قصر دونه كلّ طمع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حسنه الصّنيع، وينشر ملاءات الحبر من فكره السحابيّ أبو الربيع، مما تقذف به السّفن والرّكاب، وتجري الريح بأمره مسخّرة حيث أصاب، لمحاسن أبعد فيها وأبدع، وظلّ بها كلّ من حضر مجلسه السّليمانيّ وكأنه الهدهد يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وجهه تخوضه (٢٨٦) العيون ثم تقول إنّه صرح ممرّد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودرّه الذي يفوق، قوله: [الوافر]
أروم وصاله فيصدّ قلبي … بلحظ قد حمى رشف الثّنايا
فبين لحاظ عينيه وقلبي … وبين الوصل معترك المنايا
وقوله: [المتقارب]
ولما انقضى وقت توديعها … عشيّة بين وجدّ السّفر
وقفت بجسم يريها السّها … وسارت بوجه يريني القمر (١)
стр. 6336
وقوله: [الرمل]
حظّ عينيّ من الدّنيا القذى … وفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحة … ما أراد الله إلاّ هكذا
وقوله: [السريع]
لمّا بدا في خدّه عارض … وشاق طرفي نبته الأخضر
أمطر أجفاني مستقبلا … فقلت هذا عارض ممطر
وقوله: [الخفيف]
إن بدا لي وتبت عن شرب راحي … ودعاني إليه دفّ وعود
فأدر يا نديم كأس مدامي … وعليّ الضّمان أنّي أعود
وقوله: [مخلع البسيط]
عطشت في مجلس وفيه … ساق كريم يدير خمرا
سقيت لما عطشت كأسا … يا ليتني لو عطشت أخرى
وقوله: [الطويل]
تعشّقته ظبيا فنمّ عذاره … فناديت يا قلبي خلصت من السّبي
فقال أتسلو عند نبت عذاره … ألم تدر أنّ المسك ينبت في الظّبي
وقوله: [مجزوء الكامل]
من يكن أعمى أصمّا … يدخل الحان جهارا
(٢٨٧) يسمع الحان تتلى … وترى النّاس سكارى
وقوله: [الطويل]
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهى … فأخفى عن المعشوق حالي وما يخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضة … من الورد وهي اليوم موردة الحلفا (١)
стр. 6337
وقوله: [المجتث]
أهوى رشا غريرا … لم يبق فيّ بقيا
من مهجتي ودمعي … رعيا له وسقيا
وقوله: [الخفيف]
يا رسول الحبيب غث مستهاما … مغرما يعشق الغرام ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهج … ر فهو ممّن يرى الحديث أمانه
وقوله: [الطويل]
أناديك موسى إذ رأيتك واردا … ومقتبسا نارا وقد قيل لا ولا
أيا قابسا خذ من فؤادي جذوة … ويا واردا رد من دموعي منهلا
وقوله: [مخلع البسيط]
قل للذي حين رام رزقا … بكلّ مالا يليق لاذا
стр. 6338
أقصر عناء ونم قريرا … فالرّزق يأتي بدون هذا
وقوله: [الطويل]
وقائلة يوم الوداع أرى دما … تفيض به عيناك قلت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننا … يذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وقوله: [الكامل]
وإلام أمنحك الوداد سجيّة … وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس لي … دمع يعي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليّ: [الطويل]
نشأت شهاب الدين بالعلم والحجا … وفقت الورى فضلا وعلما وسؤددا
(٢٨٨) شهاب العلا قد كان قبلك في العلا … شهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله: [السريع]
ضيّعت أموالي في سائب … يظهر لي بالودّ كالصّاحب
لّما انتهى مالي انتهى ودّه … واضيعة الأموال في السّائب
وقوله: [الطويل]
يقول نديمي عن نصوح بكفّه … لقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت هو المطبوخ من جسد لها … ألم تره قد صار منها على الثّلث
وقوله: [الطويل]
أقول لثغري والحبيب رضابه … مدامي، ونقلي لثم أيد وأرجل
أيا ثغر قبّل جيده وجبينه … تنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل
стр. 6339
وقوله: [الطويل]
وساحر طرف عقرب فوق صدغه … تدبّ إلى قلبي ولم أملك الدّفعا
وحيّة شعر خلفها نحو مهجتي … يخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وقوله: [مجزوء الكامل]
لما حكى برق النّقا … لمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عن … دمعي الحديث كما جرى
وقوله: [مجزوء الكامل]
قد كنت أحسب بعدكم … حتى توخّيت السّرى
وظننت دمعي بعدكم … يجري دما وكذا جرى
ومنهم:
٦٦ - سليمان بن أبي داود
علم الدين، صاحب الديوان. العلم الفرد، الذي ساد ذكره وساد الشّكر شكره، وسال بذائب النّضار فكره، وسام الدّر الغالي فهان لديه قدره، وولي المناصب السلطانية، وكان صدر رتبها، وسرّ كتبها، ورأس دواوينها، وأساس قوانينها، وآس دوحها الخضر، وورد (٢٨٩) أفانينها.
وتقدّمت له خدمة لقرا سنقر المنصوري، حلّ فيها عنده المحلّ الجليل، وصحبه بها مدّة، وفارقه على وجه جميل، وكان معه حيث رجع عن قصد الحجّ، موجّها إلى البريّة، وأخبرني أنّه وصل معه إلى الفرات، ثم رجع بإذنه، حيث خلاّه صاحبه، وتغلغل ووطئ ذلك البساط، وتوغّل وأتى الباب الشّريف الناصريّ، فعرف وفاءه لصاحبه، وقيامه له من حسن الصّحبة بواجبه، واتّخذه
стр. 6340
موضع المعوّل، والوفاء الذي شكر بدونه السموأل، وهو أقدر النّاس على نظم، وأسرع فيه تقريبا لفهم، ومنه قوله: [مجزوء الرجز]
قلت له: كم تشتكي … أتشتهي خذ واتّكي
فقال: لا. قلت له: … لا تشتهي وتشتكي
وقوله في زوجة له ماتت، وكانت لخلائقه قد واتت، ثمّ مضت كأنها ما أصبحت عنده، ولا باتت، فجرحه مصابها، وجرّعه صابها، فواصل حزن قلبه قطيعتها، وأنطق لسان شكواه فجيعتها: [الطويل]
أقول لقلبي حين غيبها الثّرى … تسلّ فكلّ للمنيّة صائر
وفي كلّ شيء للفتى ألف حيلة … ولا حيلة فيمن حوته المقابر
وقوله: [الكامل]
قالت وقد راودتها عن حالة … يا جارتي لا تسألي عمّا جرى
إنّي بليت بعاشق في أيره … كبر بلا فلس ويطلب من ورا
وقوله: [الطويل]
وبي رشأ ريحان خطّ عذاره … مسلسله حول الحواشي محقّق
على وجنة قد ورّد الورد لونها … وقلب شقيق الروض منه مشقّق
ومنهم:
٦٧ - يحيى بن محمّد بن زكريا، العامريّ
الخبّاز في التنّور. وهو شاعر عطّل الخبّاز البلديّ فنّه، وأنف أن يكون من الخبز أرزي خدنه، وسجر التنّور وأوقده ذهنه، بقريحة محصّلة لم تتّكل، على حاصل ابن القمّاح، ولا قنعت بمدّ (٢٩٠) ابن خضير الحوراني، لما تشكّله على الألواح. ما قدح خاطره المتوقّد إلاّ مثل هذا الفكر المسجور، ولا استمرئ فكره المتدفّق إلاّ قيل جاء أمر الله وفار التّنّور. تتحاشد عليه المسامع تحاشد الطّبون (١) وتتحاسد تحاسد نظرائه في الزّبون. تدرك فطرته المعاني بخرصها، وتودّ الشمس لو جرّت ناره إلى قرصها. تودّ فحمة الليل لو أنّها في تنّوره أحرقت، وعنبرة الصّدغ لو استدارت بوجوه أرغفته التي أشرقت، بتصرّف لا تتلوّم به الأعذار، ومعنى يخرج من فكره وله الغداة نوار، إلى خطّ كأنّه رغيفه على الألواح له من الشّونيز (٢) عذار. فلو رآه ابن الروميّ لعدل عن مدح صانع