وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشئة، ومكانة في الدولتين الإسلامية والتتارية لا تطاول، ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب.
وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب، تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح (١) من إحبائها الأبكار العرب، ثم مات ﵀، وخلفه ولده، وجرى على سنته، وتمت به في أهل بيته منيته (٢).
ويلي يسار وأعمالها وتل حفتون وبلادها، وبلاد السهرية المشهورين باللصوصية، وهي من بلاد شقلاباد [¬١] إلى خفتيان [¬٢] أبى على، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدست والدربند [¬٣] الكبير، وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفا، وحبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين، يشقهما الزاب [¬٤] الكبير، ويتقلب على صخورهما بصوت مفرع وهدير قوي، عليه ثلاث (٣) قناطر اثنان منهما بالحجر والجير، والوسطى مضفور [¬٥] من الخشب كالحصير علوها عن جهة (٤) الماء مائة ذراع في الهواء، وطولها بين الجبلين خمسون ذراعا، في عرض
стр. 807
ذراعين، وقد ينقل تارة من أرضه فينقص من طوله أو يزاد في عرضه، ثم تمر عليه الدواب بأحمالها، والخيل برجالها وهي ترتفع وتنخفض، وتبسط وتنقبض، يخاطر المجتاز عليها بنفسه، ويغامر بعقله، وهم يأخذون الخفارة عندها يخيلون ما شاءوا بعدها.
فإن الدربند مضيق على نهر عميق، وهم أهل غدر وخديعة، وقبائح شنيعة، لا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه، بل ترضيه سلامته بنفسه.
قال الحكيم شمس الدين محمد بن ساعد أن نسب أحد من الأكراد إلى الجن فهم هؤلاء حقا، وإن صعب مسلك دربند، فهذا أصعب المسالك، وأشقى، كان أميرهم الحسام بن عم قميان، أنقى ما ترك ولا أبقى، ومجاورهم قوم يقال لهم الزرزارية وهي كلمة أعجمية معناها ولد الذئب. (المخطوط ص ١٣٠).
ويقال أنهم ممن تكرد [¬١] من العجم المنسوبين إلى ملوكهم، ذكره بعض أهل التاريخ، ولهم عدد جم، منهم زراع وأمراء وأغنياء وفقراء، تبلغ عدة رجالهم خمسة آلاف، قليل بينهم الخلاف، ومنهم زهاد يشار إليهم، وفقهاء يعتمد في الفتوى عليهم.
مساكنهم من مرت [¬٢] إلى جبل جنجرين المشرف على أسنة من ذات اليمين، وهو جبل عال، مشرف بمكانه على جميع الجهات (١)، كان هواه الزمهرير وكأنه للسحب مغناطيس، يجذبها بالخاصة، قد نصب عليه للتخدير ثلاثة أحجار، طول كل حجر (٢) عشرة أشبار، وعرضه ربع هذا المقدار، وثخانته (٣) تزيد على ذراع في
стр. 808
التقدير، على كل من الثلاثة كتابة قديمة، لم يبق منها سوى المعالم، وهي من الحجر المانع الأخضر الذي لا يغيره البرد ولا الحر، ولا يتأثر (١) إلا في ألوف سنين، تاثير (٢) لا يكاد يبين، فالوسط منها على بسطة رأس الجبل، والآخران في ثلث عقبتيه لمن صعد أو نزل، يقال أنها نصبت لمعنى الإنذار، وأن المكتوب عليها أخبار من أهلكه الثلج والبرد في الصيف، وهم يأخذون الخفارة تحته، ويدركون أو يوارون من هلك ببرده.
وبيد الزرزاريه أيضا بلاد ملازكرد والرستاق بقلاعها ومزارعها وضياعها، ولا يحملون لأحد شيئا من ارتفاعها، وكان لهم أمير جامع لكلمتهم، مانع لشوكتهم (٣) يسمى نجم الدين بن باساك ثم توفى، وتولاهم من بعده ولده المسمى جيده (٤)، ولما أدركه الأجل وتوفى، تولاهم ولده عبد الله، وكان لهم أيضا أمير شجاع عفيف له رأي وتدبير يقال له الحسام شير الصغير، حوله من عشيرته عصبة تسير بسيرته، وكذلك كان لهم أمير آخر جيدا (٥) يسمى باساك. ابن الحسام شير الكبير، وآخر منهم له بأس قوى يدعى بهاء الدين بن جمال الدين أبي علي، وأمراء غير هؤلاء ممن ينطوى في طاعتهم ويدخل في جماعتهم، إذ لا يبلغ قدر استطاعتهم يستغنى عن ذكر اسمه بمن تقدم.
وينضم إلى الزرزارية شرذمة قليلة العدد هي لهم كالمدد تسمى (المخطوط ص ١٣١) باسم قرينتها بالكان، منفردة بمكان، مشرف على عقبة الخان، يأخذون عليها الخفارة باليد القوية، ويجولون بين الحسائية، قتل أميرهم توبك (٦) مع نجم الدين، وعاد قومه لهم بالرعية (٧)، يبلغ عدتهم ثلاثمائة رجل.
ومنهم الجولمركية [¬١]، وهم قوم نسبوا إلى الوطن، لا إلى النفر، بل هم طائفة
стр. 809
من بني أمية، يقال أنها حكمية [¬١]، اعتصموا بالجبال، عند غلبة الرجال عليهم، واستغنوا بمنعتها عند استعمال البأس، ومخالطة الناس، طلبا للسلامة من أعدائهم، وفرارا من اعتدائهم، فانخرطوا في سلك الأكراد، فسلموا، وهم الآن في عدد كثير، يزيدون على ثلاثة آلاف، كان ملكهم عماد الدين بن الأسد بن متكلان، ثم خلفه ولده الملك أسد الدين، وتحت يده المعادن ما ينقل من الزرينجين، إلى سائر الأماكن، وكان ظهر له معدن اللازورد، فأخفى، لئلا يسمع به ملوك التتر، فيطلبونه.
ومعقله الذي يعتمد عليه من أمنع المعاقل على جبل عال، مقطوع بذاته، قرين الجبال قائم في وسطها مع الانفصال شامخ في الهواء راسخ فيما حوله من الماء، والزاب الكبير محدق به، فاصل بينه وبينها بإذن ربه، لا محط (١) للجيش عليه، ولا وصول للسهام إليه، سطحه للزراعة متسع، وفي كل ضلع من جوابنه كهف (٢) مرتفع، يأوى إليه من شاء للامتناع، فيمتنع، والماء محيط بأساسه، والثلج لا يزال يشتغل، سببه برأسه، والصعود إليه في بعض الطريق يستدعى العبور على أوتاد مضروبة مصلحة لمن يطيق، ومن لا يستطيع التسليق، جر بالحبال (يعلق بها) (٣) وكذلك ترفع البغال للطواحين والذخائر التي يحتاج إليها في كل حين.
والملك عليهم معتبر عند الأكراد، ولهم على كلمته اعتماد، يدعى بهاء الدين بن قطب الدين، وولده في الملك يجرى مجراه، ويخلف في سيرته أباه، وكان له ابن عم آخر يدعى بشمس الدين داود، عصا على دولة الأعداء مدة، وعجزوا عنه، وقد اجتهدوا في غيلته بكل حيلة، فلم يقدروا عليه، فبالغوا في الإحسان إليه،
стр. 810
وأمروه بالانتقال عن الجبل ليأمنوا اعتصامه، فاحتصن التوصل في التوسل، حتى سكن ببعض المدن (المخطوط ص ١٣٢) فلما قر في دار كانت بنيت للسلطان، وغرس في ما حولها (١) بستانا جامعا لأشجار ذات أفنان، مختلفة الثمار، ومحفوفة بالارتفاع (٢) ارتفاع مغلة (٣) من دنانيرهم عشرون ألف ألف دينار، والدار أعظم. ما يكون من دار السلطنة لما فيها من البسط والآلات المثمنة، فخولوه في سكنها، وسمحوا له بالفاكهة وثمنها، إلى أن اخترمه ريب المنون، فترك ولده الحركة، وعاد إلى حربهم، يؤدي إليه خراج بلاده، ويقطع منها ما شاء من أقاربه وأجناده، ويأخذ الخفارة من جميع الطرقات، من آذربيجان من تبريز إلى خوى ونقشوان [¬١]، وكل وظائف مستخدميه بضمان من الكتاب والمنتدين والنواب والمتصرفين والوكلاء، ولا يقدم طعامهم ضيفانه إلى ثلث الليل المعلوم إلى نصف النهار أي غذاء كان، ولا يطعم ضيفانه إلي ثلث الليل عشاء، ولا يجعل في خبزه ملحا ليأكل منه من كان حربا وصلحا.
ويجاور الجولمركية من الأكراد قوم يسكنون الجبال من بلاد تدعى مركوان، كثيرة الثلوج والأمطار مخصبة ربيعها زاهر بأنواع النبات والأزهار، وصيفها منوط بألحان الأطيار، وشتاءوها وافر الأسمان والألبان غزير اللحوم المنوعة، وهي مترخمة لأرمية (٤) من بلاد آذربيجان، وكان لهم بها أميران بدر الدين والأمير حسن، أخوان شقيقان، وبالرعايا رفيقان، تبلغ عدتهم ثلاثة آلاف، وهم لمن جاورهم من الزرزارية والجولمركية أخلاف، ويعاملونهم بالرأفة والإحسان.
ويجاور الجولمركية من قبل بلاد الروم جبال وبلاد يقال لها كواره، ذات سعة وإمكان (٥)، ومرعى للحيوان، وخصب مستمر في سائر الأحيان، وإليها ينسب من
стр. 811
بها من السكان، فيحسبانه من قبيله.
وكان الأمير شمس الدين هو المداري عنهم، وعدة قومه ثلاثة آلاف، ويلي الجولمركية وجه عقر شوشن وبلاد العمادية، وبلاد الزيبار وبلاد الهكلر (١).
أما الزيبارية فيبلغون خمسمائة عددا، أصحاب بازاريه [¬١] (٢)، لهم سوق وبلد، وكان حروب بينهم وبين المازنجانية (المخطوط ص ١٣٣) مددا، ثم قر قرارهم، (واتحدوا) (٣)، وكان ملكهم (٤) أحدهما الأمير إبراهيم بن الأمير محمد الزابي، وكان موقرا في زمن الخلافة، معروفا بالحشمة، وبقى ولده بعده صغيرا، فاحتاج إلى الاعتضاد بالمبارز كنك، ليكون له ظهيرا، والثاني الشهاب بن بدر الدين برش، توفى أبوه، وخلفه كبيرا، ولولا المازنجانية لم يدع لهم سواه أميرا، فاستولى علي الرعية استيلاء كبيرا (٥).
وأمّا الهكارية فإنهم مقيمون في بلاد العمادية، تزيد عدتهم على أربعة آلاف حربية (٦)، وكانت إمارتهم إلى أميرين أخوين، أحدهما الأمير أبو بكر، والآخر الأمير علي، يعرف والدهما بالطوراشي، فأما أبو بكر فإنه كان ممتنعا برجاله، وكثرة احتياله وقوة جباله ونوابه وجيوشه وأحزابه، وبقى مدة لا يعبأ بهم ولا به، مع أنه سير له العساكر، واستعان عليه بكل ماكر، إلى أن حكم بالموصل نصراني يقال له مسعود البرقوطي، وعزل عنها الأمير رضى الدين بابا القزويني البكري ﵀، فاحتال النصراني على الأمير أبي بكر بكل حيلة، وأعانه عليه في المكيدة بعض القبيلة، فحسنوا له الوثوق إليه، والنزول في الطاعة على يديه، وسير له الرهائن أربعة من الصبيان إلى السلطان، أحدهما مباركشاه والثاني سيف الدين بن
стр. 812
المبارز كنك، الذي استنابه في العقد أبوه، والآخران أحمد وجركتم والدهما، فبلغ بكر الدين، كان باربل (١) نائبا في ذلك الزمان، فاغتر ونزل الباب، وبقى عند السلطان معظم المقدار، إلى عدت فيه ذوو الاعتراض، وقالوا أن أحضر ولده وأهله، فما عليه اعتراض، ولما طلبوا معه سيّر اليهم (٢) بالنزول، فلم يأخذوا أمره بالقبول، وعاد مؤكدا لطلبهم برسول، وتأخر حضورهم، فاشتبهت على السلطان أمورهم، فأمر بالاحتياط عليه وعلى من معه من أصحابه، وكان إذ ذاك متوجها إلى حمص في أحزابه فلما وصلوا إلى مراغة آذربيجان، توجه حسان (٣)، إجابة داعي السلطان؛ وكان موثقا عنده في المكان (المخطوط ص ١٣٤) فانتهز الفرصة في الخروج من الوثاق، وخلص من معه من الرفاق [¬١]، وركب ما وجد من الخيل عربا وساق، بناء على أن الجبل قريب، وطمعا في أن يدركه الليل، فيستتر، فلما أحسن القوم بفراره، خافوا صولة سلطانهم، ونادوا: أولام أولام على أثاره، فتنبه عليه قوم من الإختاجية (٤)، وهم رعاة الخيل، (وهو يحث فرسه) (٥) بكزلك، وهي مذبة، فرماه أحدهم بسهم، أصابه به، وتواثبوا عليه أصحابه، فلم ينج منهم أحد إلا رجل كان، لما انهزموا قد دخل البلد.
وأما أكثر الرهائن فإن البارز شيرسير من سرق ولده، وهرب كل منهم، فلحق ولده، وبقى الأمير علي، أخوه مستقلا بالهكارية وحده إلى أن أتاه اليقين، فخلف فيهم ولده غرس الدين صاحب قلعة هروز، ونشأ الأمير محمد بن الأمير أبي بكر شجاعا، فقصد قلعة الجبال، فأخذها، وأحرق ما بها من الدور، وأراد أن يقيم بها،
стр. 813
إن ساعده القدر المقدور.
والهكارية يأخذون الخفارة في أماكن كثيرة من بخاري إلى جبل (١) الجزيرة، ويليهم من قبل المرج جبال القمرانية وكهف داود، وهذه الأماكن أوطان البستكية (٢) وقليل ما هم، لكنهم حماة رماة وطعامهم مبذور على خصاصة، وعدتهم لا تزيد على خمسمائة، وأميرهم مقيم بالقمرانية يقال له … [¬١] ويقابل الجولمركيه من قبل الموصل البختية، وهم قوم كانوا يضاهون الحميدية، لكنهم شعبهم أكثر، وقبيلهم أكثر، فكان لهم كبراء وأعيان فهلك أمراؤهم، وتشتت كبراؤهم، وتفرق جمعهم المعهود، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، تفرقت بين القبائل والشعوب، وكان من بقايا أمرائهم فخر الدين خدم صاحب ماردين فأبعده لأقوال قيلت.
وشعبهم كثيرة، وقبائلهم متفرقة (٣) منهم السندية وهو أكثر شعبهم عددا، وأوفرهم مددا، يبلغون ثلاثين ألف مقاتل مختال مخاتل والمحمدية، وكان أميرهم شروين (٤)، لا تزيد على ستمائة رجل، والراستية كانوا أولى عدد وعدد وجمع ومدد إلى أن نزح أميرهم البدر بن كيايك) المخطوط ص ١٣٥) من ذلك البلد، بالأهل والولد، إلى متعة وقد تشتت شملهم، وتفرق جمعهم وعات، عدتهم لا تزيد في بلد الموصل، لا تزيد على ألف رجل، وأميرهم علاء الدين كورك بن إبراهيم، ولا ينقص من بلد القعر (٥) في خمسمائة وأميرهم عمر بن أبي علي وموسى بن بهاء الدين، والدينلية وهم يسكنون الجبال المقلوب، والمختار مطلوبون بالخفارة أميرهم كلتي، ولا تزيد عدتم على ألف متفرقين في البلاد، متمزقين في كل واد (٦).
стр. 814
الفصل الثاني في اللر
стр. 815
(١) وهؤلاء طائفة؛ كثيرة العدد، ومنهم فرق مفرقة في البلاد، وفيهم ملك وإمارة، وإقدام وشطارة، ولهم خفة في الحركات، وصدق في القول، يقف الرجل منهم إلى جانب البناء المرتفع، ويلصق بطنه بأحد الزوايا القائمة به، ثم يصعد فيه إلى أن يرتقى صهوته، العليا، ومنهم من يخالس الرجل ماله، ويأخذه منه، وهو لا يدري.
وربما أمسك الرجل منهم، وضرب بالسياط، وعوقب أشد العقاب، فلا يقر أنه أخذه، ولا يعرفه، فإذا حلف بستر الله، وأقسم عليه به، أقر واعترف.
وفي بلاد مصر والشام منهم طوائف، وفي بلاد الشامية معظمهم، ولهم في هذا وقائع مشهورة، وأحوال مشهودة.
وما يحكى أن السلطان صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب [¬١] ﵀، حضر إليه رجل منهم، وأظهر له أشياء من أفعاله اللطيفة، وحركاته الخفيفة، حتى أنه وقف إلى جانب بناء مرتفع، وارتفع والتصق به، وارتفع حتى استوى على أعلاه، وصلاح الدين ﵀ يظهر العجب من شطارته، وخفة حركته، وقدرته على ما لا يقدر عليه مثله، فلما نزل خلع عليه، وأكرمه، وحمله على فرس وأقطعه أقطاعا جليلا، وقال له: اشتهى أن يكون عندنا جماعة منكم، فإننا ما نستغنى عنكم لنتوصل بكم (المخطوط ص ١٣٦) إلى حصون الأعداء [¬٢].
فبقى هذا اللرى [¬٣] يجلب له واحدا بعد واحد ممن يقدر على هذا منهم، فكلما جاء واحد منهم أكرمه صلاح الدين، وخلع عليه، وأقطعه الأقطاع، حتى لم
стр. 816
يبق أحد منهم، وبقى مدة لم يحضر أحدا إلى صلاح الدين، فقال له: لأي شيء ما عدت جبت (١) لنا أحدا؟ فقال: والله يا مولاي ما بقى أحد يقدر على هذا مثلنا، فلما تحقق صلاح الدين في ذلك، أسرها في نفسه، ثم جمعهم، وأوقف خلف كل رجل منهم رجلا، وأومأ إليه، فضربوا رقاب أولئك النفر، لأن صلاح الدين لما رأى ذلك [¬١]. فزع منهم على نفسه، وخاف إن هو قتله وجده، يبقى وراءه من يفعل مثل فعله، فاحتال عليهم بذلك لئلا ينزل عليه أحدهم فيقتله به.
وأما ما يروى من مشى هذه الطائفة على الحبال المنصوبة، على قامات من الأرض، وانقلابهم عليها في الهواء، حتى يصير رأس الرجل منهم منكوسا إلى الأرض، ورجله متعلقة بالحبل ثم يستوى على قامته، ثم يمشي على الحبل بالقبقاب، ويلعب فوقها بالمخاريق، ما تحار له الألباب، ويحاك فيه نوادر العجب العجاب، وإن نساءهم يفعلن (٢)، وتركضها أشد مركض، ثم تطيح عنها في قوة جريها إلى الأرض ثم تثب عليها فيستوى على ظهرها، ثم تصير حزاما لبطنها، ثم تنزل صهوة الفرس، وتعنق العنق تارة من أعلاها وتارة من تلقاء صدرها إلى غير ذلك من عجائب الأفعال وغرائب الخفة في المجال.
ودأب من هو منهم في الشام أحد ما قدروا عليه ووصلت أيديهم إليه، وقد عرف صبرهم على الضرب، فما بقى يضرب، أحد منهم إذا اتهم بل يحلف بستر الله ويقسم عليه به، فيقر، ويعترف، ويرد ما أخذه، ويقول: نحن نأخذ قبيح، ونحن نرد مليح (٣).
стр. 817
وقد أوردنا هاتين اللفظتين بعبارتهم على ما هي عليه، وهم ببلادهم أهل منعة، وهي اللر، إن كبير وصغير ومأمور وأمير وسارقهم لا يقطع على السرقة هكذا جرت عادتهم في بلادنا.
стр. 818
الفصل الثالث في الشول
стр. 819
(١) وهؤلاء حكمهم حكم شنكاره (٢)، وما يبعد بعضهم عن بعض في موازنة العقول، إلا أنه لا يخلو بينهم من دماء تطل، ومواثيق فيما بينهم تحل، وفيهم كرم وسماح، يقصدهم الفقراء [¬١] وتنزل في قراهم، وتقيم في ضيافتهم وقراهم، ولهم فيها، ولهم فيهم حسن الظن (٣) إذا أنزلهم الفقير أنزلوه في بيوتهم، يمسي ويصبح عندهم وبين نسائهم، فإن اطلعوا على أحد منهم أنه خان أو تطرق إلى حريم، أخرجوه من بيوتهم، وتبعوه، فإما نجا وإما أدرك، فقتل ولا يقتلون أحدا منهم في بيوتهم، سترا على حريمهم، وخوفا من تنفير الفقراء عنهم، لحسن ظنهم فيهم.
стр. 820
الفصل الرابع في شنكاره
стр. 821
(١) وهم أحسن من اللر طريقا (٢)، وأقل فريقا، وفيهم رعاية الذمام، وتمسك من الشريعة المطهرة (٣) بزمام، ولهم بأس وشجاعة، وعندهم لأمرائهم سمع وطاعة، على أنهم أشد من الأسود إذا غضبوا، وأخف من البروق إذا وثبوا، يكون الرجل منهم في أسفل الجبل العالي، ثم يأخذ في الصعود، ويرشق محاربه (٤) السهم، فيكاد يسبق السهم، وقد بلغ غايته، وما انحدر أو يوافى هو وإياه على قدر.
стр. 822
الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم
стр. 823
أما المسماة الآن بمملكة الروم فقد كانت مملكة لا ترام، ولا يلحق إليها مرام، وهي مما هو من الخليج القسطنطيني [¬١] ممتدا على جنوب بحر بنطس [¬٢] (١)، وماء (٢) بنطس محجوزة بجبال يزل الطرف عن صهواتها، ويخل الطرف بعوائدها، في اقتحام حجراتها، وكانت آخر وقت زمان، بقايا بني سلجوق، معدن الخيرة والخير، ومسلك (٣) مسكن الملك، صاحب القبة والطير، وكان لسلطانها من إرث آبائه حرمة محفوظة، ونعمة على معاطف الملوك ملحوظة، وقد تقدم (المخطوط ص ١٣٨) في هذا الكتاب ما ينبه على ما لهذه البلاد في المجد من الطارف والتلاد (٤).
كانت على عهد الروم؛ الباقي عليها نعتهم، إلى الآن محتبك الأعنة، ومشتبك الأسنة، دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة، وكان لملكها الرتبة العلياء، وكانت بقسمة التعديل ثلث الدنيا، لأنه لم يكن يسمى (٥) من ملوك الأرض إلا ملوك الفرس والروم والترك.
وهكذا قسم فريدون [¬٣]، حد هؤلاء الملوك الثلاثة الأرض بينهم بالإثلاث،
стр. 824
فالروم لهم الثلث وهم أهل التثليث [¬١] وهذا الذي نحن في ذكره الآن، مما وقع في قسمهم، وطبع إلى وقتنا بطبائع اسمهم، هو الذي (١) الواقع على شرقي الخليج القسطنطيني متصلا بأرمينية وديار العرب والعواصم والشام.
وهو أثرى الممالك بلا احتشام خلا أنه بكثرة الثلوج كالح الوجه، في شبابه أشيب اللمة في قبابه (٢) لا يستسقى به محب لأتراك، (ولا يسأم، ولا بارق فيه لعارضة برق) (٣) [¬٢]، ولا يشأم، إلا أن صخوره تتفجر ماء وتتفجر أنواء، يعقد دون السماء بسماء، فتخصب زرعها، ويحطم المحل ضرعها، وتخصف ورق الجنّة على الخلائق، تمرها وينعها، وتطرب ورقها لمنظرها البديع، ومخبرها من صناعة صنعاء الربيع، فلا تسمع إلا كل مطربة تناجي النجى وتشجى الشجى، وتخلب قلب الخلي، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحلى، يعجب ثوبها السندس، ونباتها المتعلق بذيل النهار (٤) سجافها القندسي، فلا تجول في أرضها إلا على أرائك ولا ينظر إلا نساء كالحور العين، وولدانا كالملائك.
وآخر ما كانت في أيام السلجوقية على ما قدمنا ذكره دار بهجة وسناء، ومجلس أنس لكؤوس وغناء، انتهبوا العيش بها نهبا وقطعوا الأيام بالمسرات فيها وثبا، ثم جرى عليها ملك أولاد جنكيز خان، لما فاضوا على الأرض من كل مكان، إلا أنهم أبقوا على بقايا السلجوقية الملك بالروم، وحكموا معهم من يمنع أسودهم
стр. 825
الرابضة أن تثب وتشتد، ولهم عبر ما خلوا من الثدي ويحتلب، ثم إزالتهم الأيام، وأزاحتهم، لتمتد ستور الظلام.
وكان من دخول الملك الظاهر أبي الفتح بيبرس البندقداري [¬١] (المخطوط ص ١٣٩) الصالحي، إلى قيسارية، ما هو مشهور، وكسر عليها طائفة من رؤوس التتار، ثم عاد، ولم يقر له بها قرار، بعد أن جلس على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم واستبشرت به أهل تلك الدار، لكنه خاف عاقبة لموافقة طالع الوقت لنجم سعدهم ورجم ضدهم، ولم يكن قد آن لجمرتهم أن يخمد لهبها، ولا لجدول سيوفهم أن يجمد عليها قربها، فاستمرت أيدي المغل عليها، واضمحل ملك آل سلجوق حتى سقط في (١) يديها، فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك؟ إلا بقية (٢) حفظت المغل من مطالع أفقها، وأمسكت آخر رمقها، ودارت طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه، وبقى منهم من يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليهم، ولا يخرج شيء من يديه، واستمرت أحوالهم معهم من الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة الجنكيز خانية أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، وثبتت في مغارس الاستمرار أيامهم.
ومنذ غلبوا على الروم، كاتبوا ملوك مصر [¬٢]، واتخذوهم ظهرا، وعدوهم
стр. 826
لحوادث الأيام ذخرا، حتى أن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب له وجهز إليه بالصناجق [¬١] والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلي والحصان المركوب والجنائب، وهم إلى يومنا هذا أهل ود وصفاء وحسن عهد ووفاء، لكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارا، وأخذ بهما الإمرة (١) والأقطاع، وجرى فيها تحت حكم الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع عن مصر والشام، والمكاتبات واردات وصادرات، والهدايا مقيمة وسائرات، ومع هذه كله كل واحد منهم بما أتاه الله من فضله ونحن الآن نذكرهم على التفصيل، ونكتفي بالقليل.
وها نحن نشرح حال كل طائفة متغلبة على هذه البلاد والمملكة التي استولت عليها، وما استقر (٢) (في يديها على ما تنبه عليه في موضعه) (٣).
وقد ذكر أبو الفضل (المخطوط ص ٤٠) عبد الله بن عبد الظاهر [¬٢] دخول الملك الظاهر ﵀ هذه البلاد، وخروجه في رسالة قال فيها: وسرنا لا يستقر
стр. 827
بنا قرار، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار، ولا نقيم إلا بقدر ما يتزيد الزائر من الأهبة، أو يتزود الطائر من التغبة، تحمل همنا الخيل العتاق، ويكبوا البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق، وكان السلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بإدراع لامات حربهم، وحمل آلات طعنهم وضربهم، ورحلوا من حلب جرائد على الأمر المعهود، قد خفقوا كل شيء حتى عن السيف الغمود، فسرنا في جبال تشتهي فيها سلوك الأرض، وأودية تهلك الأسواط فيها إذا ملئت الفروج من الأرض، واستقبلنا الدرب كما قال المتنبي [¬١]: [الطويل]
رمى الدّرب بالخيل العتاق إلى الورى … وما علموا أن السّهام خيول [¬٢]
فلما تجلى من دلوك وصنجة … علت كل طود رنة وعويل [¬٣]
على طرق فيها على الطّرق رفعة … وفي ذكرها عند الأنيس خمول [¬٤]
ومررنا من دلوك وهي رسوم باكية على سكانها، ضاحكة عن تبسم أزهارها، وتقهقه غدرانها، ذات بروج مشيدة، وأركان موطدة، ونيران تزاويق موقدة في عمد من كنائسها ممددة، وسرنا إلى مرج الديباج نتهادى، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية، وإن لم تكن من جمادى، لا يثبت تربها تحت قدم المار وكأنما ساكنها يمشي على شفا جرف هار [¬٥].
وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع،
стр. 828
وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفى الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن افتقار طريقه، حولها معاثر أحجار كأنها قبور تغيرت، أو جبال تفطرت، بينها مخائض لإبل مغائص كأنها بحار فجرت [¬١]، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول، وتيممت بالثلوج، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل، فهو إلى خروج من سبيل أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشي الواحد وتلتف شجراتها التفات (المخطوط ص ١٤١) الأكمام بالساعدة ذات أوعار زلقة، وصدور شرقة، وأودية بالمزدحمين مختنقة.
حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء المسمى الآن بكينوك ومعناها المحترقة، كان قسطنطين والد صاحب سيس [¬٢] قد أخذها من أصحاب الروم، وأحرقها وتملكها، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام، سيّر السلطان إليها عسكرا من حلب، فافتتحها بالسيف، وقتل كل من بها من الرجال وسبى الحريم والذرية، وخربت من ذلك الحين، وما بقى منها من يكاد يبين.
وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان [¬٣]، فالقنا يقرع بالقنا، وموج المنايا تتلاطم، وقيل لسلطاننا هناك على قدر أهل العزم تأتي العزائم [¬٤]، غضب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا.
فبتنا بها وجيادنا إذا زلفت مشت كالأراقم على البطون، وإن تكاسلت جر بعضها بعضا بالصهيل والحديث شجون، وخضنا في أثناء ذلك مخائض سواقع،
стр. 829
كأنها لأجل عموم الخيل بها سمى كل منها لأجل ذلك سابح، كلما قلت هذا بحر قد قطعناه أعرض لنا جبل، وكلما لنا هذا جبل قد طلعناه بان لنا واد، يشتهون دون الهوى فيه نفاد الأجل. ثم وصلنا إلى كوك صو، وهو النهر الأزرق الذي رد الملك الكامل منه سنة الدربندات، لما قصد التوجه إلى الروم، وللوقت عبرنا ركضا وأعجلت الخيل، فما درت هل خاضت لجة أم قطعت أرضا، وبات الناس من بر هذا النهر الآخر، وأصبحوا متسللين في تلك الشم، ووقع السنابك يسمع من تلك الجبال الصم، حتى وصلوا إلى أمجاد دربند، فما ثبتت يد فرس لمصالحة صفاها، ولا بغلة لمكافحة رحاها، ولا رجلة لمطارحة قواها.
وتمرنت الخيل على الاقتحام والازدحام في التطرق وتعودت ما تعودت الأوعال في الأوعار من الشرب والتسلق تنحط انحطاط الهيدب، وترتفع ارتفاع الكوكب، حتى حصل الخروج من منتهى الدربند، وبات السلطان في وطاة هناك، وسمحت السحب بما شاءت من برد وبرد (المخطوط ص ١٤٢)، وجاءت الريح بما ألم الجار، واستنفذ الجلد، وانتشرت العساكر حتى ملأت المفاوز، وملكت الطرق على المار، وأخذتها على الجائز، وقد تقدم سنقر الأشقر في الجاليش [¬١] فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار، مقدمهم كراي، فانهزموا من بين يديه، وأخذ منهم من قدم للسيف السلطاني، فأكل تهمته وأمتار، واستمرت تلك منه فيمن يؤخذ من التتار، ويؤسره، وبات التتر على أجمل ترتيب ونظر، وبات المسلمون على أجمل تيقظ وحذر. فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر، بأن القوم قد قربوا، وأنهم تأبوا ووثبوا، ووصى السلطان جنوده في التثبت على ما يجب، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب.
وطلعت العساكر من جبال مشترفة على صخرات منا من بلد ابلستين، وكان العدو ليلته تلك بايتا على نهر زمان، وهو أصل نهر جهان، وأصل اسمه جيحان،
стр. 830
فترتب المغل أحد عشر طلبا [¬١] كل طلب يزيد على ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم خيفة منهم، وجعلوا عسكر الكرج [¬٢] طلبا منهم واحدا بمفرده، ولما شاهدوا صناجق السلطان ومن حولها، وعليهم الخوذ الصفر المقترحة، وكأنها في شعاع الشمس نيران مقتدحة، رجعوا إلى ما كانوا عقدوا من العزائم فحلوا، وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، وأنصبت الخيل إليهم من أعلى [¬٣] الجبل انصباب السيل، وبطلت الحيلة منهم وبقى الحيل، فشمروا عن السواعد، ووقفوا وقفة الرجل الواحد. وكان هؤلاء المغل قد اختارهم آبقا من كل ألف مائة، ومن كل مائة عشرة، ومن كل عشرة واحد، لأجل هذا اليوم، وكان فيهم من المقدمين الكبار تداون، وتقووا إليه أمر بلاد الروم، وأرختو أخو تداون ونمادربخشى، ومن أمراء الألوف زيرك وصهر آبغا وقراق وأخلدت من المغل فرقة إلى الأرض فقاتلت، وعاجت على نفوسهم وعاجلت، وجاء العدو الموت من كل مكان، وأصبح ماهان منهم وقدهان، وكم فيهم من شهم ما سلم قوسه حتى لم يبق في كنانته سهم، وذي سن طارح (المخطوط ص ١٤٣) فما طارحه حتى تثلم، واشتدت فرقة من العدو من جهة الميسرة، معرجين على الصناجق السلطانية. [الوافر]
فلزهم الطراد إلى قتال … أدلّ سلاحهم فيه الفرار
وثاب السلطان إليهم وثب عليهم فضحى منهم بكل أشمط، وأقرى سباع الوحش والطير فأفرط، ولحق من قصد التحصن في الجبال فأخذهم من كل رابية الأخذة الرابية، وقتلهم فهل ترى لهم من باقية، وانهزمت جماعة يسيرة، طمع فيها من العوام من لا كان يدفع عن نفسه، وأخذتهم المهاوي فما نجا منهم إلا آيس من
стр. 831
حياة عده في أمسه. [الوافر]
مضوا متسابقو [¬١] الأعضاء فيها … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
إذا فاتوا الرماح تناولتهم … بأرماح من العطش القفار
ووصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل، ذو بأس شديد، فقاتلهم المسلمون حتى ضجر الحديد من الحديد، وأما العدو فتقاسمت الأيدي ما يمتطونه من الصواهل والصوافق، وما يصولون به من سيوف وقسى وكتاين [¬٢]، وما يلبسونه من خوذ وذروع وجواشن [¬٣]، وما يتملونه من جميع أصناف المعادن، فغنم ما هنالك، وتسلم من استشهد من المسلمين رضوان، ومن قتل من التتار مالك، وأورث الله المسلمين منازلهم، فنزلوها ووطاقاتهم وخركاواتهم فتمولوها، وكان السلطان مع أعدائه كما قيل: [الوافر]
فمساهم وبسطهم حرير … وصبحهم وبسطهم تراب
وأصبح الأعداء كأنما جزر أجسادهم، تتخللها من الدماء السيل، وكأنما رؤوسهم المجموعة لدى الدهليز المقصور أكر، تلعب بها صوالح الأيدي والأرجل من الخيل، وكم فيهم من مهيب الهامة حسن الوسامة، يتفرس في جهامة وجهه الفخامة، قد فض الرمح فاه، فقرع السن على الحقيقة قدماه، وكثرت الأساري، فاختار السلطان من كبرائهم البعض وعمل بقول اللّه ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ (المخطوط ص ١٤٤) ﴿لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [¬٤] ودخل البرواناه [¬٥]
стр. 832
مدينة قيصرية في سحر يوم الأحد ثاني عشر الشهر.
فأفهم غياث الدين سلطانها الصاحب فخر الدين عليا والأتابك مجد الدين والأمير جمال الدين المستوفى والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، والأمير الطغرائي [¬١] وهو ولد عز الدين أخي البرواناه، وهو يكتب طرز المناشير، أن المسلمين كسروا بعض المغل وبقيتهم منهزمون، ونخشى منهم دخول قيصرية، واتلاف من يكون بها، فاحذر زوجته كرجى خاتون بنت غياث الدين صاحب أزر، وأمها ملكة الكرج وزوجها السلطان غياث الدين صاحب الروم في أربعمائة جارية.
وكان لها ما لا كان لصاحب الروم من النجاتي والخيام والآلات، وتوجهوا كلهم إلى جهة توقات وهو حصن عن قصيرية أربعة أيام، وهوّل على بقية أمراء الروم، فاتبعوه إلا قليل منهم، وأخفى البرواناه أمره وأمر من معه حتى لا يخبر عنهم.
ورحل السلطان فنزل قريب قرية رمان، وبيوتها حول سن جبل قائم كالهرم إلا أنه ملموم، وعمرت البيوت في سفحه حوله بيتا فوق بيت، وبدت كأنها مجرة النجوم وما منها بيت إلا وبه مقاعد ذوات داربيزينات [¬٢] منجورة (ورواشون) قد بدت في أحسن صورة، يحمها من أعلاها أحسن بنيان، ويعلوها من رأسها منزل مسنم الرأس كما يعلوه الصعدة السنان، ويطوف بها الجبال كأنها لها أسوار بل سوار، وكأنها في وسطها إناء فيه جذوة نار، وفيها أنهار ذوات قناطر لا تسع غير راكب، مضائق لا تلقى غيرها مناكب، فنزلنا قريبا منها حتى تخلص من تخلص وحضر من كان في المضائق قد تربص.
وقال كل الآن حصحص، ورحلنا والسماء قد حبت الأرض تيجان أمطارها،
стр. 833
وأغرقت الهوام في أحجارها، والقبح في أوكارها، وأصبحت الأرض لا تتماسك حتى ولمرور الأراقم، والجبال لا تتمالك أن تكون للعصم عواصم، تضع بها من الدواب كل ذات حمل، وتزلق على صقليها أرجل النمل.
سرنا على هذه الحالة نهارنا كله إلى قريب الغروب وقطعناه بتسلمنا (المخطوط ص ١٤٥) أيدي الدروب من الدروب، فنزلنا عشاء في مستنقع أرض يطوف بها جبال شاهقة، ومياه دافقة، تعرف قاعدة تلك الأرض بوطأة فشلارهار من أعمال صاروس العتيق، ويضرب من تلك الجهة معدن الفضة.
وبينما نحن قد شرعنا في أهبة المبيت، ولم تجمع الشمل الشتيت، وإذا بالصارخ قد عقر عقيرته، بأن فوجا من التتار هنالك في فجوة قد استتروا وفي فجوة نفرة قد انتظروا، فركب السلطان والناس في السلاح، وعزموا على المطار، فعاقهم تتابع الغيث، وكيف يطير مبلول الجناج، ثم لطف الله وعاد السلطان وهو يقول لا بأس، فنمنا نومة السليم، وصارت أفكارنا سالمة شاعرة في كل واد تهيم، وأصبحنا فسلكنا جبالا، لا يحيط بها الوصيف، ونبسط عذر الطرف فيها حين يكبو الطرف، ينحط منها إلى جنادل تضعف عن الهوى، إليها قوى الأجادل، ومررنا على قرية أوزاك، وتحتها قناطر وخان من حجر منحوت ثم خان للسبيل على رأس رابية، هناك قريب حصن سمند والذي عرض أبو الطيب به في قوله:
فإن يقدم فقد زرنا سمند … وإن يحجم فموعده الخليج [¬١]
وكان السلطان قد سير إليها خواصه بكتاب إلى نائبها فقبله وقبله وأذعق بالتسليم لحصنها المنيع، والنزول لأمر السلطان عنها أن استنزله، فشكر السلطان له تلك الإجابة، ووفاه من الشكر حسابه.
وكذلك إلى قلعة درنده وإلى قلعة دوالوه، فكلهم أجابوه وأطاعوه، ولكلمة
стр. 834
الإذعان والوه، ونزلنا في وطأة قريب من قرية تعرف بحمرهاه، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت، وباتت الخيل ليالي بلا عليق، فمالت ومادت، وشاركها خيول الكسوب في عليقها، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها، فصادفنا في هذه الليلة بعض أتيان، أمسكت أرماقها، وأحسنت إرفاقها، وأصبحنا راحلين من جبال كأنها تلك الأول، وهابطين في أودية (المخطوط ص ١٤٦) يتمنى سالكها لشدة مضائقها لو عاد ترقى قبه الجبل. ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي، يدل على شرف همة بانيه، وطلب ثواب الله تعالى فيه، وهو من أكبر الأبنية سعة وارتفاعا، وأحسنها شكلا وأوضاعا، كله مبنى بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش، لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم، وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة، مبلط الأرض، فيه حوانيت، وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله، وداخله اواوين [¬١] ضيقة، وأمكنة شتوية، واصطبلات على هذه الصورة، لا يحسن الإنسان يعبر عنها بكيف؟ ولا منها إلا ما يعده الكافر رحلة الشتاء والصيف [¬٢] وفيه الحمام والمرستان [¬٣] والأودية والفرش والأواني والضيافة لكل طارق على قدره. وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس فما وصل أحد إليها ولا إليه، وعليه أوقاف عظيمة، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد، وله دواوين وكتاب ومباشرون، يتولون استخراج أمواله، والإنفاق فيه، ولم يتعرض التتار إلى أبطال شيء من رسومه، وأبقوه على عوائد تكريمه، وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه ﵀ وتعظيمه، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروفة بعسيب [¬٤] وفيه قبر امرئ [¬٥] القيس الشاعر وفيه يقول: [الطويل]
стр. 835
أجارتنا إن الخطوب تنوب … وإني مقيم ما أقام عسيب
اجارتنا إنا غريبان هاهنا [¬١] … وكل غريب للغريب نسيب
وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاش وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا العالية، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه ولا لهيال الأبخرة المتصعدة، وعشاؤه من صبحه.
فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة، وهو يوم شرق الزهرة، ركبت العساكر المنصورة مترتبة، وملأت الفضاء (المخطوط ص ١٤٧) متسربة، فركب السلطان في زمرته، ودوى أمره وإمرته، يختال به جواده في أفسح ميدان ويصيح به مرحا وفرحا كأنه نشوان درى إنه سلطان.
تظل ملوك الأرض خاشعة له … تفارقه هلكى وتلقاه سجدا
وخرج أهل قيصرية وعلماؤها [¬٢] وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها، فأكرم السلطان ممساهم وشكر مسعاهم، وتلقى قضاتهم وعلماؤهم ركبانا وحادثهم إنسانا إنسانا، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات جد مضطربة [¬٣] وصرخات ذكر معجبة، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه، وشعار سلطنته قد بقى جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور، وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، ونزل السلطان في تلك المضارب، وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة.
стр. 836
وإذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاط، وحضر أصحاب الملاهي، فما ظفروا بغير النواهي، وقيل لهم: ارجعوا وراءكم، فالتمسوا وذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقت سوءه هذه الهنات، لا تتفق هنا، وما هذا موضع الغناء بل موضع الغنى.
وشرع السلطان في إنفاق اللها وعين في كل جهة شخصا وقال: أنت لها، وحكم وحكم، وعلم وعلم، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة وأعطى كلا بيمينه كتابه [¬١] وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف، وتأمين من خاف، فلما علم أنهم لا يفلحون، ولغير التتار لا يصلحون، وإنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون، وإن أمسوا لا يصبحون، عاد عن تلك الوعود، وأختار أن ما بدا إليه يعود، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلا من الله الخير، ونصب خبر بني سلجوق على رأسه، فرأى الناس منه صاحب القنة والسّبع، وصاحب القبة والطير، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم، وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله، وتخت بني سلجوق قد هيئ لحلوله، وهي (المخطوط ١٤٨) منازل تزهو، ومفازة من يتعبد ويلهو، أنيقة المبتنى، تحف بها بساتين عذبة المجتبى، جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة، وبأجمل نقوشه مصرحة، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت ونال التخت بحلوله أسعد البخت.
«وما كان هذا التخت من حين نصبه لغير المليك الظاهر الندب يصلح».
«مليك على اسم الله ما فتحت له صوارق البيض المواضي وتفتح».
«أتته وفود الروم والكل قائل رأيناك تعفو عن كثير وتصفح».
«فأوسعهم حلما وجادلهم ندى [¬٢] وأمسوا على من وأمن وأصبحوا» [¬٣].
стр. 837
وأقبل الناس على السلطان يهنونه. وعلى كفه الشريف يقبلونه ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية ودور الرواتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة، ووقف أمير المحفل وهو كبير المعدلة عندهم، وله وسامه وفخامه، وله أوسع كم وأكبر عمامة.
وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار، وانتصب قائما بين يدي السلطان منتظرا ما إليه به يشار، وشرع القراء يقرءون [¬١] جميعا وفرادي بأحسن تلحين وأجمل تحسين، فلما فرغوا شرح أمير المحفل صارخا، وبكور فمه نافخا، فأنشد وأورد بالفارسية، ما يعجب مدلوله، ويهول مقوله، وأطال وما أطاب، واستصوب من يعرف مقاله قوله، والله أعلم بالصواب.
ولما انقضى ذلك مدوا سماطا ليس يناسب همم الملوك، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف، وقام السلطان إلى مكان الراحة، فأقام ساعة أو ساعتين، ثم عاد إلى مخيمه قرير العين، وكان بدار الملك حرم السلجوقية، على أبوابهم أسمال ستور حرير، ومشايخ خدام، يستحق لكل منهم أن يدعى بالكبير، فجبرهم السلطان، وآنسهم، وأحسن إليهم، وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية، وبها سبع جمع تقام فيها خطبا إلا أنهم كالأنعام فصلينا في جامع السلطان، وهو جامع لا يدل على (المخطوط ص ١٤٩) احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم، ولا فيه دلائل الخير ما تقضى بحسن إرادتهم.
فحضر أهل المدينة وأكابرها، وجلسوا حلقا لا صفوفا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفا، واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز فتخارجوا القراءة آية آية، وهي قراءة بعيدة عن الدراية بل إنها تبرزها أصوات مترنمة، والحان لتفريق الكلمات مقسمة، ينطقون بالحروف كيف اتفقت، ولا يتوقفون على مخارج الحروف إنها بها نطقت ولا نطقت، ولما آن وقت الآذان، قام صبي عليه قباء، من
стр. 838
وسط جماعة عليهم أقبية، قعود على دكة المؤذنين، فابتدأ بالتكبير أولا وثانيا بمفرده من غير إعانة ولا إبانة، ولمّا تشهد ساعدوه جميعهم بأصوات مجمجمة ملعلعة، ونغمات متنوعة يحيكون له النغم بأطيب تلحين، ويترنمون بالأصوات إلى آخر التأذين، وفرغ الآذان، وكلهم قعود، ما منهم أحد غير الصبي قد وقف وما منا أحد لكلمة من الأذان عرف، ولما فرغ الآذان، طلع شيخ كبير السن يعرف بأمير محفل المنبر، فصعد ذروة المنبر، وشرع في دعاء لا نعرفه، وادعاء لا نألفه، كأنه مخاصم أو وكيل شرع أحضره لمشاورة خصمه خصم بين يدي حاكم، وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب، ودعا للسلطان بغير مشاركة، وانفضت الجمعة على هذه الصورة المسطورة.
وضربت السكة باسم السلطان، وأحضرت الدراهم إليه في هذا اليوم فشاهدنا وجها متهللا باسمه الميمون، وأقرت الألسنة [¬١] بهذه النعمة، وقرت العيون، وشاهدت بقيصرية مدارس وخوانق وربطا، تدل على اهتمام بانيها، ورغبتهم في العلوم الشريفة، مشتدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة وأراضيها بأجمل ذلك مفروشة، وأواينها وصففها مؤزرة بالقاشاني الأجمل صورة، وجميعها مفروشة بالبسط الكرخية [¬٢] والقالية [¬٣]، وفيها المياه الجارية، ولها الشبابيك على البساتين الحسنة.
وسوق قيصرية طائف بها من حولها، وليس داخل المدينة دكان ولا سوق، والوزير في بلاد الروم يعرف (المخطوط ص ١٥٠) بالصاحب فخر الدين خواجا علي، وهو لا يحسن الكتابة، ولا الخط، وخلفه من مماليكه خاصة مائتا مملوك، ودخله غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصه سبعة آلاف درهم
стр. 839
سلطانية، ولقد شاهدت في مدرسته من خيامه وخركاواته شيئا لا يكون لأكبر الملوك، وله بر ومعروف وبالخير معروف.
وأما معين الدين سليمان البرواناه وزوجته كرجى خاتون فظهر لهم من الوجود البادي للعيون كل نفيس، واستولى السلطان من موجودهما على ملك سليمان [¬١] وعرش بلقيس [¬٢] ولما أقام بقيصرية هذه المدة، فكر في أمر عساكره، ومصالحهم بما لا يعرفه سواه، ونظر في حالهم بما أراه الله، وذلك لأن الأقوات قلت، والسيوف من المضاربة ملت، والسواعد من المصارمة كلت. وأنه ما بقى بالروم من الكفار من يغزى، ولا بجزاء السوء يجزى، وما بقى في البلاد إلا رعايا كالسوائم الهاملة، ولا دية لكفر منهم على عاقل ولا عاقلة، وإن أقام بالبلاد لا تحمله، ومواد بلاده لا تصله، وأعشاب الروم بالدوس قد اضمحلت، وعلوفاتها قد قلت، وزروعها لا ترجى لكفاية، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الروم من الرعى والرعاية، وإن الحسام الصقل الذي قلت به التتار في يد القاتل، وإنه إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الروم من قابل.
فرحل يوم الاثنين العشرون [¬٣] من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصه كلما أحضر إليه من الأعنة والأزمة، وكلما يطلق على غولة اسم النعمة، فنزل في منزلة تعرف بقبر لولو، فيها وصل إليه رسول غياث الدين والبرواناه، يستوقفونه، وكان الأمر شائعا إنها إلى سيواس، فعدد السلطان عليه حسن وفاء عهده، وأنه أجاب دعاهم مرة بعد مرة، من أقصى ملكه مع بعده، وأنهم ما وقفوا عند الشرائط المقررة، ولا وفوا يمضمون الرسائل المسيرة، وأنه لما جاء الحق وزهق الباطل [¬٤] طلبوا نظرة إلى ميسرة، وعلم (المخطوط ص ٥١) السلطان أن عساكر الروم أهل البداد لا
стр. 840
أهل نفاذ، وأهل طرف لا أهل حرب، وأهل طيبة عيش لا قواد جيش فرد إلى سليمان البرواناه وهدده، وقال: قل له أني قد عرفت الروم وطرقاته، وأمه أسيرة معي وابن بنته وولده، ويكفينا ما جرى من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز [¬١]، ولا كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ولا بعد هذه المهاجرة مهاجرة، ونحن فقد ابتغينا فيما أتانا الله من حقن دماء أهل الروم، وعدم نهب أموالهم، الدار الآخرة، وما كان جلوسنا في تخت مملكتكم لزيادة تنجح بتخت آل سلجوق إلا لتعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من الأمور، يعوق، وأن أحدا لا ينبغي له أن يأمن لنا سطوة، وليتحقق كل أن كل مسافة جمعة لنا خطوة، وسروجنا بحمد الله أعظم من ذلك التخت حلالا، وأرفع منالا، وكم في ممالكنا كرسي ملك نحن آية ذلك الكرسي وكم لنا فتح، والحمد لله فوق الفتح القدسي.
واستصحب السلطان معه أكابر الروميين، ثم رحل فنزل قريب خان السلطان علاء الدين كيقباد، ويعرف بكرواصواي، وهذا الخان بنية عظيمة من تشبه خان قطراي، وعليه أوقاف عظيمة، من جملتها أغنام كثيرة، يذبح نتاجها للواردين عليه، ثم نزلنا في وطأة رويزان كودلوز كودلو، اسم جبال تلك الوطأة، ثم رحلنا فعارضنا نهر في وطأة خلف حصن سمند ومن طريق غير التي كنا توجهنا عليها بمكان يعرف بنهر قزل صو، وهو صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى، بعيد المستقى، لا يجد السالك من أوحال حافتيه إلا صعيدا زلقا.
فوقف السلطان عليه بنفسه وجرد سيفه بيده، وباشر العمل هو وجميع خواصه، حتى هيأ المكان جميعه، ووقف راحلا يعبر الناس أولا فأولا من كبير وصغير وغلام، وهو في أثناء ذلك يكبر على من يزدحم، ويكرر التأديب (المخطوط ص ١٥٢) لمن يطلب بأذية رفيقة أنه يقتحم، فلما خفت البرور، ولم يبق إلا المرور،
стр. 841
ركب فرسه، وعبر الماء.
ونزل في واد هناك به مرعى ولا كالسعدان ومرائي ولا لشعب بوان، ثم رحل، فنزل عند صخرات قراجا حصار، وهي قرية كانت عامرة فيما مضى قبالة بازاربلو، وهذا البازار [¬١] هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه من كل شيء يجلب في الأقاليم.
ثم سرنا حتى نزلنا وطأة الأبلستين، وعبر السلطان على مكان المعركة المتقدمة مع التتار، ورأى كيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، ومن النسور مناسرها، وكيف أصبحوا لا تندبهم إلا البوم، وكيف تحققوا أن التي أهلكهم زرق الأسنة لا زرق الروم، وشاهدهم والهوام في أجسامهم متصرفة، قد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح، فهذه من صديدهم متكرعة، وهذه عليهم متقصفة.
«قد سودت شجر الجبال شعورهم فكان فيه مسفه الغربان».
وحضرت من أهل الابلستين هناك جماعة من أهل التقى والدين، فاستخبرهم السلطان عن عدة قتلى المغل، فقالوا: ما شأن العاديين، فاستفهم من كبيرهم عن عدة المغل كم من قتيل؟ فقال: قل الله أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل [¬٢]، فقال الذي عنده علم من الكتاب [¬٣] أنا أعددت سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين نفرا وضاع الحساب، هذا غير من آوى إلى جبل يعصمه من ماء السيوف [¬٤] فما عصمه، ومن اعتقد أن فرسه يسلمه فما سلمه.
стр. 842
فنزلهم السلطان، ورسم بتقدير الأثقال والخزائن والدهليز على أمجاد ربند، ثم أقام يومين ينتظر صعيدا من العدو يعن أو دما من دمائهم إلى السيف يحن، فلما لم يجد أحدا، رحل من طريق غير التي حضر منها، فسلك على الأوعار طريقا يبسا، وطلع من قنن الجبال في هضاب كان كلا منها كف حملت من الأنجم قبسا، فقاس الناس في هذا اليوم من الشدة ما لا يدخل في قياس.
(المخطوط ص ١٥٣) وكاد الناس أن يهلكوا لولا أن الله تدارك الناس، فساقوا ولكن على مثل حد السيف، وتسللوا ولكن سل حوافر الخيل كيف، وهبطوا من جبال يستصعبها كل شيء حتى طارق الطيف، يستصحب الحجر المحلق وقوعه في عقابها ويستهول النجم الثاقب تعلقه بشعابها.
وعد بباكوك صو وهو النهر الأزرق، وبات السلطان هناك، وكان قضيم الخيل في تلك الليلة ورق البلوط إلا من أمست عناية الله له بيسير شعير محوط، ورحل السلطان ونزل كينوك المقدم ذكرها، وعدل إلى طريق مرعش فزال بحمد الله عقاب تلك العقاب.
وقالت الأنهار المتلقية لكل منا أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [¬١]، ونزلنا قريب قلعة خراب، تعرف بالاسكركيس إلى جانب نهر يعرف بالخان، ثم رحل السلطان قريب بركلوجا من بلاد مرعش ثم رحل فنزل عقبة مرى أحد دربندات سيس إلى جانب النهر الأسود، ورحل فنزل قبالة دريساك، ورحل فنزل قبالة حارم، فنزل قريب منزله الذي كان به فيما تقدم، وألقى عصا النسيان، وقال لأهل الخيام هذه الخيام ولأهل هذه الدرار هذه الدر.
هذه الرسالة كافية في كثير من أحوال الروم، وفيما ذكره عن دخل هذا الوزير ومن له المماليك غير بقية من لعله يكون له من الجند والأتباع ما يعرف به عظم
стр. 843
شأن هذه المملكة ووفور دخلها ووفود السعود إلى محلها، وتستر أبناء الزمان من عين دهرها بظلها.
ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد، وكفت بها أكف المفاسد، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه، وهذا الذي ذكره، دخله الملك الظاهر بيبرس من بلاد الروم، وهو بعض ما لبيت جنكيز خان وهو من جلالة المقدار، وكثرة المال، على ما قد أشرنا إليه، فكيف جميع ما هو الخليج القسطنطيني (المخطوط ص ١٥٤) إلى بحر نيطش.
الله أكبر أن ذلك فلك عقيم، وسلك نظيم وسلطنة كبرى ودنيا أخرى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [¬١].
وأما ما نحن بصدد ذكره من ممالك الأتراك في الروم، فقد حدثني الشيخ حيدر العريان السبر حصري الرومي، وهو من أهل مدينة سبر حصر من بلاد الروم، مما هو في أيدي ملوك بيت جنكيز خان، قال: إن لهؤلاء أمراء الأتراك نقود ألا يخرج نقد واحد منهم في بلاد الآخر، ودرهمهم في الغالب في تقدير نصف وربع درهم من نقدنا، والرطل مختلف عندهم، وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلا بالمصري، وأقلها زنة ثمانية أرطال.
قال: وأما الغلات فتباع بكيل لهم يعرف بالوط، وهو يجيء تقدير أردب ونصف بالمصري.
قال: وهذه البلاد بل الروم جميعه فيه من أنواع الفواكه. كلها إلا الحوامض كالليمون والنارنج وما لا يوجد في الصرود كالرطب والموز، وقد يوجد ما قل من الحوامض في بعضها مما هو على ساحل البحر.
стр. 844
وأما الدواب والسوائم فأكثر من أن يقع عليها إحصاء أو حساب من الخيل والغنم والبقر، وأعظمها عددا وأنماها ولدا الغنم، فإنها تبسط فرش الأرض منها المعز الموغر ذوات الأوبار المضاهية لأنغم الحرير، وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وديار العجم، وذبائحهم مما يفضل عنها، ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما، وأشهى شحما، وبها العسل المضاهي للثلج بياضا، والسكر في اللذاذة طعما، لا حدة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل.
والأسعار كلها بالروم رخيصة لأسباب منها قلة المكوس وكثرة المراعي المباحة، واتساع سبب التجارة، واكتتاف البحر.
قال: وقيمة الغلات بها دون قيمتها بمصر والشام.
وقيمتها أو مثلها في الغالب، فأما اللحم واللبن على اختلاف أنواعها فرخية رخيصة، أما الغنم فخيار رأس يكون لا يجاوز (المخطوط ص ١٥٥) اثني عشر درهما من دراهمهم، يكون بنحو تسعة دراهم من دراهمنا إلى ما دون ذلك.
وأما اللبن وما يعمل منه فما هو مما يسأل عنه بكيف؟ ١ لكثرته، وأما في زمن الربيع فإنه لا يوجد له من يشتري ولا من يبيع لأنه لا يكاد يخلو أحد في الروم من أغنام تحلب له اللبن فلا يحتاج ليشتريه، ولا يحتاج إليه فيبيعه له.
قال: وأما العسل فلا تتجاوز الرطل ثلاثة دراهم برطلهم وهو ذلك الرطل الكبير، ودرهمم وهو ذلك الدرهم الصغير، وأما الفواكه في أوانها حكم الألبان في زمان الربيع.
وقال: وبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت بسعر الشام، وإذا أقبل أرخص.
قال: ومع نواب بيت جنكيز خان بالروم ثلاثة معادن فضة أحدها بأراضي مدينة لؤلؤة، والثاني بأراضي مدينة لبن، والثالث بأراضي مدينة باجرت.
قال: وهي إلي أن فارقتها في حدود سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، عماله
стр. 845
مستمرة تستخرج الفضة الخالصة بها.
قال: والروم شديد البرد، لا يوصف شتاءوه إلا أن سكانه تستعد له قبل دخوله، وتحصل ما تحتاج إليه، وتدخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل طول مدة الشتاء تلك الأيام بهنية العيش عندهم ولا تخرج من بيوتها، ولو أرادت ذلك لما قدرت حتى تذوب الثلوج، فتخرج إلى معايشها.
وذكر هذا الشيخ حيدر العريان أن جملة ممالك الأتراك بالروم أحد عشر مملكة غير ما بيد بيت جنكيز خان، وهذا هو خلاف ما تبين على ما سنذكره نقلا عن يليان الجنوبي ويليان أدرى.
فأما ما عده العريان من ممالك الأتراك فهو مملكة انطاليا [¬١]، وصاحبها خضر بن دندار [¬٢]، وقال: أن لصاحبها مدينة افنيكا [¬٣]، وأميرها الذي هو بها الآن من قبله، وهو من أولاد منتشا، وقال: إن عدة عسكره نحو أربعين ألف فارس.
قلت: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من (المخطوط ص ١٥٦) تحف سلاطينها نعما، وكان بمصر منهم من له إمرة فيها، ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان [¬٤] لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفر هاربا من يده لعداوة كانت قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلما خلت من مجاورة