واستدرجوا استدراجا لا يبين ولا يظهر أنه لقصد بلاد بل للتوسع في المرعى، فلا يشعر بهم إلا وهم بخراسان، حتى إذا صاروا فيها، جاسوا بها خلال الديار، وعاثوا فيا عبث الذئاب، وهم مع سيرهم المجد من بلادهم إلى خراسان لا مشقة عليهم ولا على دوابهم، لأنهم من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى مرعى.
قال ابن الحكيم: ولهذا يخاف ملوكنا عادية هؤلاء لأنهم لا يعلمون بهم إلا وهم معهم.
قلت: ومن هذه البلاد نجم الدولة السلجوقية [¬١] في عهد السلطان مسعود السبكتكين [¬٢] (١)، ما بزغ كوكبهم ثم استعلى نيرهم ونبع معيتهم، ثم فاضت أبحرهم، وكان الاحتجاج بالتنقل في المرعى هو السبب لجر الملك إليهم حتى اشتهر من أعلامهم، وانتشرت أيامهم على ما هو مرقوم في صدر السير وصفحات التواريخ.
ولم يزل لأهل هذه (المملكتين (قديمة) (٢) وكان سكان الهند لا يلزمون مقاومتهم، ولا يتقون إلا بصدور الأفيال مصادمتهم، حتى علت والحمد لله بالهند دولة الإسلام، وزادت اليوم بلسطانها القائم علوا، وتناهت غلوا، فنامت عيون أهل هذه البلاد لهيبة ذلك السلطان لعدم هجوده، وسكتت ثعالبهم المخاتلة بزئير أسوده، ولقد كان أهل هذه المملكة لا تزال تجوس أطراف الهند خيولهم، وتحتجف به الأموال والأولاد سيوفهم، حتى نشأ بالهند سلطانه الآن، وشمر للحرب ذيله،
стр. 702
وجاهد الأعداء في كل قطر، واختلفت كلمة أهل هذه البلاد على ملوكها، فانكفوا لبأس ذلك السلطان، واختلاف ذات البين، وكان ملوك هذه المملكة من أولاد جنكيز خان، وأتباعهم من المحافظة على ياسة (١) جنكيز خان، والتعبدات المعهودة (المخطوط ص ٦٦). من أهل هذا البيت من تعظيم الشمس، والميل إلى آراء البخشية [¬١]، تابعين لما وجدوا عليه آباءهم، يعضون عليه بالنواجذ، مثل تمسك القان الكبير، ومن إلى مملكته بها، بخلاف الفخذين الآخرين ببلاد خوارزم والقبجاق، وأهل مملكة إيران، وإن كان الملوك الأربعة من أولاد جنكيز خان، ومن تبعته تبعوا، ومن أفقه طلعوا، لكن (٢) بهذه المملكة والخطا، أشد بياسته تمسكا، ولطريقته إتباعا، وهما مع هذا أعدل بني أبيهما حكما وأنشرهما له في بلادهما ورعاياهما.
وقد قدمنا التنبيه على أن رعايا هذه المملكة وقرارية أهلها من قدما الإسلام السابقين إليه، وكانوا مع كفر [¬٢] ملوكهم في جانب ألا تزان (٣)، لا تتطرف إليهم أذيه في دين ولا حال ولا مال، فلما آل الملك إلي ترماشيرين [¬٣] كما ذكرنا، دان بالإسلام، وأظهره في بلاده، ونشر في خانقى ملكه، واتبع الأحكام الشرعية،
стр. 703
واقتدى بها، وأكرم التجار الواردين عليه من كل صوب، وكانت قبله الطرقات لا تفتح لتجار مصر والشام إليها، ولا يهم مضطرب (١) في الأرض منهم بالمرور عليها، فلما ملك ترماشيرين، كثر قصد التجار له، وعادوا شاكرين منه، حتى صارت بلاده لهم (٢) طريقا قاصدا، ومنهجا مسلوكا [¬١].
حدثني الصدر بدر الدين حسن الأسعردي التاجر بما كان ترماشيرين يعامل به التجار والواردين عليه من الإكرام ومزيد الإحسان، وأخذ قلوبهم بكل إمكان.
قال صاحب كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها [¬٢]، ما وراء النهر من أحضب الأقاليم منزلة، وأنزهها، وأكثرها خيرا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير، واستجابة لمن دعاهم إليه مع قلة غائله، وسلامة ناحية وسماحة بما ملك أيديهم، مع شدة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدة وعدة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح.
فأما الخصب فليس من إقليم ألا يقحط أهله مرارا قبل أن يقحط ما وراء النهر (المخطوط ص ٦٧) من واحدة ثم أن أحسوا ببرد أو بحراد أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم، ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم، ما يقوم بأودهم حتى يستغنوا به عن شيء، ينقل إليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى أو مراع لسوائمهم [¬٣]، وليس بشيء لا بد للناس إلا وعندهم منه ما يقيم به أودهم، ويفضل عنهم لغيرهم.
فأما طعامهم في السعة والكثرة فعلى ما ذكرناه، وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأبردها وأخفها، قد عمت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن من الجمد في
стр. 704
جميع أقطارها، والثلوج من جميع نواحيها، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم، ولهم من نتاج الغنم الكثير، والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس فإن لهم من الصوف والقز [¬١] وطرائف البز [¬٢]، وببلادهم من المعادن وخصوصا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن، وأمّا فواكههم فإنك إذا توطنت [¬٣] السغد وأسروشنه [¬٤] وفرغانة والشاش، رأيت في فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق، حتى ترعاها دوابهم، ويجلب إليها من محاسن الأشياء، وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه.
وأما سماحتهم فإن الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحد بأحد إلا كأنه رجل دخل دار نفسه، لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية، بل يستفرغ جهده في إقامة أوده، من غير معرفة تقدمت، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم، وهم في كل امرئ [¬٥] على قدره فيما ملكت يده، وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمئونته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح، ومنزل للأضياف، فتراه نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه، فإذا حل بأهل ناحية طارق، تنافسوا فيه، وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن، حتى يجحف بأموالهم، كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال.
قال: ولقد شهدت (المخطوط ص ٦٨) آثار منزل بالصغد [¬٦]، قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان، أن ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة
стр. 705
سنة: لا يمنع من نزولها طارق، وربما نزل به ليلا على بغتة المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابهم وحشمهم، فيجدون من طعامهم ودثارهم وعلف دوابهم ما يكفيهم، من غير أن يتكلف صاحب المنزل أمرا بذلك، أو يتجشم عبئا، لدوامه مع البشاشة بأضيافه لعلم سروره بهم كل من شهده.
قال: وترى الغالب على أهل المال والثروة صرف أموالهم على خاصة أنفسهم في الملاهي، وما لا يرضى الله تعالى، والمنافسات فيما بينهم، والغالب على أهل الثروة والمال في ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سبيل الجهاد ووجوه الخير وعقد القناطر إلا القليل من ذوي البطالة، وليس من بلد ولا سبيل مطروق ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات [¬١] ما يفضل عمن ينزل به.
قال: وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط في كثير منها، إذا نزل النازل أطعم وعلق على دابته.
قال: وقلّ ما رأيت خانا [¬٢] أو طرف سكة أو محلة أو مجمع ناس بسمرقند في المدينة وظهرها إلا وبه ماء مسبل بجمد.
قال: وحدثني من له خبرة أن بسمرقند وظواهرها ما يزيد على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبل عليه الوقوف، من بين سقاية مبنية وجباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة في الحيطان [¬٣].
وأما بأسهم فمشهور مستفيض، وفي بعض الأخبار أن المعتصم سأل عبد اللّه [¬٤]
стр. 706
أو كتب إليه يسأله عن من يمكنه حشده من خراسان وما وراء النهر، فأنفذ إلى نوح ابن أسد بن سامان [¬١] فكتب إليه أن ثم ثلاثمائة ألف قرية، إذا خرج من كل قرية فارس وراجل لم يتبين أهلها فقدهم.
قلت: ولقد حدثني الصدر مجد الملك يوسف بن زاذان (المخطوط ص ٦٩) البخاري أنه يوجد عند آحاد العامة من عشرين دابة إلى خمسمائة دابة، لا كلفة عليه في اقتنائها لكثرة الماء والمرعى.
قال: وهم أهل طاعة لسلاطينهم، وانقياد لأمرائهم حتى أن المتولى لأمورهم يتصرف في أموالهم وأمورهم وسائر أحوالهم تصرف المالك في ملكه، والمستحق في حقه، متبسطا في ذلك، مادا يده لا هو يتحشى، ولا صاحب المال والحال يتشكى، كلاهما طيب القلب، قرير العين، راض بصاحبه.
وحدثني الشريف السمرقندي أن أهل هذه البلاد في الغالب، لهم بواعث هم على طلب العلم، والمظاهرة على الحق والمضاهاة في الخلال الحميدة، إلا من قل وقليل ما هم.
وقد ذكر علي بن مشرف [¬٢] في كتاب ألفه باسم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل [¬٣]، ذكر فيه ما وراء النهر فقال: وهي في الدنيا أنموذج الجنة في
стр. 707
الآخرة، لا يحمل المسافر فيها ماء ولا زادا، ولا يحتاج رفيقا، ولا يستشكل طريقا مكان فاتك وناسك، ورد إليها قفل تجار [¬١] مات منهم واحد، له بضائع جليلة، وأموال كثر، ولم يكن ثم له وارث، فاحتاط نواب الديوان على ماله، وبلغ هذا سلطان الناحية، فأنكر غاية الإنكار، فقال: ما لنا نحن ولأموال التجار، ومعه رفاق هم أعلم بحاله، فإن كان له وارث بلغوه أمانتهم من ميراثهم، وإلا فهم أحق برفيقهم، وأولى بماله، ثم طلب التجار، وأمرهم بتسليمه، فامتنعوا، وقالوا: هذا رجل لا وارث له منا، ولا في بلده، ولا نعرف له وارثا بالجملة، ولا نعلم (من) [¬٢] يرثه إلا بيت المال، وتجارته تقارب ثمانمائة ألف درهم، وقد مات منا، وأنتم أحق به، فغضب، وقال: لا والله نحن ما نأخذ إلا ميراث من مات من بلادنا، ولا وارث له، وأما هذا فملك بلاده، وأحق بميراثه، خذوا المال، فاحملوه إليه، قال: فأخذوه معهم إلى توريز [¬٣]، وأعطوه لصاحبها، لأن الرجل كان منها.
ورأيت في كتاب آخر سماه مؤلفه تفضيل الرحلة ألفه لبدر الدين لؤلؤ أيضا، ولم يسم مؤلفه نفسه، قال: (المخطوط ص ٧٠)، وعبرنا [¬٤] في طريقنا إلى خان بالق ببلاد كثيرة، أجلها ما وراء النهر، وهي مما تنفذ العبارة دونها ما شئت من حسن وإحسان وحور وولدان وفاكهة صنوان وغير صنوان [¬٥] وماء - كما قال - عن برد إحسان ملك كبير، وخير كثير، وأقوام لهم يلذ العيش ويليق عند ثباتهم الطيش، قوم كرام لا يخف لهم أطواد أحلام، ومن بلادهم معادن أشرفها الرجال،
стр. 708
ومنها اللعل الأحمر واللازورد الأزرق، وما هو من هذه الأمثال.
قلت: وبالغ في وصفها وهي كذلك، وأما ما أشار إليه من المعادن فيها فهو بدخشان، وهي مع مملكة ما وراء النهر، وليس حقيقة منه، ولا من تركستان، بل هو إقليم قائم بذاته [¬١] معدود للمحاورة مع أخواته، قد حوى كل بديع من حيواته، ومعدته، ونباته.
قلت: وبلغني ممن أثق به منهم أن من يسق [¬٢] ملوكهم أنه إذا راح من عساكرهم ألف فارس إلى مكان وقتل منهم تسعمائة تسعة وتسعون فارسا، وسلم ذلك الفارس الواحد، قتل ذلك الواحد لكونه لم يقتل مع البقية، اللهم إلا أن حصل النصر لمن سلم.
وملوك هذه المملكة من بني جنكيز خان، وقد قدمنا القول أن أحوال بني جنكيز خان متقاربة في ممالكهم، لمشيهم على ياسة جنكيز خان، ولا تكاد تمتاز أهل مملكة من ممالكهم عن الآخرين إلا فيما قل.
ومعاملة ممالك قسمي إيران هؤلاء، وأهل خوارزم، والقبجاق ومعظم إيران بالدينار الرائج وهو ستة دراهم، وفي بعض هذه بالخراساني وهو أربعة دراهم، ودراهم أهل هذه المملكة خاصة من فضة خالصة غير مغشوشة، فهي وإن قل وزنها عن الدرهم معاملة مصر والشام فإنها تجوز مثل جوازها لخلوص هذه الدراهم وغش تلك، لأن ثم أن تلك الدراهم نوعان؛ درهم بثمانية فلوس ودرهم بأربعة فلوس، ويوجد بهذه المملكة من الحبوب القمح والشعير، والحمص والأرز والدخن وسائر الحبوب خلا الفول.
وأسعارها جميعا رخية (المخطوط ص ٧١) فإذا غلت فيها الأسعار أغلى [¬٣]
стр. 709
الغلو، كانت مثل أرخص الرخص بمصر والشام.
وبها من الفواكه المنوعة الثمار العنب والتين والرمان والتفاح والكمثرى والسفرجل والخوخ والعين والمشمش والتوت والبطيخ الأصفر والأخضر والبطيخ الأصفر بهذه البلاد نهاية، والبخاري والسمرقندي أحسن أنواعه، وإن كان الخوارزمي يزيد عليه في الحسن واللذاذة على ما نذكره في مكانه.
وبها الخيار والقثاء واللقف والجزر والكرنب والباذنجان والقرع وسائر أنواع البقول وأنواع الرياحين من الورد والنرجس والآس والنيلوفر [¬١] والحبق والبنفسج وإن قل، ولا يوجد بها الأترج والنارنج والليمون والليم ولا الموز ولا قصب السكر ولا القلقاس ولا الملوخيا، فإنها من ذلك عارية الحدائق، خالية الدوح، إلا ما يأتي من المحمضات إليها مجلوبا. فأما الدواب والخيل والبغال والحمير والإبل البخت [¬٢] والبقر والغنم، وأقلها البغال والحمر وأكثرا الأغنام فإنها في هذه البلاد كما يقال أعورتها الزرائب بالمالق، وما يليها بملأ الفضاء، ويسد عين الشمس، وهي بلاد قريبة من الاعتدال، لا تفرط في حر ولا برد، ذات عيون دافقة، وأنهار سارحة، ومراع متسعة مربعة، وخصب مفرط، يزكو حيوانها ونباتها ومعادنها.
قال لي الشيخان صدر الدين محمد ومحمد الخجنديان الصوفيان بالخانقاه الفوهية أنه لولا موتان يقع في خيل المالق [¬٣] وأغنامها في بعض السنوات، لما أبتيعت، ولا يوجد من يشتريها، لكثرتها وبركات نتاجها.
قالا: ومدينة بدخشان [¬٤] بها معدل اللعل البدخشاني لم يمكنا أن نتكلم
стр. 710
بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها، أو رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها، ولا قريبا منها، فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله وصالحوا صاحبها وهو المسمى في البلاد بالبلخش ومعدن اللازورد الفائق وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما فيوجد اللازورد بسهولة ولا يوجد اللعل إلا بنقب كبير وانفاق زائد وقد لا يوجد بعد النقت الشديد والانفاق الكبير ولهذا عز وجوده وغلت قيمته فكثر طالبه والتقت الأعناق إلى التحلي به. قلت: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في الأيام العادلية الزينية واحضرت إلى العادل كتبغا [¬١] وهو بدمشق إذ ذاك. قال لي أحمد ناظر الصاغة أحضرني الصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي ومن يعرف الجوهر وجماعة من الأكابر منهم نجم الدين الجوهري وارانا ملك القطعة فرأيناها قطعة جليلة مسننة على هيئة المشط .... زنتها خمسون درهما وهي نهاية في الحسن وغاية في الجود كاد يضيء إليها المكان وسألنا عن قيمتها كم تساوي [¬٢] فأشرنا إلى نجم الدين الجوهري لأنا لا يمكننا أن نتكلم بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها أو رأى مثلها وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها ولا قريبا منها فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله وصالحوا صاحبها.
وسنذكر جملة مما هي عليه قواعد هذه البلاد، وأول ما نبدأ بفريبي [¬٣] قاعدة الملك بها، وإن لم تكن شيئا مذكورا، ولها شيء على اختلاف حالات الزمان شهرة
стр. 711
تذكر، ولكن لما شملتها به في دولة ملوكها الآن من نظرات السعادة لنسبتها إلا أنها سكن لهم، وإن كانوا ليسوا بسكان جدار ولا متدبرين في ديار، ولكن لاسم وسمت به.
وأما بخاري فأم أقاليم، ويم تقاسيم، وقد كانت للدولة السامانية قطب نجومهم السائرة، ومركز أفلاكهم الدائرة، وكانت تلك الممالك كلها تبعا له، وكان آل سامان بها، وإن لم يتسموا بالسلطنة، ولا وسموا بغير الإمرة كالخلفاء لا يباشروا الأمور إلا نوابهم، ولا يخرج إلى الحروب إلا قوادهم، ودست قواعد [¬١] دولتهم، وأذعنت لهم ملوك الأقطار، ولم تكن ملوك بين بويه [¬٢] على عظمة سلطانهم إلا كالأتباع لهم، يحملون إليهم الحمول والقماش المطرز بأسمائهم وأسماء أرباب دولتهم كالوزير والحاجب.
وحكى أبو نصر العتبي [¬٣]: ...... [¬٤] (المخطوط ص ٧٣) وكتب نوح [¬٥] بن إلى ابن بويه كتابا يهدده فيه، فكتب جوابه: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ثم لم يرسل هذا الجواب، خوفا لما وقر في صدورهم من مهابة آل سامان إلى أن قضى الله فيهم بأمره، وولى زمانهم،
стр. 712
وجاء زمان سبكتكين على إثره، قال العتبي: وخمدت تلك الشعلة.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض ومقدارها: لم أر، ولم أسمع بظاهر بلد أحسن من بخاري، لأنك إذا علوت ولم يقع نظرك من جميع النواحي إلا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء فكأن السماء مكبة زرقاء على بساط أخضر، تلوح القصور فيما بين ذلك كالتراس الشتية والحجب الملطية وكالكواكب العلوية بياضا ونورا بين أراض وضياع مقسومة بالاستواء، مهذبة كوجه المرأة بغاية الهندسة، وليس بما وراء النهر ولا غيرها من البلاد أحسن قياما بالعمارة للضياع منهم، مع كثرة متنزهات في سعة المسافة وفسحة المساحة، متصلة بعضد سمرقند.
قال: ويحيط ببخاري وقراها ومزارعها سور [¬١]، قطره اثنا عشر فرسخا في مثلها، كلها عامرة ناضرة زاهرة، ولبخاري سبعة أبواب حديد وهي: باب المدينة، وباب بوت، وباب جفره، وباب الحديد، وباب قهندز [¬٢] وباب بني أسد [¬٣]، وباب بني سعد [¬٤]، ولقهندز هنا بابان أحدهما يعرف الريكستان [¬٥]، والأخرى باب الجامع [¬٦]، يشرع إلى المسجد الجامع، وعلي الربض دروب، فمنها درب يخرج
стр. 713
إلى خراسان، يعرف بدرب الميدان، ودرب يلى المشرق، ويعرف بدرب إبراهيم، ويليه درب يعرف بالربعة، ويليه درب المردكسان [¬١]، ويليه درب كلاباذ [¬٢]، ويليه درب الوفهار [¬٣]، ويليه درب سمرقند، ويليه درب (المخطوط ص ٧٤) بغاشلوز [¬٤]، ويليه درب الرامينية [¬٥]، ويليه درب حدس [¬٦]، ويليه درب غشج [¬٧].
وليس في مدينة بخاري ولا قهندزها [¬٨]، ماء جار لارتفاعها، ومياهها من النهر الأعظم الجاري من سمرقند، ويتشعب من هذا النهر الأعظم في مدينة بخاري نهر يعرف بنهر فنتيرديز [¬٩] فيأخذ من نهر بخاري، ويجري في درب المردكشان على حد باب إبراهيم حتى ينتهى إلى باب البلعمي [¬١٠] ويقع في نهر ميركيده [¬١١]، وعلى هذا النهر نحو ألفي بستان وقصور وأراض كثيرة، وشهرتها منه.
ومن فم هذا النهر إلى مفيضه نحو فرسخ ونهر يعرف بجوي بار بكار [¬١٢] يأخذ
стр. 714
من المذكور آنفا في وسط المدينة بموضع يعرف بمسجد أحمد [¬١] وبغيض بني كنده [¬٢]، وعلى هذا النهر مشرب بعض الربض ونحو ألف بستان ونهر يعرف بجود بار القواريريين [¬٣] يأخذ من النهر المذكور بموضع يعرف بمسجد العارض، فيسقى بعض الربض، وهو أغزر وأعمر الأراضي من نهر بكار ونهر نوكنده يأخذ من النهر المذكور ومن المدينة عند رأس سكة ختع [¬٤]، فيسقى بعض الربض ويغيض في المفازة [¬٥]، ويليه نهر الطاحونة يأخذ من النهر المذكور في المدينة بموضع يعرف بالنوبهار [¬٦]، وعليه بيوت أهل الربض ويدير أرجية كثيرة حتى ينتهى إلى بيكند [¬٧]، ومنه شرب أهل بيكند، ونهر يعرف بنهر كشنه [¬٨]، يأخذ من النهر في المدينة عند النوبهار، عليه شرب أهل النوبهار، فيفضي (١) إلي حصون وضياع وبساتين حتى يجاور كشنه، ونهر يعرف بنهر تاج [¬٩] يأخذ من النهر المعروف بالريكستان، ويسقى بعض الربض، وينتهى إلى قصر رباح، فيسقى نحو ألف بستان وقصور هناك وأراضي كثيرة دون البساتين.
стр. 715
ونهر الريكستان يأخذ من النهر المذكور بقرب إلى الريكستان ومنه يشرب الريكستان وأهل القهندز ودار الإمارة حتى ينتهى إلى قصور جلال ديزه.
ونهر يأخذ من النهر المذكور بقرب قنطرة حمدونه تحت الأرض إلى حياض بباب بني أسد [¬١]، ويقع فضله في فارقين القهندز.
وهذه الأنهار طائفة ببخاري وجنانها (١) ولها رساتق [¬٢] (٢) كثيرة، ونواح نفيسة وأعمال جليلة وضياع ليس (المخطوط ص ٧٥) مثلها لأهل بلد، وإن كان لأهل ناحية أو إقليم ما يضاهى بعضها، فليس كهي، على وفورها وكثرتها.
وجميع أبنية بخاري على استماك البناء والتقدير في المساكن وارتفاع أراضي الأبنية، فهي محصنة بالقهندزات [¬٣] وليس في داخل هذا الحائط جبل ولا مغارة ولأرض عامرة، وأقرب الجبال إليها جبل وزكر، ومنه حجارة أبنيتهم، وفرش أرضهم، ومنه طين الأواني والكلس والجص، ولهم خارج المدينة ملاحات، ومحتطبهم من بساتينهم، وما يحمل إليهم من المفاوز من الفضاء والطرق.
وأراضي بخاري كلها قريبة من الماء لأنها مغيض ماء السغد [¬٤]، ولذلك لا تنبت الأشجار العالية بها مثل المركب (٣) والجوز وما أشبهها، وإذا كان من هذا الشجر شيء فهو قصير غير تام.
стр. 716
ومن عمارة بخاري أن الرجل ربما أقام على الجريب [¬١] الواحد من الأرض، فيكون فيه معاشه وكفافه، هو وجماعة أهله.
ولبخاري مدن في داخل حائطها وخارجه، فأما داخله فالطواويس [¬٢] ومخلسب ومغركلن وزبيده وحجاره [¬٣]، وهي كلها في داخل الحائط، وكلها ذوات منابر، ومن خارجه بيكند وفرير وكرمنينه وجدمنكن وجزعامكت ومديا مجكث [¬٤]، وجميع المدن التي داخل الحائط متقاربة في القدر والعمارة ولجميعها قهندزات عامرة، وأسواق جادة، وبساتين كثيرة، سيما ما كان بييكند فإن بها من الرباطات ما ليس ببلدان ما وراء النهر كرباط هوا، وما يقاربه، ويقال أنه كان بها ألف رباط، ولها سور عظيم حصين، ولها مسجد جامع (١) تونق فيه، وفي بنائه، وزخرف محرابه، وليس بما ما وراء النهر أحسن زخرفة منه.
وقرير مدينة قريبة من جيحون ولها قرى عامرة، وهي في نفسها حصينة، مقصودة بفاخر المطاعم والمآكل الطيبة اللذيذة، وهي مدينة بقية الحفاظ قدوة أهل المشرق والمغرب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وكفى [¬٥] به فخرا باقيا،
стр. 717
وذكرا دائما، وأهل بخاري يرجعون إلى أدب وعلم وفقد وديانة وأمانة وحسن سيرة وجميل معاملة وإفاضة خير وبذل معروف وسلامة نية ونقاء طويلة.
ويتحدث أهل بخاري على قديم الأيام بطريف من أحاديثهم، وهو أنهم يتفاوضون من غير خلاف، أن من بركة طلعهم وقدرهم (١) أنه ما خرج منها جنازة وال قط، ولا عقد فيه لواء، ولا راية خرجت منه، وكان أول من اتخذها دارا، وجعلها قرارا من آل سامان أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد [¬١]، فإنه جاءته ولاية خراسان وهو مقيم بها، فنزل بساحتها، واتخذها قاعدة له، ثم توالى عليها بنوه إلى آخر أيامهم، وانقضاء أحكامهم على ما قدمنا.
وأما سمرقند فإنها (٢) مدينة مرتفعة، ولها قهندز [¬٢] وربض يشرف الناظر بها على شجر أخضر وقصور تزهر وأنهار تطرد وعمارة تتقد، لا يقع الطرف بها على مكان إلا ملأه ولا بستان إلا استحسنه.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وقد قصصت أشكال السرو (٣)، فشهت بطرائف الحيوان من الأفيلة والإبل والبقر والوحوش المقبلة بعضها على بعض كالمناجية، هذا إلى أنهار تطرد وبرك منجورة (٤) ظريفة المعاني وقصور مستشرفات.
قال مسلم بن قتيبة: لما أشرفت على سمرقند، شبهوها، فلم يأتوا بشيء،
стр. 718
فقال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها النجوم الزاهرة، وكأن جداولها أنهار المجرة، فاستحسنوا هذا التشبيه.
وبسمرقند حصن ولها أربعة أبواب، باب مما يلي المشرق، ويعرف بباب الصين، مرتفع عن وجه الأرض ينزل إليه بدرج كثيرة، مطل على وادي السغد، وباب مما يلي المغرب يعرف بباب النوبهار، وهو على نشز من الأرض، وباب مما يلي الشمال، يعرف بباب بخاري، وباب مما يلي الجنوب، يعرف بباب كش [¬١].
وفي سمرقند ما في المدن العظام من الأسواق الحسان والحمامات والخانات [¬٢] والمساكن، ولها مياه جارية، تدخل إليها في نهر، وقد بني عليه مسناة عالية من الأرض (في بعض المواضع، بل) (١) في وسط المشرق من حجاره يجرى عليها الماء من موضع يعرف بالصفارين [¬٣]، إلى أن مدخل باب (٢) (المدينة خندق عظيم مستقل فاحتيج إلى مسناه في هذا الخندق (المخطوط ص ٧٧) حتى يجرى الماء إلى المدينة، وهو نهر قديم جاهلي في وسط أسواقها بموضع يعرف برأس الطاق [¬٤]، من أعظم موضع بسمرقند، ولهذا النهر على حاشيته مستغلات موقوفة على مرماته ومصالحه، وعليه الحفظة صيفا وشتاء، وليس [¬٥] لسور الربض بها أبواب تغلق،
стр. 719
ويزعم بعض الناس أن تبعا المسمى أسعد أبا كرب ابتنى مدينة سمرقند، وأن هذا القرنين أتم بعض بنائها.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وأخبرني أبو بكر الدمشقي قال: رأيت على بابها الكبير صفيحة حديد [¬١]، وعليها كتابة زعم أهلها أنها بالحميرية [¬٢] وأنهم يتوارثون ذلك، إنها من صنعة تبع [¬٣]، وبعض الكتابة أن من صنعاء إلى سمرقند ألف فرسخ.
قال: ثم وقعت الواقعة بسمرقند، وأحرق الباب الذي كانت عليه هذه الصفيحة، وأعاده أبو المظفر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد [¬٤]، حديدا، كما كان من حديد وتغيرت الصفيحة.
قال بعض الأطباء: تربة سمرقند صحيحة يابسة، ولولا كثرة البخارات من المياه الجارية في سكنهم (١) ودورهم، وكثرة أشجار الخلاف عنده لا ضربهم فرط يبسها، وبناؤها من طين وخشب.
وكان أهلها من إظهار المروءات أكثر (٢) من سواهم والبلد كله طرقه وسككه وأسواقه وأزقته مفروشة بالحجارة، ومياههم من وادي السغد، وهذا الوادي من بلاد البتم [¬٥] على ظهر الصاغانيان [¬٦]، وله مجمع ماء يعرف بمجيء مثل بحيرة،
стр. 720
حواليها القرى، ومن مبدأ هذا الوادي إلى أن ينتهى إلى سمرقند أزيد من عشرين فرسخا، فإذا جاور سمرقند بنحو مرحلتين، انشعب منه نهر يعرف بقى، وليس بالصغد نهر أوفر عمارة منه، ولا أعظم قصورا وقرى وماشية.
ونهر قي [¬١] وهو ثلث السغد، ويتشعب (١) من وادي السغد أنهار كثيرة إلى حد بخاري حيث تأخذ منه أنهار بخاري المذكورة ستة مشتبكة القرى والبساتين والأنهار (المخطوط ص ٧٨).
ولو اطلع مطلع من الجبل على وادي السغد لرأي خضرة متصلة لا يرى من أضعافها غير قهندز أبيض [¬٢] أو قصر سامق مشيد، فأمّا فرجة مقطعة عن الخضرة أو أرض بائرة أو غابرة فقلما ترى.
قال صاحب كتاب (٢) أشكال الأرض: ومن حد بخاري إلى وادي السغد يمينا وشمالا ضياع (٣) تتصل إلى جبال البتم لا ينقطع خضرتها، ومقدارها في المسافة ثمانية أيام، مشتبكة البساتين الخضرة، والرياض محفوفة بالأنهار الجارية والأحواض في صدور رياضها، ومبانيها مخضرة، الأشجار والزروع ممتدة على جانبي واديها من وراء الخضرة، ومن وراء الخضرة على جانبي النهر مزارعها وقصورها، والقهندزات من كل مدينة ومدينة تبصر (٤) في أضعاف خضرتها كأنها ثوب ديباج أخضر، قد سير بمجارى مياهها، وزينت بين صيف قصورها في أبهى بلاد الله وأحسنها أشجارا وأطيبها ثمارا.
стр. 721
وعامة مساكن سمرقند بالبساتين والحياض والمياه الجارية، فما تخلو سكة ولا محلة ولا ناحية ولا سوق ولا دار ولا قصبة من نهر جار أو بركة واقفة …
وبسائر ما وراء النهر من الأنهار المتخرقة [¬١] والرياض المتصلة، والأشجار الملتفة، والثمار الكثيرة ما لا يوجد مثله في سائر الأمصار، ولا دمشق ولا غيرها، وإن قيل أن متنزهات الدنيا أربعة غوطة دمشق أحدها، وقال بعضهم أنها أفضلها، ولكن [¬٢] سغد سمرقند [¬٣] أطول وأعرض وأفسح وأكثر ماء، وأمد مدى، تجول العين في فضائه.
حدثني السيد الشريف جلال الدين حسن بن أبي المجاهد الحسيني [¬٤] السمرقندي عن طول مدى السغد فقال: بقدر عشرة أيام بالسير المعتاد.
قلت: وقد قال صاحب أشكال الأرض أنه يكون ثمانية أيام، فقال: لا لا يكاد يقصر من عشرة أيام، فأين غوطة دمشق من هذا أو كلها من منبع الماء من واديها إلى تناهيه، لا يبلغ نصف يوم مع كون السغد مكشوفا، تسافر العين من أوله إلى آخره (المخطوط ص ٧٩) في فرد مدى نظر، وما غوطة دمشق هكذا، لاكتناف الجبلين لواديها، ولأن أنهار السغد واضحة في خلال خمائلها، ممتدة في بسيط الخضرة، لا يحتجب ولا يخفى عن العين، وليست الأنهار بدمشق [¬٥] مكشوفة إلا في مجرى الوادي بها، فأما إذا أشرف المستشرف عليها، فإنه لا يرى إلا ما يليه، ولا تقع عينيه إلا على ما يحاذيه، ولقد بقى من سمرقند متعة الأبصار على ما نابها من النوائب، وأعترت أنهارها من الشوائب، وبليت به أغصانها مما تشيب له الذوائب
стр. 722
أيام جنكيز خان وأبنائه، وما رميت به من حوادث الحدثان في تلك المدد، وإذا حصل الاتصاف قيل أن غوطة دمشق قطعة من سغد سمرقند.
وأما البتم فهو جبال شاهقة سامقة (١) منيفة، والغالب عليها (٢) النزهة والخضرة والبقلة المعروفة بالطرخون [¬١]، وهي قرى آهلة بالناس.
وبالبتم حصون منيعة جدا، وفيها معادن ذهب وفضة وزاج ونوشادر، وفي كل جبل من جبال البتم كالغار، وقد بني عليه، وأستوثق من أبوابه وكواه.
وفيها عين يرتفع منها بخار يشبه الدخان بالنهار والنار بالليل، فإذا تلبد هذا الدخان في حائط ذلك البيت وسقفه قلع منه النوشادر، وداخل هذا البيت من شدة الحر ما لا يتهيأ لأحد أن يدخله إلا احترق، إلا أن يلبس اللبود المبلولة، ويدخل كالمختلس، ويأخذ ما يقدر عليه من ذلك.
قال: وهذا البخار ينتقل من مكان إلى مكان فيحضر عليه حتى يظهر، فإذا خفى في مكان حضر عليه في آخر إلى أن يوجد، وإذا لم يكن عليه مبنيا يمنع البخار من التفرق، لم يضر من قاربه، حتى إذا اختنق من بيت، احترق من يدخله لشدة الحر.
وإما غزنة فكانت مستقر سبكتكين [¬٢] والد السلطان يمين الدولة وأمين الملة محمود، فلما انقرضت الدولة السامانية [¬٣] بابتداء أيامه، وتبدلت ملاهيهم بحد
стр. 723
حسامه، وكانت غزنة دارهم ومثواهم، استمروا بها، ونقلوا عن بخاري قاعدة الملك إليها، ثم تناوب بنوه (المخطوط ص ٨٠) الجلوس على سريرها، ثم استقرت ملوك الغورية [¬١]، وقاعدة سلطانهم ومنبع أعوانهم.
وغزنة مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء، والأغراض (١) بها قليلة، وأرضها لا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية، ومنها خرج الرجال الأنجاد، وتأمل مواقف ملوكها في غزو الهند والترك، وذبهم عن بيضة الإسلام والملك ما أبقيت الغورية ﵏ على قصور عددهم، وقصر مددهم.
لقد كملوا ما بدأ به السلطان محمود بن سبكتكين في غزوات الهند، وسنوابها الفتوح حتى دخل الإسلام تلك الممالك العظمى (٢)، وعلي الحقيقة ما فتحوا الهند بل (٣) فتحوا الدنيا، وبذلك على هذا ما تقدم ذكره.
وأما غزنة [¬٢] فهي مدينة مضايقة للسند (٤)، وقيل أنها منها، وقال صاحب كتاب صفة الأرض أن غزنة من بلاد السند وهي واقعة في الثالث.
قال أبو سعيد منصور زعيم جرجان، ولم أر بلدة في الصيف أطيب، وفي الربيع أشبه، وفي الخيرات أنظف من غزنة، وهي قليلة الأشجار، ولهذا صح هواؤها،
стр. 724
وسلم من مرورها على النقائع الوخمة (١)، وأصول الشجر العفنة.
وأما تركستان فمملكة لو انفردت لكانت ملكا كبيرا، وسلطنة جليلة، زهرة الدنيا، وطراز الأرض، بلاد الترك حقيقة، من كناسها رتعت غزلانها، ومن غاباتها سرحت ليوثهم، وهي أقليم فسيح المدى قديمة الذكر، منشأ حماة، ومشب كماه، وهي المرادة بقولهم بلاد الأتراك، ولم تزل الملوك تلحظها لإتقاء بوادرها، والتقاء زواخرها، فأشد ما نكرت الأيام معالمها، وغيرت الغير أحوالها، ولقد صادفت حدة التتار في أول التيار، فجاءت قدامهم في سورة غضبهم، ولفحة نارهم، وأمالت السيوف حصائد آجالهم، ولم يبق إلا من قل عديده.
حكي لي من رجال في رساتيقها [¬١] وجاز في قراها أنه لم يبق من نعالها إلا رسوم دائرة، وأطلال بالية على البعد (٢) القرية مشيدة البناء مخضرة الأكتاف فيأنس لعله يجد بها أنيسا ساكنا، فإذا جاءها، وجدها عالية البنيان خالية من الأهل والسكان، إلا أهل العمد، وأصحاب السائمة، ليست بذات حرث ولا زرع، وإنما خضرتها مروج أطلقها باريها، وبها من النباتات البرية لا يذرها باذر، ولا زرعها زارع، ويوجد بها خلف من بقايا العلماء، ويجري التيمم بالترب لعدم الماء.
وأما الشاش [¬٢] فمقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان ولا ما وراء النهر أقليم صغير على قدرها في صغر المساحة، أكثر منها منابر وقرى عامرة، وقوة شوكة، وهي في أرض سهلة ليس بها جبل ولا أرض مرتفعة حزقة هي أكثر نفر، وأبنيتهم من طين، وعامة دورهم تجرى فيها المياه، وكلها مستترة بالخضرة، ولها مدن كثيرة تتدانى وتتقارب مسافتها.
стр. 725
وأما استيجاب [¬١] فمدينة لها قهندز وربض، أما القهندز فخراب. والمدينة والربض عامران، وعلى المدينة سور ويحيط بها مقدار فرسخ، وفي ربضها مياه وبساتين، وبناؤها بطين، وهي مستوى من الأرض، ولها أربعة أبواب، وهي مدينة ذات خصب وسعة، ولا خراج عليها، ومن مدنها الطراز [¬٢] وتوجكرت وكجنده (١).
وإما باراب فهو اسم الناحية، ومقدارها في الطول والعرض أقل من يوم، وبها منعة وبأس، وهي في سبخة، ولها غياض ومزارع، وقصبتها تسمى كندر، ومنها فيلسوف الإسلام [¬٣] أبو نصر البارابي (٢) [¬٤] مفسر كتب القدماء، (المتقدم في العلوم العقلية على كل متقدم ومتأخر، والناس يقولون الفارابي) (٣) والصحيح الباربي بالباء الموحدة لأن هذه تسمية تركية، وليس في اللغة التركية [¬٥] فاء.
وأما خجنده [¬٦] فإنها متاخمة لفرغانه، وهي في جملتها، وهي منفردة بأعمال خاصة، وهي على نهر الشاش في غربيه، وطولها أكثر من عرضها، وبساتينها ودورها متفرقة، ولها قرى يسيره، وهي مدينة نزهة، وفواكهها حسنة (المخطوط
стр. 726
ص ٨٢) ولكنها تنبق بها من ذرعاتها فتجلب الغلات من فرغانه وأشروسنه (١) إليها، وينحدر إليهم بها السنن من نهر الشاش، وهو نهر عظيم، ويعظم بأنهار تجتمع إليه في حدود الترك، وعموده نهر يخرج من بلاد الترك في حدود دوازكند، ثم يجتمع إليه أنهار فيغزر، ويمتد على خجنده يمر على ساكت، فيجرى إلى باراب، وإذا جاوز حد صيران جرى في برية يكون في حاشية بلد الأتراك الغربية، فيمتد حتى يقع في بحيرة خوارزم.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض [¬١]: وهو نهر إذا امتد يكون نحو ثلثي نهر جيحون.
وأما فرغانة فهو اسم الإقليم وهو عمل عريض موضوع على سعة مدنها وقراها، وقاعدتها مدينة اخشيلب [¬٢]، وهي على شط نهر الشاش، على أرض مستوية، ولها قهندز وربض، ومقدارها نحو ثلث فرسخ، وبناؤها من طين، وعلى ربضها سور وعليه أبواب من المدينة، وفي الربض مياه جارية وحياض كثيرة، وكل باب من أبواب ربضها يفضى إلى بساتين ملتفة، وأنهارها لا تنقطع مقدار فرسخين، ويحاذيها إذا عبر الشاش مروج ومزارع كثيرة، رمال مقدار مرحلة، ويليها مدينة قنا (٢) وهي من فرغانة، من أنزه مدنها لها قهندز وربض القهندز خراب والجامع من القهندز، وأسواقها من ربضها، ودار الإمارة في الربض، وعليه سور محيط به، ولها بساتين كثيرة، ومياه غزيرة ويليها في الكبر أوش [¬٣] من فرغانة، ملاصقة
стр. 727
للجبل، وهي مدينة عامرة ذات قهندز عامرة، ولها ربض، وعليه سور ولها ثلاثة أبواب [¬١] وأوزكند [¬٢] وهي آخر مدن فرغانة لها قهندز وربض، وأسواقها في الربض مطرزة بالبساتين والمياه الجارية.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وليس بما وراء النهر أكثر قرى من فرغانة، وربما بلغ حد القرية مرحلة لكثرة أهلها، وانتشار مواشيهم في المرعى، وسألت عن هذا العميد أبا المكارم حميد بن محمد الفرغاني فقال: كانت أكثر مما قال، والبلاد باقية على هذه الحال في الاتساع (المخطوط ص ٨٣) ولكن قد قل ناسها.
وأما أشروسنه [¬٣] فهو اسم لإقليم كالسغد، وقاعدتها مدينة تومجكت [¬٤]، وبها من المدن ارسبانيكث [¬٥] وعرق [¬٦] وفنكت [¬٧] وساباط [¬٨] ورامين [¬٩].
قال صاحب الروض المعطار في أخبار الأقطار [¬١٠]: أشروسنة أرض يحيط بها
стр. 728
من إقليم ما وراء النهر من شرقيها بعض فرغانة، ومن غربيها بلاد الصغد والصغانيان، وشمالها بلاد الشاش، ولأشروسنه مدن كثيرة، ومملكتها واسعة جليلة، ويقال أن فيها أربعمائة حصن ولها واد عظيم يأتي من نهر سمرقند، ويوجد في ذلك الوادي سبائك الذهب.
وقال صاحب كتاب أشكال الأرض: أما مدينة تومجكث [¬١] فهي مسكن الولاة، تحزر رجالها نحو عشرة آلاف رجل [¬٢]، وبناؤها بطين وخشب، وعليها سور، ولها ربض وعلى ربضها سور، ولها سور ثالث من وراء ذلك.
وللمدينة الداخلة بابان [¬٣]؛ وداخل المدينة المسجد الجامع والقهندز ودار الإمارة في الربض في مربعة الأمير.
ويجري بالمدينة (١) نهر كبير عليه رحى [¬٤] وأسواقها في المدينة الداخلة، وبها بساتين وكروم وزروع، وذلك كله دون السغد، ولها أربعة أبواب، ولها ستة أنهار، جميعها من عين واحدة، ومنبع واحد، مقدار ما بها يزيد على عشرة أرحية [¬٥] ومن المدينة إلى منبع الماء مقدار نصف فرسخ، ويليها في الكبر مدينة زامين [¬٦]، وهي على طريق فرغانة إلى السغد، وباقي بلادها متقاربة في الكبر والنزهة والبساتين والمياه.
стр. 729
الفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق
(١) حدثني الشيخ نجم الدين بن الشحام الموصلي أن هذه المملكة متسعة الجوانب طولا وعرضا، كثيرة الصحراء، قليلة المدن، وبها عالم كثير، لا يدخل تحت حد، وليس لهم كبير نفع لقلة السلاح ورداءه الخيل (المخطوط ص ٨٤).
وأرضهم سهلة قليلة الحجر لا تطيق خيل، ربيت فيها الأوعار (٢)، فلهذا يقل غناء أهل هذه المملكة في الحروب، وليس لملوكهم عظيم عناية بالأوضاع، وترتيب سلطان هذه البلاد في أمور جيشه (٣) وسلطانه ترتيب مملكة العراق والعجم، في عدة الأمراء والأحكام والخدم، ولكن (٤) ليس لأمير الألوس [¬١] والوزير بها تصرف أمير الألوس والوزير بتلك المملكة، ولا لسلطان هذه المملكة نظير ما لذلك السلطان من الدخل والمجابي وعدد المدن والقرى، ولا مشى أهل هذه المملكة على قواعد الخلفاء مثل أولئك (٥).
ولخواتين هؤلاء مشاركة في الحكم معهم، وإصدار الأمور عنهم مثل أولئك وأكثر إلا ما كانت عليه بغداد بنت جوبان [¬٢] امرأة أبي سعيد بهادر بن خدابنده،
стр. 730
فإننا ما رأينا في زماننا، ولا سمعنا عمن قارب زماننا أن امرأة تحكمت تحكمها، وقد وقفت علي كثير من الكتب الصادرة عن ملوك هذه البلاد من عهد بركة [¬١] وما بعده، وفيها وانفقت آراء الخواتين والأمراء على كذا أو ما يجري هذا المجرى.
وقاعدة الملك بها السراي [¬٢]، وهي مدينة صغيرة بين رمل ونهر، وقد بنى بها سلطانها القائم بها الآن ازبك خان [¬٣] مدرسة للعلم، وهو معظم لجانب العلم وأهله.
وحدثني الصدر زين الدين عمر بن مسافر أن هذا السلطان أزبك غير ملتفت من أمور مملكته إلا إلى جمليات الأمور دون تفصيل الأحوال، يقنع بما جمل إليه، ولا يفحص عن وجوهه في القبض والصرف، وإن لكل امرأة من خواتينه جانبا من الجمل [¬٤]، وهو يركب كل يوم إلى امرأة منهن يقيم ذلك اليوم عندها، يأكل في بيتها، ويشرب [¬٥]، وتلبسه بذلة قماش كاملة، ويخلع التي كانت عليه، على من يتفق ممن حوله، وقماشه ليس بفائق الجنس، ولا غالي الثمن، وهو مسلم، حسن
стр. 731
الإسلام، متظاهر بالديانة، والتمسك بالشريعة، محافظ على إقامة الصلاة، ومداومة الصيام مع قربه من الرعايا والقاصدين إليه (١).
وليست يده بمبسوطة (٢) بالعطاء، ولو أراد هذا لما وفي له به دخل (٣) بلاده، وغالب رعاياها أصحاب عمد (٤) في الصحراء، أقواتهم من مواشيهم من الخيل والبقر والغنم، والزرع عندهم قليل، وأقله القمح والشعير، وأما الفول فلا يكاد يوجد، وأكثر الموجود عندهم من الزروع، والدخن منه أكلهم، وعليه فيما يخرج الأرض كلهم، والأسعار في جميع هذه المملكة رخية إلى غاية.
الاكركانج [¬١] أم إقليم خوارزم، وهي المعبر عنها بخوارزم، فإنها متماسكة فيها أسعار الغلات، قل أن ترخص، بل هي إما مغلية أو متوسطة، لا تعرف الرخص أبدا، وأما اللحوم فإنها رخيصة، وكثيرا ما تذبح الخيل بهذه البلاد.
وأما سكان البر منهم فإنه لا يباع ولا يشترى بينهم اللحم، وغالب أكلهم من لحوم الصيد واللبن والسمن والدخن، فإن تلفت لأحد منهم دابة مثل فرس أو بقرة أو شاة، ذبحها، (وأكل هو، وأهله منها) (٥)، وأهدى إلى جيرانه، فإذا تلفت لهم أيضا شاة أو بقرة أو فرس، ذبحها، وأهدى إلى من أهدى إليه، فلا تكاد تخلو بيوتهم من اللحم بهذا السبب لأن هذا معروف بينهم كأن هدية اللحم بينهم قرض يؤتى.
стр. 732
وفي سلطان هذه المملكة طوائف الجركس [¬١] والروس [¬٢] والآص [¬٣] (١) وهم أهل مدن عامرة وآهلة، وجبال مشجرة مثمرة، ينبت عندهم الزرع، ويدر الضرع، وتجري الأنهار، وتجنى الثمار، ولا طاقة لهم بسلطان هذه البلاد، وهم معه، وإن كانت لهم ملوك كالرعايا فإن داروه بالطاعة والتحف والطرف، كف عنهم، وإلا شن عليهم الغارات، وضايقهم بالحصار، وكم مرة قتل رجالهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض.
ومما ينضم إلى جناح هذا السلطان قوم من الترك في نهاية الشمال من حدوده، وهم في جهد من قشف العيش، لأنهم ليسوا أهل حاضرة لهم زرع، وشدة البرد تهلك، مواشيهم، وهم همج رعاع لا لهم مسكة بدين ولا رزانة في عقل، وهم لشدة ما بهم من سوء الحال إذا (المخطوط ص ٨٦) وجد أحدهم لحما سلقة [¬٤] ولم ينضجه، وشرب مرقه، وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام، ويعاود سلقها (٢) مرة أخرى، ويشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم.
وأخبرني الصدر جمال الدين عبد الله الحصني التاجر؛ أن ليس كثير من أهل
стр. 733
بادية هذه المملكة الجلود، سواء أن كانت مذكاة أو ميتة، مدبوغة أو غير مدبوغة، من الحيوان الطاهر أو غير الحيوان [¬١] الطاهر (١)، ولا يعرفون في المأكل ما يعاف مما لا يعاف ولا التحريم من التحليل، وأنهم في الأزمات يبيعون (٢) أولادهم ليتقوتوا بأثمانهم إذا ضاقت بهم الأحوال في بعض السنين، ويقولون عمن يبيعونه من أولادهم: نعيش نحن (ولا) [¬٢] وهو خير مما نموت نحن وهو.
وجاريت (٣) الصدر زين الدين عمر بن مسافر في حديث هذه البلاد، وسألته عما قاله عبد الله الحصني، فقال: كل ما أخبرك به صحيح.
قلت: وترك هذه البلاد هم خيار الترك أجناسا، لوفائهم وشجاعتهم، وتجنبهم الغدر مع تمام قاماتهم، وحسن صورهم، وظرافة شمائلهم، ومنهم معظم جيش مصر لأن سلاطينها وأمراءها منهم منذ رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل [¬٣] في مشترى المماليك القبجاق، ثم انتقل الملك إليهم، مالت ملوكهم إلى الحبشية [¬٤]، ورغبت في الاستكثار منهم، حتى أصبحت مصر بهم آهلة المعالم، محمية الجوانب، منهم أقمار مواكبها، وصدور مجالسها وزعماء جيوشها (٤) وعظماء أرضها، وحمد الإسلام مواقفهم في حماية الدين، وجهادهم أقاربهم،
стр. 734
وأهل جنسهم، من الله، (لا تميل لهم جنة) (١)، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وكفى بالخيرة الأولى نوبة عين جالوت [¬١] لما خرج الملك المظفر قطز، صاحب مصر [¬٢]، إذ ذاك في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكسر عساكر هولاكو أعلى عين جالوت، ورحل هولاكو عن حلب، عائدا، ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملك أقطار الأرض مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزمشاه [¬٣] (المخطوط ص ٨٧) ﵀، حتى قتل.
ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة، (والنغبة من البحر) (٢)، والله يؤيد بنصره من يشاء، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين [¬٤].
(٣)، وهذا من المعجزات النبوية وهو قوله ﷺ [¬٥] لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
стр. 735
على من عاداهم إلى يوم القيامة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ألا وهم الجند الغربي.
وقوله ألا وهم الجند الغربي زيادة في الروايات، وهذه الرواية إن لم تصح روايتها، صحت بالمعنى، لأن هذه الطائفة وهي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي ﷺ في قولهم (١) وعناهم بها، لأنه لم يظهر على التتار سواهم، وبهذه النصرة، دامت النصرة على التتار، وكانت بهم لا بغيرهم مع كثرة من كان من ملوك الإسلام، واجتهادهم في الجهاد، فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام، وبقيت بقية الدين، ولولا هم لا نصدع شعب الأمة، ووهي عمود الملة، ووصلت خيل عبدة الشمس إلى أقصى المغارب، ودكت جميع رعان (٢) الأرض.
وهذه جملة معترضة ساقها الاستطراد بذكر أهل تلك البلاد، ونعود الآن إلى ذكر (٣) ما كنا فيه من ذكر بلادهم وأحوالهم فيها.
هذه البلاد أكثر الأرض ماء ومرعى وأخصبها زرعا إذا زرع بها، ولكنهم أهل حل وترحال، أصحاب ماشية، ليس لهم مبالاة بالزرع والغراس، ولقد كانت قبل استيلاء التتار عليها، معمورة الجوانب، وهي الآن في بقايا تلك العمارة (٤) فيها الأشجار المختلفة الأنواع، من الفواكه العنب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والمشمش والخوخ والجوز، وبها فاكهة تسمى بلغة القبجاق بابيك شبيهة بالتين، والفواكه الموجودة عندهم الآن من بقايا ما باد من غراس من كان قبل هؤلاء ممن كان لهم عناية بالزرع والنصب، وهي كثيرة الوجود في جبالهم، وما يحدث إلى المدن (المخطوط ص ٨٨) مع كثرة ما بادوا.
стр. 736
وأما البطيخ فسحت عندهم سحابه، وشحت على غيرها خاصة الأصغر، فإنه ما يبقى عندهم طول السنة، ويقدد منه وهو في غاية صدق الحلاوة، وطيب الطعم مع ما يحكى من كثرة وجوده ورخصه، ومنهم من يستخرج ماءه ويعقد منه الحلوى.
وبمدنهم كثير من الخضراوات كاللفت والجزر والكرنب وغير ذلك، فأما في مدن الجركس والروس واللاص فإنه كثير عندهم جدا، وبها العسل الكثير الأبيض اللون اللذيذ الطعم الخالي من الحدة، وقد نشأ الآن فيهم الإسلام، وأشرق على أقطارهم نور الإيمان.
وكان أول من دان بالدين الحنيف من ملوكهم بركة بن جوجي [¬١] (١) بن جنكيز خان ومنه لمعت في آفاقهم الشوارق إلى أن صدع الآن الضحى، وتقلصت في جمهورهم (٢) المعظم جلابيب الدجى، إلا في النادر القليل، ومع استعلائهم على جيوش الجركس والروس والماجار [¬٢] والأرمن [¬٣] (٣) تختلس تلك الطوائف أولاد هؤلاء وتبيعهم من التجار، ومع ظهور الإسلام في هذه الطائفة، وإقرارهم بالشهادتين فهم مخالفون لأحكامها في كثير من الأمور، وأول هذه الطائفة وآخرها لا يقفون مع ياسه (٤) جنكيز خان وقوف غيرهم مع مؤاخذة بضهم لبعض أشد
стр. 737
المؤاخذة في الكذب والزنى ونبذ المواثيق والعهود.
ومن شأن ملوكهم إذا غضبوا على أحد من أتباعهم أخذوا ماله، وباعوا أولاده، وكذلك إذا سرق سرقة استحق المسروق له مال السارق وأولاده، وباعهم، ومن خطب إلي أحد (١) بنته، وأعطاه القليل، زوجه لها ثم لا يعود يسأله عنها كما ذكرنا في مملكة ما وراء النهر.
وقال لي المولى الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، أن لسلطان هذه المملكة على جميعهم خراج، يتأدى منهم زرعا (٢)، طولبوا بالخراج في سنة ممهلة لوقوع الموتان بدوابهم أو سقوط الثلج (وجماد الجمد) (٣)، فباعوا أولادهم لأداء ما عليهم.
وحدثني الشريف (المخطوط ص ٨٩) شمس الدين محمد الحسيني الكربلائي التاجر في شهر رجب الفرد (٤) سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة حالة عوده من هذه البلاد، وكان قد تجول فيها في سفره وتغرب فيها، ووصل إلى أقجاكرمان وبلاد البلغار، وقال لي: أنه اشترى في سفرته هذه مماليك وجواري من آبائهم وأمهاتهم لإحتياجهم لخروج يسق [¬١] ملكهم إليهم بالركوب (٥) إلى بلاد إيران، واحتاجوا إلى بيع أولادهم وجلب منهم رقيقا عاليا غاليا.
وهذه المملكة قديما هي بلاد القبجاق فلما فاضت عليها التتار صارت القبجاق لهم رعايا، ثم خالطوهم وناسبوهم، وغلبت الأرض على الجبلة والأصل، فصار الكل كالقبجاق كأنهم جنس واحد لسكن المغل بأرض القبجاق ومصاهرتهم لهم،
стр. 738
وبلادهم في أرضهم، وهكذا طول المكث في كل بلد وأرض تجوز التجايز (١) إليها، ويحول الغرائز إلى طباعها كما قدمنا ذكره، (وقد يقل اختلاف الألوان ويزيد لسبب آخر غير البلدية) (٢).
قلت: ولقد كان في السرب والبلغار من قديم دار إسلام ومستقر إيمان، ذكر هذا المسعودي في مروج الذهب [¬١] (٣).
فأما الآن فقد تبدلت بإيماتها كفرا وتداولتها طائفة من عبّاد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى حضرة سلطان (٤) مصر سنة إحدى وثلاثين بكتاب إلى سلطانها من صاحب السرب والبلغار، يعرض نفسه على مودته، ويسأل منه سيفا يقلده (٥)، وسنجقا يقهر أعداؤه به، فأكرم رسوله، وأعد نزله وجهز له معه خلعة كاملة، طرد وحش مقصب بسنجاب مقندس على مفترح اسكندري، وكلوته زركش وشاش بطرزين رقم ومنطقة ذهب وكلاليب ذهب وسيف محلي، وسنجق سلطاني أصفر [¬٢] مذهب، وهم يدارون سلطان القبجاق لعظمة سلطانه عليهم (المخطوط ص ٩٠) وأخذه بخناقهم لقربهم منه.
قلت: والقسطنطينية [¬٣] مجاورة لأطراف ملك القبجاق، وملك الروم معه في
стр. 739
طلب دائم، واقتراحات متعددة في كل وقت وملك الروم على توقد جمرته وكثرة حماته وأنصاره يخاف عادية شره، ويتقرب إليه بالمداراة، ويدافع معه الأيام من وقت إلى وقت، وما زالت الأيام هكذا وما زالت تلك حالهم مع ملوك هذه من أبناء جنكيز خان، منذ تدبروا هذه الأرض، وما تخلو منهم (١) مدة من تجديد عهود، ومسالمة إلى مدد تؤجل بينهم، وأشياء تحمل من جهة ملوك الروم إلى القان بمملكة القبجاق.
ذكر العز الحسن الأربيلي أن بدر الدين حسن الروسي التاجر السفّار، حدثه أن حدود هذه المملكة من جهة جيجون خوارزم وصقناق وسوداق وباركند. وجند وسراي ومدينة ماجروازاق والجاكرمان وكفه سوداق وسقسين والكل وبلغار، وأعمال سبروابو (وباشغرد، وجولمان ثم بصر جولمان يتصل حدود أعمال سبر بأوائل) (٢) حدود بلاد الخطا.
قال: ومدينة باكو [¬١] هي أحد مدن أقليم شروان [¬٢]، وعندها الباب الحديد الذي يسميه الترك دمرقبو ومن الباب الحديد الذي هو عبارة عن مدينة باكو إلى حدود بلاد الخطا من جهة سبر وأبر يكون مسير القفل مسيرة خمسة أشهر، هذا هو طول هذه المملكة (٣) وفي هذه المملكة من الأنهار الكثيرة المشهورة، سيحون، وجيحون، وطونا، وايتل، وباين، وتن، وطرلو، فمن سيحون إلى طونا مسيرة أربعة أشهر، وبين سيحون وجيحون خمسة عشر يوما، ومن جيحون إلى باين خمسة عشر يوما، ومن باين إلى أتيل عشرة أيام، ومن أتيل إلى تن شهر واحد، ومن تن
стр. 740
إلى طرلو عشرة أيام، ومن طرلو إلى طونا شهر واحد، ويقلب (١) جيحون وأتيل إلى بحر القلزم وسيحون (المخطوط ص ٩١) منهى إلى مقصبة (٢)، ورمل تحت مدينة جند بثلاثة إيام فيقلب هناك، وتأتي الأنهر المذكورة تقلب إلى بحر عمان، وهذه السبعة أنهر في هذه المملكة، ويتصل منها إلى أقليم ما وراء النهر سيحون وجيحون.
قلت: الذي يصح أن جيحون يقلب في بحيرة ملح نحو مائة فرسخ، ويقع بها نهر الشاش أيضا، وأما من زعم أن جيحون يرمى في القلزم [¬١] فغلط منه، وإنما اشتبه ذلك لعظم هذه البحرة (٣)، وبين مرمى جيحون ونهر الشاش نحو من عشرة أيام، وتعرف هذه ببحيرة خوارزم [¬٢]، وعلى وسطها جبل يسمى جفر يجمد عنده الماء حتى يبقى إلى الصيف.
قال الأربيلي: ومن مشاهير مدنها بلغار، وأقصر ليلها أربع ساعات ونصف.
قال حسن الرومي: ثم سألت مسعود الموقت بالبلغار عن هذا فقال جربناها بالآلات الرصدية، فوجدناه أربع ساعات ونصف تحريرا، وهو غاية نقصان الليل بها.
وأما قصبة [¬٣] افتكون فحررناها فوجدنا أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف أقصر من ليل البلغار بساعة واحدة.
قال: وبين بلغار وافتكون مسافة عشرين يوما بالسير المعتاد، والقصبة في مصطلح العجم المدينة الصغيرة.