كنانة فشنقوا عن آخرهم، ووصل الملك الصالح إلى المنصورة ونزل بها يوم الثلاثاء لخمس بقين من صفر من هذه السنة، وقد اشتد مرضه وهو السّل والقرحة التي كانت به.
وفي هذه السنة، سار الناصر داود بن الملك المعظم من الكرك إلى حلب لما ضاقت به الأمور مستجيرا بالملك الناصر يوسف صاحب حلب، وكان قد بقي عند الناصر داود من الجوهر مقدار كثير قيل كان يساوي مئة ألف دينار إذا بيع بالهوان، فلما وصل إلى حلب سير الجوهر المذكور إلى بغداد واستودعه عند الخليفة المستعصم، ووصل إليه خط الخليفة بتسلمه، فلم تقع عينه عليه بعد ذلك.
ولما سار الناصر داود عن الكرك استناب بها ابنه عيسى (١) ولقبه (٢٦٩) الملك المعظم، وكان له ولدان آخران أكبر من عيسى هما: الأمجد حسن (٢)
والظاهر شاذي (٣)، فغضب الأخوان المذكوران من تقديم أخيهما عيسى عليهما، وبعد سفر أبيهما [قبضا على أخيهما عيسى] (٤) <و> سارا إلى مصر، وأطمعا الملك الصالح في الكرك، فأحسن الصالح إليهما، وأقطعهما إقطاعا أرضاهما به، وأرسل إلى الكرك وتسلمها يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وفرح الملك الصالح أيوب بالكرك فرحا عظيما مع ما هو
стр. 8612
فيه من المرض لما كان في خاطره من صاحبها.
وفي هذه السنة، توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب (١) ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة مضت من شعبان من هذه السنة، وكانت مدة مملكته للديار المصرية تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما، وكان عمره نحو أربع وأربعين سنة، وكان مهيبا عالي الهمة، شجاعا، عفيفا، طاهر اللسان والذيل، شديد الوقار، كثير الصمت، وجمع من المماليك الترك ما لم يجمعه غيره من أهل بيته حتى كان أكثر أمراء العسكر مماليكه، ورتب جماعة من المماليك الترك حول دهليزه وسماهم البحرية، وكان لا يجسر أحد أن يخاطبه إلا جوابا، ولا يتكلم بحضرته ابتداء، وكانت القصص توضع من يديه مع الخدم فيكتب بيده عليها، وتخرج للموقعين، وكان لا يستقبل [أحدا] (٢) من أهل [دولته] (٣) بأمر من الأمور إلا بعد مشاورته بالقصص، وكان غاويا للعمارة، بنى قلعة [الجزيرة] (٤) بمصر، والصالحية (٥) وهي بلدة بالسانح (٢٧٠) وبنى بها قصورا للتصيد، وبنى قصرا عظيما بين مصر والقاهرة يسمى بالكبش (٦)، وكانت أم الصالح المذكور جارية سوداء تسمى ورد المنى غشيها الملك الكامل فحملت بالملك الصالح، وكان للملك الصالح ثلاثة أولاد أحدهم فتح الدين عمر توفي في حبس الصالح
стр. 8613
إسماعيل (١)، وكان قد توفي ولده الآخر قبله، ولم يكن بقي له غير المعظم توران شاه بحصن كيفا.
ومات الملك الصالح ولم يوص بالملك إلى أحد، فلما توفي أحضرت شجر الدّر (٢) جاريته فخر الدين بن الشيخ والطواشي جمال الدين [محسنا] (٣)
وعرفتهما بموت السلطان فكتموا ذلك خوفا من الفرنج، وجمعت شجر الدّر الأمراء وقالت لهم: السلطان يأمركم أن تحلفوا له ثم من بعده لولده الملك المعظم توران شاه المقيم بحصن كيفا وللأمير فخر الدين بن الشيخ بأتابكية العسكر، وكتبت إلى حسام الدين بن أبي علي وهو النائب بمصر بمثل ذلك، فحلفت الأمراء والأجناد بالعسكر بمصر والقاهرة على ذلك في العشر الأوسط من شعبان هذه السنة، وكان بعد ذلك تخرج الكتب والمراسيم وعليها علامة الملك الصالح، وكان يكتبها خادم يقال له السهيلي (؟) فلا يشك أحد في أنه خط السلطان، وأرسل فخر الدين بن الشيخ قاصدا لإحضار الملك المعظم من حصن كيفا، ولما جرى ذلك شاع بين الناس موت السلطان، وكان أرباب الدولة [لا يجسرون] (٤)
أن يتفوهوا به، وتقدم الفرنج عن دمياط للمنصورة وجرى بينهم وبين المسلمين (٢٧١) في رمضان هذه السنة وقعة عظيمة استشهد فيها جماعة كبار من المسلمين، ونزلت الفرنج بشرمساح (٥) ثم قربوا من المسلمين، ثم إن الفرنج كبسوا المسلمين على المنصورة بكرة الثلاثاء لخمس مضين من ذي القعدة، وكان فخر
стр. 8614
الدين يوسف بن الشيخ صدر الدين بن حمّوية بالحمّام في المنصورة، فركب مسرعا وصادفه جماعة من الفرنج فقتلوه (١)، وكان سعيدا في الدنيا، ومات شهيدا، ثم حملت المسلمون والترك البحرية على الفرنج فردوهم على أعقابهم، واستمرت بهم الهزيمة.
وأما الملك المعظم توران شاه فإنه سار من حصن كيفا إلى دمشق في رمضان هذه السنة وعيد بها عيد الفطر، ووصل إلى المنصورة يوم الخميس لتسع بقين من ذي القعدة، ثم اشتد القتال بين المسلمين والفرنج برا وبحرا، ووقعت مراكب المسلمين على الفرنج فأخذوا منهم اثنين وثلاثين [مركبا] (٢) منها تسع [شوان] (٣) فضعفت الفرنج لذلك، وأرسلوا يطلبون القدس وبعض السواحل و [أن] (٤) يسلموا دمياط، فلم تقع الإجابة إلى ذلك.
وفيها، وقع الحرب بين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وبين الناصر صاحب حلب، فأرسل الملك الناصر عسكرا التقوا مع المواصلة بظاهر نصيبين فانهزمت المواصلة هزيمة قبيحة، واستولى الحلبيون على أثقال لؤلؤ صاحب الموصل وخيمه وتسلموا نصيبين من صاحب الموصل، ثم ساروا إلى دارا فتسلموها وخربوها بعد قتال (٢٧٢) وحصار ثلاثة أشهر، ثم تسلموا قرقيسياء (٥) وعادوا إلى حلب.
стр. 8615
وفي سنة ثمان وأربعين وست مئة (١٣)
انهزم الفرنج لأنهم لما أقاموا قبالة المسلمين بالمنصورة فنيت أزوادهم وانقطع عنهم المدد من دمياط وأن المسلمين قطعوا الطريق الواصل من دمياط إليهم، ولم يبق لهم صبر على المقام فرحلوا ليلة الأربعاء لثلاث مضين من المحرم متوجهين إلى دمياط، وركبت [المسلمون] (١) أكتافهم، ولما أسفر صباح الأربعاء خالطهم المسلمون وبذلوا فيهم السيف فلم يسلم منهم إلا القليل، وبلغت عدة الأسرى (٢) من الفرنج ثلاثين ألفا على ما قيل، وانحاز ريد إفرنس ومن معه من الملوك إلى بلد هناك وطلبوا الأمان فأمنهم الطواشي محسن الصالحي، ثم احتيط عليهم وأحضروا إلى المنصورة وقيد ريد إفرنس وجعل في الدار التي كان ينزلها كاتب الإنشاء فخر الدين بن لقمان (٣)، ووكل به الطواشي صبيح المعظّمي.
ولما جرى ذلك رحل الملك المعظم بالعساكر من المنصورة ونزل بفارسكور (٤)، ونصب بها برج خشب للملك المعظم (كذا).
وفي هذه السنة يوم الاثنين لليلة بقيت من المحرم قتل الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل (٥)، وسبب ذلك أن المذكور اطرح جانب [أمراء أبيه ومماليكه] (٦) وكلّ منهم بلغه عنه من التهديد والوعيد ما نفر
стр. 8616
قلبه منه، واعتمد على بطانة وصلت معه من حصن كيفا، وكانوا أطرافا أراذل، فاجتمعت البحرية على قتله بعد (٢٧٣) نزوله بفارسكور وهجموا عليه بالسيوف، وكان أول من ضربه ركن الدين بيبرس الذي صار سلطانا فيما بعد على ما سنذكره (١)، فهرب الملك المعظم منهم إلى البرج الخشب الذي نصب له فأطلقوا فيه النار ليركب في حرّاقته فحالوا بينه وبينها بالنشّاب فطرح نفسه في البحر فأدركوه وأتموا قتله في نهار الاثنين، وكان مدة إقامته في المملكة [من] (٢) حين وصوله إلى الديار المصرية شهرين وأياما.
ولما جرى ذلك اتفق الأمراء على إقامة شجر الدّر زوجة الملك الصالح في المملكة وأن يكون عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي المعروف بالتركماني (٣)
أتابك العسكر وحلفوا على ذلك، وخطب لشجر الدّر على المنابر، وضربت السكة باسمها، وكان نقش السكة: المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين ووالدة الملك المنصور خليل، وكان الملك الصالح قد ولد له من شجر الدّر [ولد] (٤) ومات صغيرا واسمه خليل فتسمت شجر الدّر والدة خليل، وكانت صورة علامتها على المناشير والتواقيع: والدة خليل.
ولما جرى ذلك وقع الحديث مع ريد إفرنس في تسليم دمياط بالإفراج عنه، فتقدم ريد إفرنس إلى من بها من نوابه بتسليمها فسلموها وصعد إليهم العلم السلطاني يوم الجمعة لثلاث بقين من صفر من هذه السنة، وأطلق ريد إفرنس فركب البحر بمن سلم معه (٢٧٤) نهار السبت غداة الجمعة المذكورة، وأقلعوا
стр. 8617
إلى عكّا، ووردت البشرى بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار، وفي واقعة [ريد] (١) إفرنس المذكورة يقول جمال الدين يحيى بن مطروح أبياتا منها (٢):
<السريع>
قل للفرنسيس إذا جئته … مقال صدق عن قؤول نصيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها … تحسب أنّ الزمر [بالطبل] (٣) ريح
وكل أصحابك أوردتهم … بحسن تدبيرك بطن الضريح
خمسون ألفا لا ترى منهمو … غير قتيل أو أسير جريح
وقل لهم إن أضمروا عودة … لأخذ ثار أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح
ثم عادت العساكر ودخلت القاهرة يوم الجمعة تاسع صفر، وأرسل المصريون رسولا إلى أمراء دمشق في موافقتهم على ذلك فلم يجيبوا إليه.
وكان الملك السعيد بن العزيز عثمان بن الملك العادل (٤) صاحب الصّبيبة قد سلمها إلى الملك الصالح أيوب، فلما جرى ذلك قصد قلعة الصّبيبة فسلمت إليه.
стр. 8618
وكان الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل بن الكامل قد أرسله المعظم لما وصل إلى الشّوبك واعتقله، وكان النائب بالكرك والشّوبك لؤلؤ الصالحي (١) فلما جرى ما ذكرناه من قتل المعظم، وما استقر عليه الحال بادر بدر الدين لؤلؤ (٢٧٥) فأفرج عن المغيث وملكه قلعتي الكرك والشّوبك، وقام في خدمته أتم قيام.
ولما لم يجب أمراء دمشق إلى ما دعاهم إليه المصريون كاتب الأمراء القيمرية الذين بدمشق الملك الناصر صاحب حلب، فسار إليهم وملك دمشق ودخلها يوم السبت لثمان بقين (٢) من ربيع الآخر هذه السنة.
ولما استقر الناصر المذكور في ملك دمشق خلع على جمال الدين [بن] (٣)
يغمور وعلى أمراء دمشق وأحسن إليهم، واعتقل جماعة من مماليك الصالح أيوب، وعصت عليه بعلبك وعجلون وسميمس [مدة] (٣) مديدة، ثم سلمت إليه جميعها.
ولما بلغ الخبر بذلك إلى مصر قبضوا على من عندهم من القيمرية وعلى كل من اتهم بالميل إلى الحلبيين.
ثم إنّ أمراء الدولة وأكابرها اتفقوا على إقامة عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي في السلطنة، وأقاموا أيبك المذكور، وركب بالسناجق السلطانية وحملت الغاشية بين يديه يوم السبت آخر ربيع الآخر هذه السنة ولقب الملك العزيز، وأبطلت السكة والخطبة التي كانت باسم شجر الدّر.
ثم اجتمعت الأمراء واتفقوا على أنه لابد من إقامة شخص من بني أيوب في
стр. 8619
السلطنة، واجتمعوا على إقامة موسى المذكور (١) ولقبوه الأشرف وأن يكون أيبك التركماني [أتابكا] (٢).
وجلس الأشرف موسى بن يوسف بن الملك المسعود - صاحب اليمن الملقب أطسز المعروف بأقسيس - بن الملك الكامل بن العادل بن أيوب في دست (٢٧٦) السلطنة، وحضرت الأمراء في خدمته يوم الخميس لخمس مضين من جمادى الأولى هذه السنة.
وكان بغزّة حينئذ جماعة من عسكر مصر مقدمهم خاص ترك (٣) فسار إليهم عسكر دمشق فاندفعوا من غزة إلى الصالحية بالسّانح، واتفقوا على طاعة المغيث صاحب الكرك، وخطبوا له بالصالحية [يوم الجمعة] (٤) لأربع مضين من جمادى الآخرة هذه السنة.
ولما جرى ذلك اتفق كبراء الدولة بمصر ونادوا بالقاهرة ومصر أن البلاد للخليفة المستعصم، ثم جدّدت الأيمان للملك الأشرف بالسلطنة ولأيبك التركماني بالأتابكية.
وفي يوم الأحد لخمس مضين من رجب رحل فارس الدين آقطاي الجمدار الصالحي (٥) متوجها إلى جهة غزة ومعه [تقدير] (٤) ألفي فارس، وكان آقطاي
стр. 8620
المذكور مقدم البحرية، فلما وصل إلى غزة اندفع من كان بها من جهة الملك الناصر بين يديه.
وفي هذه السنة، اتفق كبراء الدولة وهدموا سور دمياط في العشر الأخير من شعبان هذه السنة لما حصل للمسلمين عليها من الشدة مرة بعد أخرى، وبنوا مدينة بالقرب منها بالبر وسموها المنشية، وأسوار دمياط التي هدمت من عمارة المتوكل العباسي.
وفي مستهل شعبان، قبض الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب على الناصر داود بن المعظم بن العادل الذي كان صاحب الكرك وبعث به إلى حمص فاعتقل بها، وذلك (٢٧٧) لأشياء بلغته عنه خاف منها.
وفي هذه السنة، سار الملك الناصر يوسف بعساكره من دمشق إلى الديار المصرية وصحبته من ملوك أهل بيته الصالح إسماعيل بن العادل بن أيوب، والأشرف موسى صاحب حمص وهو حينئذ صاحب تل باشر والرحبة وتدمر، والمعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين، وأخوه نصرة الدين (١)، والأمجد حسن والظاهر شاذي ابنا الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل ابن أيوب، وتقي الدين عباس بن الملك العادل بن أيوب (٢)، ومقدم الجيش شمس الدين لؤلؤ الأرمني وإليه تدبير المملكة، فرحلوا من دمشق يوم الأحد منتصف رمضان هذه السنة، ولما بلغ المصريين ذلك اهتموا لقتاله ودفعه، وبرزوا إلى السّانح وتركوا الأشرف المسمى بالسلطان بقلعة الجبل، وأفرج أيبك عن ولدي الصالح إسماعيل
стр. 8621
وهما المنصور إبراهيم (١) والسعيد عبد الملك (٢)، وكانا معتقلين من حين استيلاء الصالح أيوب على بعلبك (٣)، وخلع عليهما ليوهم الناصر يوسف صاحب الشام من أبيهما الصالح إسماعيل، والتقى العسكران المصري والشامي بالقرب من العباسة (٤) يوم الخميس عاشر ذي القعدة هذه السنة، وكانت الكسرة أولا على عسكر مصر فخامر جماعة من مماليك الترك العزيزية على الملك الناصر صاحب الشام، وثبت المعز أيبك التركماني في جماعة يسيرة من البحرية، فانضاف جماعة من العزيزية مماليك والد الناصر إلى المعز (٢٧٨)، ولما انكسرت المصريون وتبعتهم العساكر الشامية ولم يشكوا في النصر بقي الملك الناصر تحت السناجق السلطانية في جماعة يسيرة من المتعممين لا يتحرك من موضعه، فحمل المعزّ التركماني بمن معه عليه فولى الناصر منهزما طالبا جهة الشام، ثم حمل المعزّ على طلب شمس الدين لؤلؤ فهزمهم وأخذ لؤلؤ أسيرا فضربت عنقه صبرا (٥)، وكذلك أسر الأمير ضياء الدين القيمري فضربت عنقه (٦)، وأسر يومئذ الصالح إسماعيل والأشرف موسى صاحب حمص والمعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين وأخوه نصرة الدين، ووصل عسكر الناصر في أثر المنهزمين
стр. 8622
إلى العباسية وضربوا دهليز الملك الناصر وهم لا يشكون أن الهزيمة [تمت] (١)
على المصريين، فلما بلغهم هروب الملك الناصر اختلفت آراؤهم فمنهم من أشار بالدخول إلى القاهرة وتملكها ولو فعلوه لما كان بقي مع المعزّ من يقابلهم به فإن غالب المصريين المنهزمين وصلوا إلى الصعيد، ومنهم من أشار بالرجوع إلى الشام وكان منهم تاج الملوك بن المعظم وهو مجروح (٢)، وكانت الوقعة يوم الخميس، ووصل المنهزمون من المصريين إلى القاهرة في غداة الوقعة نهار الجمعة فلم يشك أهل مصر في تملك الملك الناصر ديار مصر، وخطب له في الجمعة المذكورة بقلعة الجبل بمصر.
وأما القاهرة فلم تقم فيها في ذلك اليوم خطبة لأحد، ثم وردت البشرى بانتصار البحرية، ودخل أيبك التركماني والبحرية إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة، ومعه الصالح إسماعيل تحت الاحتياط وغيره من المعتقلين فحبسوا بالقلعة (٢٧٩) وعقب ذلك أخرج أيبك التركماني أمين الدولة وزير الصالح إسماعيل وأستاذ داره [ابن] (١) يغمور [وكانا معتقلين] (٣) من حين [استيلاء] (١) الصالح أيوب على بعلبك (٤) فشنقهما على باب قلعة الجبل رابع عشر ذي القعدة.
وفي ليلة الأحد سابع عشري ذي القعدة هجم جماعة على الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب وهو يمص قصب سكر وأخرجوه إلى ظاهر قلعة الجبل من جهة القرافة وقتلوه فدفن هناك وعمره نحو خمسين
стр. 8623
سنة (١)، وكانت أمه رومية من حظايا الملك العادل.
وفيها، بعد هزيمة الملك الناصر صاحب الشام سار فارس الدين آقطاي بثلاثة آلاف فارس إلى غزة فاستولى عليها، ثم عاد إلى الديار المصرية.
وفي هذه السنة، وثب على الملك المنصور عمر صاحب اليمن جماعة [من مماليكه] (٢) فقتلوه، وهو عمر بن علي [بن] (٢) رسول (٣)، [وكان (٤) والده علي بن رسول أستاذ دار الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل، فلما سار الملك المسعود من اليمن قاصد <ا> الشام وتوفي [بمكة] (٢) استناب أستاذ داره علي بن رسول المذكور على اليمن فاستقر نائبا بها لبني أيوب]، [وكان (٥)
لعلي المذكور إخوة فأحضروا إلى مصر وأخذوا رهائن خوفا من استيلاء علي بن رسول على اليمن، واستمر علي المذكور نائبا حتى مات، قيل سنة ثلاثين وست مئة واستولى على اليمن بعده ولده عمر على ما كان عليه أبوه من النيابة، فأرسل من مصر أعمامه ليعزلوه ويكونوا نوابا موضعه، فلما وصلوا إلى اليمن قبض عمر
стр. 8624
المذكور (٢٨٠) عليهم واعتقلهم، واستقل بملك اليمن حينئذ وتلقّب بالملك المنصور، واستكثر من المماليك الترك فقتلوه في هذه السنة اعني سنة ثمان وأربعين وست مئة، واستقر بعده في ملك اليمن ابنه يوسف، وتلقّب بالملك المظفر (١)، وصفا له اليمن وطالت أيام مملكته].
[(٢) ثم دخلت سنة تسع وأربعين وست مئة (١٣)
فيها، توفي الصاحب محيي الدين بن مطروح (٣)، وكان متقدما عند الملك الصالح أيوب، كان يتولى له لما كان الصالح بالشرق نظر الجيش ثم استعمله على دمشق ثم عزله وولى ابن يغمور، وكان ابن مطروح المذكور فاضلا في النثر والنظم فمن شعره: <الكامل>
عانقته فسكرت من طيب الشّذا … غصن رطيب بالنسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنّما … أمسى بخمر رضابه متنبّذا
جاء العذول يلومني من بعد ما … أخذ الغرام عليّ فيه مأخذا
لا أرعوي، لا أنثني، لا أنتهي … عن حبّه فليهذ فيه من هذى
إن عشت عشت على الغرام وإن أمت … وجدا به وصبابة يا حبّذا
وفيها، جهز الملك الناصر يوسف صاحب الشام عسكرا إلى غزة، وخرج
стр. 8625
المصريون إلى السّانح وأقاموا كذلك حتى خرجت هذه السنة.
وفيها، توفي علم الدين قيصر بن أبي القاسم بن عبد الغني بن مسافر الفقيه الحنفي المقرئ المعروف بتعاسيف (١)، وكان إماما في العلوم الرياضية، اشتغل بالديار المصرية والشام، ثم سار إلى الموصل، وقرأ على الشيخ كمال الدين موسى بن يونس (٢) علم الموسيقى، ثم عاد إلى الشام وتوفي بدمشق في شهر رجب من هذه السنة المذكورة، ومولده سنة أربع وسبعين وخمس مئة بأصفون من شرقي صعيد مصر.
ثم دخلت سنة خمسين وست مئة (١٣)
ولم يقع لنا فيها ما يصلح أن يؤرخ].
سنة إحدى وخمسين وست مئة إلى سنة ستين وست مئة
في سنة إحدى وخمسين وست مئة (١٤)
استقر الصلح بين الناصر يوسف صاحب الشام وبين بحرية مصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن، وللملك الناصر ما وراء ذلك، وكان نجم الدين البادرائي رسول الخليفة هو الذي حضر من جهة الخليفة وأصلح بينهم على ذلك، ورجع كل إلى مقره.
وفيها، قطع أيبك التركماني خبز (٣) حسام الدين بن أبي علي الهذباني،
стр. 8626
فطلب دستورا فأعطاه فسار إلى الشام، فاستخدمه الناصر بدمشق.
وفيها، أفرج الملك الناصر يوسف عن الناصر داود بن المعظم [الذي كان صاحب الكرك] (١) وكان قد اعتقله بقلعة حمص، وأفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل الناصر داود إلى جهة بغداد فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وديعته الجوهر فمنعوه إياها، وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أن لا يؤووه ولا يميروه فبقي الناصر داود في جهات عانة والحديثة وضاقت به الحال وبمن معه، وانضم (٢٨١) إليه جماعة غزيّة (٢) فبقي معهم يرحلون وينزلون جميعا، [ثم لما] (٣) قوي عليهم الحر ولم يبق بالبرية عشب قصدوا أزوار الفرات يقاسون بقّ الليل وهواجر النهار، وكان معه أولاده وكان لولده الظاهر شاذي فهد وكان يتصيد بالنهار عشرة غزلان، وكان يمضي للناصر داود وأصحابه [أيام] (٤) لا يطعمون غير الغزلان، واتفق أن الأشرف صاحب تل باشر وتدمر والرّحبة يومئذ أرسل إلى الناصر داود مركبين موسقين دقيقا وشعيرا فأرسل الناصر يوسف يهدده على ذلك، ثم إن الناصر داود قصد مكانا للشرابي واستجار به فرتب له الشرابي شيئا دون كفايته وأذن له في النزول بالأنبار وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام والناصر داود مع ذلك يتضرع إلى الخليفة المستعصم فلا يجيب ضراعته، ويطلب وديعته فلا يرد لهفته، ولا يجيبه إلا بالمماطلة والمطاولة، وكان مدة مقامه متنقلا في الصحارى مع الغزيّة ثلاثة
стр. 8627
أشهر، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة وشفع فيه عند الناصر يوسف، فقبل شفاعته وأذن له في العود إلى دمشق ورتب له مئة ألف درهم على بحيرة فامية وغيرها، فلم يحصل له من ذلك إلا دون الثلاثين ألف درهم.
وفيها، وصلت الأخبار من مكة أنّ نارا ظهرت من عدن وبعض جبالها بحيث كانت تظهر بالليل ويرتفع منها في النهار دخان عظيم.
[ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وست مئة (١٣)] (١)
ذكر أخبار الحفصيين ملوك تونس
(٢٨٢) وإنما ذكرناها في هذه السنة لأنها كانت كالمتوسطة لمدة ملكهم، قال (٢): والحفصيون أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي (٣)، وهنتاتة بتائين مثناتين من فوقهما: قبيلة من المصامدة يزعمون أنهم قرشيون من بني عدي بن كعب رهط عمر بن الخطاب ﵁، وكان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب بن تومرت بعد عبد المؤمن، وتولى ولده عبد الواحد بن أبي حفص (٤)
أفريقية نيابة عن بني عبد المؤمن في سنة ثلاث وست مئة، ومات سلخ <ذي> الحجة سنة ثماني عشرة وست مئة، فتولى أبو العلا من بني عبد المؤمن ثم توفي
стр. 8628
فعادت أفريقية إلى ولاية الحفصيين، وتولى منهم عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص (١) في سنة ثلاث وعشرين وست مئة، ولما تولى ولى أخاه [أبا] (٢)
زكريا يحيى (٣) قابس وأخاه أبا إبراهيم إسحاق (٤) بلاد الجريد، ثم خرج على عبد الله وهو على قابس أصحابه ورجموه وطردوه وولوا موضعه أخاه أبا زكريا سنة خمس وعشرين وست مئة (٥)، فنقم بنو عبد المؤمن على أبي زكريا ذلك، فأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقي اسم المهدي وخلع طاعة بني عبد المؤمن، وتملك أفريقية، وخطب لنفسه بالأمير المرتضى واتسعت مملكته وفتح تلمسان والغرب الأوسط وبلاد الجريد والزاب وبقي كذلك إلى أن توفي سنة سبع وأربعين وست مئة، وأنشأ في تونس بنايات عظيمة شامخة، وكان عالما بالأدب، وخلف أربع بنين وهم: أبو عبد الله محمد (٦)، وأبو إسحاق إبراهيم (٧)، وأبو حفص عمر (٨)، وأبو بكر وكنيته (٢٨٣) أبو يحيى (٩)،
стр. 8629
وخلف أخوين وهما أبو إبراهيم إسحاق ومحمد اللحياني (١) ابنا عبد الواحد بن أبي حفص، وكان محمد اللحياني صالحا منقطعا يتبرك به ثم تولى بعده (٢) ابنه أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا، ثم سعى عمه إبراهيم في خلعه فخلع، وبايع لأخيه محمد اللحياني الزاهد على كره منه لذلك فجمع أبو عبد الله محمد المخلوع أصحابه في يوم خلعه وشدّ على عمّيه فقهرهما وقتلهما، واستقر في ملكه وتلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن الأمراء الراشدين، وفي أيامه في سنة ثمان وستين وست مئة وصل الفرنسيس إلى أفريقية بجموع الفرنج، وأشرفت أفريقية على الذهاب، فقصمه الله ومات الفرنسيس وتفرقت جموعه (٣).
وفي أيامه خافه أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي زكريا فهرب ثم أقام بتلمسان وبقي المستنصر المذكور حتى توفي ليلة حادي عشر ذي الحجة سنة خمس وسبعين وست مئة، فملك ابنه يحيى بن محمد بن أبي زكريا وتلقب بالواثق بالله أمير المؤمنين (٤)، وكان ضعيف الرأي فتحرك عليه عمه أبو إسحاق الذي هرب وأقام بتلمسان وغلب على الواثق فخلع نفسه واستقر أبو إسحاق إبراهيم في المملكة في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وست مئة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد، وترك زيّ الحفصيين وأقام على زي زناتة وعكف على الشرب وفرق [المملكة] (٥) على أولاده، فوثبت أولاده على الواثق المخلوع فذبحوه
стр. 8630
وذبحوا معه ولديه الفضل والطيب، وسلم للواثق ابن صغير يلقب أبا عصيدة (١)
لأنهم (٢٨٤) يصنعون للنفساء عصيدة فيها دواء ويهدونها للنسوان، وعملت أم الصبي ذلك فلقبوا ابنها [أبا] (٢) عصيدة ثم ظهر إنسان ادعى أنه الفضل بن الواثق الذي ذبح مع ابيه واجتمعت عليه الناس، وقصدوا أبا إسحاق إبراهيم وقهره فهرب أبو إسحاق إلى بجاية وفيها ابنه أبو فارس عبد العزيز فترك [أبو] (٣)
فارس أباه ببجاية وسار بإخوته (٤) وجمعه إلى الدعي بتونس والتقى الجمعان فانهزم عسكر بجاية وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته ونجا له أخ اسمه يحيى (٥)
وعمه أبو حفص عمر بن أبي زكريا، ولما هزم الدعي عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاء برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعي واجتمعت العرب على عمر بن [أبي] (٦) زكريا بعد هروبه من المعركة، وقوي أمره وقصد الدعي بتونس وقهره وأسر الدعي في بيت بعض التجار بتونس ثم أحضر واعترف بنسبه فضربت عنقه، وكان الدعي المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد بن مرزوق ابن أبي عمار (٧)، وكان أبوه يتجر إلى بلاد
стр. 8631
السودان، وكان الدعي المذكور محارفا قصيفا وسار إلى ديار مصر، ونزل بدار الحديث الكاملية ثم عاد إلى الغرب فلما مرّ على طرابلس كان هناك شخص أسود يسمى نصيرا وكان خصيصا بالواثق المخلوع، وقد هرب لما جرى للواثق ما جرى، وكان في الدعي بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر فشهد له أنه الفضل بن الواثق فاجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه (٢٨٥) حتى قتل، وكان الدعي يخطب له بالخليفة المنصور بالله القائم بحق الله أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين [أبي] (١) العباس الفضل، ولما استقر أبو حفص عمر في المملكة وقتل الدعي تلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين، وهو المستنصر الثاني، ولما استقر في المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبي زكريا الذي سلم من المعركة إلى بجاية وملكها وتلقب بالمنتخب لإحياء دين الله أمير المؤمنين، واستمر المستنصر الثاني أبو حفص عمر بن أبي زكريا في مملكته حتى توفي في أوائل محرم سنة خمس وتسعين وست مئة، ولما اشتد مرضه بايع لابن له صغير واجتمع الفقهاء وقالوا أنت صائر إلى الله وتولية مثل هذا لا يحل فأبطل بيعته، وأخرج ولد الواثق المخلوع الذي كان صغيرا وسلم من الذبح الملقب بأبي عصيدة [وبويع صبيحة موت أبي حفص عمر الملقب بالمستنصر، وكان اسم أبي عصيدة المذكور] (٢) أبا عبد الله محمد فلقب بالمستنصر أيضا وهو المستنصر الثالث، وتوفي في أيامه صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم بن أبي زكريا وملك بجاية بعده ولده خالد (٣)، وبقي أبو عصيدة كذلك حتى توفي سنة تسع
стр. 8632
وسبع مئة فملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب ابن تومرت وأقام في المملكة ثمانية عشر يوما، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية ودخل تونس وقتل أبا بكر المذكور سنة تسع وسبع مئة.
ولما جرى ذلك كان زكريا اللحياني (١) بمصر، فسار مع عسكر السلطان الملك الناصر إلى طرابلس الغرب وبايعه العرب، وسار إلى تونس (٢٨٦) فخلع خالد بن المنتخب وحبس ثم قتل قصاصا بأبي بكر بن عبد الرحمن المقدم الذكر، واستقر اللحياني في ملك أفريقية، وهو أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد اللحياني بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب ابن تومرت، ثم تحرك على اللحياني أخو خالد بن المنتخب وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب فهرب اللحياني إلى ديار مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر بن يحيى المنتخب (٢) تونس وما معها خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحياني بايع ابنه محمد (٢)
نفسه واقتتل مع أبي بكر فهزمه أبو بكر واستقر محمد بن اللحياني بالمهدية وله معها طرابلس، وكان استيلاء أبي بكر وهروب اللحياني إلى ديار مصر في سنة تسع عشرة وسبع مئة، وأقام اللحياني في الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة إلى الإسكندرية يذكرون فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد أجابوا إلى طاعة اللحياني وبايعوا نائبه وهو محمد بن أبي بكر (٢) من الحفصيين وهو صهر زكريا اللحياني المذكور وهم في انتظار وصول اللحياني إلى
стр. 8633
مملكته.
أقول (١): وقد بقيت مملكة أفريقية مملكة يهرب (٢) منها [لضعفها بسبب استيلاء العرب عليها] (٣).
و [في هذه السنة] (٤) اغتال المعزّ أيبك المستولي على مصر خوشداشه الفارس آقطاي الجمدار (٥) وأوقف له في بعض دهاليز الدور التي بقلعة الجبل ثلاثة مماليك وهم: قطز (٦) وبهادر (٧) وسنجر الغتمي (٧) فلما مر بهم آقطاي ضربوه بسيوفهم فقتلوه، ولما علمت البحرية ذلك هربوا من الديار المصرية إلى الشام.
стр. 8634
وكان الفارس آقطاي يمنع أيبك من الاستقلال بالسلطنة وكان الاسم للملك الأشرف موسى بن يوسف بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب (١)، فلما قتل آقطاي استقل المعزّ بالسلطنة، وأبطل الأشرف موسى المذكور عنها بالكلية، وبعث به إلى عماته القطبيات (٢)، وموسى المذكور آخر من خطب له من بيت أيوب بالسلطنة بمصر، وكان انقضاء دولتهم من الديار المصرية في هذه السنة على ما شرحناه.
ووصلت البحرية إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام، واطمعوه في ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكره ونزل عمقا من الغور، وأرسل إلى غزة عسكرا فنزلوا بها، وبرز المعزّ أيبك إلى العباسة، وخرجت السنة وهم على ذلك.
وفيها، قدمت ملكة خاتون بنت كيقباذ ملك الروم إلى زوجها الملك الناصر صاحب الشام.
وفي سنة ثلاث وخمسين وست مئة (١٣)
عزمت العزيزية المقيمون مع المعزّ أيبك على القبض عليه، وعلم بذلك فاستعد لهم فهربوا من مخيمهم على العباسة على حمية، واحتيط على وطاقاتهم جميعا.
وفيها، تزوج المعزّ أيبك شجر الدّر أم خليل التي خطب لها بالسلطنة بديار مصر.
وفيها، طلب الملك الناصر داود من الناصر يوسف دستورا إلى العراق (٢٨٨)
стр. 8635
بسبب طلب وديعته من الخليفة وهو الجوهر الذي تقدم ذكره (١)، وأن يمضي إلى الحج فإذن له الناصر يوسف في ذلك، فسار الناصر داود إلى كربلاء ثم منها إلى الحج، ولما رأى قبر النبي ﷺ تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ داخلا عليه ومستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم في أن يرد علي وديعتي، فأعظم الناس ذلك، وجرت عبراتهم وارتفع بكاؤهم، وكتب بصورة ما جرى مشروح ودفع إلى أمير الحاج [كيخسرو] (٢) وذلك يوم [السبت] (٢) ثامن وعشري ذي الحجة، وتوجه الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد.
سنة أربع وخمسين وست مئة (١٣)
توفي كيخسرو ملك الروم (٣) وأقيم في السلطنة ولداه الصغيران عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان.
وفيها، توجه كمال الدين بن العديم (٤) رسولا من الناصر يوسف صاحب الشام إلى الخليفة المستعصم ومعه تقدمة جليلة، وطلب خلعة من الخليفة لمخدومه، ووصل من مصر من جهة المعزّ التركماني شمس الدين سنقر الأقرع (٥)
стр. 8636
وهو من مماليك المظفر غازي صاحب ميّافارقين إلى بغداد بتقدمة جليلة، وسعى في تعطيل خلعة الناصر صاحب الشام، فبقي الخليفة متحيرا ثم إنه أحضر سكينا من اليشم كبيرة وقال الخليفة لوزيره: أعط هذه السكين لرسول صاحب الشام علامة مني أن له عندي خلعة في وقت (٢٨٩) آخر، وأما في هذا الوقت فلا يمكنني، فأخذ كمال الدين بن العديم السكين وعاد إلى الناصر يوسف بغير خلعة.
وفيها، جرى للناصر داود مع الخليفة ما صورته: أنه لما أقام ببغداد بعد وصوله مع الحجاج واستشفاعه بالنبي ﷺ في رد وديعته أرسل الخليفة المستعصم من حاسب الناصر المذكور فيما وصله في ترداده إلى بغداد من المضيف اللحم والخبز والحطب والعليق والتّبن وغير ذلك وثمّن عليه بأغلى الأثمان وأرسل إليه شيئا نزرا وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته، وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئا فكتب خطه بذلك كرها وسار عن بغداد وأقام مع العرب، ثم أرسل إليه الناصر يوسف صاحب الشام فحلف له وطيب قلبه فقدم الناصر داود دمشق ونزل بالصالحية.
وفيها، في يوم الأحد ثالث شوال توفي سيف الدين طغريل (١) مملوك الملك المظفر [محمود صاحب حماة] (٢).
وفي سنة خمس وخمسين وست مئة (١٣)
قتل المعزّ التركماني الجاشنكير الصالحي (٣)، قتلته امرأته شجر الدّر التي
стр. 8637
كانت امرأة أستاذه الملك الصالح أيوب، وهي التي خطب لها بالسلطنة بديار مصر، وكان سبب ذلك أنه بلغها أن المعز قد خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ويريد الدخول بها، فقتلته في الحمام بعد عوده من لعب الكرة في النهار المذكور، وكان الذي قتله سنجر الجوجري مملوك الطواشي محسن والخدام (١)
حسبما اتفقت (٢٩٠) معهم، وأرسلت في تلك الليلة إصبع المعزّ وخاتمه إلى الأمير عز الدين الحلبي الكبير (٢) وطلبت منه أن يقوم بالأمر فلم يجسر على ذلك، ولما ظهر الخبر أراد مماليك المعزّ قتل شجر الدّر فحماها المماليك الصالحية واتفقت الكلمة على إقامة نور الدين بن المعزّ ولقبوه الملك المنصور (٣) وعمره حينئذ خمس عشرة سنة، ونقلت شجر الدّر من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، وصلبوا الخدام الذين اتفقوا معها على قتل المعزّ وهرب سنجر الجوجري ثم ظفروا به وصلبوه واحتيط على الصاحب بهاء الدين علي بن حنّا (٤) لكونه وزير شجر الدّر، وأخذ خطه بستين ألف دينار.
وفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر هذه السنة، اتفقت مماليك المعز مثل سيف
стр. 8638
الدين قطز وسنجر الغتمي وبهادر وقبضوا على علم الدين سنجر الحلبي (١) وكان قد صار أتابكا للملك المنصور علي بن المعزّ ورتبوا في الأتابكية آقطاي المستعرب الصالحي (٢).
وفي سادس ربيع الآخر من هذه السنة، قتلت شجر الدّر (٣) وألقيت خارج البرج فحملت إلى تربة كانت قد عملتها فدفنت فيها، وكانت تركية الجنس، وقيل: أرمنية، وكانت مع الملك الصالح في الاعتقال بالكرك، وولدت منه ولدا أسمه خليل مات صغيرا، وبعد ذلك بأيام خنق شرف الدين الفائزي.
وفي هذه السنة، نقل إلى الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب الشام أن البحرية يريدون أن يمسكوا به، فاستوحش منهم خاطره، وتقدم إليهم بالانبراح عن دمشق، فساروا إلى (٢٩١) غزة وانتموا إلى الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل وانزعج أهل مصر لقدوم البحرية إلى غزة، وبرزوا إلى العباسة، ووصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة ومنهم عز الدين الأفرم (٤) فأكرموهم وأفرجوا عن أملاك الأفرم، ولما فارق البحرية الناصر صاحب الشام أرسل عسكرا في إثرهم فكبس البحرية ذلك العسكر ونالوا منه، ثم إن عسكر الناصرية بعد الكبسة كسر البحرية فانهزموا إلى البلقاء، وإلى زغر (٥) ملتجئين إلى المغيث صاحب الكرك، فأنفق فيهم المغيث أموالا جليلة
стр. 8639
وأطمعوه في ملك مصر فجهزهم بما احتاجوه، وسارت البحرية وعسكر المغيث بكرة السبت منتصف <ذي> القعدة من هذه السنة، فانهزم عسكر المغيث والبحرية وفيهم بيبرس البندقداري المسمى بعد ذلك بالملك الظاهر إلى جهة الكرك.
وفيها، وصل من الخليفة المستعصم الخلعة والطوق والتقليد إلى الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز على يد الشيخ نجم الدين البادرائي فقال في ذلك الشهاب الوفائي (١): <الكامل>
يا أيها المولى الذي أضحى الورى … من فعله في نعمة ومزيد
إني عهدتك في العلوم مقلدا … فعجبت كيف أتيت بالتقليد
وفيها، استجار الناصر داود بنجم الدين البادرائي في أن يتوجه صحبته (٢٩٢) إلى بغداد فأخذه صحبته وتوصل الناصر يوسف صاحب دمشق إلى منعه من ذلك فلم يتهيأ له ذلك، وسار الناصر داود مع البادرائي إلى قرقيسياء فأخره البادرائي ليشاور عليه فأقام الناصر داود بقرقيسياء ينتظر الإذن له في القدوم إلى بغداد فلم يؤذن له، وطال مقامه فسار إلى البرية وقصد تيه بني إسرائيل وأقام مع عرب تلك البلاد.
وفيها، أو التي قبلها ظهرت نار الحرة عند مدينة الرسول ﷺ وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جدا (٢)، ولعلها النار التي ذكرها رسول الله ﷺ من علامات الساعة، فقال (٣):
стр. 8640
«نار تظهر بالحجاز تضيء منها أعناق الإبل ببصرى»
ثم اتفق أن الخدام بحرم النبي ﷺ وقع منهم في بعض الليالي تفريط، فاشتعلت النار في المسجد الشريف فاحترقت سقوفه ومنبر النبي ﷺ وتألم الناس لذلك.
وفي سنة ست وخمسين وست مئة (١٣)
كان استيلاء التتر على بغداد وانقراض الدولة العباسية، وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي (١) كان رافضيا، وكان أهل الكرخ روافض، فجرت فتنة بين السنة والرافضة، فأمر أبو بكر بن الخليفة (٢) <و> ركن الدين الدّوادار العسكر فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير بن العلقمي فكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد، وكان عسكر (٢٩٣) بغداد يبلغ مئة ألف فارس فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتر متحصل إقطاعاتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه بطلبهم، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم وخرج عسكر الخليفة لقتالهم ومقدمهم ركن الدين الدّوادار والتقوا على مرحلتين من بغداد واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر الخليفة ودخل بعضهم بغداد وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي، ونزل
стр. 8641
باجوا وهو مقدم كبير بالجانب الغربي على القرية قبالة دار الخليفة، وخرج مؤيد الدين بن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منه لنفسه وعاد إلى الخليفة وقال: إن هولاكو يبقيك بدار الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته بابنك أبي بكر وحسن له الخروج إلى هولاكو، فخرج المستعصم في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون وكان منهم محيي الدين بن الجوزي وأولاده، وبقي كذلك يخرج إلى التتر طائفة بعد طائفة فلما تكاملوا قتلهم التتر عن آخرهم، ثم مدوا الجسر وعدى باجو ومن معه وبذلوا السيف في بغداد، وهجموا دار الخلافة وقتلوا كل من كان فيها من الأشراف ولم يسلم منهم إلا من كان صغيرا فأخذ أسيرا، ودام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يوما (٢٩٤) ثم نودي بالأمان.
وأما الخليفة فإنهم قتلوه، ولم يقع اطلاع على كيفية قتله، فقيل: خنق، وقيل: وضعوه في عدل ورفسوه حتى مات، وقيل: غرّق في دجلة والله أعلم (١).
وكان هذا المستعصم أبو أحمد عبد الله بن المستنصر أبي جعفر منصور ابن محمد الظاهر بن الإمام الناصر أحمد وقد تقدم ذكر باقي نسبه عند وفاة الإمام الناصر (٢)، ضعيف الرأي، قد غلب عليه أمراء دولته لسوء تدبيره، تولى الخلافة بعد موت أبيه المستنصر في سنة أربعين وست مئة، وكانت مدة خلافته نحو ستّ عشرة سنة تقريبا، وهو آخر خلفاء بني العباس، وكان ابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وهي السنة التي بويع فيها السفاح بالخلافة، وقتل فيها
стр. 8642
مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية، فكانت مدة ملكهم خمس مئة وأربعا وعشرين سنة تقريبا، وعدة خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة.
حكى القاضي جمال الدين بن واصل، قال:
لقد أخبرني من أثق به أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته: أن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بلغ خلفاء بني أمية عنه أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده فأمر الأموي بعلي بن عبد الله فحمل على جمل بعد أن ضرب وطيف به ونودي عليه عند ضربه: هذا جزاء من يفتري ويقول إن الخلافة تكون في ولده، فكان علي بن عبد الله يقول: إي والله لتكوننّ الخلافة في ولدي، لا تزال فيهم حتى يأتيهم العلج من خراسان فينتزعها منهم فوقع (٢٩٥) مصداق ذلك وهو ورود هولاكو وإزالته ملك بني العباس (١).
وفي هذه السنة، كانت الوقعة بين المغيث صاحب الكرك وعسكر مصر، كان قد انضمت البحرية إلى المغيث بن العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب ونزل من الكرك وخيم بغزة، وجمع الجموع وسار إلى مصر في دست السلطنة، وخرجت عساكر مصر مع مماليك الملك المعزّ أيبك وأكبرهم سيف الدين قطز والغتمي وبهادر، والتقى الفريقان وانكسر المغيث ومن معه وسار منهزما إلى الكرك في أسوأ حال، ونهب ثقله ودهليزه.
وفي هذه السنة أعني سنة ست وخمسين، توفي الملك الناصر داود (٢) بظاهر دمشق في قرية يقال لها البويضاء، ومولده سنة ثلاث وست مئة، وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة، وكنا قد ذكرنا أخباره في سنة خمس وخمسين، وأنه توجه
стр. 8643
إلى تيه بني إسرائيل وصار مع عرب تلك البلاد (١)، وبلغ المغيث صاحب الكرك وصوله إلى تلك الجهة فخشي منه وأرسل إليه وقبض عليه وحمله إلى الشّوبك وأمر بحفر مطمورة ليحبسه فيها [وبقي الناصر ممسوكا والمطمورة تحفر قدامه ليحبس فيها] (٢)، فبينما هو على تلك الحال إذ ورد رسول الخليفة المستعصم من بغداد يطلبه لما قصده التتر ليقدمه على بعض العساكر [لملتقى التتر] (٣)، فلما ورد رسول الخليفة إلى دمشق جهز <هـ> الناصر يوسف إلى المغيث ووصل الرسول إلى الناصر داود قبل فراغ المطمورة فأخذه وعاد به إلى دمشق فبلغ الرسول باستيلاء التتر على بغداد وقتل الخليفة، فتركه الرسول ومضى (٢٩٦) لشأنه، فسار الناصر داود إلى البويضاء من قرى دمشق وأقام بها، ولحق الناس بالشام في تلك المدة طاعون مات فيه الناصر داود، وخرج الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضاء، وأظهر عليه الحزن والتأسف، ونقله إلى الصالحية فدفنه بتربة والده المعظم.
وكان الناصر داود فاضلا ناظما ناثرا وقرأ [العلوم] (٣) العقلية على الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسرو شاهي (٤) تلميذ الإمام فخر الدين الرازي، وللناصر داود المذكور أشعار جيدة، وقد تقدم ذكر بعضها (٥)، ومن شعره أيضا (٦): <الطويل>
стр. 8644
عيون عن السّحر المبين يبين … لها عند تحريك القلوب سكون
تصول ببيض وهي سود حديدها (١) … ذبول فتور والجفون جفون
إذا ما رأت قلبا خليّا من الهوى … تقول له: كن مغرما فيكون
وله (٢): <الكامل>
طرفي وقلبي قاتل وشهيد … ودمي على خدّيك منه شهود
أمّا وحبّك لست أضمر سلوة … عن صبوتي [ودعي] (٣) الفؤاد يبيد
منّي بطيفك بعد ما منع الكرى … عن ناظريّ البعد والتّسهيد
ومن العجائب أن قلبك لم يلن … لي، والحديد ألانه داود
ومما كتبه في أثناء مكاتبته إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان قد أغارت الفرنج على نابلس في أيام الصالح أيوب صاحب مصر: <الطويل>
(٢٩٧) ألا (٤) ليت أمي أيّم طول عمرها … فلم يقضها ربي لمولى ولا بعل
ويا ليته لما قضاها لسيّد … لبيب أريب طيب الفرع والأصل
قضاها من اللاتي خلقن عواقرا … فما بشّرت يوما بأنثى ولا فحل
ويا ليتها لما غدت بي حاملا … أصيبت بما احتقّت عليه من الحمل
ويا ليتني لما ولدت وأصبحت … تشدّ إزاري كنت أرمحت بالرّحل (٥)
لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم … ولم أر في الإسلام بالله (٦) من خلّ
стр. 8645
وفي هذه السنة، قصدت التتر ميّافارقين بعد ملكهم بغداد، وكان صاحب ميّافارقين حينئذ الملك الكامل محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكان قد ملكها بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وأربعين وست مئة، فحاصره التتر وضايقوا ميّافارقين مضايقة شديدة، وصبر أهل ميّافارقين مع الكامل المذكور على الجوع الشديد، ودام ذلك حتى كان منه ما سنذكره (١) إن شاء الله تعالى.
وفيها، اشتد الوباء بالشام خصوصا دمشق حتى لم يوجد مغسّل للموتى.
وفيها، أرسل الملك الناصر يوسف صاحب الشام ولده الملك العزيز محمد وصحبته زين الدين المعروف بالحافظي (٢)، وهو من أهل قرية عقرباء (٣) من بلاد دمشق بتحف وتقدّم إلى هولاكو ملك التتر، وصانعه لعلمه بعجزه عن مقاومته.
وفيها، كان بين البحرية بعد هزيمتهم من المصريين وبين عسكر الناصر يوسف صاحب دمشق ومقدمهم الأمير (٢٩٨) مجير الدين بن أبي زكرى (٤) مصاف بظاهر غزة انهزم فيه عسكر الناصر يوسف وأسر مجير الدين، وقوي أمر البحرية بعد هذه الكسرة وأكثروا العبث والفساد.
стр. 8646
وفي سنة سبع وخمسين وست مئة (١٣)
سار عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان ابنا كيخسرو بن كيقباذ إلى خدمة هولاكو وأقاما معه مدة، ثم عادا إلى بلادهما.
وفي هذه السنة، توفي بدر الدين لؤلؤ (١) صاحب الموصل، ولقبه الملك الرحيم، وكان عمره قد جاوز ثمانين سنة، ولما مات ملك بعده ولده الملك الصالح (٢) الموصل، وملك سنجار ولده الآخر علاء الدين (٣)، وكان بدر الدين قد صانع هولاكو ودخل تحت طاعته، وحمل إليه الأموال، ووصل إلى خدمة هولاكو بعد أخذ هولاكو بغداد ببلاد أذربيجان، وكان صحب لؤلؤا الشريف العلوي ابن صلايا، فقيل إن لؤلؤا سعى به إلى هولاكو فقتل الشريف المذكور (٤)، ولما عاد لؤلؤ إلى الموصل لم يطل مقامه بها حتى مات، وطالت أيامه في ملك الموصل فإنه كان القائم بأمور أستاذه أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي ابن آقسنقر، وقام بتدبير ولده الملك القاهر، ولما توفي الملك القاهر في سنة خمس عشرة وست مئة انفرد لؤلؤ بالمملكة، وأقام ولدي القاهر الصغيرين واحدا بعد آخر، واستبد بملك الموصل وبلادها ثلاثا وأربعين سنة تقريبا، ولم يزل في ملكه
стр. 8647
سعيدا لم تطرقه آفة، ولم يختل لملكه نظام.
وفي هذه السنة لما جرى من البحرية ما ذكرناه من كسر عسكر الناصر يوسف، سار الناصر المذكور عن دمشق (٢٩٩) بنفسه وعساكره، وسار في صحبته الملك المنصور صاحب حماة بعسكره إلى جهة الكرك على بركة زيزاء (١)
محاصرا للملك المغيث صاحب الكرك بسبب حمايته للبحرية، ووصل إلى الملك الناصر رسل المغيث صاحب الكرك والقطببة بنت الملك الأفضل قطب الدين بن الملك العادل (٢) يتضرعون إلى الناصر ويطلبون رضاه عن الملك المغيث فلم يجب إلى ذلك إلا بشرط أن المغيث يقبض على من عنده من البحرية، فأجاب المغيث إلى ذلك، وعلم بالحال ركن الدين بيبرس البندقداري فهرب في جماعة من البحرية إلى الناصر يوسف فأحسن إليه، وقبض المغيث على من عنده من البحرية ومن جملتهم سنقر الأشقر (٣) وسكز (٤) وبرامق (٤) وأرسلهم على الجمال إلى الملك الناصر فبعث بهم إلى حلب فاعتقلوا بها، واستقر الصلح بين الناصر وبين المغيث صاحب الكرك، وكان مدة مقام الناصر يوسف بالعساكر على بركة زيزاء ما يزيد على شهرين بقليل، ثم عاد إلى دمشق وأعطى للملك المنصور صاحب
стр. 8648
حماة دستورا فعاد إلى بلده.
وفي أواخر سنة سبع وخمسين في أوائل ذي الحجة قبض سيف الدين قطز على ابن أستاذه الملك المنصور نور الدين علي بن المعزّ أيبك وخلعه من السلطنة، وكان علم الدين الغتمي وسيف الدين بهادر وهما من كبار المعزية غائبين في رمي البندق، وانتهز قطز الفرصة في غيبتهما وفعل ذلك، ولما حضر الغتمي وبهادر المذكوران قبض عليهما أيضا، واستقر قطز في ملك الديار المصرية، وتلقب بالملك المظفر (٣٠٠) وكان رسول صاحب الشام وهو كمال الدين بن العديم قد قدم إلى مصر في أيام المنصور علي بن المعز مستنجدا على التتر، واتفق خلع علي المذكور وولاية قطز بحضور كمال الدين بن العديم.
ولما استقر قطز في السلطنة أعاد جواب الملك الناصر أنه ينجده ولا يقعد عن نصرته، وعاد ابن العديم بذلك.
وفي هذه السنة، قصد هولاكو البلاد التي بشرقي الفرات، ونازل حران وملكها واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده شموط بن هولاكو إلى الشام، فوصل إلى ظاهر حلب في العشر الأخير من ذي الحجة هذه السنة، وكان الحاكم بحلب الملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين نائبا عن ابن ابن أخيه الملك الناصر (١)، فخرج عسكر حلب لقتالهم وخرج المعظم ولم يكن من رأيه الخروج وأكمن لهم التتر في الباب المعروف بباب الله وتقاتلوا عند بانقوسا (٢)
فاندفع التتر قدامهم إلى أن خرجوا عن البلد، ثم عادوا إليها وهرب المسلمون
стр. 8649
طالبين المدينة والتتر يقتلون [فيهم] (١) حتى دخلوا البلد، واختنق في أبواب البلد جماعة من المسلمين، ثم رحل التتر إلى أعزاز فتسلموها بالأمان.
[ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وست مئة (١٣)] (٢)
ولما بلغ الناصر يوسف صاحب الشام قصد التتر حلب برز من دمشق إلى برزة (٣) في أواخر السنة [الماضية] (٢)، وجفل الناس من بين يدي التتر، وسار الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق ونزل مع الناصر ببرزة وكان هناك مع الناصر يوسف بيبرس البندقداري من حين هرب من الكرك والتجأ إلى الناصر، واجتمع عند الناصر (٣٠١) على برزة أمم عظيمة من العساكر والجفال.
[ولما دخلت هذه السنة والملك الناصر على برزة بلغه] (٤) أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به، فهرب من الدّهليز إلى قلعة دمشق وبلغ مماليكه [الذين] (٢) قصدوا [ذلك] (٢) علمه بهم فهربوا على حميّة إلى غزّة، وكذلك سار بيبرس البندقداري إلى غزّة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازي بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين (٥) لشهامته.
стр. 8650
ولما جرى ذلك هرب الملك الظاهر المذكور خوفا من أخيه الملك الناصر، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر وأمهما [أم ولد] (١) تركية ووصل الملك الظاهر إلى غزّة واجتمع عليه من بها من العسكر وأقاموه سلطانا، ولما جرى ذلك كاتب بيبرس البندقداري الملك المظفر قطز صاحب مصر، فبذل له الأمان ووعده [الوعود الجميلة] (١)، ففارق بيبرس البندقداري الشاميين وسار إلى مصر في جماعة من أصحابه، فأقبل عليه الملك المظفر قطز وأنزله في دار الوزارة وأقطعه قليوب وأعمالها.
وفي سنة ثمان وخمسين في يوم الأحد تاسع صفر، كان استيلاء التتر على حلب، وسببه أن هولاكو عبر الفرات بجموعه ونازل حلب وأرسل هولاكو إلى الملك المعظم توران شاه نائب السلطنة بحلب يقول له: إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنّة، وبالقلعة (٣٠٢) شحنّة ونحن نتوجه إلى العسكر، [فإن كانت الكسرة على الإسلام كانت البلاد لنا، وتكونوا قد حقنتم دماء المسلمين] (٢)، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشّحنتين إن شئتم طردتموهما وإن شئتم قتلتموهما، فلم يجب المعظم إلى ذلك، وقال: ليس لكم عندنا إلا السيف، وكان رسول هولاكو إليهم في ذلك صاحب أرزن الروم فتعجب من الجواب، وتألم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك.
وأحاط التتر بحلب ثاني صفر، وهجموا التوامين في غد ذلك اليوم، وقتل من المسلمين جماعة كثيرة، وممن قتل أسد الدين بن الملك الزاهر بن صلاح