← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

(١٧٠) ما في أبي بكر لمعتقد الهدى … شكّ يريب بأنه خير الورى بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثّريّا والثّرى نسخت خلائقه الحميدة ما أتى … في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا لا تسمعنّ حديث ملك غيره … يروى فكلّ الصيد في جوف الفرا (١) وله الملوك بكلّ أرض منهم … ملك يجرّ إلى الأعادي عسكرا من كلّ وضّاح الجبين تخاله … بدرا فإن شهد الوغى فغضنفرا وخلف الملك العادل ستة عشر ولدا ذكرا غير البنات، ولما توفي الملك العادل لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، فحضر إليه ابنه الملك المعظّم عيسى، وكان بنابلس بعد وفاته، فكتم موته، وأخذه ميتا في محفة وعاد به إلى دمشق، واحتوى الملك المعظم على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح والخيول وغير ذلك، ولما وصل إلى دمشق حلف الناس له وأظهر موت أبيه، وجلس للعزاء، وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم بخبره، وكان في خزانة العادل لما توفي سبع مئة ألف دينار عينا. ولما بلغ الكامل موت أبيه وهو في قتال الفرنج عظم عليه جدا، واختلفت العساكر عليه، فتأخر عن منزلته، وطمعت الفرنج ونهبت بعض أثقال المسلمين، وكان في العسكر عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وكان مقدما عظيما في الأكراد الهكّارية (١٧١) فعزم على خلع الملك الكامل من السلطنة، وحصل في العسكر اختلاف كبير حتى عزم الملك الكامل على مفارقة البلاد واللحوق باليمن، وبلغ الملك المعظم عيسى بن العادل ذلك، فرحل عن الشام ووصل إلى أخيه الملك الكامل وأخرج عماد الدين بن المشطوب ونفاه

стр. 8507

إلى الشام، فانتظم أمر الملك الكامل، وقويت مضايقة الفرنج لدمياط وضعف أهلها بسبب ما ذكرناه من الفتن التي حصلت في عسكر الكامل من ابن المشطوب. وفيها، استولى عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر على بعض قلاع الموصل. <و> قد تقدم في سنة سبع وست مئة أن أرسلان شاه عند وفاته جعل مملكة الموصل لولده المسعود القاهر، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي المذكور قلعتي العقر وشوش (١)، فلما مات أخوه القاهر وجلس ولده أرسلان شاه بن القاهر في المملكة وكان به قروح وأمراض فتحرك عمه عماد الدين زنكي وقصد العمادية (٢) واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكّارية والزّوران (٣)، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ المتولي على تدبير صاحب الموصل بالملك الأشرف بن العادل، ودخل في طاعته فأنجده الأشرف بعسكر، وساروا إلى زنكي بن أرسلان شاه فهزموه، وكان زنكي مزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وأم البنت ربيعة خاتون بنت أيوب (٤) أخت الملك العادل (١٧٢) زوجة مظفر الدين، وكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نصرة صهره زنكي المذكور، وبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره.

стр. 8508

[ثم دخلت] (١) سنة ست عشرة وست مئة (١٣) والملك الأشرف مقيم بظاهر حلب يدبر أحوالها، والملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج وهم محاصرون لثغور دمياط، وكتب الملك الكامل متواصلة إلى إخوته في طلب النجدة. وفيها، توفي نور الدين أرسلان شاه بن القاهر مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر (٢) صاحب الموصل وكان لا يزال مريضا، فأقام بدر الدين لؤلؤ في الملك بعده أخاه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر (٣) وعمره حينئذ نحو ثلاث سنين، وهو آخر من خطب له بالسلطنة من بيت أتابك زنكي بن آقسنقر، وكان أبوه القاهر آخر من كان له استقلال بالملك منهم ثم [إن] (٤) هذا الصبي مات بعد مدة، واستقل بدر الدين لؤلؤ بالموصل وأتته السعادة وطالت مدة ملكه إلى أن توفي بالموصل بعد أخذ التتر بغداد على ما سنذكره (٥). وفي هذه السنة، توفي قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود ابن الأتابك زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار، فملك سنجار بعده ولده عماد الدين شاهنشاه بن محمد، وكان قطب الدين حسن السيرة في رعيته، وبقي عماد الدين شاهنشاه في الملك شهورا، ثم وثب عليه أخوه محمود فذبحه وملك سنجار، وهذا محمود هو آخر (١٧٣) من ملك سنجار من البيت

стр. 8509

الأتابكي (١). وفيها، أرسل الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق الحجارين والنقابين إلى القدس [فخرب أسوارها] (٢)، وكانت قد حصّنت إلى الغاية، وانتقل منه عالم عظيم، وكان سبب ذلك أن الملك المعظم لما رأى قوة الفرنج وتغلبهم على دمياط خشي أن يقصدوا القدس فخربه لذلك لعلمه أنه لا يقدر على منعهم. وفيها، هجم الفرنج على دمياط بالسيف بعد مضايقة الفرنج لها مضايقة عظيمة، وقتلوا وأسروا من بها وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمع الفرنج في الديار المصرية، وحين أخذت دمياط ابتنى الملك الكامل مدينة وسماها المنصورة عند مفرق البحرين [الآخذ] أحدهما إلى دمياط، والآخر إلى أشموم طنّاح، ونزل فيها عسكره. وفيها، كان ظهور التتر وقتلهم في المسلمين، ولم ينكب المسلمون أعظم ما نكبوا هذه السنة، فمن ذلك ما كان من تملك الفرنج دمياط وقتل أهلها وأسرهم، ومنه المصيبة الكبرى وهي ظهور التتر وتملكهم في المدة القريبة أكثر بلاد الإسلام، وسفك دمائهم وسبي حريمهم وذراريهم، ولم يفجع المسلمون منذ ظهر دين الإسلام كهذه الفجيعة. وفيها، خرجوا على خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش وعبروا نهر

стр. 8510

جيحون (١)، ومعهم ملكهم جنكز خان، فاستولوا على بخارى رابع ذي الحجة من هذه السنة بالأمان، وعصت عليهم القلعة فحاصروها وملكوها وقتلوا من كان بها (١٧٤)، ثم قتلوا أهل البلد عن آخرهم. قال محمد بن أحمد بن علي [المنشئ] (٢) النسوي كاتب إنشاء جلال الدين: إن مملكة الصين مملكة متسعة دورها ستة أشهر، وقد انقسمت من قديم الزمان ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر يتولى أمره خان وهو الملك بلغتهم نيابة عن خانهم الأعظم، وكان خانهم الكبير الذي عاصر خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش يقال له الطرخان (٣) قد توارث الخانية كابرا عن كابر بل كافرا عن كافر، ومن عادة خانهم الأعظم الإقامة بطرغاج (٤) وهي واسطة الصين، وكان من زمرتهم في عصر المذكور شخص يسمى دوشي خان، وكان أحد الخانات المتولي أحد الأجزاء الستة، وكان مزوجا بعمة جنكز خان، وقبيلة جنكز خان هي المعروفة بقبيلة التمرجي سكان البراري، ومشتاهم موضع يسمى أرغون، وهم المشهورون بين الترك بالغدر والشر <و> لم ير ملوك الصين إرخاء عنانهم لطغيانهم، فاتفق أن دوشي خان مات فحضر جنكز خان إلى عمته زائرا ومعزيا، وكان الخانان المجاوران لعمل دوشي خان المذكور يقال لأحدهما كشلو خان (٥) وللآخر فلان خان وكانا يليان ما يتاخم من أعمال دوشي خان المذكور من الجهتين، فأرسلت امرأة دوشي خان إلى كشلو خان وإلى الآخر تنعى إليهما

стр. 8511

زوجها دوشي خان وأنه لم يخلف ولدا وأنه كان حسن الجوار لهما، وأن ابن أخيها جنكز خان إن أقيم مقامه (١٧٥) يحذو حذو المتوفى في معاضدتهما [فأجابها] (١) الخانان إلى ذلك، وتولى جنكز خان ما كان لدوشي خان المتوفى من الأمور بمعاضدة الخانين المذكورين، فلما أنهي الأمر إلى الخان الأعظم الطرخان أنكر تولية جنكز خان واستحقره، وأنكر على الخانين اللذين فعلا ذلك، فلما جرى ذلك خلعوا طاعة الطرخان وانضم إليهم كل من هو من عشائرهم ثم اقتتلوا مع الطرخان فتولى منهزما وتمكنوا من بلاده، ثم أرسل الطرخان يطلب منهم الصلح وأن [يبقوه] (٢) على بعض البلاد، فأجابوه إلى ذلك، وبقي جنكز خان و [الخانان الآخران] (٣) مشتركين في الأمر فاتفق موت الخان الواحد ثم مات كشلو خان وتملك ابنه مكانه ولقب كشلو خان (٤) أيضا، فاستضعف جنكز خان جانب كشلو خان لصغره [وحداثة سنه] (٥)، وأخلّ بالقواعد التي كانت مقررة بينه وبين أبيه، فانفرد كشلو خان عن جنكز خان وفارقه لذلك، ووقع بينهما الحرب، فجرد جنكز خان جيشا مع ولده دوشي خان فسار واقتتل مع كشلو خان، فانتصر دوشي خان وانهزم كشلو خان، وتبعه دوشي خان وقتله، وعاد إلى أبيه برأسه، فانفرد جنكز خان بالمملكة. ثم إن جنكز خان راسل خوارزم شاه محمد بن تكش في الصلح فلم ينتظم أمره، فجمع جنكز خان عساكره والتقى مع خوارزم شاه محمد فانهزم خوارزم شاه، فاستولى جنكز خان

стр. 8512

[على بلاد ما وراء النهر ثم تبع خوارزم شاه محمدا وهو هارب بين يديه حتى دخل بحر طبرستان (١) ثم استولى جنكز خان] (١) على البلاد، ثم كان من خوارزم شاه ومن جنكز خان ما سنذكره (٢) إن شاء الله تعالى. (١٧٦) وفي هذه السنة حلّف الملك المنصور صاحب حماة للناس لولده الملك المظفر نور الدين محمود، وجعله ولي عهده، وجهز له عسكرا إلى الملك الكامل بمصر، فسار إليه، ولما وصل إلى الملك الكامل أكرمه وأنزله في ميمنة عسكره، وهي منزلة أبيه وجده في الأيام الناصرية الصلاحية، وبعد توجه الملك المظفر ماتت والدته ملكة خاتون بنت الملك العادل (٣)، قال القاضي جمال الدين مؤلف «مفرج الكروب»: وحضرت العزاء وعمري اثنتا عشرة سنة، ورأيت الملك المنصور وهو لابس الحداد على زوجته هذه، وهو ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وأنشد الشعراء المراثي، فمنها قصيدة قالها حسام الدين خشترين (٤) وهو جندي كردي مطلعها: <البسيط> الطرف في لجّة والقلب في سعر … له دخان زفير طار بالشّرر وفيها في لبس الملك المنصور الحداد عليها: ما كنت أعلم أنّ الشمس قد غربت … حتى رأيت الدجى ملقى على القمر

стр. 8513

لو كان من مات يفدى مثلها لفدى … أمّ المظفر آلاف من البشر وفيها، توفي الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قليج أرسلان ابن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي (١) صاحب بلاد الروم، وقد تقدم ذكر ولايته سنة سبع وست مئة (٢)، وكان قد تعلق به مرض السّل واشتدّ به ومات، فملك بعده أخوه كيقباذ، وكان كيكاوس قد حبس كيقباذ (١٧٧) المذكور (٣) فأخرجه الجند وملكوه. وفي سنة سبع عشرة وست مئة (١٣) كان الفرنج [متملكين] (٤) دمياط، والسلطان الملك الكامل مستقر في المنصورة مرابطا للجهاد، والملك الأشرف في حرّان، وكان الملك الأشرف قد أقطع عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب رأس عين، فخرج ابن المشطوب على الملك الأشرف، وجمع جيشا وحسّن لمحمود بن قطب الدين صاحب سنجار الخروج عن طاعة الأشرف أيضا، فخرج بدر الدين لؤلؤ من الموصل وحصر ابن المشطوب بتل أعفر وأخذه بالأمان وقبض عليه، وأعلم الملك الأشرف بذلك فسرّ به غاية السرور، واستمر ابن المشطوب في الحبس. وسار الملك الأشرف من حرّان واستولى على دنيسر وقصد سنجار فأتته رسل صاحبها محمود بن قطب الدين تسأل أن يعطى الرقّة عوض سنجار ليسلم سنجار إلى الملك الأشرف، فأجاب الملك الأشرف إلى ذلك، وتسلم سنجار في

стр. 8514

مستهل جمادى الأولى وسلم إليه الرقّة، وهذا كان من سعادة الأشرف فإن أباه الملك العادل نازل سنجار في جموع عظيمة وطال عليها مقامه فلم يملكها وملكها ابنه الأشرف بأهون سعي. وبعد أن فرغ الأشرف من سنجار سار إلى الموصل، ووصل إليها تاسع عشر جمادى الأولى، وكان يوم وصوله إليها يوما مشهودا، وكتب إلى مظفر الدين صاحب إربل يأمره أن يعيد صهره عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود ابن (١٧٨) مودود على بدر الدين لؤلؤ القلاع التي استولى عليها فأعادها جميعها وترك في يده منها العمادية، واستقر الصلح بين الأشرف وبين مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وعماد الدين زنكي بن أرسلان صاحب العقر وشوش والعمادية، وكذلك استقر الصلح بينهما وبين بدر الدين صاحب الموصل، ولما استقر ذلك رحل الملك الأشرف عن الموصل ثاني شهر رمضان هذه السنة وعاد إلى سنجار وسلم بدر الدين صاحب الموصل تلعفر إلى الملك الأشرف ونقل الملك الأشرف ابن المشطوب من حبس الموصل وحطه مقيدا في جب بمدينة سنجار (١) حتى مات سنة تسع عشرة وست مئة (٢). وفي هذه السنة، توفي الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٣) صاحب حماة بقلعة حماة في ذي القعدة، وكانت مدة مرضه واحدا وعشرين يوما بحمى حادة، وورم دماغه. وكان شجاعا عالما يحب العلماء، ورد إليه منهم جماعة منهم الشيخ سيف

стр. 8515

الدين علي الآمدي (١) وكان في خدمة الملك المنصور قريبا من مئتي متعمم من النحاة والفقهاء والمشتغلين بغير ذلك، وصنف الملك المنصور عدة مصنفات مثل «المضمار في التاريخ» (٢)، و «طبقات الشعراء» (٣)، وكان معتنيا بعمارة بلده والنظر في صالحه، وهو بنى الجسر الذي ظاهر حماة خارج باب حمص، واستقر له بعد وفاة والده من البلاد حماة والمعرة وسلميّة ومنبج وقلعة نجم، فلما فتح (١٧٩) بارين وكانت بيد إبراهيم بن المقدم ألزمه عمه الملك العادل أن يردها إليه فأجاب إلى تسليم منبج وقلعة نجم عوضا عنها وهما خير من بارين بكثير، اختار ذلك لقرب بارين من بلده، وجرت له حروب مع الفرنج وانتصر فيها، وكان ينظم الشعر، ولما توفي الملك المنصور كان ولده الملك المظفر محمود المعهود إليه بالسلطنة عند خاله الملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج، وكان ولده الآخر الملك الناصر صلاح الدين قليج أرسلان (٤) عند خاله الآخر الملك المعظم صاحب دمشق وهو في الساحل في الجهاد، وقد فتح قيساريّة وهدمها وعاد إلى عتليث ونازلها، وكان الوزير بحماة زين الدين بن فريج (٥) فاتفق هو والكبراء على استدعاء الملك الناصر لعلمهم بلين عريكته وشدة بأس الملك المظفر، فأرسلوا إلى الملك الناصر وهو مع الملك المعظم كما ذكرنا فمنعه الملك المعظم من التوجه إلا

стр. 8516

بتقرير مال عليه يحمله إلى الملك المعظم في كل سنة، قيل: إن مبلغه أربع مئة ألف درهم، فلما أجاب الناصر إلى ذلك وحلف عليه أطلقه الملك المعظم فقدم الملك الناصر إلى حماة واجتمع بالوزير زين الدين والجماعة الذين كاتبوه واستحلفوه على ما أرادوا وأصعدوه القلعة، ثم ركب من القلعة بالسناجق السلطانية، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده سنة ست مئة. ولما استقر الملك الناصر بملك حماة وبلغ أخاه الملك (١٨٠) المظفر ذلك استأذن الملك الكامل في المضي إلى حماة ظنا منه أنه إذا وصل إليها يسلمونها إليه بحكم الأيمان التي كانت له في أعناقهم، فأعطاه الملك الكامل الدستور، وسار الملك المظفر حتى وصل إلى الغور وجد خاله الملك المعظم صاحب دمشق هناك فأخبره أن أخاه الملك الناصر قد ملك حماة ويخشى عليك أنك إذا وصلت إلى حماة يعتقلك فسار الملك المظفر إلى دمشق وأقام بداره المعروفة بالزّنجيلي وكتب الملك المعظم والملك المظفر إلى أكابر حماة في تسليم حماة إلى الملك المظفر فلم يحصل منهم إجابة، فعاد الملك المظفر إلى مصر، وأقام في خدمة الملك الكامل فأقطعه إقطاعا بمصر إلى أن كان ما سنذكره (١) إن شاء الله تعالى. وكان قد استقر بيد الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل الرّها وسروج وميّافارقين، وخلاط بيد الملك الأشرف، ولم يكن للملك الأشرف ولد فجعل أخاه الملك المظفر غازي ولي عهده، وأعطاه ميّافارقين وخلاط وبلادهما وهما [إقليمان عظيمان] (٢) يضاهيان ديار مصر، وأخذ منه الملك الأشرف الرّها وسروج. وفي هذه السنة، أرسل جنكز خان عشرين ألف فارس في أثر خوارزم شاه

стр. 8517

محمد بن تكش بعد أن ملك سمرقند، وهذه الطائفة تسمى التتر المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان فوصلوا إلى موضع يقال له (١٨١) بنج آوو وعبروا هناك نهر جيحون وصار <وا> مع خوارزم شاه في بر واحد، فلم يشعر خوارزم شاه وعسكره إلا والتتر معه فتفرق عسكره أيدى سبأ، ورحل خوارزم شاه لا يلوي على شيء في نفر من خواصّه، ووصل إلى نيسابور والتتر في أثره، فلما قربوا منه رحل إلى مازندران والتتر في أثره لا يلتفتون إلى شيء من البلاد ولا إلى غير ذلك بل قصدهم إدراك خوارزم شاه، فسار من مازندران إلى مرسى بحر طبرستان يعرف بالسكون، وله هناك قلعة في البحر فعبر هو وأصحابه إليها (١)، ووقف التتار على ساحل البحر وأيسوا من لحاق خوارزم شاه، ولما استقر خوارزم شاه بهذه القلعة توفي فيها. وهو علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوشتكين غرشه، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهورا (٢) واتسع ملكه فملك من حد العراق إلى تركستان وملك بلاد غزنة وبعض الهند وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس وكان عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورا على التعب وإدمان السير وسنذكر شيئا من أخباره عند مقتل ولده جلال الدين (٣). ولما أيس التتر من إدراك خوارزم شاه عادوا إلى مازندران ففتحوها وقتلوا أهلها، ثم ساروا إلى الري وهمذان ففعلوا كذلك من القتل والسبي، ثم ملكوا مراغة في صفر سنة ثماني عشرة وست مئة، ثم ساروا إلى خراسان (٤) (١٨٢)

стр. 8518

واستولوا عليها، ونازلوا خوارزم وقاتلهم أهلها مدة أشد قتال، ثم فتحوها وكان لها سد في نهر جيحون ففتحوه وركب الماء بخوارزم وغرقها، وفعلوا في هذه البلاد جميعها من قتل أهلها وسبي ذراريهم، وقتل العلماء والصلحاء والزهاد والعباد، وتخريب الجوامع، وتحريق المصاحف ما لم يسمع بمثله في تاريخ قبل الإسلام ولا بعده، فإن واقعة بخت نصر مع بني إسرائيل كانت لا تنسب إلى بعض بعض ما فعله هؤلاء، فإن كل مدينة من المدن التي أخربوها أعظم من القدس بكثير، وكل أمة قتلوهم من المسلمين أعظم من بني إسرائيل الذين قتلهم بخت نصر، ولما فرغ التتر من خراسان عادوا إلى ملكهم فأرسل جيشا كثيفا إلى غزنة وبها جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين محمد خوارزم شاه بن تكش المذكور مالكا لها، وقد اجتمع [إليه] (١) كثير من عسكر أبيه قيل: كانوا ستين ألف فارس، وكان [الجيش] (٢) الذي سار إليهم من التتر اثني عشر ألفا فاقتتلوا مع جلال الدين قتالا شديدا وأنزل الله نصره على المسلمين، وانهزمت التتر وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤوا، ثم أرسل جنكز خان سبعين ألفا من المقاتلة التتر مع بعض أولاده ووصلوا إلى كابل وتصاف معهم المسلمون فانهزم التتر ثانيا: وقتل المسلمون منهم وأسروا خلقا كثيرا، وكان في عسكر جلال الدين أمير كبير مقدام هو الذي كسر التتر على الحقيقة يقال له: بغراق (١٨٣) فوقع بينه وبين أمير كبير يقال له ملك خان وهو صاحب هراة وله نسب إلى خوارزم شاه [فتنة] (٣) بسبب الكسب، فقتل في الفتنة أخو بغراق فغضب بغراق وفارق جلال الدين وسار إلى الهند وتبعه ثلاثون ألف فارس من العسكر، ولحقه جلال الدين وترضّاه فلم يرجع فضعف عسكر جلال الدين لذلك، ثم

стр. 8519

وصل جنكز خان بنفسه ومعه جيوشه وقد ضعف جلال الدين بما نقص من جيشه بسبب بغراق فلم يكن له بجنكز خان قدرة، فترك جلال الدين البلاد وسار إلى الهند، وتبعه جنكز خان فأدركه على نهر السند ولم يلحق جلال الدين ومن معه أن يعبروا النهر فاضطروا إلى القتال وقاتلوا قتالا عظيما لم يسمع بمثله، وصبر الفريقان ثم تأخر كل منهما عن صاحبه فعبر جلال الدين ذلك النهر إلى جهة الهند وعاد جنكز خان فاستولى على غزنة وقتل أهلها ونهب أموالهم، وكان قد سار من التتر فرقة عظيمة إلى جهة القفجاق واقتتلوا معهم فانتصر التتر واستولوا على مدينة القفجاق العظمى وتسمى السوداق (١)، وكذلك فعلوا بقوم يقال لهم اللكزى بلادهم قرب دربند شروان، ثم سار التتر إلى الروس وانضم إلى الروس القفجاق وجرى بينهم وبين التتر قتال عظيم، فانتصر التتر وشردوهم في البلاد. وفي سنة ثماني عشرة وست مئة (١٣) قوي طمع الفرنج المتملكين لدمياط في الديار المصرية (١٨٤) وتقدموا عن دمياط إلى جهة مصر ووصلوا إلى المنصورة، واشتد القتال بين الفريقين برا وبحرا، وكتب السلطان الملك الكامل متواترة إلى إخوته وأهل بيته يستحثهم على إنجاده، فسار الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق إلى أخيه الملك الأشرف وهو بالبلاد الشرقية وطلب منه السير إلى أخيهما الملك الكامل، فجمع الأشرف عساكره واستصحب عسكر حلب، واستصحب الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة، وكان الملك الناصر خائفا من خاله

стр. 8520

الكامل لا ينتزع حماة منه ويعطيها للملك المظفر، فحلف الملك الأشرف للملك الناصر صاحب حماة أنه لا يمكن أخاه الملك الكامل من التعرض إليه فسار معه بعسكر حماة، وكذلك سار مع الملك الأشرف [كل من صاحب بعلبك] (١) الملك الأمجد بهرام شاه بن فرّخشاه و [صاحب حمص] (١) الملك المجاهد شير كوه بعساكرهما، وسارت هذه العساكر كلها إلى الملك الكامل بالديار المصرية، فوجدوه وهو في قتال الفرنج على المنصورة فركب والتقى إخوته ومن في صحبتهم من الملوك وأكرمهم فقويت قلوب المسلمين وضعفت قلوب الفرنج بما شاهدوا من كثرة عساكر الإسلام، فاشتد القتال على الفريقين، ورسل الملك الكامل وإخوته مترددة إلى الفرنج في الصلح وبذل المسلمون لهم تسليم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتحه السلطان (١٨٥) صلاح الدين من الساحل خلا الكرك والشّوبك والأمر متردد بينهم [على أن يجيبوا إلى الصلح وأن يسلموا دمياط إلى المسلمين فلم يرض الفرنج بذلك، وطلبوا ثلاث مئة ألف دينار عوضا عن تخريب الأسوار التي للقدس فإن الملك المعظم عيسى خربها كما ذكرنا، وقالوا لابد من تسليم الكرك والشّوبك] (٢) فبينا هم كذلك إذ عبر جماعة من المسلمين في بحر المحلة إلى الأرض التي فيها الفرنج من بر دمياط ففجروا فجرة عظيمة من النيل، والنيل إذ ذاك في زمن قوته، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، فركب الماء تلك الأرض، وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط فهلكوا جوعا، وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله لهم المسلمون ويسلموا دمياط ويقيدوا مدة الصلح، وكان فيهم عشرون ملكا من الملوك الكبار، فاختلفت الآراء بين يدي السلطان الملك الكامل، فبعضهم قال: لا

стр. 8521

نعطيهم أمانا ونأخذهم ونتسلّم منهم ما بأيديهم من الساحل مثل عكّا وصور، ثم اتفقت آراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار وتضجر العساكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين و [شهور] (١) في القتال فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل فبعث ابنه الملك الصالح أيوب وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج، وحضر من الفرنج على ذلك رهينة وهو ملك عكّا ونائب البابا صاحب رومية الكبرى وكندريس صاحب صور وغيرهم من الملوك وكان ذلك سابع رجب هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين وجلس لهم مجلسا عظيما، ووقف بين يديه الملوك من إخوته وأهل بيته وسلمت دمياط إلى المسلمين تاسع عشر هذه السنة، وقد حصنها (١٨٦) الفرنج إلى غاية ما يكون، وولاها السلطان الملك الكامل للأمير شجاع الدين جلدك التقوي (٢) أحد مماليك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهنأت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم، (٣) وفي جلوس الملك الكامل ووقوف أخويه المعظم عيسى والأشرف موسى لديه بحضور ملوك الفرنج والخيالة، والرعب يريهم الموت خياله، قال راجح الحلّي (٤): <الطويل> (٥) هنيئا فإنّ السعد راح مخلدا … وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا

стр. 8522

حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا … مبينا وإنعاما وعزا مؤيّدا تهلّل وجه الدهر بعد قطوبه … وأصبح وجه الشرك بالظلم أربدا ولما طغى البحر الخضمّ بأهله ال … طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا أقام لهذا الدين من سلّ عزمه … فكان كما سلّ الحسام مجرّدا فلم ينج إلا كلّ شلو مخذل … ثوى منهم أو من تراه مقيّدا ونادى لسان الموت في الأرض رافعا … عقيرته في الخانقين ومنشدا أعبّاد عيسى إنّ عيسى برغمكم … وموسى جميعا يخدمان محمّدا فبهت الذي كفر، وكان ذلك طرار ذلك الظفر، وأحازه الملك الكامل بكل بيت ألفا، وكذلك فعل المعظم والأشرف. ثم سار الملك الكامل ودخل دمياط ومعه إخوته وأهل بيته، وكان يوما مشهودا، ثم توجه إلى القاهرة (١٨٧) وأذن للملوك من إخوته وأهل بيته بالرجوع إلى بلادهم، فتوجه الملك الأشرف وانتزع الرّقّة من محمود [وقيل اسمه عمر] (١) بن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، ولقي بغيه على أخيه، فإنا ذكرنا كيف وثب على أخيه فقتله وأخذ سنجار (٢) ثم أقام الملك الأشرف بالرّقّة وورد إليه الملك الناصر صاحب حماة فأقام عنده مدة ثم عاد إلى بلده. وفيها، توفي الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق (٣) صاحب آمد وحصن كيفا بالقولنج، وقام في الملك بعده

стр. 8523

ولده الملك المسعود (١) وهو الذي انتزع منه الملك الكامل آمد (٢)، وكان الملك الصالح المذكور قبيح السيرة وقد أورد ابن الأثير وفاته سنة تسع عشرة (٣). وفيها، في جمادى الآخرة خنق قتادة بن إدريس العلوي الحسني (٤) أمير مكة وعمره نحو تسعين سنة، وكانت ولايته قد اتسعت إلى نواحي اليمن، وكان حسن السيرة في مبدأ أمره، ثم أساءها وجدد المظالم والمكوس وصورة ما جرى له أنه كان مريضا فأرسل عسكرا مع أخيه ومع ابنه الحسن بن قتادة للاستيلاء على مدينة النبي ﷺ وأخذها من صاحبها فوثب الحسن بن قتادة في أثناء الطريق على عمه فقتله وعاد إلى أبيه قتادة بمكة فخنقه، وكان له أخ نائب بقلعة ينبع عن أبيه فأرسل إليه الحسن فحضر إلى مكة فقتله أيضا، وارتكب الحسن أمرا عظيما قتل عمه وأباه وأخاه في أيام يسيرة واستقر في ملك مكة، وكان قتادة (١٨٨) يقول الشعر، وطولب أن يحضر إلى أمير الحاج العراقي فامتنع، وعوتب من بغداد فأجاب بأبيات منها (٥): <الطويل> ولي كفّ ضرغام أصول ببطشها … وأشري بها بين الورى وأبيع تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها … وباطنها للمجدبين ربيع أأجعلها تحت الرحا ثم ابتغي … خلاصا لها؟ إني إذا لرقيع وما أنا إلا المسك في كلّ بلدة … أضوع، وأما عندكم فأضيع

стр. 8524

وفيها، توفي جلال الدين بن الحسن (١) صاحب ألموت ومقدم الإسماعيلية، وولي بعدده ابنه علاء الدين محمد (٢). وفي سنة تسع عشرة وست مئة (١٣) توفي ناصر الدين محمود بن الملك القاهر مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر (٣) صاحب الموصل الذي كان نصبه بدر الدين لؤلؤ وهو صغير، فاستقل بدر الدين لؤلؤ بملك الموصل وسمى لؤلؤ نفسه الملك الرحيم، وكان قد اعتضد بالملك الأشرف بن العادل فدافع عنه ونصره، وقلع لؤلؤ البيت الأتابكي بالكلية واستمر مالكا للموصل نيفا وأربعين سنة سوى ما تقدم له من الاستيلاء والتحكم من أيام أسياده نور الدين أرسلان شاه وابنه الملك القاهر مسعود. وفيها، سار الملك الأشرف إلى خدمة أخيه الملك الكامل، وأقام عنده بمصر متنزها إلى أن خرجت السنة. وفيها، فوض الأتابك طغريل الخادم مدبر مملكة حلب إلى الملك الصالح [أحمد] (٤) بن الظاهر بن الناصر صلاح الدين (١٨٩) أمر الشّغر وبكاس، فسار الملك الصالح من حلب واستولى عليهما وأضاف إليه الرّوج (٥) ومعرة

стр. 8525

ومصرين. وفيها، قصد الملك المعظم عيسى صاحب دمشق حماة لأن الملك الناصر صاحب حماة قد التزم له بمال يحمله إليه إذا ملك حماة (١) فلم يف له فقصد المعظم حماة فنزل بقيرين وغلقت أبواب حماة فجرى بينهم قتال قليل. ثم رحل المعظم إلى سلميّة فاستولى على أموالها وحواصلها وولى عليها من جهته. ثم سار إلى المعرة فاستولى عليها وأقام أميرا من جهته واليا عليها وقرر أمورها، وعاد إلى سلميّة فأقام بها حتى خرجت هذه السنة على قصد منازلة حماة. وفيها حج من اليمن الملك المسعود يوسف الملقب أطسز، وتسميه العامة آقسيس، وكان قد استولى على اليمن سنة اثنتي عشرة وست مئة، وقبض على سليمان شاه بن شاهنشاه بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٢)، وحج في هذه السنة، فلما وقف الملك المسعود هذه السنة بعرفة، وتقدمت أعلام الخليفة الإمام الناصر لترفع على الجبل [تقدم] (٣) الملك المسعود بعساكره ومنع ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل على أعلام الخليفة، فلم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك، ثم عاد الملك المسعود إلى اليمن، وبلغ ذلك الخليفة فعظم عليه، وأرسل يشكو إلى الملك الكامل فاعتذر (١٩٠) عن ذلك فقبل عذره، وأقام الملك المسعود باليمن مدة يسيرة ثم عاد إلى مكة ليستولي عليها فقاتله حسن بن قتادة فانتصر الملك المسعود وانهزم ابن قتادة، واستقرت مكة للملك المسعود وولى عليها وذلك في ربيع الأول سنة عشرين وست مئة [ثم

стр. 8526

عاد إلى اليمن] (١). وفي سنة عشرين وست مئة (١٣) في أوائلها، كان الملك الأشرف بديار مصر عند أخيه الكامل وأخوهما المعظم عيسى بسلميّة مستول عليها، وعلى المعرة عازم على إحصار حماة وبلغ الملك الأشرف ما فعله أخوه الملك المعظم بصاحب حماة، فشق عليه، واتفق مع أخيه الكامل على الإنكار على الملك المعظم وترحيله، فأرسل إليه الملك الكامل ناصح الدين الفارسي (٢) فوصل إليه وهو بسلميّة وقال له: السلطان يأمرك بالرحيل، فقال: السمع والطاعة. وكانت أطماعه قد قويت على الاستيلاء على حماة، فرحل مغضبا على أخويه الكامل والأشرف، ورجعت المعرة وسلميّة للناصر، وكان المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه مقيما عند الملك الكامل بديار مصر كما تقدم ذكره (٣). وكان الملك الكامل يؤثر أن يملك الملك المظفر حماة، ولكن الأشرف غير مجيب إلى ذلك لانتماء الناصر إليه، وجرى بين الكامل والأشرف في ذلك مراجعات آخرها أنهما اتفقا على أن تنزع سلميّة من يد الناصر ويسلمها إلى (١٩١) أخيه المظفر فتسلمها المظفر وأرسل إليها وهو بمصر نائبا من جهته حسام الدين أبا علي محمد بن علي الهذباني واستقر بيد الناصر حماة والمعرة وبعرين. ثم سار الملك الأشرف من مصر واستصحب معه خلعة وسناجق سلطانية من

стр. 8527

أخيه الملك الكامل للملك العزيز صاحب حلب وعمره يومئذ عشر سنين، ووصل الملك الأشرف بذلك إلى حلب، وأركب الملك العزيز في دست السلطنة. وفي هذه السنة، لما وصل الملك الأشرف بالخلعة المذكورة اتفق مع الأشرف كبراء الدولة الحلبية على تخريب قلعة اللاذقية، فأرسلوا إليها عسكرا هدموها إلى الأرض. وفيها، تغلب غياث الدين تيزشاه (١) [أخو] (٢) جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه محمد بن تكش على الري وأصبهان وهمذان وغير ذلك من عراق العجم وهي البلاد المعروفة ببلاد الجبال، وكان غياث الدين المذكور قد ملك كرمان وما والاها، فلما تغلب على هذه البلاد في هذه السنة خرج عليه خاله يغان طايسي (٣) وقاتله أشد قتال فانتصر عليه غياث الدين واستقر في بلاده منصورا. وفيها، كان أهل مملكة الكرج قد مات ملكهم، ولم يبق من بيت الملك إلا امرأة فملّكوها وطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك ويكون من أهل بيت المملكة فلم يجدوا فيهم من (١٩٢) يصلح لذلك، وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي من بيت كبير مشهور فأرسل يخطب هذه الملكة لولده ليتزوجها (٤)، وامتنعوا من إجابته إلا أن

стр. 8528

يتنصر، فأمر ولده فتنصر وسار إلى الكرج وتزوج الملكة، وكانت هذه الملكة تهوى مملوكا لها، ويعلم ابن طغريل شاه بذلك وتكاسر (١) فدخل يوما إلى البيت فوجد المملوك نائما معها في الفراش فلم يصبر المذكور على ذلك وأنكر عليها، فأخذته زوجته واعتقلته في بعض القلاع ثم أحضرت رجلين كانا قد وصفا لها بحسن الصورة فتزوجت أحدهما ثم فارقته وأحضرت إنسانا مسلما من كنجة (٢) هويته وسألته أن يتنصر لتتزوج به فلم يجب إلى ذلك، فترددت الرسل بينهما فلم يجبها إلى التنصّر. وفي هذه السنة، توفي المستنصر يوسف بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب وقد تقدم ذكر ولايته سنة عشر وست مئة (٣). وكان يوسف المذكور منهمكا في اللذات فدخل الوهن على الدولة بسبب ذلك، ولم يخلف يوسف المذكور ولدا فاجتمع كبراء الدولة وملكوا عم أبيه لكبر سنه، وهو عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ولقبوه المستضيء، وكان عبد الواحد المذكور قد صار فقيرا بمراكش وقاسى الدهر، فلما تولى اشتغل باللذات والتنعم في المآكل والملابس (١٩٣) من غير أن يشرب خمرا فخلعوه بعد تسعة أشهر وقتلوه (٤) وملكوا ابن أخيه عبد الله ولقبوه العادل، وهو عبد

стр. 8529

الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (١). سنة إحدى وعشرين وست مئة إلى سنة ثلاثين وست مئة في سنة إحدى وعشرين وست مئة (١٣) وصل التتر إلى قرب توريز، وأرسلوا إلى صاحبها أزبك بن البهلوان يقولون له: إن كنت في طاعتنا فأرسل من عندك الخوارزمية إلينا، فجمع أزبك الخوارزمية وأرسلهم إلى التتر مع تقدمة عظيمة فكفوا عن بلاده وعادوا إلى خراسان. وفيها استولى غياث الدين تيزشاه بن محمد بن تكش أخو جلال الدين منكبرتي بن محمد على غالب مملكة فارس، وكان صاحب فارس يقال له الأتابك سعد بن دكلا (٢) وأقام غياث الدين بشيراز وفي كرسي مملكة فارس، ولم يبق مع أتابك سعد من فارس غير الحصون المنيعة، ثم اصطلح الأتابك سعد مع غياث الدين على أن يكون لكل منهما ما بعده. وفي هذه السنة، عصى المظفر غازي بن العادل على أخيه الأشرف، وكان الملك الأشرف قد أنعم على أخيه المظفر غازي بخلاط، وهي مملكة عظيمة بإقليم أرمينية، وكان قد حصل بين الملك المعظم صاحب دمشق وبين أخويه الكامل والأشرف (١٩٤) وحشة بسبب ترحيله عن حماة كما تقدم ذكره (٣)،

стр. 8530

فأرسل المعظم وحسّن لأخيه المظفر غازي صاحب خلاط العصيان على أخيه الملك الأشرف فأجاب المظفر إلى ذلك، وخالف أخاه الأشرف، وكان قد اتفق مع المعظم عيسى والمظفر غازي مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين كوجك صاحب إربل، وكان الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ منتميا إلى الأشرف فسار مظفر الدين صاحب إربل وحصر الموصل عشرة أيام، وكان نزوله على الموصل ثالث عشر جمادى الآخرة من هذه السنة ليشغل الملك الأشرف عن قصد أخيه بخلاط، ثم رحل مظفر الدين عن الموصل لحصانتها، فلم يلتفت الملك الأشرف إلى حصار الموصل وسار إلى خلاط وحاصر بها [أخاه] (١) المظفر شهاب الدين غازي فسلمت إليه مدينة خلاط، وانحصر أخوه غازي بقلعتها إلى الليل فنزل إلى أخيه الأشرف واعتذر إليه فقبل عذره وعفا عنه، وأقره على ميّافارقين، وارتجع باقي البلاد منه، وكان استيلاء الأشرف على خلاط وأخذها من أخيه في جمادى الآخرة من هذه السنة. وفي سنة اثنتين وعشرين وست مئة (١٣) وصل جلال الدين من الهند إلى بلاده، وقد تقدم في سنة سبع عشرة وست مئة هروبه من غزنة لما قصده جنكز خان، وأنه دخل الهند (٢)، فلما كان في هذه السنة قدم من الهند إلى كرمان إلى أصفهان واستولى عليها وعلى باقي عراق العجم، وسار إلى (١٩٥) فارس وانتزعها من أخيه تيزشاه بن محمد وأعادها إلى صاحبها أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس وصار أتابك سعد وتيزشاه أخو جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه تحت حكم جلال الدين المذكور، ثم

стр. 8531

استولى جلال الدين على خوزستان وكاتب الخليفة الإمام الناصر ثم صار حتى وصل إلى بعقوبا (١) بالقرب من بغداد، وخاف أهل بغداد منه واستعدوا للحصار، ونهبت الخوارزمية البلاد وقوي جلال الدين وعسكره ثم سار إلى قريب إربل فصالحه مظفر الدين كوكبوري ودخل في طاعته، ثم سار جلال الدين إلى أذربيجان وكرسي ملكها توريز فاستولى على توريز وهرب مظفر الدين أزبك بن البهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان، وكان أزبك المذكور قد قوي أمره لما قتل طغريل آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، واستقل أزبك المذكور في المملكة، وكان أزبك لا يزال مشغولا بشرب الخمر وليس له التفاته إلى تدبير المملكة، فلما استولى جلال الدين على توريز هرب أزبك إلى كنجة وهي من بلاد أران قرب برذعة (٢) متاخمة لبلاد الكرج <و> استقل السلطان جلال الدين بمملكة أذربيجان وكثرت عساكره، ثم جرى بين جلال الدين وبين الكرج قتال عظيم من أعظم ما يكون، فانهزمت الكرج وتبعهم الخوارزمية يقتلونهم كيف شاؤوا واتفق أنه ثبت على قاضي توريز وقوع الطلاق على أزبك ابن البهلوان من زوجته بنت السلطان طغريل آخر الملوك السلجوقية المقدم الذكر (١٩٦) فتزوج جلال الدين بها، وأرسل جيشا إلى مدينة كنجة ففتحوها وهرب منها مظفر الدين أزبك بن البهلوان إلى قلعة هناك، ثم هلك وتلاشى أمره. وفي هذه السنة، توفي الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (٣) وليس بيده غير سميساط فقط، وكان موته

стр. 8532

فجأة وعمره سبع وخمسون سنة، وكان الملك الأفضل فاضلا حسن السيرة، وتجمعت فيه الفضائل والأخلاق الحسنة، وكان مع ذلك قليل الحظ، وله الأشعار الحسنة الجيدة، فمنها يعرض إلى سوء حظه قوله: <الكامل> يا من تسوّد شعره بخضابه … لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها فاختضب بسواد حظي مرة … ولك الأمان بأنّه لا ينصل ولما أخذت منه دمشق كتب إلى بعض أصحابه كتابا منه: أما أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم، وسبب ذلك (١): <المنسرح> أيّ صديق سألت عنه ففي الذّ … لّ وتحت الخمول في الوطن وأيّ ضدّ سألت حالته … سمعت ما لا تحبّه أذني وفي أول شوال في هذه السنة، كانت وفاة الخليفة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد (٢) بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن القائم [(٣) عبد الله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المكتفي علي بن المعتضد أحمد بن الأمير الموفق، قيل اسمه طلحة، وقيل: محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد ابن المنصور] عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عم النبي ﷺ (١٩٧) بن عبد المطلب بن هاشم، وكان عمر الناصر نحو سبعين سنة ومدة خلافته سبع وأربعون سنة، وعمي في آخر عمره، وكان موته

стр. 8533

بالدوسنطاريا، وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما لهم، خرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد، وكان يتشيع وهو منصرف الهمة إلى رمي البندق، والطيور المناسيب، ويلبس سراويلات الفتوة، ومنع رمي البندق إلا من ينسب إليه فأجابه الناس إلى ذلك، إلا إنسانا واحدا يقال له: ابن السفت وهرب لذلك من بغداد إلى الشام. وقد نسب إلى الإمام الناصر أنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه محمد بن تكش من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق. خلافة ابنه الظاهر [بأمر الله] (١) [أبي نصر] (٢) محمد (٣) خامس ثلاثيهم ولما بويع [الظاهر بأمر الله] (٤) بعد موت أبيه أظهر العدل، وأزال المكوس. وأخرج المحبسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله لا يظهرون إلا نادرا، ولم تصل مدته في الخلافة غير تسعة أشهر.

стр. 8534

وفي سنة ثلاث وعشرين وست مئة (١٣) سار الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق، ونازل حمص، وكان قد اتفق مع جلال الدين منكبرتي ومع مظفر الدين صاحب إربل أن يكونوا يدا واحدة، وكان الأشرف بالبلاد الشرقية، ثم رحل المعظم إلى دمشق بسبب [كثرة] (١) ما مات من خيله وخيل عسكره، وورد عليه أخوه الأشرف (١٩٨) طالبا للصلح قطعا للفتن، فبقي عنده مكرما [ظاهرا] (١)، وهو كالأسير معه في الباطن، وأقام الأشرف عند أخيه المعظم إلى أن انقضت هذه السنة. وأما الملك الكامل فإنه كان بمصر، وقد تخيل من بعض عسكره فما أمكنه الخروج منها. وفيها فتح السلطان جلال الدين تفليس وهي من المدن العظام. وفيها، سار جلال الدين المذكور ونازل خلاط وهي منازلته الأولى وطال القتال بينهم، وكان نائب الأشرف بخلاط حسام الدين علي الموصلي (٢) وكان نزوله عليها ثالث عشري ذي القعدة (٣) ورحل عنها لسبع بقين من ذي الحجة لكثرة الثلوج. وفي رابع عشر رجب من هذه السنة توفي الخليفة الظاهر [بأمر الله] (٤) محمد بن الناصر لدين الله (٥)، وكان متواضعا محسنا إلى الرعية جدا، وأبطل

стр. 8535

عدة مظالم منها أنه كان بخزانة الخلافة صنجة زائدة يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس، وكان زيادة الصنجة في كل دينار حبة، فخرج توقيع الظاهر بإبطالها، وأول التوقيع: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى اَلنّاسِ يَسْتَوْفُونَ، * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (١) وعمل صنجة المخزن مثل [صنجة] (٢) المسلمين، وكان مضاددا لأبيه الناصر في سائر أحواله ومنها أن مدة خلافة أبيه كانت طويلة ومدته هو كانت قصيرة، وكان أبوه متشيعا، وكان الظاهر سنيا، وكان أبوه ظالما جمّاعا للمال، وكان الظاهر في (١٩٩) غاية العدل وبذل الأموال [للمحبوسين وعلى العلماء] (٣). خلافة المستنصر بالله أبي جعفر منصور (٤) سادس ثلاثيهم ولما توفي الظاهر، ولي الخلافة بعده ولده الأكبر المستنصر، وكان للظاهر ولد آخر يقال له الخفاجي في غاية الشجاعة وبقي حيا حتى أخذت التتر بغداد، وقتل مع من قتل، ولما تولى المستنصر الخلافة سلك [في] (٥) العدل والإحسان مسلك أبيه الظاهر. وفيها، سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب بلاد

стр. 8536

الروم إلى بلاد الملك المسعود الأرتقي صاحب آمد، ونزل كيقباذ بملطية وهي من بلاد كيقباذ وأرسل عسكرا وفتحوا حصن منصور، وحصن الكختا، وكانا لصاحب آمد المذكور. وفيها [في خامس عشر <ذي> الحجة] (١)، نازل جلال الدين منكبرتي خلاط وبها حسام الدين علي الحاجب من جهة الأشرف، وهي منازلته الثانية (٢)، وجرى بينهم قتال كثير، وأدركه البرد فرحل عنها في السنة المذكورة. وفي سنة أربع وعشرين وست مئة (١٣) كان في أوائلها الكامل بديار مصر، وخوارزم شاه جلال الدين منكبرتي مالكا لأذربيجان وأرّان وبعض بلاد الكرج، وهو موافق للملك المعظم على حرب أخويه الكامل والأشرف، والرسل لا تنقطع بين جلال الدين والمعظم، والملك الأشرف معهم كالأسير عند أخيه المعظم، ولما رأى الملك الأشرف حاله مع أخيه المعظم وأنه لا خلاص له منه إلا أن يجيبه إلى ما يريد أجابه كالمكره، وحلف أن يعاضده (٢٠٠) ويكون معه على أخيهما الكامل، وأن يكون معه على صاحبي حماة وحمص، فلما حلف له على ذلك أطلقه المعظم، فرحل الملك الأشرف في جمادى [الآخرة] (٣) وكانت مدة مقامه مع المعظم نحو عشرة أشهر، (٤) وفي اتفاقهما يقول الحسن بن يوسف الطائي (٥): <الكامل>

стр. 8537

لم يتفق موسى وعيسى آية … إلا ليصبح كلّ أعمى مبصرا بعثا فموسى كلّ فرعون طغى … أردى، وعيسى بعده أحيا الورى ولما استقر الملك الأشرف ببلاده رجع عن جميع ما تقرّر بينه وبين المعظم، وتأول في أيمانه التي حلفها أنه مكره، ولما رأى الملك الكامل اعتضاد الملك المعظم بجلال الدين خاف من ذلك، وكاتب الأمبروز ملك الفرنج (١) في أن يقدم عكّا ليشغل [أخاه] (٢) المعظم عما هو فيه، ووعد الأمبروز أن يعطيه القدس، فسار الأمبروز إلى عكّا، وبلغ المعظم ذلك فكتب إلى أخيه الأشرف يستعطفه. وفيها، انتزع الأتابك طغريل الخادم الشّغر وبكاس من الملك الصالح بن الملك الظاهر، وعوضه عنها بعين تاب والرّاوندان. وفيها، سار الحاجب حسام الدين علي بعساكر الأشرف من خلاط إلى بلاد جلال الدين، فاستولى على خوي وسلماس ونقجوان. وفي هذه السنة في ذي القعدة، توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب (٣) بقلعة دمشق بالدوسنطاريا وعمرة تسع وأربعون سنة، وكان مدة ملكه دمشق تسع سنين وشهورا (٢٠١) وكان شجاعا، وكان عسكره في غاية التجمل، وكان يخطب لأخيه الكامل ببلاده ولا يذكر اسمه معه، وكان الملك المعظم قليل التكلف جدا، وكان في غالب الأوقات لا يركب بالسناجق السلطانية، وكان يركب وعليه كلوتة صفراء بلا شاش، ويخترق

стр. 8538

الأسواق من غير أن يطرق بين يديه كما جرت عادة الملوك، ولما كثر هذا منه صار الإنسان إذا فعل أمرا لا يتكلف له يقال قد فعله بالمعظّمي، وكان عالما فاضلا في الفقه والنحو، وكان شيخه في النحو تاج الدين زيد بن الحسن الكندي (١)، وفي الفقه جمال الدين [الحصيري] (٢)، وكان حنفيا متعصبا لمذهبه، وخالف جميع أهل بيته، فإنهم كانوا شافعية، ومن شعره قوله (٣): <الطويل> ولي همة لولا العوائق لم تزل … تشرّ <ق> في كسب العلى وتغرّب ولكنها الأيام تبدي صروفها … عجائب حتى لست منهن أعجب وقوله: <الطويل> نزلنا ضميرا (٤) والجياد ضوامر … وقد حان من شمس النهار غروبها ففاضت غروب العين شوقا إليكم … وليس عجيبا أن يفيض غروبها وقوله: <الكامل> ومورد الوجنات أغيد خاله … بالحسن من فرط الملاحة عمّه

стр. 8539

كحل الجفون وكرّ في لحظاتها … غنجا، فقلت: سقى الحسام وسمّه (٢٠٢) ولما توفي المعظم ترتب في مملكته ولده الملك الناصر صلاح الدين داود (١)، وقام بتدبير مملكته مملوك والده وأستاذ داره عز الدين أيبك المعظّمي، وكان لأيبك المذكور صرخد وأعمالها. وفي هذه السنة، خلع العادل عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وقد تقدم ذكر ولايته في سنة عشرين وست مئة بعد خلع عمه عبد الواحد وقتله (٢). وفي أيام العادل المذكور كانت الوقعة بالأندلس بين المسلمين والفرنج على طليطلة، فانهزمت المسلمون هزيمة قبيحة، وهذه الوقعة هي التي هدت دعائم المسلمين بالأندلس. ولما خلع العادل المذكور حبس ثم خنق ونهب المصمودون قصره بمراكش واستباحوا حرمته. ثم ملك بعده يحيى بن محمد الناصر بن [يعقوب المنصور] (٣) بن يوسف ابن عبد المؤمن (٤)، ويحيى يومئذ لم يخط عذاره، ولما تمت بيعة يحيى وصل الخبر أنه قام بإشبيلية إدريس بن يعقوب المنصور (٤) وهو أخو العادل عبد الله

стр. 8540

وتلقب إدريس بالمأمون وجميعهم كانوا يتلقبون بأمير المؤمنين وتعقد البيعة لهم بالخلافة، ولما استقر أمر إدريس المأمون بإشبيلية ثارت جماعة من أهل مراكش وانضم إليهم العرب ووثبوا على يحيى بن محمد الناصر بمراكش، فهرب يحيى إلى الجبل ثم اتصل بعرب المعقل (١) فغدروا به فقتلوه (٢)، وخطب للمأمون إدريس بمراكش واستقر في الخلافة بالبرّين بر الأندلس وبر العدوة. ثم خرج على المأمون إدريس بشرق الأندلس (٢٠٣) المتوكل ابن هود (٣) واستولى على الأندلس، ففارق إدريس الأندلس (٤)، وسار في البحر إلى مراكش، وخرجت الأندلس حينئذ عن ملك بني عبد المؤمن. ولما استقر إدريس بمراكش تتبع الخارجين على من قبله من الخلفاء فقتلهم عن آخرهم وسفك دماء كثيرة حتى سموه حجاج المغرب لذلك، وكان المأمون إدريس المذكور فصيحا عالما بالأصول والفروع، ناظما ناثرا أمر بإسقاط اسم مهديهم ابن تومرت من الخطبة على المنابر، وعمل في ذلك رسالة طويلة، أفصح فيها بتكذيب مهديهم المذكور وضلاله. ثم ثار على إدريس المذكور أخوه (٥) بسبتة، فسار إدريس من مراكش إلى سبتة وحصره بسبتة، ثم بلغ إدريس وهو محاصر بسبتة أن بعض أولاد محمد

стр. 8541

الناصر قد دخل إلى مراكش (١) فرحل إدريس عن سبتة إلى مراكش فمات في الطريق بين سبتة ومراكش (٢). ولما مات المأمون إدريس ملك بعده ابنه عبد الواحد بن المأمون إدريس بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد غريقا في صهريج بستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وست مئة (٣)، وكان الرشيد حسن السياسة، وكان أبوه المأمون إدريس قد أبطل اسم مهديهم من الخطبة، فأعاده عبد الواحد المذكور، وقمع العرب إلا أنه تخلى للذاته لما استقل أمره، ولم يخطب للرشيد عبد الواحد بأفريقية ولا بالغرب (٢٠٤) الأوسط. ولما مات الرشيد عبد الواحد ملك بعده أخوه علي بن إدريس وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين، وكان أسمر اللون (٤)، مدحوضا في حياة والده، وسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه [أخاه] (٥) الأصغر عبد الواحد المذكور، واستمر علي بن إدريس حتى قتل وهو محاصر قلعة بقرب تلمسان في صفر من سنة ست وأربعين وست مئة (٦).

стр. 8542

ثم ملك بعد المعتضد الأسود المذكور أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وست مئة وتلقب بالمرتضى (١). وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وست مئة دخل الواثق أبو العلا إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى آزمّور من نواحي مراكش، فقبض عليه عامله بها وبعث إلى الواثق أعلمه، فأمره بقتله [فقتله] (٢) في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة خمس وستين وست مئة (٣) بموضع يقال [له] (٢) كتامة بعده عن مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو دبوس ثلاث سنين، وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مرين ملوك تلمسان وانقرضت دولة بني عبد المؤمن، وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في المحرّم سنة ثمان وستين وست مئة بموضع بينه وبين مراكش ثلاثة أيام في جهتها الشمالية، واستولى بنو مرين على ملكهم (٤). وقد اختلفوا في نسب أبي دبوس، فإني (٥) وجدت في بعض الكتب المؤلفة في هذا الفن أن أبا دبّوس هو ابن إدريس المأمون، ثم وجدت (٢٠٥) نسبه في وفيات الأعيان أنه هو نفسه إدريس بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد

стр. 8543

المؤمن (١) على ما سنذكره (٢) إن شاء الله تعالى. وفي سنة خمس وعشرين وست مئة (١٣) أرسل الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود بن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشّوبك فلم يعطه الناصر ذلك ولا أجابه إليه، فسار الملك من مصر في رمضان هذه السنة ونزل على تل العجول بظاهر غزة، وولى على نابلس والقدس وغيرهما من بلاد الناصر داود صاحب دمشق، وكان في صحبة الملك الكامل الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة وهو موعود من الملك الكامل انتزاع بلاد أخيه المعظم من ابنه الناصر صاحب دمشق، فاستنجد الناصر بعمه الأشرف وأرسل إليه وهو ببلاده الشرقية، فقدم الملك الأشرف إلى دمشق، ودخل هو والناصر داود إلى قلعة دمشق راكبين. قال القاضي جمال الدين بن واصل: كنت إذ ذاك حاضرا بدمشق، ورأيت الملك الأشرف راكبا مع ابن أخيه وعلى رأس الملك الأشرف شاش علم كبير، ووسطه مشدود بمنديل، وكان وصول الأشرف إلى دمشق في العشر الأخير من رمضان هذه السنة، ووصل إلى خدمته بدمشق الملك المجاهد شير كوه، فإنه كان من المنتمين إلى الأشرف، ثم وقع الاتفاق أن يسير الناصر داود <و> شير كوه صحبة الأشرف إلى نابلس، فيقيم الناصر داود بنابلس، ويتوجه الأشرف إلى عند (٢٠٦) أخيه الكامل بغزة شافعا في ابن أخيهما الناصر داود ففعلوا ذلك.

стр. 8544

ولما وصل الأشرف إلى أخيه الكامل وقع اتفاقهما في الباطن على أخذ دمشق من ابن أخيهما الناصر، وتعويضه عنها بحران والرّها والرقّة من بلاد الملك الأشرف، وتستقر دمشق للملك الأشرف، ويكون له إلى عقبة فيق وما عدا ذلك من بلاد دمشق يكون للكامل، وأن تنتزع حماة من الناصر قليج أرسلان وتصير للملك المظفّر محمود [أخي] (١) الناصر قليج أرسلان، وأن تنتزع سلميّة من الملك المظفّر وكانت إقطاعه لما كان مقيما عند الكامل بمصر، وتعطى لشير كوه صاحب حمص. وخرجت هذه السنة والأشرف مقيم عند أخيه الكامل بظاهر غزة، وقد اتفقا على ذلك. وفيها، عاد التتر إلى قصد البلاد التي بيد جلال الدين بن خوارزم شاه، وجرت بينه وبينهم حروب كثيرة، وكان في أكثر الأوقات الظفر للتتر. وفيها، قدم الإمبراطور إلى عكّا بجموعه (٢)، وكان الملك الكامل قد أرسل إليه فخر الدين بن الشيخ (٣) يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم فقدم الإمبراطور وقد مات المعظم فنشب به الكامل، ولما وصل الإمبراطور استولى على

стр. 8545

صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين وبينه، وسورها خراب، فعمره الفرنج، والإمبراطور معناه ملك الأمراء بالفرنجية، وإنما اسمه فردريك، وكان صاحب جزيرة صقلّية ومن البر الطويل جزيرة أنبولة (١) والأنبردية. قال (٢٠٧) القاضي جمال الدين بن واصل: ولقد رأيت تلك البلاد لما توجهت رسولا من الملك الظاهر بيبرس الصالحي إلى الإمبراطور ملك تلك البلاد، قال: وكان ملك الفرنج الإمبراطور من بين قرنائه من ملوك الفرنج محبا للحكمة والمنطق والطب، مائلا إلى المسلمين، لأن منشأه بجزيرة صقلّية وغالب أهلها مسلمون (٢). وترددت الرسل بين الملك الكامل والإمبراطور إلى أن خرجت هذه السنة. وفيها، بعد فراغ جلال الدين من التتر قصد بلاد خلاط، ونهب القرى وقتل وخرب البلاد، وفعل الأفعال القبيحة. وفي سنة ست وعشرين وست مئة (١٣) لما جرى بين السلطان الكامل والأشرف الاتفاق الذي ذكرناه بلغ الناصر داود ذلك وهو بنابلس، فلحق بدمشق وكان قد لحقه بالفور عمه الأشرف وعرفه ما أمر به الكامل، وأنه لا يمكن الخروج عن مرسومه، فلم يلتفت الناصر داود إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق والكامل [مشتغل] (٣) بمراسلة الإمبراطور، ولما طال الأمر ولم يجد الكامل بدا من المهادنة
следующие страницы →