منهم، ولا تأسف منهم، بل يؤدونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا للقتال، عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح.
قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم [¬١] تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الطلب والسخر السلطانية، ومن ذلك أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان، ويحملن جميعا في رأس كل سنة إلى السلطان، فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي.
ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف [¬٢] والمئات [¬٣] والعشرات [¬٤] فهو أضبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه.
ومن جملة ياسهم أنه إذا كان أمير في غاية القوة والعظيمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق (المخطوط ص ٤٦) والمغرب، حتى أذنب ذنبا يوجب عقوبة، بعث إليه ولو من أخس أصحابه من يؤذ به بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان من ذنبه ما يوجب قتله، ألقى نفسه بين يديه ذليلا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرا كان أو جليلا. [¬٥]
ومنها أن كل أمير لا يتردد إلي سواه، ولا يتغير عن موضعه [¬٦] فإن فعل ذلك
стр. 667
عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده.
ومنها وضعهم البريد بكل مكان، طلبا لحفظ الأموال، وسرعة إيصال الأخبار، ومستجدات الأحوال.
وكان لجنكيز خان عادة مستمرة، وإن كانت إلي الآن سارية في الأولاد، وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه، في كل وقت يتفرغ فيه من القتال، والمنازلة، وربما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، يحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة [¬١]، ويضايقون ما بين الخراكي [¬٢] والبيوت بالحبال، ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة، وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار أوامره، وإدمانهم علي استعمال السلاح، وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمضاهرة على الأرواح.
ومن عاداتهم أنه متى خرج من قبل واحد منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما تقدم من أمره بل ربما قتلوه، ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم [¬٣]، وتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها وكثرتها وقلتها، فإذا ضاقت الحلقة، وتراكمت الصيود، مشحونة بغرائب الوحوش، والحيوانات السهلية والجبلية، ودخل هو وأولاده وخواصه، وتفوقوا في القتل والقبض والتفرج، وربما استثرف القان من مكان عال، لينظر فروسية أولاده، وقوة مراسهم، فإذا تخلف من تلك الصيود بعد ذلك شيء، اجتمع ولدانهم وصبيانهم، وشفعوا إلى السلطان في إطلاق ذلك المتخلف.
وحكى أن في بعض صيودهم واجتماع ما اجتمع في بعض تلك الحلق لهم من الوحوش، وضاقت عليهم المذاهب، وعاينت التلف، فاستقبلت السلطان بوجهها
стр. 668
وجاءت إليه بالصياح العالي على هيئة المستعطف (المخطوط ص ٤٧) المستجير، فيتقدم بفك الحلقة، وإطلاق تلك الوحوش [¬١].
قال الصاحب علاء الدين الجويني [¬٢] كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين [¬٣] والسراري [¬٤] وكان أعظم نسائه أوبولجين بيكي، وفي رسم المغول تعظيم الولد بنسبة والدته، فكان له من هذه المذكورة، أربعة أولاد معدين للأمور الخطرة وهم لتخت ملكه بمنزلة أربعة قوائم سدته، وكان أكبرهم توش والد قردوا [¬٥] وباته [¬٦] وبركه [¬٧] وتركجار [¬٨]، فرتب توش على الصيد والقبض لأنه أمر محبوب إليهم موصوف عندهم، ورتب جغتاي [¬٩] الذي هو أصغر منه لتنفيذ الياسات والأرغوا [¬١٠] والمقابلات وأمثال ذلك، ورتب أوكتاي [¬١١] لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال واختيار الأعمال وعرض الجيوش
стр. 669
وتجهيزها.
وحكى أنه قال لأولاده في جملة وصاياه إليهم، وحقه لهم على المؤالفة، وإجراء الأمور على انقياد الصغير للكبير، وضرب لهم أمثالا منها أنه دفع إليهم عدة أسهم مفردة، وأمر بكسر كل واحد منهم، فكسر في أسرع وقت، ثم جمع من تلك الأسهم عدة كثيرة، وأمر كل واحد منهم بكسرها مجتمعة، فعجزوا، قال: كذا حالكم في الوهن متفرقين.
ولما عرضت لهم الممالك، وذلت لهم المسالك، عين لكل منهم إقليما بمفرده، ومنزلا يختص بحشده وعدد، فعين لأخيه أو تكين نويان [¬١] حدود بلاد الختا [¬٢] وعين لولده الكبير توشى من حدود قيالق إلى أقصى شفشين وبلغار [¬٣]، وعين لجغتاي من حدود الأويغور [¬٤] إلى سمرقند وبخاري، وجعل لنفسه مقاما في قياس مجاور أرمالق، وجعل ولده أوكتاي ولي عهده، وكان موضعه في عهد حدود آمل وقراباق [¬٥]، فلما جلس على تخت السلطان، انتقل إلى الموضع الأصلي بين الختا
стр. 670
وبلاد الأويغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك [¬١] وكان ولده تولى [¬٢] متصلا به، وبالجملة كان موضعه نقطة دائرة ملكه، وبنوه حوله كمحيط الدائرة.
وكان أولاده وأحفاده أزيد من عشرة آلاف، هذا ما ذكره الصاحب علاء الدين، وقد سألت شيخنا فريد الدهر شمس الدين (المخطوط ص ٤٨) الأصفهاني [¬٣] عن بني جنكيز خان فقال: إن جنكيزخان أولد أربعة أولاد وهم جوجى [¬٤] وجداري [¬٥] وتولى [¬٦] واوكتاي [¬٧] فقتل جوجى في حياة أبيه، وكان أكبر أولاده، وأعزهم وخلف أولادا.
قال ابن الحكيم: هو باتو [¬٨] وأورده وبركه وتووك وجمنى [¬٩].
قال شيخنا شمس الدين: المشهور باتو وبركة ابنا جوجي، فلما قتل أبوهم كان جنكيز خان؛ أبوه، قد عين له دمشق القبجاق [¬١٠]، وما معه، وأضاف إليه آراك [¬١١]
стр. 671
وتبريز [¬١] وهمدان [¬٢] ومراغه [¬٣]، وأوصى جنكيز خان بأن يكون تخته لولده الصغير اوكتاي [¬٤] وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر جداي [¬٥] ولم يجعل لتولي [¬٦] شيئا، فاستقل اوكتاي بتخت أبيه جنكيز خان، واستقل بدشت القبجاق وما معه، ولم يتمكن جداي مما له من ممالك ما وراء النهر.
ثم مات اوكتاي وارث التخت، وملك بعده ولده كيوك، وكان رجلا شريرا جبارا متسلطا قوي النفس، فقوى على بني أبيه، وحكم عليهم حكما قاهرا [¬٧]، وهم بمعاندة باتو، ونزع يده، وبعث أميرا اسمه الجكداي إلى آران وبقية المضافات معها إلى باتو، وأمره بإمساك نواب باتو بها، وحملهم إليه، وسمع نواب باتو بذلك، فكتبوا إلى باتوا بالاستئذان على ما يكون اعتمادهم عليه.
وصل الجكداي المجهز من جهة كيوك، وفي تلك الساعة بعينها، عاد جواب باتو على نوابه بمسك الجكداي، وتقييده، وحمله إليه، فقامت شيعة أولئك النواب المقيدين، ففكوا قيودهم، وأمسكوا الجكداي، وقيدوه وحملوه إلى حضرة باتو، فسلقه [¬٨] بالماء، فلما بلغ هذا كيوك مرسله عز عليه، وعظم لديه، وجمع ستمائة ألف فارس، وسار كل واحد منهما لملتقى الآخر وقتاله.
стр. 672
فلما تقاربا حتى كان بينهما نحو عشرة أيام مات كيوك [¬١]، فاضطرب من كان معه، ثم اتفق رأي الخواتين والأمراء على مكاتبة باتو، فكتبوا إليه بإعلامه بموت كيوك، وأنه هو أحق بتخته، فيفعل ما يراه.
فقال باتو: لا حاجة لي به وإنما أبعث إليه بعض أولاد تولي، وعين له منكوقان [¬٢] بن تولى، وجهزه إليه هو وأخوه قبليه قان [¬٣] (المخطوط ص ٤٩) وهولاكو وجهز معهم باتو أخاه بركه في مائة ألف فارس من بهادرته [¬٤] العسكر ليجلسه على التخت، ثم يعود.
فأخذه معه وتوجه به ثم أجلسه، وعاد، فلما مر ببخارى، اجتمع بالشيخ سيف الدين الباخرزي [¬٥] من أصحاب شيخ الطريقة نجم الدين كبرى [¬٦] وحسن موقع كلام الباخرزي عنده، وأسلم على يده، وتأكدت الصحبة بينه وبين الباخرزي، فأشار عليه الباخرزي بمكاتبة المستعصم الخليفة [¬٧] ومتابعته ومهاداته، فكاتب الخليفة، وبعث إليه هدية، وترددت بينهما الرسل والمكاتبات والتحف والمهاداة.
стр. 673
ثم أن منكوقان لما استقل بالتخت ملك أولاد جغتاي [¬١] مملكة ما وراء النهر، تنفيذا لما كان جنكيز خان أوصى به لأبيهم جغتاي، ومات دونه.
وعلت كلمة منكوقان، وجاءت إليه رسل أهل قزوين وبلاد الجبال [¬٢] يشكون من سوء مجاورة الملاحدة [¬٣]، وضررهم بهم، فجهزهم [¬٤] أخاه هولاكو في جيوش جمة لقتال الملاحدة، وأخذ قلاعهم [¬٥]، وقطع دابر دولتهم.
فحسن هولاكو لأخيه منكوقان أخذ ممالك الخليفة وخرج على هذا، فبلغ هذا بركة بن جوجي، فصعب عليه، لما تأكد بينه وبين الخليفة من الصحبة [¬٦]، وقال لأخيه باتو: إننا نحن أقمنا منكوقان، وما جزانا منه أنه يكافئنا بالسوء في أصحابنا، وينقض عهدنا، ويحقر ذمتنا، ويتعرض إلى ممالك الخليفة، وهو صاحبي وبيني وبينه مكاتبات وعقود مودة، وفي هذا ما فيه من القبح.
وقبح على أخيه باتو فعل هولاكو، فبعث باتو إلى هولاكو بأنه لا يتعدى مكانه، فجاءه رسالة باتو وهو وراء نهر جيحون ما غيره، فأقام في موضعه بمن معه سنتين كاملتين حتى مات باتو، وتسلطن أخوه بركة بعده، فحينئذ قويت أطماع هولاكو، وبعث إلى أخيه منكوقان يستأذنه في إمضاء ما كان أمره به، من قصد
стр. 674
ممالك الخليفة وانتزاعها منه، وحسّن له ذلك، فأجابه إليه [¬١].
ودخل هولاكو إلى البلاد، وأوقع بالملاحدة [¬٢] واتهم سبعمائة نفر من أكابر همذان وتلك البلاد المضافة إلى باتو ثم إلى بركة (المخطوط ص ٥٠) بالميل إلى بركة والمباطنة على هولاكو ومنكوقان، وقتلهم عن آخرهم، وامتد في البلاد، وقصد دست [¬٣] القبجاق، وعدى إليه، وأقام ثلاثة أيام، لا يجد مقاتلا، فلما كان في اليوم الرابع دهمتهم الخيل، وداسهم بركة بجنوده وعساكره، ودارت الدائرة على هولاكو حتى هم بالهزيمة، فترك أمير كبير [¬٤] كان معه اسمه سنتاي، وهو المنسوب إليه عقبة سنتاي بالعراق، وأمسك برأس فرس هولاكو، وقال له: أين تروح؟ ثم استمر القتل في أصحابه فتأخر حتى صار نهر الكر، بينه وبين بركة [¬٥].
وجاء بركة على نهر الكر، ولم يجد له سبيلا إلى العبور، ورجع هولاكو، وعاث في البلاد، وعام في تيار الفساد، وفعل فعلته، وقويت العداوة بينه وبين بركة قاآن [¬٦] وخف حاذه من الجيش لمقاومة أعدائه.
ثم لما جرى على بغداد ما أجرى العيون دما، وأسال النفوس أسفا، استأثر
стр. 675
هولاكو بجلال الدين بن الدوادار [¬١] الخليفتي المستعصمي [¬٢]، واتخذه هولاكو موضع رأيه، ومكان سره، فلما كسر هولاكو، وتضعضعت رعان جيشه، كما ذكرنا، شكا إلى جلال الدين بن الدوادار ما أصابه من الكسرة وفناء جنوده، فقال له جلال الدين: عندي عسكر جيد خير من هؤلاء، قال: من هم؟ قال: عسكر الخليفة فإن ابن العلقمي [¬٣] قطعهم وإلا فهم أحياء موجودين وأنا أجيبهم إليك، فأعجب هولاكو كلامه، ووقع منه موقعا حسنا، وكتب له يراليغ [¬٤] مضمونها إننا قد جهزنا جلال الدين بن الدوادار في شغل مهم لنا، ورسمنا له بما يفعل، ومرسومنا أن يمتثل جميع الخواتين والأمراء والنواب والقراولات [¬٥] وكافة الناس أمر جلال الدين المذكور، وأنه مهما شاء فعل، يقتل من يريد، ويخلى من يريد، وأن لا يعارض في أمر من الأمور، ولا يعترض عليه بسبب من الأسباب.
ومن هذا ومثله فتوجه جلال الدين، وحط يده في كل من بقى بحده من أمراء المغل وأكابرهم، والمقربين عند هولاكو، وفعل فيهم ما أراد، وفتك فيهم أنواع الفتك، حتى وصل إلى بغداد واستعد فيها (المخطوط ص ٥١) لما يريد أن يعمله، وأخذ منها ما أراد ومن أراد، ودخل البرية هاربا من هولاكو على عزم الوصول إلى مملكة مصر، فأدركه أجله قبل الوصول إليها.
стр. 676
وبلغ هولاكو ما فعله جلال الدين في المغل من الفتك والقتل والتنكيل، ثم ما أخذه من بعده، وخرج به هاربا منه، فانفطرت كبده، ومات غبنا منه.
قال شيخنا شمس الدين الأصفهاني: ومات هولاكو [¬١] ولم يملك ملكا مستقلا، وإنما كان نائبا عن أخيه منكوقان ثم كان هكذا أبغا [¬٢] ومن بعده، إلى أن استقل أرغون بن أبغا [¬٣] بالملك، وأضاف اسمه في السكة إلى اسم صاحب التخت أمير لا يزال مقيم في مملكة إيران مع هولاكو وبنيه له عندهم حرمة كبيرة ومكانة محفوظة حتى ملك محمود غازان بن أبغا [¬٤] فكتب اسمه بمفرده على السكة، وأسقط اسم القان صاحب التخت وأهان أمر أميره حتى لم يبق له وضع ولا حرمة وامتهن ذلك الجانب، واستقل بالملك والسلطنة في أولاده.
وقال: أنا ما أخذت البلاد إلا بالسيف، وقام الأمر على هذا مدة محمود غازان ومن بعده.
قال الشيخ: ولهذا ينتقص ملوك بني جنكيز خان بيت هولاكو، يقولون أنهم ما نقلوا [¬٥] الملك عن جنكيز خان ولا عن وارث [¬٦] تخت جنكيز خان، وإنما أخذوه
стр. 677
باليد والعداوات ومطاولة الأيام.
وسأذكر في ترجمة مملكة إيران شبهة أخرى في دعوى ملوك دشت القبجاق أن مراغة [¬١] وتوريز [¬٢] لهم على ما كان يبلغنا من أخبارهم في كل وقت، ثم ما حدثني به الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكم، وسألت ابن الحكيم والشريف محمد بن حيدرة الشيرازي، عمن يعلمانه بقى من أولاد هولاكو، فقال كل منهما أنه لم يبق أحد محقق النسب إلا ما قيل عن محمد المنسوب إلى عنبرجي [¬٣] على كثرة اختلاف فيه، ثم جاءت الأخبار وصحت بعدم هذا محمد.
وقال لي (المخطوط ص ٥٢) نظام الدين بن الحكيم أهل هذا البيت، تفانوا بعضهم على بعض، لخوف القائم منهم على ملكه، حتى أن كثيرا من أبناء ملوكهم كانوا يتخفون من الملك القائم حتى أن بعضهم كان يخلد إلى الحرف والمهانات لتستسقط همته، فيترك، ويجعل هذا سبيله للخلاص وطلبا للسلامة، حتى أن بعضهم كان قد عمل نساجة، وبعضهم عمل في الأدم [¬٤] وبعضهم باع الشعير علافا، ومن هذا قال ويقال في أنساب كل منتسب منهم لكثرة التخليط من الأمهات، ومخالط آبائهم للعوام حتى خفت أنسابهم، فجهلت أحوالهم (١).
وأخبرني الأمير الكبير المقدم نسيب السلطنة طايربغا أنه أول من استقبل من هذا البيت بسلطان جدهم جنكيز خان [¬٥]،
стр. 678
والتلفظ الصحيح جنكص خان [¬١] بالصاد ثم اوكديه والتلفظ الصحيح به اوكداي [¬٢] (١) ثم كيوك قان [¬٣] ثم مونككا قان [¬٤] (بن طولى بن جنكيز خان) (٢) ثم ادي يكا ثم قتلى قان [¬٥] ثم دمرقان [¬٦] ثم برياي ثم تزي طيزى ثم قيسان قان ثم سندمرقان، فأما نسبه إلى جنكيز خان فهو سند مرقان بن طرمالايا بن جمكم بن قبلى قان بن طولا بن جنكيز خان وهذا نسبه [¬٧].
وأما ملوك الترك وهي تركستان وما وراء النهر وأولهم جغطاي بن جنكيز خان [¬٨]، وقد نبهنا على أنه لم يستقل، ثم (ولده مكتوكان [¬٩] ثم ابنه قرا هولاوو [¬١٠] ثم ولده مباركشاه [¬١١] ثم أن القان بلغه أن قيدو بن تاشى بن كيوك
стр. 679
بن أوكداي بن جنكيز خان [¬١] تسلطن لهذه المملكة، فخافه لكوت كيوك عمه، كان وارث التخت عن أبيه اوكداي، وأبوه اكداي كان وارثه عن أبيه جنكيز خان، فسير براق [¬٢] بن بسنطو ابن منكو كان بن جغطاي لدفع قيدو، فدفعه، وتعد مكانه) (١)، ثم استقل براق ثم دوا [¬٣] ولد براق ثم أولاد دوا واحدا بعد واحد وهم كنجك [¬٤] ثم اسنيغا [¬٥] ثم كيك [¬٦] ثم الجكداي [¬٧] ثم دواتمس [¬٨] ثم ترماشيرين [¬٩] ﵀ ثم رجل ليس هو بابن دوا اسمه توزون [¬١٠] بن أو باكان (٢) ابن (جنكيز خان) (٣) وتخلل من خلال هؤلاء من توثب على الملك، ولم ينتظم لهم حال (المخطوط ص ٥٣) ولا علت لهم أعلام دولة.
стр. 680
وممن أراد الملك، وعلت كلمته، ولم يملك بيساوون ابن اركتمر بن بغاتمر بن براق (١)، وبقى الملك بعد موت ترماشيرين ﵀ متخبطا، حتى قام هذا جنغصوا (٢)، فأما نسبه إلى جنكيز خان [¬١] فهو جنغصو بن دراتمر بن طر بن براق بن بسنطو بن مكتوكان بن جغطاي بن جنكيز خان، (اسمه جداي وهو مصحح لما يقول عارف به) [¬٢] (٣).
وأما ملوك دشت القبجاق، فأول من ملك منهم باتو بن جوجى (٤) بن جنكيز خان ثم أخوه بركة (٥).
ثم وجميع ملوك بني جنكيز خان يغلب عليهم الكرم، وتخويل من قصدهم، لا يرضى أحد منهم بالقليل، فأما القان الكبير منهم صاحب الخطا فتلك شيمته لا تسح إلا بالذهب ديمته، ليس هذا من واحد بعينه، بل كل من تسنم [¬٣] منهم ذروة ذلك التخت، كانت هذه سجاياه.
أما ما يحكى في القديم منهم عن منكوقان بن طولى (٦) ابن جنكيز خان، فيخشى حاكيه أن ينسب إلى الخرافة حديثه والمجاذفة في قوله.
حكى الشيخ الفاضل شمس الدين أبو العباس أحمد بن أبو المحاسن الغيبي
стр. 681
قال: حدثني عز الدين أبو البقاء الأردويلي، قال: سمعت بكرم القان منكوتمر، فقصدت حضرته متفرجا بتلك البلاد، ومتوصلا إليه، ولازمت بابه مدة، ومالي من يوصلني إليه، ولا إلى أحد من أرباب دولته، فبينما أنا ذات يوم هناك من جملة الناس طلبت على التخصيص، فحملت إلى رجل سريّ بباب منكوتمرقان [¬١]، فأمر الترجمان ذلك الرجل فسألني عن اسمي وبلدي وحالي ومقدمي، فشرحت له أمري، فقال: أشرف القان فرآك فاستغربك، فأمر بالسؤال عنك، ونحن نعلمه، ثم ذهب الرجل (هنيهة) (١)، ثم طلبني فأحضرت إلى بين يدي منكوتمرقان وهو في خف من الناس، وبقى يحدث ذلك الرجل، وهو يحدث الترجمان، ويسألني عن أشياء من أمور بلادي، وطريقي وما رأيت، ثم قال: القان يقول لك: ما جاء بك من بلادك البعيدة إلى هنا؟ وأي شيء معك من طرف البلاد تقدمه له؟ فقلت (المخطوط ص ٥٤) له: ما جاء بي إلا ما سمعت من كرم القان، وليس معي شيء، ولو كان معي شيء ما فارقت أهلي ووطني وجئت، فلما أعادوا عليه كلامي، ضحك خفيا ثم أشار إليهم، أي أنه صدق، وأمر ليّ بشيء ما فهمته، فلما خرجت قال لي ذلك الرجل المخاطب لي: قد أمر لك القان بما يصل إليك، ثم قال لي: على أي جهة تعود إلى بلادك؟ قلت: له: في البحر إلى الحجاز لأحج ثم أعود إلى بلادي، فحمل لي إلى المركب هناك أمتعة، بعتها بعدن، ومكة بألف ألف درهم.
وحكى لي الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم قال: قصد رجل منكو تمرقان بزجاج من عمل حلب، ووصل إليه، وقدمه له، فشرب في بعض أوانيه، فأعجبه ما شف من جوهر الزجاج عن حمرة الشراب، فقال: هذا من أين؟ فقيل له: من حلب، فقال: يعطي له حلب، فقال بعض وزرائه، وإن حلب ليست
стр. 682
لنا قال: فيوقف هذا الرجل ويصب عليه الذهب حتى يغطيه، فقالوا له: نوقفه في خركاه ويصب عليه الذهب، فقال: أنتم غرضكم بهذا أن يموت ولا يكون من فضاء، فعملوا ما قاله، فجاء جملا كثيرة عظيمة، فجمعوها، وقالوا له: قد عملنا ما رسم القان، ولكننا نريد أن يقع نظر القان عليه قبل أن يأخذه فقال: هاتوه، فلما رآه قال: أنتم ما قصدكم إلا أني أبصر هذا فاستكثره، أعطوه هذا وقدره معه مرة أخرى فأعطوه.
وحكى أيضا أن فراشا كان يخدم تولي بن جنكيز خان أبا منكوتمر، ثم خدم منكوتمرقان بعده، ثم عدم، وتطلبه منكوتمر فلم يجده، فبينما هو يوما في الصيد رأى الفراش في بعض الجبال، وقد ساءت حاله، وطال شعره وظفره، فقال له: أين كنت؟ فقال: في هذه البرية، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: القسمة قال: لا قل لي الصحيح، فقال: هو ما أقول للسكان، فقال له منكوتمر: لا حملك على هذا إلا العشق، فأطرق، فقال له منكوتمر؛ فلمن أنت عاشق، فسكت، فعلم منكوتمر أنه عاشق في أحد من جهته، فقال له: كأنك عاشق فلانة (المخطوط ص ٥٥) لا، إلا فلانة لا إلا فلانة، يعد عليه واحدة بعد واحدة من خواتينه وأتباعهن، وهو يقول: لا إلى أن ذكر واحدة من أجلّ حظاياه، فسكت الفراش، فقال منكوتمر: أنت عاشق في هذه بلا شك، ثم أنه طلبها، وقال لها: فلان له علي أبي حق وعليّ، وهو عاشق فيك، وماله في هذا ذنب، ولا لك هذا شيء يتعلق بقلبه، ما له فيه حيلة، وأريد أزوجك به، فبكت وقالت: ياقان بعدك أتزوج بهذا، فقال: سوف تبصرين ما أعمل، ثم أنه عمل طودا، وسأل الأمراء أن ينصب للفراش كرسيا فوقهم، وأجلسه فوق الجميع، فقالوا له: الأمر أمر القان، فنصب له كرسيا فوقهم، وأجلسه عليه، وزوجّه بتلك الحظية [¬١]، وعمل له يرتا [¬٢] عظيما لا يصلح إلا
стр. 683
للتوامين [¬١] الكبار، وأجراه مجرى واحد منهم.
قلت: ومن تأمل هذه الحكاية عرف سعة إحسان هذا الرجل وكرمه، فإنه أخذ غلاما لا يؤبه إليه، جعله ملكا، وسمح له بما لا يسمح بمثله من المال والجاه والمحبوب.
стр. 684
الفصل الثاني في مملكة القان الكبير
стр. 685
صاحب التخت، وهو صاحب الصين والخطا، قد ذكرنا في صدر الفصل الأول (١) أن القان الكبير هو القائم مقام جنكيز خان والجالس على تخته (٢)، وهو أجل ملوك توران، التي من مملكة الترك [¬١] من قديم الدهور والآباد، وبها أو بما جاورها أو قاربها كان أفراسياب [¬٢]، غير أنه خرج عن هذا القان ما هو الآن لأبنيّ عمه؛ الذين تقدم ذكرهما (٣)، وإلى هذا القان إشارة الثلاثة أبناء عمه وهو كالخليفة عليهم، فإذا تجدد من مملكة أحد منهم مهم كبير [¬٣] مثل لقاء عسكر أو قتل أمير كبير بذنب أوصله إليه اليسق [¬٤] أي الحكم أو ما يناسب هذا، أرسل إليه وأعلمه، ولا افتقار إلى استئذانه ولكنها (٤) عادة مرعية.
(المخطوط ص ٥٦) قال الفاضل نظام الدين ابن الحكيم الكاتب البوسعيدي [¬٥] (٥): أن هذا القان ما يزال يكتب إلى كل من القانات [¬٦] الثلاثة،
стр. 686
يأمرهم بالاتحاد والألفة، وأنه إذا كتب إليهم بدأ باسمه قبلهم، وكلهم مذعنون له بالتقدم عليهم.
وحدثني بكثير مما عليه صاحب هذه المملكة، وأنهم على ما هم عليه من الجاهلية؛ على السيرة الفاضلة الشاملة لأهل مملكته، ومن يرد إليها من الجافهم (١)، بجناح العدل والإحسان، ومعاملتهم بقشور من لحاء شجر التوت [¬١]، مطبوعا باسمه، فإذا عتق ذلك المتعاطى به (٢)، حمله إلى ثواب هذا القان، وأخذ عوضه مع خسارة لطيفة [¬٢]، كما يؤخذ من دار الضرب على ما يؤخذ إليها (٣) من الذهب والفضة، ليضرب بها.
وأهل مملكته هم أهل الأعمال اللطيفة والصنائع البديعة التي سلمت إليهم فيها الأمم، وقد ملئت الكتب عن أحوالهم بما أغنانا عن ذكره.
ومن عادة المجيدين في الصنائع أنهم إذا عملوا عملا بديعا، حملوه إلى باب الملك، وعلق به ليراه الناس، وتبقى سنة كاملة، فإن سلم من عائب، أسدى إلى صانعه صنائع الإحسان، وإن عيب عليه، وتوجه العيب، وضع قدر الصانع، وإن لم يتوجه العيب، قوبل من عاب عيبا غير متوجه قصد الأذية.
ومما حكى في هذا أن صانعا منهم صور في نقوش الثياب الكمخاء عصفورا على سنبلة حتى مثله كأنه حقيقة، فلما علقه حيث يعلق مثله، استحسنه كل من
стр. 687
رآه، حتى مر به رجل، فعابه، فسئل لأي شيء عبته؟ فقال: لأن العصفور إذا قعد على سنبلة أمالها، وهذه مستقيمة ما هي مائلة، فاستحسن قوله، ووضع قدر الصانع.
هذا مما يحكى عنهم، وأما ما يحكى لي عن المشاهدة والعيان، فحكى لي الصدر [¬١] بدر الدين حسن الأسعردي التاجر، أن بعض صناعهم عمل سرجا من أختاء البقر ودهنه، وأبدع صناعته، ثم قدمه إلى القان، فأعجبه، ووقع منه موقع الاستحسان، ولم يشك أنه معمول من خشب (المخطوط ص ٥٧) مثل بقية السروج، فقال له صانعه: أما علمتم هذا مما خشبه؟، فقالوا: لا، فأوقفهم على أنه من أختاء البقر، فاستحسنوا جودة صناعته، ولطف تدقيقه.
وحكى لي أن بعض صنّاعهم عمل ثيابا من الورق، وباعها من التجار على أنها من الكمخاوات الخطائية [¬٢]، لا يشك فيها أحد، ثم أنه لما جاز هذا عليهم، أطلعهم على حقيقة حالها، فعجبوا لهذا.
قال بدر الدين حسن: ولقد رأيت منهم من هذه الأعمال ما تحار فيه العقول، وتذهل الأفكار، وأما ما حدثني به السيد الشريف تاج الدين حسن بن الجلال السمرقندي، وهو ممن جال في الأرض، وجال في الآفاق وهو من الثقات، وقد دخل الصين، وجاز بلاده، وجاب آفاقه، وجاس خلاله، وجال في أقطاره، قال: إن قاعدة الملك به مدينة خان بالق [¬٣]، وهي مدينتان قديمة وجديدة، والجديدة بناها ديدو أحد ملوكها، سميت باسمه ديدوا، وفي وسط مدينة ديدوا المذكورة منزل القان
стр. 688
الكبير، وهو قصر عظيم يسمى كوك طاق ومعناه في اللغة المغولية «القصر الأخضر» لأن القصر عندهم «طاق» والأخضر «كوك» وهي خلاف اللغة التركية، فإن كوك فيها هو الأزرق.
ونزول الأمراء حوله خارج قصره، قال: وأما ترتيب هذه المملكة فإن لهذا القان أميرين كبيرين هم [¬١] الوزراء ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة جنكصان [¬٢]، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة بنجار (١) ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة سمجين، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة يوجين، ورأس الكتاب ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة كنجون (٢) وهو بمنزلة كاتب السر.
ويجلس القان كل يوم في صدر دار فسيحة تسمى شن (٣) هي عندهم من دار العدل عندنا، ويقف حوله الأمراء المذكورون عن اليمين وعن الشمال على مقادير الرتب، ورأس الكتاب (المخطوط ص ٥٨) المسمى لنجون في آخرهم، فإذا شكى أحد شكوى أو سأل حاجة المذكور، فيقف عليها (هو ومن معه في الرتبة) (٤)، ثم يوصلانها إلى من يليهما في الرتبة (٥)، وكذا إلى أن تصل إلى القان، ويأمر فيها بما يراه مع العدل التام، والإنصاف المفرط.
قال: وهذا القان الكبير، ذو ملك كبير، وعسكر مديد، قال: والذي أعلم من أمره أن له بزدارا (٦) تركب الخيل، وعساكره من المغل عشرون
стр. 689
توماتا [¬١] وهي مائتا (١) ألف فارس، وأما من الخطا فما لا يحصى.
قال: وبلاد الصين تشتمل على ألف مدينة، ورث كثيرا منها، والطريق إلى سمرقند إلى خان بالق على ما يذكر من سمرقند إلى نيلي عشرون يوما، ونيلي هي أربعة مدن، بين كل مدينة والأخرى فرسخ واحد، ولكل واحدة منها اسم يخصها، فالواحدة نيلي والأخرى نيلي بالق، والأخرى لنجك والأخرى تلان، ومن مدينة نيلي المذكورة إلى المالق عشرون يوما، ومن المالق إلى قراجواجا إلى قمحو هي أول بلاد الخطا، أربعون يوما، ومن قمحوا إلى خان بالق أربعون يوما، ثم من خان بالق إلى الخنسا [¬٢] طريقان؛ طريق في البر، وطريق في البحر، وفي كل منهما من خان بالق إلى الخنساء أربعون يوما، وطول الخنساء [¬٣] يوم كامل، وعرضها نصف يوم، وفي وسطها سوق واحد ممتد من أولها إلى آخرها، وكل شوارعها وأسواقها مبلطة بالبلاط، وبناؤها خمس طبقات، بعضها فوق بعض، وكلها مبنية بالأخشاب والمسامير، وشرب أهلها من الآبار، وأهلها في قشف عيش، وغالب أكلهم لحوم الجواميس والأوز (٢) والدجاج، والأرز والموز وقصب السكر والليمون، وقليل رمان وهي شبيهة بمزاج مصر في حرها وهوائها، وأسعارها متوسطة، ويجلب إليها الغنم
стр. 690
والقمح، ولكنه (١) قليل، ولا يوجد بها من الخيل إلا ما قل عند الأعيان الأكابر، وأما الجمال فلا يوجد بها شيء منها البتة، فإن دخل إليها جمل عجبوا منه.
قال الشريف هلال الدين حسن السمرقندي: وأما مدينة خان بالق، فمدينة طيبة وافرة الأقوات، رخية الأسعار، ويجمد بها الماء في زمن (المخطوط ص ٥٩) الشتاء، ويسيل إلى الصيف، فيبرد به الماء، ويشق أحد المدينتين منها، وهي مدينة ديدوانهر.
وبها أنواع الفواكه إلا العنب، فإنه قليل، وليس بها نارنج ولا ليمون ولا زيتون، ويعمل بها السكر والنبات [¬١] مما يحمل إلينا من مدينة الزيتون، وأما ما بها من الزروع والدواب الجمال والخيل والأبقار والأغنام، فما لا يدخل في الإحصاء.
قال: وبين خان بالق ومدينة الزيتون شهر واحد تقديرا، ومدينة الزيتون بندر على البحر المحيط [¬٢]، وهي آخر العمارة.
قال: وأما مدينة قراقرم [¬٣] فإنها مدينة جليلة، فيها غالب عساكر القان العظيم (٢)، ويعمل بها القماش المليح الفاخر والصنائع الفائقة، وغالب ما يحتاج القان إليه يستدعى منها، لأنها دار استعمال، وأهلها أهل صناعات فائقة وأعمال.
قال الشريف حسن السمرقندي: وبلاد الصين كلها عمارة متصلة من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية، ومعاملتهم بورق التوت، ومنها كبار ومنها صغار، فمنها ما
стр. 691
يقوم في المعاملة مقام الدرهم الواحد، ومنها ما يقوم مقام درهمين، ومنها ما يقوم مقام خمسة دراهم وأكثر إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة، وهو يؤخذ من لحاء شجر التوت اللين، ويختم باسم القان، وتجري به المعاملات، (فإذا عتق) (١)، واضمحل، حمل إلى الخزانة، وأعطى عوضه مع غرم قليل [¬١].
قال لي الشريف السمرقندي: ومن عجائب ما رأيت في مملكة هذا القان الكبير، أنه رجل كافر، وفي رعاياه من المسلمين أمم كثيرة، وهم عنده مكرمون محترمون، ومتى قتل أحد من الكفار مسلما، قتل الكافر القاتل، هو وأهل بيته، وتنهب أموالهم، وإن قتل مسلم كافرا، لا يقتل وإنما يطلب بالدية، ودية الكافر عندهم حمار، لا يطلب غير ذلك.
وسألته عن أهل الصين، وما يحكى عنهم من رزانة العقل، وإتقان الأعمال، فقال: هم أكثر مما يقال، وكنا جماعة بحضرة سيدنا وشيخنا مزيد الدهر وارث العلم والحكمة شمس الدين (المخطوط ص ٦٠) أبي الثناء محمود الأصفهاني فقال الشريف السمرقندي: أنا أحكي لكم ما جرى لي: كنت أشكو ضرسا في فمي، فرآني بعض من كنت ألغت به في بلاد الصين، وأنا أتألم لشدة الضربان، فسألني عما بي، فشكوت إليه وجع ضرس، فاستدعى [¬٢] شخصا حطابا قصير القامة، فقال له: أبصر حال هذا المسكين، فنظر في فمي وبقى يقلب أضراس بيده هنيهة، ثم أخرج ضرس الواحد ونصف الآخر، ولم أشعر لهما بألم، ثم أخرج من خريطة له، كانت معه أضراسا كانت كوامل وأنصافا وأثلاثا وأرباعا معدة عنده لوضعها في مواضع ما يقلع، ثم لم يزل يقيس مواضع ما قلع لي حتى وضع موضعها من تلك
стр. 692
الأضراس، ثم ذر عليها ذرورا، ودهنها بدهن، التأمت به لوقتها، وأمرني أن لا أشرب عليها الماء يومي كله، ففعلت كأني ما قلعت شيئا، وأراني (١) أضراسه، فوجدناها كأحسن ما يكون فلا أن المستجدين (٢) ظاهر عليها أنه ليسوا (٣) من نوع البقية والضرس المشعوب، يظهر أن نصف الشعب من غير النصف الأول.
وحدثني الفاضل نظام الدين علي بن الحكيم أن لأهل هذه البلاد عقولا راجحة وأعمالا دقيقة وهم يقولون الفرنج (٤) عور وباقي الناس عمى يعني أن صنائعهم صناعة يصير لعين وباقي الناس صناعتهم صناعة من هو أعمى ما يبصر ما يعمل وحكى لي من أحوال هؤلاء القوم ما ينبئ عن عقول جمة وترتيب حسن وفقهته [¬١] في الأمور (٥).
فمما يحكى عنهم أن في مدن الخطا مطابخ يطبخ فيها الأطعمة الفائقة والمشروب اللذيذ مما لا يوصف حسنه أن يقدم منه إلى الملوك معدة لمن يشتري منه من الأكابر حتى أن أحدهم إذا اهتم لضيافة كبير بعث إلى صاحب المطبخ من تلك المطابخ وقال له عندي ضيف وأريد له ضيافة بكذا في وقت كذا فإذا كان ذلك الوقت حمل إليه ما يناسب ارادته وشرطه من بدائع المأكول والمشروب كل شيء في وقته إن كان المضيف ماله مكان يصلح للضيافة أعد له صاحب المطبخ مكانا بكل ما يحتاج إليه من البسط والفرش والآلات والغلمان على قدر ما حده له المضيف من القيمة حسب صاحب المطبخ حساب مكسبه من كان ذلك عن أجرته والمطبخ
стр. 693
والدار والفرش وكلفة الطعام والشراب واتمام كل شيء بحسابه بقانون متفق لا يزيد ولا ينقص من غير أن يحصل على المضيف تفريط ولا خيانة في شيء مما قل أو جل قلت وحدثني الشريف الفاضل أبو الحسن الكربلائي التاجر ﵀ وكان قد اجتمع بقان هذه البلاد وكثير من ملوك الأرض مما شاهده من عظمة سلطان هذه السلطان وطاعة رعاياه له وأمنهم في دولته وقال لي أن لهذا القان أربعة وزراء يصدرون الأمر في مملكته كلها ولا يراجع القان إلا في القليل النادر ووصف لي أنه إذا أراد الركوب أنه لا يركب إلا في محقة لا يظهر للناس إلا في يوم واحد وهو مثل يوم مولده من كل سنة فإنه يركب فرسا ويخرج إلى الصحراء ويعمل بها الأطعمة والسماطات ما يغمر الناس ويكون مثل يوم العيد عندهم وحدثني الصدر بدر الدين عبد الوهاب بن الحداد البغدادي التاجر أنه وصل إلى الخنساء ووصف عظمة بنائها وسعة رقعة مدينتها مع تشكط الأقوات بها ووفور المكاسب فيها ورخص الرقيق الجيد فيها، ومن كل تلك البلاد قال وأهلها يتفاخرون بكثرة الجواري والسراري حتى أنه ليوجد لأحد التجار وآحاد الناس أربعون سرية فما زاد على ذلك قلت وكل ما ذكرناه في هذا هو على سبيل الاستطراد لبسط المقصود أن هذا القان هو أكبر الملوك الجنكيز خانيه الأربعة.
стр. 694
الفصل الثالث في التورانيين وهم فرقتان
стр. 695
(المخطوط ص ٦٢) الفرقة الأولى: فيما وراء النهر، الفرقة الثانية: في خوارزم والقبجاق (١).
الفرقة الأولى فيما وراء النهر وما قبلها وما بعدها (٢) من ممالك تركستان، هي من أجل الممالك، وأشهرها، والنهر المشتهر لهم هو جيحون [¬١]، وهو النهر الذي ينبع من ونج [¬٢] حتى يصب في بحيرة خوارزم [¬٣] وهي ممالك طائرة السمعة، طائلة البقعة، أسرة ملوك وأفق علماء ودارة أكابر، ومقعد ألوية وبنود [¬٤] ومجرى سوابق وجنود، كانت بها سلطنة الخانية [¬٥] وآل سامان [¬٦] وبني سبكتكين [¬٧]
стр. 696
والغورية [¬١] ومن أفقها بزغت شمس آل سلجوق [¬٢] وامتدت في الإشراق والشروق، وغير هذه الدول مما طم سيول هذه الممالك على قربها.
فأما قبل انتقالها إلى الإسلام فكانت في ملوك الترك لا تروم، ولا ترام، ولا تشق لها سهام، خيم بها الإسلام، وجازت ملكها هذه الأمة، برقت بالإيمان أسرتها، وتطرزت بالجوامع والمساجد قراها، ثم بنيت بها المدارس والخوانق والربط والزوايا، وأجرى الوقف عليها، وكثر من العلماء أهلها، وسارت لهم التصانيف المشهورة في أهل البحث والنظر، ولبخاري [¬٣] من هذه المزايا الفاضلة أوفر الأقسام، ولم يعد علم الفقه والبحث والنظر، ولبخاري [٣] من هذه المزايا الفاضلة أوفر الأقسام، ولم يعدّ علم الفقه هذه الأفاق مشرقا، ولم يعد علم هذه الأرض محققا، وما يقال في مملكة من بلادها بخاري وسمرقند [¬٤]، وترمذ [¬٥]، وخجند [¬٦]،
стр. 697
والمالق [¬١] وغزنة [¬٢] وأخوات هذه الأمهات، وأخبارها مشهورة، وآثارها مشهودة، ومن نظر من كتب التواريخ رأى مثل عين المتوشم من أحوال هذه البلاد، ومن فيها، وهي وافقة في (١) (الرابع ونادر منه في الثالث أو تمايل إلى الخامس، ولا يكاد يبلغه) (٢) من أوسط المعمورة، وأوسع الأرض إذا قيل أنها أخصب بلاد الله، وأكثر ماء ومرعى، لم نعد القائل الحق في أوصافها ذات الأنهار السارحة والمروج الممتدة، كأنما نشرت الحلل على آفاقها، أو كسرت الحلى على حصبائها، وهذه المملكة طولها من ماء السند إلى ماء ايلا (المخطوط ص ٦٣) المسمى قراخوجا وهو يلى بر الخطا، وعرضها من ونج، وهو منبع ماء جيحون إلى حدود كركانج [¬٣] ما عدا خوارزم، وحدها من الجنوب جبال البتم [¬٤]، وماء السند الفاصل بينها وبين السند، ومن الشرق أوائل بلاد الخطا على خيلام وكلسكان وما هو على سمت ذلك من الشمال مراعي بارات (٣) وخجند وبعض خراسان إلى بحيرة خوارزم، ومن الغرب بعض خراسان إلى خوارزم إلى مجرى النهر آخذا إلى الختل [¬٥].
стр. 698
ومن بلاد هذه المملكة فرغانة [¬١] والشاش [¬٢] واستيجاب [¬٣] وأسروشنه (آه) [¬٤] (١) وبلاد الختل، وفيها طرف من السند من غزنة إلى جنوبها وأقاليم هذه المملكة واقعة فيها على ما يذكر، وبلاد الختل آخذة على جانب جبال اليتم مغربا بشمال، ويليها الصعورانات في الشمال، ثم تزيد إلى ما يتاخم خوارزم وبلاد فرغانة، آخذة على جانب جبال اليتم شرقا بشمال ويليها بلاد السابون في الشمال ثم الشاش وأعمالها إلى حائط عبد الله بن حميد المعروف بحائط القلاص في خارجه بلاد استيجاب في الشمال بشرق (٢).
وبلاد الغزنة ممتدة في نهاية الشمال من أطراف بحيرة خوارزم في الغرب إلى بلاد استيجاب في الشرق ومراعي باران، وخجند داخل بلاد الغزنة، بينها وبين حائط القلاص، وبلاد أشروسنة في الوسط على نهاية الأنهار النازلة من جبال اليتم من جهة المشرق.
وأما أكابر مدنها المشهورة وهي القواعد العظام والأمهات الكبار، فإقليم غزنة وإقليم ما وراء النهر وهو بخاري وسمرقند وخجنده وترمذ، وإقليم الشاش وهو الشاش. ومغالاق، وإقليم فرغانة، وهو بدغينان [¬٥] ورباط سرهنك وايدكان وأوش
стр. 699
وإقليم تركستان شهر كند وجند وفارجند ووأطرار [¬١] وشبرم وجكل وجاص كن وبرساكن وامزدابان ونيلي وكنجك وطران، وهو المسمى بلاس، ونيكي كن وسيكول والمالق وبيش مالق وحبوك وقرشي وختن وكاشغر وبدخشان ودراوران.
(المخطوط ص ٦٤) ودرّه وبلاصاغون، كل واحدة ذات مدن وأعمال ورساتق [¬٢] وقرى وضياع، مأوى الأتراك، وغيل أسودهم وجو عقبانهم.
وقرشي قاعدة الملك بها الآن وهي علي نهر قراخوجا في نهاية الحد، ثم بخاري ثم سمرقند ثم غزنة وإن كانت بخاري مما لا تسير إليها ركابهم ولا ترسى عليها خيامهم، ولكن (١) لعظمة مكانها، وسالف سلطاتها، وسيأتي ذكر هذه القواعد في مواضعها.
ولم يسلم ملوك هذه المملكة إلا من عهد قريب فيما بعد خمس وعشرين وسبعمائة [¬٣]، أول من أسلم منهم ترماشيرين [¬٤] ﵀، وأخلص لله وأيد الإسلام [¬٥]، وقام به أشد القيام وأمر به أمراءه وعساكره فمنهم من كان قد سبق إسلامه، ومنهم من أجاب داعيه، وأسلم، وفشا فيهم الإسلام، وعلا عليهم لواؤه، حتى لم تمض عشرة أعوام حتى اشتمل فيها بملأته الخاص والعام، وأعان على هذا ما
стр. 700
في تلك الممالك من الأئمة العلماء والمشايخ الأتقياء، فاغتنموا من الترك فرصة الإذعان، فعاجلوهم بدعوة الإيمان، وهم الآن على ما اشتهر عندنا، واستفاض، أحرص الناس على دين (١)، وأوقفهم عن الشبهات بين الحلال والحرام، وعساكرهم هم أهل النجدة والبأس، لا يجحد هذا من طوائف الترك جاحد، ولا يخالف فيه مخالف [¬١].
حدثني خواجا مجد الدين إسماعيل السلامي قال: إذا قيل في بيت هولاكو أن العساكر قد تحركت من باب الحديد [¬٢] يعني من بلاد خوارزم، والقبجاق لا يحمل أحد منهم لم هما، فإذا قيل أن العساكر تحركت من خراسان يعني من جهة هؤلاء السقط (٢)، لأن هؤلاء أقوى ناصرا، وأولئك أكثر عددا، لأنه يقال أن واحدا من هؤلاء بمائة من أولئك (٣).
وقال: ولهذا خراسان عندهم ثغر عظيم لا يهمل سداده، ولا يزال فيه من يستحق ميراث التخت أو من يقوم مقامه لما وقر لهؤلاء في صدورهم من مهابة لا يقلقل طودها، فإنهم طال ما يلوهم في الحروب، وابتلوا بهم فيها.
وحدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم ما معناه أن بلاد هؤلاء متصلة (المخطوط ص ٦٥) بخراسان متداخلة بعضها ببعض، لا يفصل بينهما بحر ولا نهر ولا جبل (٤) ولا شيء مما يمنع أهل هذه البلاد عن قصد خراسان، وبينهما وبين خراسان أنهار جارية ومراع متصلة، فإذا أرادوا خراسان تنقلوا في المرعى
стр. 701
واستدرجوا استدراجا لا يبين ولا يظهر أنه لقصد بلاد بل للتوسع في المرعى، فلا يشعر بهم إلا وهم بخراسان، حتى إذا صاروا فيها، جاسوا بها خلال الديار، وعاثوا فيا عبث الذئاب، وهم مع سيرهم المجد من بلادهم إلى خراسان لا مشقة عليهم ولا على دوابهم، لأنهم من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى مرعى.
قال ابن الحكيم: ولهذا يخاف ملوكنا عادية هؤلاء لأنهم لا يعلمون بهم إلا وهم معهم.
قلت: ومن هذه البلاد نجم الدولة السلجوقية [¬١] في عهد السلطان مسعود السبكتكين [¬٢] (١)، ما بزغ كوكبهم ثم استعلى نيرهم ونبع معيتهم، ثم فاضت أبحرهم، وكان الاحتجاج بالتنقل في المرعى هو السبب لجر الملك إليهم حتى اشتهر من أعلامهم، وانتشرت أيامهم على ما هو مرقوم في صدر السير وصفحات التواريخ.
ولم يزل لأهل هذه (المملكتين (قديمة) (٢) وكان سكان الهند لا يلزمون مقاومتهم، ولا يتقون إلا بصدور الأفيال مصادمتهم، حتى علت والحمد لله بالهند دولة الإسلام، وزادت اليوم بلسطانها القائم علوا، وتناهت غلوا، فنامت عيون أهل هذه البلاد لهيبة ذلك السلطان لعدم هجوده، وسكتت ثعالبهم المخاتلة بزئير أسوده، ولقد كان أهل هذه المملكة لا تزال تجوس أطراف الهند خيولهم، وتحتجف به الأموال والأولاد سيوفهم، حتى نشأ بالهند سلطانه الآن، وشمر للحرب ذيله،
стр. 702
وجاهد الأعداء في كل قطر، واختلفت كلمة أهل هذه البلاد على ملوكها، فانكفوا لبأس ذلك السلطان، واختلاف ذات البين، وكان ملوك هذه المملكة من أولاد جنكيز خان، وأتباعهم من المحافظة على ياسة (١) جنكيز خان، والتعبدات المعهودة (المخطوط ص ٦٦). من أهل هذا البيت من تعظيم الشمس، والميل إلى آراء البخشية [¬١]، تابعين لما وجدوا عليه آباءهم، يعضون عليه بالنواجذ، مثل تمسك القان الكبير، ومن إلى مملكته بها، بخلاف الفخذين الآخرين ببلاد خوارزم والقبجاق، وأهل مملكة إيران، وإن كان الملوك الأربعة من أولاد جنكيز خان، ومن تبعته تبعوا، ومن أفقه طلعوا، لكن (٢) بهذه المملكة والخطا، أشد بياسته تمسكا، ولطريقته إتباعا، وهما مع هذا أعدل بني أبيهما حكما وأنشرهما له في بلادهما ورعاياهما.
وقد قدمنا التنبيه على أن رعايا هذه المملكة وقرارية أهلها من قدما الإسلام السابقين إليه، وكانوا مع كفر [¬٢] ملوكهم في جانب ألا تزان (٣)، لا تتطرف إليهم أذيه في دين ولا حال ولا مال، فلما آل الملك إلي ترماشيرين [¬٣] كما ذكرنا، دان بالإسلام، وأظهره في بلاده، ونشر في خانقى ملكه، واتبع الأحكام الشرعية،
стр. 703
واقتدى بها، وأكرم التجار الواردين عليه من كل صوب، وكانت قبله الطرقات لا تفتح لتجار مصر والشام إليها، ولا يهم مضطرب (١) في الأرض منهم بالمرور عليها، فلما ملك ترماشيرين، كثر قصد التجار له، وعادوا شاكرين منه، حتى صارت بلاده لهم (٢) طريقا قاصدا، ومنهجا مسلوكا [¬١].
حدثني الصدر بدر الدين حسن الأسعردي التاجر بما كان ترماشيرين يعامل به التجار والواردين عليه من الإكرام ومزيد الإحسان، وأخذ قلوبهم بكل إمكان.
قال صاحب كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها [¬٢]، ما وراء النهر من أحضب الأقاليم منزلة، وأنزهها، وأكثرها خيرا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير، واستجابة لمن دعاهم إليه مع قلة غائله، وسلامة ناحية وسماحة بما ملك أيديهم، مع شدة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدة وعدة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح.
فأما الخصب فليس من إقليم ألا يقحط أهله مرارا قبل أن يقحط ما وراء النهر (المخطوط ص ٦٧) من واحدة ثم أن أحسوا ببرد أو بحراد أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم، ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم، ما يقوم بأودهم حتى يستغنوا به عن شيء، ينقل إليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى أو مراع لسوائمهم [¬٣]، وليس بشيء لا بد للناس إلا وعندهم منه ما يقيم به أودهم، ويفضل عنهم لغيرهم.
فأما طعامهم في السعة والكثرة فعلى ما ذكرناه، وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأبردها وأخفها، قد عمت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن من الجمد في
стр. 704
جميع أقطارها، والثلوج من جميع نواحيها، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم، ولهم من نتاج الغنم الكثير، والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس فإن لهم من الصوف والقز [¬١] وطرائف البز [¬٢]، وببلادهم من المعادن وخصوصا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن، وأمّا فواكههم فإنك إذا توطنت [¬٣] السغد وأسروشنه [¬٤] وفرغانة والشاش، رأيت في فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق، حتى ترعاها دوابهم، ويجلب إليها من محاسن الأشياء، وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه.
وأما سماحتهم فإن الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحد بأحد إلا كأنه رجل دخل دار نفسه، لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية، بل يستفرغ جهده في إقامة أوده، من غير معرفة تقدمت، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم، وهم في كل امرئ [¬٥] على قدره فيما ملكت يده، وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمئونته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح، ومنزل للأضياف، فتراه نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه، فإذا حل بأهل ناحية طارق، تنافسوا فيه، وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن، حتى يجحف بأموالهم، كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال.
قال: ولقد شهدت (المخطوط ص ٦٨) آثار منزل بالصغد [¬٦]، قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان، أن ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة
стр. 705
سنة: لا يمنع من نزولها طارق، وربما نزل به ليلا على بغتة المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابهم وحشمهم، فيجدون من طعامهم ودثارهم وعلف دوابهم ما يكفيهم، من غير أن يتكلف صاحب المنزل أمرا بذلك، أو يتجشم عبئا، لدوامه مع البشاشة بأضيافه لعلم سروره بهم كل من شهده.
قال: وترى الغالب على أهل المال والثروة صرف أموالهم على خاصة أنفسهم في الملاهي، وما لا يرضى الله تعالى، والمنافسات فيما بينهم، والغالب على أهل الثروة والمال في ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سبيل الجهاد ووجوه الخير وعقد القناطر إلا القليل من ذوي البطالة، وليس من بلد ولا سبيل مطروق ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات [¬١] ما يفضل عمن ينزل به.
قال: وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط في كثير منها، إذا نزل النازل أطعم وعلق على دابته.
قال: وقلّ ما رأيت خانا [¬٢] أو طرف سكة أو محلة أو مجمع ناس بسمرقند في المدينة وظهرها إلا وبه ماء مسبل بجمد.
قال: وحدثني من له خبرة أن بسمرقند وظواهرها ما يزيد على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبل عليه الوقوف، من بين سقاية مبنية وجباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة في الحيطان [¬٣].
وأما بأسهم فمشهور مستفيض، وفي بعض الأخبار أن المعتصم سأل عبد اللّه [¬٤]