الناصر قد دخل إلى مراكش (١) فرحل إدريس عن سبتة إلى مراكش فمات في الطريق بين سبتة ومراكش (٢).
ولما مات المأمون إدريس ملك بعده ابنه عبد الواحد بن المأمون إدريس بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد غريقا في صهريج بستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وست مئة (٣)، وكان الرشيد حسن السياسة، وكان أبوه المأمون إدريس قد أبطل اسم مهديهم من الخطبة، فأعاده عبد الواحد المذكور، وقمع العرب إلا أنه تخلى للذاته لما استقل أمره، ولم يخطب للرشيد عبد الواحد بأفريقية ولا بالغرب (٢٠٤) الأوسط.
ولما مات الرشيد عبد الواحد ملك بعده أخوه علي بن إدريس وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين، وكان أسمر اللون (٤)، مدحوضا في حياة والده، وسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه [أخاه] (٥) الأصغر عبد الواحد المذكور، واستمر علي بن إدريس حتى قتل وهو محاصر قلعة بقرب تلمسان في صفر من سنة ست وأربعين وست مئة (٦).
стр. 8542
ثم ملك بعد المعتضد الأسود المذكور أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وست مئة وتلقب بالمرتضى (١).
وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وست مئة دخل الواثق أبو العلا إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى آزمّور من نواحي مراكش، فقبض عليه عامله بها وبعث إلى الواثق أعلمه، فأمره بقتله [فقتله] (٢) في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة خمس وستين وست مئة (٣) بموضع يقال [له] (٢) كتامة بعده عن مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو دبوس ثلاث سنين، وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مرين ملوك تلمسان وانقرضت دولة بني عبد المؤمن، وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في المحرّم سنة ثمان وستين وست مئة بموضع بينه وبين مراكش ثلاثة أيام في جهتها الشمالية، واستولى بنو مرين على ملكهم (٤).
وقد اختلفوا في نسب أبي دبوس، فإني (٥) وجدت في بعض الكتب المؤلفة في هذا الفن أن أبا دبّوس هو ابن إدريس المأمون، ثم وجدت (٢٠٥) نسبه في وفيات الأعيان أنه هو نفسه إدريس بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد
стр. 8543
المؤمن (١) على ما سنذكره (٢) إن شاء الله تعالى.
وفي سنة خمس وعشرين وست مئة (١٣)
أرسل الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود بن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشّوبك فلم يعطه الناصر ذلك ولا أجابه إليه، فسار الملك من مصر في رمضان هذه السنة ونزل على تل العجول بظاهر غزة، وولى على نابلس والقدس وغيرهما من بلاد الناصر داود صاحب دمشق، وكان في صحبة الملك الكامل الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة وهو موعود من الملك الكامل انتزاع بلاد أخيه المعظم من ابنه الناصر صاحب دمشق، فاستنجد الناصر بعمه الأشرف وأرسل إليه وهو ببلاده الشرقية، فقدم الملك الأشرف إلى دمشق، ودخل هو والناصر داود إلى قلعة دمشق راكبين.
قال القاضي جمال الدين بن واصل:
كنت إذ ذاك حاضرا بدمشق، ورأيت الملك الأشرف راكبا مع ابن أخيه وعلى رأس الملك الأشرف شاش علم كبير، ووسطه مشدود بمنديل، وكان وصول الأشرف إلى دمشق في العشر الأخير من رمضان هذه السنة، ووصل إلى خدمته بدمشق الملك المجاهد شير كوه، فإنه كان من المنتمين إلى الأشرف، ثم وقع الاتفاق أن يسير الناصر داود <و> شير كوه صحبة الأشرف إلى نابلس، فيقيم الناصر داود بنابلس، ويتوجه الأشرف إلى عند (٢٠٦) أخيه الكامل بغزة شافعا في ابن أخيهما الناصر داود ففعلوا ذلك.
стр. 8544
ولما وصل الأشرف إلى أخيه الكامل وقع اتفاقهما في الباطن على أخذ دمشق من ابن أخيهما الناصر، وتعويضه عنها بحران والرّها والرقّة من بلاد الملك الأشرف، وتستقر دمشق للملك الأشرف، ويكون له إلى عقبة فيق وما عدا ذلك من بلاد دمشق يكون للكامل، وأن تنتزع حماة من الناصر قليج أرسلان وتصير للملك المظفّر محمود [أخي] (١) الناصر قليج أرسلان، وأن تنتزع سلميّة من الملك المظفّر وكانت إقطاعه لما كان مقيما عند الكامل بمصر، وتعطى لشير كوه صاحب حمص.
وخرجت هذه السنة والأشرف مقيم عند أخيه الكامل بظاهر غزة، وقد اتفقا على ذلك.
وفيها، عاد التتر إلى قصد البلاد التي بيد جلال الدين بن خوارزم شاه، وجرت بينه وبينهم حروب كثيرة، وكان في أكثر الأوقات الظفر للتتر.
وفيها، قدم الإمبراطور إلى عكّا بجموعه (٢)، وكان الملك الكامل قد أرسل إليه فخر الدين بن الشيخ (٣) يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم فقدم الإمبراطور وقد مات المعظم فنشب به الكامل، ولما وصل الإمبراطور استولى على
стр. 8545
صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين وبينه، وسورها خراب، فعمره الفرنج، والإمبراطور معناه ملك الأمراء بالفرنجية، وإنما اسمه فردريك، وكان صاحب جزيرة صقلّية ومن البر الطويل جزيرة أنبولة (١) والأنبردية.
قال (٢٠٧) القاضي جمال الدين بن واصل:
ولقد رأيت تلك البلاد لما توجهت رسولا من الملك الظاهر بيبرس الصالحي إلى الإمبراطور ملك تلك البلاد، قال: وكان ملك الفرنج الإمبراطور من بين قرنائه من ملوك الفرنج محبا للحكمة والمنطق والطب، مائلا إلى المسلمين، لأن منشأه بجزيرة صقلّية وغالب أهلها مسلمون (٢).
وترددت الرسل بين الملك الكامل والإمبراطور إلى أن خرجت هذه السنة.
وفيها، بعد فراغ جلال الدين من التتر قصد بلاد خلاط، ونهب القرى وقتل وخرب البلاد، وفعل الأفعال القبيحة.
وفي سنة ست وعشرين وست مئة (١٣)
لما جرى بين السلطان الكامل والأشرف الاتفاق الذي ذكرناه بلغ الناصر داود ذلك وهو بنابلس، فلحق بدمشق وكان قد لحقه بالفور عمه الأشرف وعرفه ما أمر به الكامل، وأنه لا يمكن الخروج عن مرسومه، فلم يلتفت الناصر داود إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق والكامل [مشتغل] (٣) بمراسلة الإمبراطور، ولما طال الأمر ولم يجد الكامل بدا من المهادنة
стр. 8546
أجاب الإمبراطور إلى تسليم القدس إليه على أن تستمر أسواره خرابا ولا [يعمرها] (١) الفرنج، ولا [يتعرضوا] (٢) إلى قبة الصخرة ولا إلى الجامع الأقصى ويكون الحكم في الرساتيق إلى والي المسلمين، ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكّا إلى القدس فقط، ووقع الأمر على ذلك (٢٠٨) وتحالفا عليه، وتسلم الإمبراطور القدس في هذه السنة في ربيع الآخر على القاعدة المذكورة (٣).
وكان ذلك والملك الناصر داود [محصور] (٤) بدمشق، وعمه الأشرف يحاصره بأمر الملك الكامل، فأخذ الناصر داود في التشنيع على عمه بذلك، وكان بدمشق الشيخ شمس الدين يوسف سبط أبي الفرج بن الجوزي (٥)، وكان واعظا وله قبول عند الناس، فأمره الناصر داود بعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس، وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الفرنج، ففعل ذلك، وكان مجلسا عظيما، ومن جملة ما أنشده قصيدة تائيّة ضمّنها بيت دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، وهو (٦): <الطويل>
مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مقفر العرصات
стр. 8547
فارتفع بكاء الناس وضجيجهم (١).
ولما عقد الملك الكامل الهدنة مع الإمبراطور، وخلا شره من جهة الفرنج سار إلى دمشق ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على دمشق، ووصل إلى الملك الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب وخطب بنت الكامل فزوجه بنته فاطمة خاتون التي هي من الست السوداء أم ولده أبي بكر العادل بن الكامل (٢)، ثم استولى الملك [الكامل] (٣) على دمشق وعوض [الناصر] (٤) عنها بالكرك والبلقاء والصّلت والأغوار والشّوبك، وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية التي كانت عينت للناصر داود وهي حران والرّها، وكانت (٢٠٩) بيد الأشرف ثم نزل الناصر داود عن الشّوبك، وسأل عمه الكامل في قبولها فقبلها، وتسلم الأشرف دمشق، وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة، وفي (٥) تسليم الأشرف دمشق وتملكها يقول ابن المسجف (٦): <الطويل>
وكنا نرجى بعد عيسى محمدا … لينقذنا من فترة الظلم والبلوى
فأوقعنا في تيه موسى كما ترى … حيارى ولا منّ لديه ولا سلوى
стр. 8548
وفي هذه السنة، توفي الملك المسعود يوسف الملقب أطسز المعروف بآقسيس بن الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب (١)، وكان قد مرض باليمن فكره المقام بها وسار إلى مكة وهي له كما تقدم ذكره (٢)، فتوفي بمكة ودفن بالمعلى وعمره ست وعشرون سنة، وكان مدة ملكه لليمن أربع عشرة سنة.
وكان الملك المسعود لما سار من اليمن قد استخلف عليها علي بن رسول (٣)، وسنذكر بقية أخباره إن شاء الله تعالى، ووصل الخبر بوفاة الملك المسعود إلى أبيه الكامل وهو على حصار دمشق فجلس للعزاء، وخلّف الملك المسعود ولدا صغيرا اسمه أيضا يوسف، وبقي يوسف المذكور حتى مات في سلطنة عمه الملك الصالح أيوب (٤) صاحب مصر، وخلف يوسف ولدا صغيرا اسمه موسى ولقب الملك الأشرف، وهو الذي أقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظّم بن الصالح ابن الكامل (٥) على ما سنذكره (٦).
стр. 8549
وفي هذه السنة (٢١٠) أرسل الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك الأشرفيّ (١)، وهو أكبر أمير عنده إلى خلاط، فقبض على الحاجب حسام الدين علي الموصلي وحبسه ثم قتله (٢).
وكان حسام الدين المذكور من أهل الموصل، وخدم الملك الأشرف فجعله نائبا بخلاط فأحسن إلى الرعية، وحفظ البلد، واستولى على عدة بلاد من أذربيجان مثل نقجوان وغيرها على ما تقدم ذكره (٣)، فقبض عليه الأشرف وقتله، قيل: إنه لذنب بدا منه لم يطلع عليه الناس واطلع عليه الملك الكامل والملك الأشرف، وهذا حسام الدين الحاجب كان كثير الخير والمعروف، بنى الخان الذي بين حران ونصيبين، وبنى الخان الذي بين حمص ودمشق وهو المعروف بخان برج العطش، وهرب مملوك حسام الدين لما قتل أستاذه ولحق بجلال الدين منكبرتي فلما ملك جلال الدين خلاط كما سنذكره (٤) قبض على أيبك الأشرفي وسلمه إلى مملوك حسام الدين فقتله وأخذ بثأر أستاذه.
ولما سلّم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف سار من دمشق ونزل مجمع المروج (٥)، ثم نزل سلميّة، وأرسل عسكرا نازلوا حماة وبها صاحبها الناصر قليج أرسلان وكان فيه جبن فإنه لو عصى بحماة وطلب عنها عوضا لأجابه الملك الكامل ولكنه خاف، وكان في العسكر الذين نازلوه الملك المجاهد شير كوه
стр. 8550
صاحب حمص، فأرسل الناصر صاحب حماة يقول لشير كوه: إني أريد أخرج إليك بالليل لتحضرني عند السلطان الملك الكامل، وخرج (٢١١) الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفّر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب إلى شير كوه في العشر الأخير من رمضان هذه السنة، فأخذه شير كوه ومضى إلى الملك الكامل وهو نازل على سلميّة فحين رأى الملك الكامل قليج أرسلان المذكور شتمه وأمر باعتقاله، وأن يتقدم إلى نوابه بحماة [بتسليمها] (١) إلى الملك الكامل، فأرسل الناصر قليج أرسلان علامته إلى نوابه بحماة أن يسلموها إلى عسكر الملك الكامل فامتنع من ذلك الطواشيان بشير (٢) ومرشد (٣) المنصوريان، وكان بقلعة حماة أخ للملك الناصر يلقب الملك العزيز (٤) بن الملك المنصور صاحب حماة فملكوه حماة، وقالوا للملك الكامل:
لا نسلم حماة لغير أحد من أولاد تقي الدين، فأرسل الملك الكامل يقول للملك المظفر محمود بن المنصور صاحب حماة اتفق مع غلمان أبيك وتسلّم حماة، وكان الملك المظفر نازلا على حماة من جملة العسكر الكاملي، فراسل الملك المظفر حكام حماة فحلّفوه لهم وحلفوا له، وواعدوا الملك المظفر أن يحضر بجماعته خاصة وقت السحر إلى باب النصر ليفتحوه له، فحضر الملك المظفر سحر الليلة التي عينوها ففتحوا له باب النصر، ودخل الملك المظفر ومضى إلى دار الوزير المعروفة بدار الإكرام داخل باب المغار وهي الآن مدرسة تعرف
стр. 8551
بالخاتونية وقفتها عمتي مؤنسة خاتون (١) بنت الملك المظفر المذكور، وحضر أهل حماة وهنؤوا المظفر ملك حماة، وكان ذلك في العشر الآخر من رمضان هذه السنة، وكانت مدة ملك الناصر (٢١٢) قليج أرسلان حماة تسع سنين إلا نحو شهرين، وأقام الملك المظفّر في دار الإكرام يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة، وتسلمها، وجاء عيد الفطر من هذه السنة والملك المظفر مالك حماة وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وكان أخوه الملك الناصر قليج أرسلان أصغر منه بسنة.
ولما ملك المظفر حماة فوض أمور تدبيرها صغيرها وكبيرها إلى الأمير علي ابن أبي علي الهذباني (٢)، وكان سيف الدين علي خدم الملك المظفر بعد ابن عمه حسام الدين بن أبي علي (٣) [الذي كان نائب الملك المظفر بسلميّة لما سلمت إليه وهو بمصر عند الملك الكامل، ثم حصل بين الملك المظفر وبين حسام الدين بن أبي علي] وحشة ففارقه حسام الدين، واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وحظي عنده وصار أستاذ داره، وخدم ابن عمه سيف الدين علي المذكور الملك المظفر، وكان يقول له:
أشتهي أراك صاحب حماة وأكون بعين واحدة، فأصيبت عين سيف الدين علي على حصار حماة لما نازلها عسكر الكامل، وبقي بفرد عين فحظي عند المظفّر بذلك ولكفاءته وحسن تدبيره.
ولما استقر الملك المظفر في ملك حماة انتزع الملك الكامل سلميّة منه وسلمها إلى شير كوه صاحب حمص على ما كان وقع عليه الاتفاق قبل ذلك،
стр. 8552
ثم إن الملك الكامل رسم للملك المظفر أن يعطي أخاه الناصر قليج أرسلان بارين بكاملها فسلمها إليه، ولم يبق بيد المظفر غير حماة والمعرة، وكان بحماة تقدير أربع مئة ألف درهم للملك الناصر، وكان قد (٢١٣) رسم الملك الكامل للمظفر أن يعطي المال لأخيه الناصر فماطل المظفر في ذلك ولم يعطه شيئا.
ولما استقر المظفر بحماة مدحه الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد ابن عبد المحسن الأنصاري الدمشقي بقصيدة منها (١): <الطويل>
تناهى إليك الملك واشتدّ كاهله … وحلّ بك الراجي فحطّت رواحله
ترحّلت عن مصر فأمحل ربعها … ولما حللت الشام روّض ما حلّه
وعزّت حماة في حمى أنت غابه … بصولته يحمى كليب ووائله
وقد طالما ظلّت بتدبير أهوج … يخيّب مرجيه ويحرم سائله
فلما استقر الملك المظفر في ملك حماة، رحل الملك الكامل عن سلميّة إلى البلاد الشرقية التي أخذها من أخيه الأشرف عوضا عن دمشق، فنظر في مصالحها، ثم سافر الملك المظفر من حماة ولحق الملك الكامل وهو بالشرق، وعقد له الملك الكامل العقد هناك على ابنته غازية خاتون بنت الملك الكامل (٢)، وهي شقيقة الملك المسعود صاحب اليمن، وهي والدة الملك المنصور صاحب حماة وأخيه الملك الأفضل نور الدين علي ابني المظفر محمود، ثم عاد الملك المظفر إلى حماة وقد قضيت أمانيه بملك حماة ووصلته بخاله الملك الكامل، وكان يتمنى ذلك لما كان بالديار المصرية وكان يصحبه بمصر رجل من
стр. 8553
أهلها يقال له الزكيّ القوصي (١) فاتفق وهما بمصر [وقد] (٢) جرى ذكر الملك المظفر وزواجه من بنت خاله الملك الكامل فأنشده الزكيّ القوصي <البسيط>
(٢١٤) متى أراك كما أهوى وأنت ومن … تهوى كأنكما روحان في بدن
هناك أنشد والأقدار مصغية … هنّئت بالملك والأحباب والوطن
فقال الملك المظفر إن صار ذلك يا زكيّ أعطيتك ألف دينار مصرية، فلما ملك المظفر حماة أعطى الزكيّ ما كان وعده به.
ولما فرغ الكامل من تقرير أمر البلاد الشرقية وهي حران وما معها من البلاد [مثل رأس عين والرّها وغير ذلك] (٢) عاد إلى الديار المصرية.
وفيها، أرسل الملك الأشرف أخاه صاحب بصرى الصالح إسماعيل بن الملك العادل (٣) بعسكر فنازل بعلبك وبها صاحبها الملك الأمجد بهرام شاه بن فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب واستمرّ الحصار عليه.
وفيها، سار جلال الدين ملك الخوارزمية وحاصر خلاط وبها أيبك نائب الأشرف إلى أن خرجت السنة.
وفي سنة سبع وعشرين وست مئة (١٣)
شرع شير كوه صاحب حمص في عمارة قلعة سميمس (٤)، وكان لما سلم
стр. 8554
إليه الكامل سلميّة قد استأذنه في عمل تل سميمس قلعة فأذن له، ولما أراد شير كوه عمارته أراد المظفر صاحب حماة منعه من ذلك ثم لم يمكنه منعه لكونه بأمر الملك الكامل.
وفي هذه السنة سلّم الملك الأمجد بهرام شاه بن فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بعلبك إلى الأشرف لطول الحصار، وعوضه الأشرف عنها الزّبداني وقصير دمشق الذي هو بشمالها ومواضع أخر <ى> وتوجه الأمجد وأقام بداره التي هي (٢١٥) داخل باب النصر (١) المسماة دار السعادة (٢)، وهي التي ينزل فيها النواب.
ولما أخذت منه بعلبك ونزل في داره المذكورة كان قد حبس بعض مماليكه في مرقد عنده في الدار، وجلس الأمجد قبالة باب المرقد يلعب بالنرد، ففتح المملوك الباب ومعه سيف وضرب به أستاذه الأمجد وقتله، ثم طلع المملوك إلى سطح الدار، وألقى نفسه إلى وسطها فمات، ودفن الملك الأمجد بمدرسة والده (٣) التي هي على الشّرف وكانت مدة ملكه بعلبك تسعا وأربعين سنة لأن عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين ملّكه بعلبك سنة ثمان وسبعين
стр. 8555
وخمس مئة لما مات أبوه فرّخشاه (١) وانتزعت منه هذه السنة فذلك خمسون إلاّ سنة، وكان الأمجد أشعر بني أيوب، وشعره مشهور.
وفي هذه السنة، اشتد حصار جلال الدين على خلاط ومضايقته لها ففتحها بالسيف، وفعل في أهلها كما كان يفعله التتر من القتل والاسترقاق والنهب، ثم قبض على نائب الأشرف بها وهو مملوكه أيبك الأشرفي وسلمه إلى مملوك حسام الدين الحاجب علي الموصلي فقتله وأخذ بثأر أستاذه (٢).
ولما جرى من جلال الدين ما جرى من أخذ خلاط [اتفق] (٣) صاحب الروم كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان والملك الأشرف بن العادل، فجمع الأشرف عساكر الشام وسار إلى سيواس واجتمع فيها بملك الروم علاء الدين (٢١٦) كيقباذ المذكور وساروا إلى جهة خلاط، والتقى الفريقان في التاسع والعشرين من رمضان هذه السنة فولى جلال الدين والخوارزمية منهزمين وهلك غالب عسكره قتلا وترديا من رؤوس جبال كانت في طريقهم، وضعف جلال الدين بعدها وقويت عليه التتر، وارتجع الملك الأشرف خلاط وهي خراب يباب ثم وقعت المراسلة بين الملك الأشرف وبين كيقباذ وجلال الدين وتصالحوا وتحالفوا على ما بأيديهم وأن لا يتعرض أحد منهم إلى ما بيد الآخر.
وفيها، استولى الملك المظفر غازي بن الملك العادل على أرزن (٤) من ديار بكر، وهي غير أرزن الروم، وكان صاحب أرزن ديار بكر يقال له حسام
стр. 8556
الدين (١) من بيت كبير يقال لهم بيت الأحدب [فأخذها منه الملك المظفر غازي المذكور، وعوضه عن أرزن بمدينة حاني] (٢)، وأرزن لم تزل بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه السلجوقي وإلى الآن، فسبحان من لا يزول ملكه.
وفيها، جمعت الفرنج من حصن الأكراد، وقصدوا حماة، فخرج إليهم الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة، والتقاهم عند قرية بين حماة وبارين يقال لها أفيون (٣) وكسرهم كسرة عظيمة، ودخل الملك المظفر حماة مظفرا مؤيدا.
وفيها، ولد الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب (٤).
[ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وست مئة (١٣)] (٥)
واستقر السلطان الملك الكامل بديار مصر، وأخوه الأشرف بدمشق في ملاذه وقد تخلى عن البلاد الشرقية، فإن حران (٢١٧) وما معها صارت لأخيه الملك الكامل، وخلاط قد خربت، ولم يكن للأشرف ولد ذكر فاقتنع بدمشق واشتغل باللهو والملاذ والأوقات الطيبة.
وفي هذه السنة، عاودت التتر قصد بلاد الإسلام وسفكوا وخربوا، وكان قد ضعف جلال الدين لقبح سيرته وسوء تدبيره، ولم يترك له صديقا من ملوك
стр. 8557
الأطراف، وعادى الجميع، وانضاف إلى ذلك اختلاف عسكره عليه لما حصل له من فساد عقله، وسببه أنه كان له مملوك يحبه محبة شديدة، واتفق موت ذلك المملوك فحزن عليه حزنا شديدا، وأمر أهل توريز بالخروج والنواح عليه، ثم إنه لم يدفنه وبقي يستصحبه معه حيث سار وهو يلطم عليه، وكان إذا قدم إليه الطعام يرسل منه إلى المملوك الميت، ولا يتجاسر أحد أن يتفوه بأنه ميت، وكانوا يحملون إليه الطعام، ويقولون إنه يقبل الأرض ويقول إنه الآن أصلح مما كان، فأنف أمراؤه من ذلك، وخرج بعضهم عن طاعته، فضعف أمر جلال الدين لذلك، ولكسرته من الأشرف، وتمكنت التتر من البلاد، واستولوا على مراغة، وهو استيلاؤهم الثاني (١)، ولما تمكن التتر من البلاد سار جلال الدين يريد ديار بكر ليسير إلى الخليفة ويعتضد به وبملوك الأطراف على التتر ويخوفوهم عاقبة أمرهم فنزل بالقرب من آمد، فلم يشعر إلا والتتر قد كبسوه ليلا وخالطوا (٢١٨) مخيمه، فهرب جلال الدين وقتل على ما سنشرحه (٢).
ولما قتل تمكنت التتر من البلاد، وساقوا إلى الفرات فاضطرب الشام بسبب وصولهم إلى الفرات، ثم شنوا الغارات في ديار بكر والجزيرة وفعلوا من القتل والتخريب كما تقدم، قال النسوي كاتب إنشاء جلال الدين:
إن خوارزم شاه محمد بن تكش كان قد عظم شأنه واتسع ملكه، وكان له أربعة أولاد قسم البلاد بينهم أكبرهم جلال الدين منكبرتي، وفوض إليه أمر غزنة، وباميان والغوروبست و [بكراباذ] (٣) و [زمنداور] (٤) وما يليها من
стр. 8558
الهند، وفوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولده قطب الدين أزلاغ شاه وجعله ولي عهده، ثم في آخر وقت عزله عن ولاية العهد وفوضها إلى جلال الدين، وفوض كرمان وكيش ومكران إلى ولده غياث الدين تيزشاه وقد تقدمت أخباره (١) وفوض العراق إلى ولده [ركن الدين] (٢) غور شاه يحيى وكان أحسن أولاده خلقا وخلقا، وقتل المذكور التتر بعد موت أبيه، وضرب لكل واحد منهم النوب الخمس في أوقات الصلوات على عادة الملوك السلجوقية وانفرد أبوهم خوارزم شاه بنوبة ذي القرنين فإنها تضرب وقت طلوع الشمس وغروبها، وكانت دبادبه (٣) سبعا وعشرين دبدبة من الذهب مرصعة بالجواهر وكذا باقي آلات النّوبتية وجعل سبعة وعشرين ملكا يضربونها في أول يوم قرعت (٢١٩) وكانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم [طغريل] (٤) أرسلان السلجوقي و [أولاد] (٥) غياث الدين صاحب الغور، والملك علاء الدين صاحب باميان، والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخارى وأشباههم، وكانت أم خوارزم شاه محمد تركان خاتون من قبائل [بباووت] (٦) وهي فرع من فروع يمسك وكانت بنت ملك من ملوكهم، تزوج بها تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين غرشه، فلما صار الملك إلى ولده محمد بن تكش قدم إلى والدته تركان
стр. 8559
خاتون قبائل يمسك من الترك فعظم شأن ابنها محمد بهم، وتحكمت أيضا بسببهم تركان خاتون في الملك، فلم يملك ابنها إقليما إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة، وكانت ذات مهابة ورأي، وكانت تنصف المظلوم من الظالم، وكانت جسورة على القتل فعظم شأنها بحيث إذا ورد توقيعات عنها وعن ابنها السلطان ينظر في تاريخهما فيعمل بالأخير منهما، وكانت طرر تواقيعها:
عصمة الدنيا والدين الغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين، وعلامتها: اعتصمت بالله وحده، وكانت كتبها بقلم غليظ، وتحرر الكتابة.
قال المؤلف المذكور:
ثم إن خوارزم شاه لما هرب من التتر بما وراء [النهر وعبر] (١) نهر جيحون ثم سار إلى خراسان والتتر تتبعه، ثم هرب من خراسان إلى (٢٢٠) عراق العجم، ونزل عند بسطام، وأحضر عشرة صناديق ثم قال إنها كلها جواهر لا يعلم قيمتها إلا الله، ثم أشار إلى صندوقين منها، وقال: إن فيها من الجواهر ما يساوي خراج الأرض، ثم حملها إلى قلعة أزدهن وهي [من] (١) أحصن قلاع الأرض، وأخذ خط النائب بها بوصول الصناديق المذكورة مختومة، فلما استولى جنكزخان على تلك البلاد حملت إليه الصناديق المذكورة بختومها، ثم إن التتر أدركوا السلطان محمد المذكور، فركب في مركب وهرب ولحقه التتر ورموه بالنشاب فنجا منهم، وقد حصل له مرض ذات الجنب، قال:
ووصل إلى جزيرة في البحر (٢) وأقام بها فريدا طريدا لا يملك طارفا ولا تليدا، والمرض به يزداد، وكان في أهل مازندران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما
стр. 8560
يشتهيه، فقال في بعض الأيام: أشتهي أن يكون حول خيمتي فرس يرعى وقد ضربت له خيمة صغيرة، فأهدي إليه فرس أصفر، وكان للسلطان محمد المذكور ثلاثون ألف جشار من الخيل، وكان إذا أهدي إليه شيء وهو على تلك الحالة من مأكول أو غيره يطلق لذلك الشخص شيئا، ولم يكن عنده من كتب التواقيع فيتولى ذلك الرجل كتابة توقيعه بنفسه، وكان يعطى مثل السكين والمنديل علامة بإطلاق البلاد والأموال، فلما تولى جلال الدين أمضى جميع ما أطلقه والده بالتواقيع والعلائم، ثم أدركت السلطان محمد المنية وهو بالجزيرة (٢٢١) على تلك الحالة فغسله شمس بن محمد بلاغ (١) الجاويش ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن فيه فكفن في قميصه ودفن بالجزيرة في سنة سبع عشرة وست مئة بعد أن كان بابه يزدحم بملوك الأرض وعظمائها يستندون بجنابه ويتفاخرون بلثم ترابه، ورقي إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه وحاشيته فصار طشتداره وركبداره وسلحداره وجمداره وغيرهم من أرباب الوظائف كلهم ملوكا، وكان في أعلامهم علامات سود يعرفون بها. فعلامة الدّوادار: الدواة، والسّلحدار: القوس، والطّشتدار المسينة والجمدار: البقجة (٢) وأمير آخور (٣) البغل (٤)، والجاويشية: قبة ذهب، وكان يمد السماط بين يديه ويأكل الناس، ويرفع من الطعام الذي في صدر المجلس إلى يد الأكابر إذا قعدوا على السماط للأكل، وكانت الزبادي كلها ذهب وفضة، وكان السلطان محمد يختص بأمور لا يشاركه فيها أحد منها: الجتر منشورا على رأسه إذا ركب،
стр. 8561
ومنها: الكح كح (١) وهي أنبوبة من الذهب الأحمر بين أذني مركوب السلطان تخرج منها المغرفة وتشد إلى أطراف اللجام، ومنها: الأعلام السذج السود [والسروج السود] (٢) والبقج السود محمولة على أكتاف الجمدارية ولا تحمل لغيره على الكتف ومنها: أن جنائبه تجر قدامه وجنائب غيره من الملوك تجر خلفه، (٢٢٢) ومنها: أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين، ومنها:
الجلوس على الركبتين بين يديه لمن يريد مخاطبته.
قال المؤلف المذكور:
ثم سار جلال الدين بعد موت أبيه السلطان محمد من الجزيرة إلى خوارزم، ثم هرب من التتر ولحق بغزنة وجرى بينه وبينهم من القتال ما تقدم ذكره (٣)، وسار إليه جنكز خان فهرب جلال الدين إلى الهند فلحقه جنكز خان على ماء السند، وتصاففا صبيحة يوم الأربعاء لثمان خلون من شوال سنة ثماني عشرة وست مئة، وكانت الكرة أولا على جنكز خان ثم صارت على جلال الدين وحال بينهما الليل وهرب جلال الدين وأسر ابنه وهو ابن سبع سنين فقتله جنكز خان بين يديه صبرا، ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كسيرا رأى والدته وأم ولده وجماعة من حرمه فقالوا له بالله [عليك] (٤) اقتلنا وخلّصنا (٥) من الأسر فأمر بهن فغرقن وهذه من عجائب البلايا ونوادر المصائب والرزايا، ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير
стр. 8562
أربعة آلاف حفاة عراة، وأرمى الموج جلال الدين مع ثلاثة من خواصه إلى موضع بعيد وفقده أصحابه ثلاثة أيام وبقي أصحابه لفقده حائرين، وفي تيه الفكر سائرين إلى أن قدم عليهم جلال الدين فاعتدوا بمقدمه عيدا، وظنوا أنهم أنشئوا خلقا جديدا، ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد (٢٢٣) وقائع انتصر فيها جلال الدين، ووصل إلى لهاوور من الهند، ولما عزم جلال الدين على العود إلى جهة العراق استناب بهلوان أزبك على ما كان يملكه من الهند، واستناب معه حسن قراق ولقبه وفا ملك، وفي سنة سبع وعشرين وست مئة طرد وفا ملك بهلوان أزبك، واستولى وفا ملك على ما كان يليه البهلوان من بلاد الهند.
ثم إن جلال الدين عاد من الهند ووصل إلى كرمان في سنة إحدى وعشرين وست مئة وقاسى هو وعسكره في البراري القاطعة بين كرمان والهند شدائد، ووصل معه أربعة آلاف رجل بعضهم ركاب بقر وبعضهم ركاب حمير، ثم سار جلال الدين إلى خوزستان واستولى عليها، ثم استولى على أذربيجان ثم على كنجة وسائر بلاد أرّان، ثم إن جلال الدين نقل أباه من الجزيرة إلى قلعة أزدهن ودفنه بها، ولما استولى التتر على القلعة نبشوه وأحرقوه، وكان هذا فعلهم في كل ملك عرفوا قبره فإنهم نبشوا محمد بن سبكتكين من غزنة وحرقوا عظامه.
ثم ذكر نزوله على جسر قريب آمد وإرساله يستنجد الملك الأشرف بن العادل فلم ينجده، وعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان، ثم انثنى عزمه وبات بمنزله وشرب تلك الليلة وسكر سكرا خماره دوار الرأس، وتقطّع الأنفاس، وأحاط التتر بعسكره مصبحين (١): <الوافر>
стр. 8563
(٢٢٤) فمسّاهم وبسطهم حرير … وصبّحهم وبسطهم تراب
ومن في كفّه منهم قناة … كمن في كفّه منهم خضاب
وأحاطت أطلاب التتر بخركاه جلال الدين وهو نائم سكران، فحمله بعض أمراء عسكره وكان اسمه أرخان، وكشف التتر عن الخركاه ودخل بعض الخواص وأخذ بيد جلال الدين وأخرجه وعليه طاقية بيضاء فأركبه الفرس وساق أرخان مع جلال الدين وتبعه التتر فقال جلال الدين لأرخان: انفرد عني بحيث تشتغل التتر بتتبع سوادك، وكان ذلك خطأ منه، فإن أرخان تبعه قريب أربعة آلاف فارس من العسكر الجلالي وقصد أصفهان واستولى عليها مدة، ولما انفرد جلال الدين عن أرخان وساق إلى باسورة آمد فلم يمكن من الدخول إلى آمد، فسار إلى قرية من قرى ميّافارقين طالبا شهاب الدين غازي بن الملك العادل صاحب ميّافارقين، ثم لحقه التتر في تلك القرية فهرب جلال الدين إلى جبل هناك وفيه أكراد يتخطفون الناس فأخذوه وشلحوه وأرادوا قتله، فقال جلال الدين لأحدهم: أنا السلطان استبقني أجعلك ملكا، فأخذ الكردي وأتى به إلى امرأته وجعله عندها، ومضى الكردي إلى الجبل لإحضار ما له هناك فحضر شخص كردي وبيده حربة، قال للمرأة: لم لا تقتلون هذا الخوارزمي؟ (٢٢٥) فقالت المرأة: لا سبيل إلى ذلك وقد أمنه زوجي: فقال الكردي إنه السلطان، وقد قتل أخا لي بخلاط خيرا منه وضربه بحربته فقتله (١).
وكان جلال الدين أسمر قصيرا، تركي الشارة والعبارة، وكان يتكلم بالفارسية [أيضا] (٢)، وكان يكاتب الخليفة على مبدأ الأمر على ما يكاتب به
стр. 8564
أبوه خوارزم شاه محمد بن تكش وكان يكتب خادمه المطواع منكبرتي ثم بعد أخذ أخلاط خاطبه بعبده، وكان يكتب إلى ملك الروم وملوك مصر والشام اسمه واسم أبيه، ولم يرض أن يكتب لأحد منهم خادمه أو [أخاه] (١) أو غير ذلك، وكان علامته على تواقيعه: النصر لله وحده، وكان إذا كاتب صاحب الموصل أو أشباهه يكتب [له] (٢) هذه العلامة تعظيما عن ذكر اسمه وكان يكتب العلامة بقلم غليظ، وكان جلال الدين يخاطب بخداوند عالم أي صاحب العالم، وكان مقتله في منتصف شوال هذه السنة، أعني سنة ثمان وعشرين وست مئة، آخر كلام المنشئ.
وفي سنة تسع وعشرين وست مئة (١٣)
استولى التتر على بلاد العجم كلها والخليفة المستنصر بالعراق.
ثم ارتحل في هذه السنة الملك الأشرف وأخوه الكامل من ديار مصر، فسار الأشرف إلى البلاد الشرقية، وسار الكامل إلى الشّوبك، واحتفل له الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى بن العادل (٢٢٦) أبي بكر بن أيوب احتفالا عظيما بالضيافات والإقامات والتقادم وحصل بينهما الاتحاد التام، وكان نزول الملك الكامل باللّجّون قرب الكرك من العشر الأخير من شعبان هذه السنة، ووصل إليه باللّجّون الملك المظفر محمود صاحب حماة ملتقيا، وسافر الناصر داود مع الكامل إلى دمشق، واستصحب الملك الكامل معه ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعل نائبه بمصر ولده وولي عهده الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن الكامل بن العادل بن أيوب، ثم سار الملك الكامل ونزل سلميّة
стр. 8565
واجتمع معه ملوك أهل بيته في جمع عظيم فسار بهم إلى آمد وحصرها وتسلمها من صاحبها الملك المسعود بن الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق بن أكسل، [ومحمد بن قرا أرسلان] (١) المذكور هو الذي ملكه السلطان صلاح الدين آمد بعد انتزاعها من ابن نيسان (٢).
وكان سبب انتزاع آمد من الملك المسعود لسوء سيرته وتعرضه إلى حريم الناس، وكانت له عجوز قوادة يقال لها الازاء كانت تؤلف بينه وبين نساء الأكابر ونساء الملوك.
ولما نزل الملك المسعود إلى خدمة الملك الكامل وسلم آمد وبلادها إليه - ومن جملة معاملتها حصن كيفا، وهي في غاية الحصانة - أحسن الكامل إلى المسعود وأعطاه إقطاعا جليلا بديار مصر، ثم بدت منه [أمور] (٣) اعتقله (٢٢٧) الملك الكامل بها، ولم يزل الملك المسعود [معتقلا] (٤) إلى أن مات الملك الكامل (٥) فخرج من الاعتقال واتصل بحماة فأحسن إليه الملك المظفر صاحب حماة، ثم سافر الملك المسعود [إلى] (٤) الشرق، واتصل بالتتر فقتلوه (٦).
ولما تسلم الكامل آمد وبلادها رتب فيها النواب من جهته، فجعل فيها ولده
стр. 8566
الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعل معه شمس الدين صواب العادلي (١)، وخرجت هذه السنة والملك الكامل بالشرق.
ولما خرج الملك الكامل من مصر هذه السنة، خرج صحبته بنتاه فاطمة خاتون زوجة الملك العزيز صاحب حلب (٢) وغازية خاتون (٣) زوجة الملك المظفر صاحب حماة وحملتا إلى بعليهما واحتفل لدخولهما بحماة وحلب.
وفيها، توفي علي بن رسول النائب على اليمن، واستقر مكانه ولده عمر (٤).
وفي سنة ثلاثين وست مئة (١٣)
رجع الملك الكامل من البلاد الشرقية بعد ترتيب أمورها، ورجع إلى ديار مصر، ورجع كل ملك إلى بلده.
وفيها استولى الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب على شيزر
стр. 8567
وكانت بيد شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين عثمان بن الداية (١)، وكان سابق الدين وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي، ثم اعتقل الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد لسابق الدين عثمان بن الداية وشمس الدين وأخيه فأنكر السلطان صلاح الدين عليه ذلك، وجعله (٢٢٨) حجة لقصد الشام وانتزاعه من الملك الصالح، فاتصل أولاد الداية بخدمة صلاح الدين وصاروا من أكابر أمرائه، وكانت شيزر إقطاعا لسابق الدين المذكور فأقره صلاح الدين عليها وزاده أبا قبيس لما قتل صاحبها خماردكين (٢)، ثم ملك شيزر بعده ولده مسعود بن عثمان، حتى مات، وصارت لولده شهاب الدين يوسف المذكور إلى هذه السنة، فسار الملك العزيز صاحب حلب بأمر الملك الكامل وحاصر شيزر، وقدم عليه وهو على شيزر الملك المظفر صاحب حماة مساعدا، فسلم شهاب الدين يوسف شيزر إلى الملك العزيز ونزل إلى خدمته فتسلمها في هذه السنة، وهنأ يحيى بن خالد القيسراني (٣) الملك العزيز بقوله (٤): <البسيط>
يا مالكا عمّ أهل الأرض نائله … وخصّ إحسانه الداني مع القاصي
لما رأت شيزر آيات نصرك في … أرجائها ألقت العاصي إلى العاصي
ثم ولى الملك العزيز على شيزر، وأحسن إلى الملك المظفر صاحب حماة، ورحل كل منهما إلى بلده.
стр. 8568
وفيها استأذن الملك المظفر صاحب حماة الملك الكامل في انتزاع بارين من أخيه الناصر قليج أرسلان لأنه خشي أن يسلمها إلى الفرنج لضعف قليج أرسلان عن مقاومتهم، فأذن له الكامل في ذلك، فسار الملك المظفر من حماة وحاصر بارين وانتزعها من أخيه قليج أرسلان بن المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ولما نزل قليج أرسلان (٢٢٩) إلى أخيه الملك المظفر أحسن إليه وسأله في الإقامة عنده بحماه، فامتنع وسار إلى مصر فبذل له الكامل إقطاعا جليلا، وأطلق له أملاك جده بدمشق، ثم بدا منه ما لا يليق من الكلام، فاعتقله الملك الكامل إلى أن مات قليج أرسلان في الحبس سنة خمس وثلاثين وست مئة (١) قبل موت الكامل بأيام.
وفيها توفي مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين بن علي بن كوجك (٢) وقد تقدم ذكر ملكه إربل بعد موت أخيه زين الدين في سنة ست وثمانين وخمس مئة (٣) لما كان في خدمة السلطان صلاح الدين في الجهاد بالساحل فبقي مالكا لها من تلك السنة إلى هذه السنة، ولما مات مظفر الدين المذكور لم يكن له ولد فأوصى بإربل وبلادها للخليفة المستنصر، فتسلمها الخليفة بعد موت مظفر الدين.
وكان مظفر الدين شجاعا عسوفا في استخراج أموال الرعية، وكان يحتفل بمولد النبي ﷺ وينفق فيه الأموال الجليلة.
وفي هذه السنة وقع من كيقباذ بن كيخسرو ملك الروم التعرض إلى بلاد أخلاط فرحل الملك الكامل بعساكره من مصر، واجتمعت عليه الملوك من أهل
стр. 8569
بيته، ونزل شمالي سلميّة في شهر رمضان هذه السنة، ثم سار بجموعه ونزل على النهر الأزرق (١) في حدود بلد الروم وقد ضرب في عسكره ستة عشر دهليزا لستة عشر ملكا في خدمته منهم إخوته الملك الأشرف موسى صاحب دمشق، والمظفر غازي صاحب (٢٣٠) ميّافارقين، والحافظ أرسلان شاه صاحب قلعة جعبر، والصالح إسماعيل أولاد الملك العادل، والملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين (٢)، كان قد أرسله ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب مقدما على عسكر حلب إلى خدمة السلطان الملك الكامل، والملك الزاهر داود ابن السلطان صلاح الدين (٣) صاحب البيرة، وأخوه الملك [المفضل] (٤) موسى صاحب سميصات، وكان قد ملك سميصات بعد أخيه الملك الأفضل علي، والملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة، والملك الصالح أحمد بن الظاهر صاحب عين تاب، والملك الناصر داود صاحب الكرك بن الملك المعظم عيسى بن العادل، والملك المجاهد شير كوه صاحب حمص ابن محمد بن شير كوه وكان قد حفظ كيقباذ ملك الروم الدربندات وشحنها بالمقاتلة فلم يتمكن السلطان من دخول بلاد الروم من جهة النهر الأزرق، وأرسل بعض العسكر إلى حصن منصور، وهو من بلاد كيقباذ فهدموه، ورحل السلطان وقطع الفرات إلى السويداء وقدم جاليشه تقدير ألفي وخمس مئة فارس مع الملك المظفر صاحب
стр. 8570
حماة، فسار المظفر بهم إلى خرتبرت (١)، وسار كيقباذ إليهم واقتتلوا فانهزم العسكر الكاملي وانحصر المظفر في خرتبرت مع جملة من العسكر، وجدّ كيقباذ في حصارهم والملك الكامل في السويداء وقد أحسّ من الملوك الذين في خدمته بالمخامرة (٢٣١) والتقاعد، فإن شيركوه صاحب حمص سعى إليهم، وقال: إن السلطان ذكر أنه متى ملك البلاد الرومية فرقها على ملوك أهل بيته عوضا عما بأيديهم من الشام، ويأخذ الشام جميعه وينفرد بملكه وملك مصر، فتقاعدوا عن القتال، وفسدت نياتهم وعلم الملك الكامل بذلك فما أمكنه التحرك إلى قتال كيقباذ، فنزل إليه الملك المظفر فأكرمه كيقباذ وخلع عليه وتسلم كيقباذ خرت برت من صاحبها وكان من الأرتقية قرايب أصحاب ماردين، وكان قد دخل في طاعة الملك الكامل، وصارت خرت برت من بلاد كيقباذ، وكان نزول المظفر صاحب حماة من خرت برت يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة (٢) من هذه السنة، ووصل بمن معه إلى الملك الكامل وهو بالسويداء من بلاد آمد، ففرح به وقوّى نفرة الملك الكامل يومئذ من الناصر داود صاحب الكرك فألزمه بطلاق بنته (٣)، فطلقها الناصر داود، وأثبت الملك الكامل طلاقها منه.
سنة إحدى وثلاثين وست مئة إلى سنة أربعين وست مئة
في سنة إحدى وثلاثين وست مئة (١٣)
استتمّ بناء قلعة المعرة، وكان قد أشار سيف الدين علي بن أبي علي
стр. 8571
الهذباني على المظفّر صاحب حماة ببنائها فبناها وتمت (٢٣٢) الآن، فشحنها بالرجال والسلاح ولم يكن ذلك من مصلحة، فإن الحلبيين حاصروها فيما بعد وأخذوها، وخربت المعرة بسببها.
[ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وست مئة (١٣)] (١)
وكان الملك الكامل بالبلاد الشرقية، و [قد انثنى عزمه] (٢) عن قصد بلاد الروم للتخاذل الذي حصل في عسكره، ثم رحل إلى مصر، وعاد كل واحد من الملوك إلى بلده.
وفيها، توفي الملك الزاهر داود بن السلطان صلاح الدين (٣) صاحب البيرة، وكان قد مرض في العسكر الكاملي فحمل إلى البيرة مريضا فتوفي بها، وملك البيرة بعده ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب، وكان الزاهر شقيق الظاهر صاحب حلب.
ولما سارت الملوك إلى بلادهم من خدمة الملك الكامل وصل المظفّر صاحب حماة إلى حماة ودخلها لخمس بقين من ربيع الأول هذه السنة، واتفق مولد ولده الملك المنصور محمد (٤) بعد مقدمه بيومين في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من ربيع الأول هذه السنة، فتضاعف السرور بقدوم الوالد
стр. 8572
والولد، وقال الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد قصيدة طويلة، فمنها:
<الطويل>
غدا الملك محروس الذّرا والقواعد … بأشرف مولود لأشرف والد
حيينا به يوم الخميس كأنّه … خميس بدا للناس في شخص واحد
وسميته باسم النبيّ محمد … وجدّيه فاستوفى جميع المحامد
أي وباسم جدّيه الملك الكامل والد والدته والملك المنصور صاحب حماة (٢٣٣) والد والده، ومنها:
كأني به في سدّة الملك جالسا … وقد ساد في أوصافه كلّ سائد
ووافاك من أبنائه وبنيهم … بأنجم سعد نورها غير خامد
ألا أيها الملك المظفّر دعوتي … ستوري بها زندي ويشتدّ ساعدي
هنيئا لك الملك الذي بقدومه … ترحّل عنا كلّ همّ [معاود] (١)
وفيها، قصد كيقباذ ملك الروم حران والرّها وحاصرهما واستولى عليهما، وكانا للسلطان الملك الكامل.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وست مئة (١٣)
سار الناصر داود من الكرك إلى بغداد ملتجئا إلى الخليفة المستنصر لما حصل عنده من الخوف من عمه الكامل، وقدّم إلى الخليفة تحفا عظيمة وجواهر نفيسة، فأكرمه الخليفة المستنصر وخلع عليه وعلى أصحابه، وكان الناصر داود ينتظر أن الخليفة يستحضره في ملأ من الناس كما استحضر مظفر الدين صاحب إربل فلم يحصل له ذلك، وألح في طلب ذلك من الخليفة فلم يجبه، فعمل الناصر
стр. 8573
المذكور قصيدة يمدح المستنصر بالله فيها، ويعرّض بصاحب إربل واستحضاره، ويطلب الأسوة به، وهي طويلة فمنها (١): <الطويل>
فأنت الإمام العدل والمعرق (٢) الذي … به شرفت أنسابه ومناصبه
جمعت شتيت المجد بعد افتراقه … وفرّقت جمع المال فانهال كائبه (٣)(٢٣٤) ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت … على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه
أيحسن في شرع المعالي ودينها … وأنت الذي تعزى إليك مذاهبه
بأني أخوض الدوّ (٤) والدوّ مقفر … سآريبه مغبرة وسباسبه (٥)
وقد رصد الأعداء لي كلّ مرصد … فكلّهم نحوي تدبّ عقاربه
وتسمح لي بالمال والجاه بغيتي … وما المال (٦) إلا بعض ما أنت واهبه
ويأتيك غيري من بلاد قريبة … له الأمن فيها صاحب لا يجانبه
فيلقى دنوا منك لم ألق مثله … ويحظى وما أحظى بما أنا طالبه
وينظر من لألاء قدسك نظرة … فيرجع والنور الإماميّ صاحبه
ولو كان يعلوني بنفس ورتبة … وصدق ولاء لست فيه أصاقبه
لكنت أسلّي النفس عما أرومه … وكنت أذود العين عمّا تراقبه
ولكنّه مثلي ولو قلت إنني … أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه
وما أنا ممّن يملأ المال عينه … ولا بسوى التقريب تقضى مآربه
стр. 8574
وكان الخليفة متوقفا في استحضار الناصر داود رعاية لخاطر الملك الكامل فجمع بين المصلحتين، واستحضره ليلا وعاد الناصر إلى الكرك.
وفيها، سار الملك الكامل من مصر إلى البلاد الشرقية واسترجع حران والرّها من يد كيقباذ ملك الروم، وأمسك أجناد كيقباذ ونوابه الذين كانوا [بهما] (١) [فقيدهم] (٢) وأرسلهم إلى مصر فلم يستحسن ذلك منه، ثم عاد إلى أخيه الأشرف (٢٣٥) بدمشق فأقام عنده حتى خرجت السنة، وعاد الملك الكامل إلى الديار المصرية في أوائل سنة أربع <وثلاثين وست مئة>.
وفي سنة أربع وثلاثين وست مئة (١٣)
خرج [الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر] (٣) بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الصيد ورمي البندق، واغتسل بالماء البارد فحمّ ودخل إلى حلب وقد قويت به الحمّى واشتد مرضه، وتوفي في ربيع الأول هذه السنة، و [كان] (٤)، عمره ثلاثا وعشرين سنة وشهورا (٥)، وكان حسن السيرة في رعيته، ولما توفي تقرر في الملك بعده ولده الملك الناصر يوسف بن العزيز محمد وعمره سبع سنين، وقام بتدبير الدولة شمس الدين لؤلؤ الأرمني (٦) وعز الدين
стр. 8575
عمر بن مجلّي، وجمال الدين إقبال الخاتوني (١) والمرجع في الأمور إلى والدة الملك العزيز ضيفة خاتون بنت الملك العادل.
وفيها، توفي علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو صاحب الروم (٢)، وملك بعده ابنه غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن يبغو بن سلجوق (٣).
وفيها، قويت الوحشة بين الملك الكامل وبين أخيه الملك الأشرف، وكان ابتداؤها ما فعله شير كوه صاحب حمص لما قصد الملك الكامل بلاد الروم (٤) فاتفق الملك الأشرف مع أخته ضيفة خاتون صاحبة حلب ومع باقي الملوك على خلاف الكامل خلا المظفّر صاحب حماة، فلما امتنع تهدده الملك الأشرف بقصد بلاده وانتزاعها منه، فقدم خوفا من ذلك إلى دمشق، وحلف (٢٣٦) للملك الأشرف ووافقه على قتال أخيه الكامل، فكاتب الأشرف كيخسرو صاحب بلاد الروم واتفق معه على قتال أخيه الكامل إن خرج من مصر، وأرسل الملك الأشرف يقول للناصر داود صاحب الكرك: إنك إن وافقتني جعلتك ولي عهدي وزوجتك بابنتي، فلم يوافقه الناصر على ذلك لسوء حظه، ورحل إلى الديار المصرية إلى خدمة الكامل وصار معه على ملوك الشام، فسرّ به الملك الكامل وجدد عقده على ابنته عاشوراء التي طلقها منه (٤)، وأركب الملك الناصر داود بسناجق السلطنة، ووعده أن ينتزع دمشق من أخيه الأشرف ويعطيه
стр. 8576
إياها، وأمر الملك الكامل ولده الملك العادل وأمراء مصر بحمل الغاشية بين يدي الناصر داود وبالغ في إكرامه.
وفيها، توجه عسكر حلب مع الملك المعظم توران شاه عم الملك العزيز فحاصروا بغراس (١) وكان قد عمرها الداوية بعد ما فتحها صلاح الدين وخربها العزيز، وأشرف عسكر حلب على أخذها، ثم رحلوا عنها بسبب الهدنة مع صاحب أنطاكية (٢)، ثم إن الفرنج أغاروا على ربض دربساك (٣) وهي حينئذ لصاحب حلب، فوقع بهم عسكر حلب مع المعظم توران شاه، فولى الفرنج منهزمين وكثر فيهم القتل والأسر وعاد عسكر حلب بالأسرى ورؤوس الفرنج، وكانت هذه الوقعة من أجلّ الوقائع.
وفيها استخدم الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل (٢٣٧) وهو بالبلاد الشرقية وهي آمد وحصن كيفا وحران وغيرها نائبا عن أبيه الخوارزمية عسكر جلال الدين منكبرتي، فإنه بعد قتل جلال الدين ساروا إلى كيقباذ ملك الروم وخدموا عنده مدة مقدّمين مثل بركة خان (٤) وكشلو خان (٥) وصاروخان
стр. 8577
وفرخان وبردي خان، فلما مات كيقباذ وتولى ابنه كيخسرو قبض على بركة خان وهو أكبر مقدميهم، ففارقت الخوارزمية حينئذ خدمته وساروا عن الروم ونهبوا ما كان في طريقهم، واستمالهم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل واستأذن أباه في استخدامهم فأذن له واستخدمهم.
وفي سنة خمس وثلاثين وست مئة (١٣)
استحكمت الوحشة بين الأخوين الكامل والأشرف، وقد لحق الملك الأشرف الذّرب (١) وضعف بسببه، وعهد بالملك إلى أخيه الملك الصالح إسماعيل بن العادل صاحب بصرى، ثم توفي في المحرم هذه السنة (٢).
وهو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وتملك دمشق بعده أخوه الصالح بعهد منه وكان مدة ملك الأشرف دمشق ثماني سنين وشهورا وعمره نحو ستين سنة، وكان مفرط السخاء يطلق الأموال الكثيرة الجليلة، وكان ميمون النقيبة لم تنهزم له راية، وكان سعيدا وتتفق له أشياء خارقة للعقل، وكان حسن العقيدة وبنى بدمشق قصورا ومتنزهات حسنة، وكان منهمكا في اللذات وسماع الأغاني، فلما (٢٣٨) مرض أقلع عن ذلك وأقبل على الاستغفار إلى أن توفي ودفن بتربته شمالي الجامع (٣)، ولم يخلف من الأولاد إلا بنتا واحدة تزوجها الملك الجواد يونس بن مودود بن الملك العادل (٤)، وكان سبب الوحشة بينه وبين أخيه الكامل بعد ما كان بينهما من
стр. 8578
المصافاة أن الملك الأشرف لم يبق بيده غير دمشق وبلادها وكانت لا تفي بما يحتاجه وما يبذله وقت قدوم أخيه الملك الكامل دمشق، وأيضا لما فتح الملك الكامل آمد وبلادها لم يزده منها شيئا، وأيضا بلغه أن الملك الكامل يريد أن ينفرد بمصر والشام وينتزع دمشق منه فتغير بسبب ذلك.
ولما استقر الملك الصالح إسماعيل في ملك دمشق كتب إلى الملوك من أهله وإلى كيخسرو صاحب الروم في اتفاقهم معه على أخيه الكامل، فوافقوه على ذلك إلا المظفّر صاحب حماة، وأرسل الملك المظفّر رسولا إلى الملك الكامل يعرفه انتماءه إليه، وأنه إنما وافق الأشرف خوفا منه، فقبل الملك الكامل عذره وتحقق صدقه ووعده بانتزاع سلميّة من شير كوه صاحب حمص وتسليمها إليه، ولما بلغ الملك الكامل وفاة أخيه الأشرف توجه إلى دمشق ومعه الناصر داود صاحب الكرك وهو لا يشك في أن الملك الكامل يسلم إليه دمشق لما كان تقرر بينهما، وأما الملك الصالح إسماعيل فإنه استعد للحصار ووصلت إليه نجدة الحلبيين وصاحب حمص ونازل الملك الكامل دمشق، (٢٣٩) وخرج الصالح بالنفّاطين فأحرق العقيبة بما بها من خانات وأسواق، وفي مدة الحصار وصل من عند صاحب حمص رجّالة يزيدون عن خمسين راجلا نجدة للصالح إسماعيل فظفر بهم الملك الكامل فشنقهم بين البساتين عن آخرهم، وحال نزول الملك الكامل على دمشق أرسل توقيعا للملك المظفّر صاحب حماة بسلميّة فتسلمها الملك المظفّر واستقرت نوابه بها، وكان نزول الملك الكامل على دمشق في جمادى الأولى هذه السنة في قوة الشتاء، ثم سلم الصالح إسماعيل دمشق إلى أخيه
стр. 8579
الملك الكامل وتعوض عنها بعلبك والبقاع مضافا إلى بصرى، وكان قد ورد من الخليفة المستنصر محيي الدين يوسف ابن جمال الدين بن الجوزي (١) للتوفيق بين الملوك، فتسلم الملك الكامل دمشق لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، وكان الملك الكامل شديد الحنق على شير كوه صاحب حمص فأمر العسكر فبرزوا لقصد حمص، وأرسل إلى صاحب حماة وأمره بالمسير إليها، فبرز الملك المظفّر من حماة ونزل على الرّستن، واشتد خوف شير كوه صاحب حمص، وتخضع للملك الكامل وأرسل نساءه إليه، ودخلن على الملك الكامل فلم يلتفت إلى ذلك، ثم بعد استمرار الملك الكامل في دمشق لم يلبث إلا [أياما] (٢) حتى مرض واشتد مرضه، وكان سببه أنه لما دخل قلعة دمشق أصابه زكام ودخل الحمام وسكب عليه ماء شديد الحرارة فاندفعت النزلة إلى معدته (٢٤٠) وتورمت منها، وحصلت له حمى فنهاه الأطباء عن القيء وخوفوه منه فلم يقبل وتقيّأ فمات لوقته وعمره نحو ستين سنة، وكانت وفاته لتسع بقين من رجب من سنة خمس وثلاثين وست مئة (٣) وكان بين موته وموت أخيه الأشرف ستة أشهر، وكانت مدة ملكه لمصر من حين مات أبوه عشرين سنة، وكان نائبا بها قبل ذلك عشرين سنة فتحكّم في مصر نائبا وملكا أربعين سنة، وأشبه حاله حال معاوية بن أبي سفيان أنه تحكم في الشام نائبا نحو عشرين سنة وملكا نحو عشرين سنة.
стр. 8580
وكان الملك الكامل ملكا جليلا مهيبا حازما، حسن التدبير، أمنت الطرق في أيامه وكان يباشر تدبير المملكة بنفسه، واستوزر في أول ملكه وزير أبيه صفي الدين بن شكر فلما مات ابن شكر لم يستوزر أحدا بعده، وكان يخرج الكامل بنفسه فينظر في أمور الجسور عند زيادة النيل وإصلاحها، فعمرت في أيامه ديار مصر أتم العمارة، وكان محبا للعلماء ومجالستهم، وكان عنده مسائل غريبة في الفقه والنحو يمتحن بها الفضلاء إذا حضروا في خدمته، وكان كثير السماع للأحاديث النبوية تقدم عنده بسببها الشيخ عمر بن دحية (١)، وبنى له دار الحديث بين القصرين في الجانب الغربي، وكانت سوق الآداب والعلوم عنده نافقة، رحمه الله تعالى، وكان أولاد الشيخ صدر الدين بن حمّوية (٢) من أكابر أمراء دولته وهم: الأمير فخر الدين بن الشيخ وإخوته (٢٤١) عماد الدين (٣) وكمال الدين (٤) ومعين الدين (٥) أولاد الشيخ المذكور، وكان كل من أولاد الشيخ المذكورين حاز فضلي السيف والقلم، يباشرون التدريس، ويتقدمون على الجيوش، ولما مات الكامل بدمشق كان معه بها الناصر داود صاحب الكرك فاتفقت آراء الأمراء على تحليف العسكر للملك العادل أبي بكر بن الملك