وفي سنة سبع وخمسين وست مئة (١٣)
سار عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان ابنا كيخسرو بن كيقباذ إلى خدمة هولاكو وأقاما معه مدة، ثم عادا إلى بلادهما.
وفي هذه السنة، توفي بدر الدين لؤلؤ (١) صاحب الموصل، ولقبه الملك الرحيم، وكان عمره قد جاوز ثمانين سنة، ولما مات ملك بعده ولده الملك الصالح (٢) الموصل، وملك سنجار ولده الآخر علاء الدين (٣)، وكان بدر الدين قد صانع هولاكو ودخل تحت طاعته، وحمل إليه الأموال، ووصل إلى خدمة هولاكو بعد أخذ هولاكو بغداد ببلاد أذربيجان، وكان صحب لؤلؤا الشريف العلوي ابن صلايا، فقيل إن لؤلؤا سعى به إلى هولاكو فقتل الشريف المذكور (٤)، ولما عاد لؤلؤ إلى الموصل لم يطل مقامه بها حتى مات، وطالت أيامه في ملك الموصل فإنه كان القائم بأمور أستاذه أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي ابن آقسنقر، وقام بتدبير ولده الملك القاهر، ولما توفي الملك القاهر في سنة خمس عشرة وست مئة انفرد لؤلؤ بالمملكة، وأقام ولدي القاهر الصغيرين واحدا بعد آخر، واستبد بملك الموصل وبلادها ثلاثا وأربعين سنة تقريبا، ولم يزل في ملكه
стр. 8647
سعيدا لم تطرقه آفة، ولم يختل لملكه نظام.
وفي هذه السنة لما جرى من البحرية ما ذكرناه من كسر عسكر الناصر يوسف، سار الناصر المذكور عن دمشق (٢٩٩) بنفسه وعساكره، وسار في صحبته الملك المنصور صاحب حماة بعسكره إلى جهة الكرك على بركة زيزاء (١)
محاصرا للملك المغيث صاحب الكرك بسبب حمايته للبحرية، ووصل إلى الملك الناصر رسل المغيث صاحب الكرك والقطببة بنت الملك الأفضل قطب الدين بن الملك العادل (٢) يتضرعون إلى الناصر ويطلبون رضاه عن الملك المغيث فلم يجب إلى ذلك إلا بشرط أن المغيث يقبض على من عنده من البحرية، فأجاب المغيث إلى ذلك، وعلم بالحال ركن الدين بيبرس البندقداري فهرب في جماعة من البحرية إلى الناصر يوسف فأحسن إليه، وقبض المغيث على من عنده من البحرية ومن جملتهم سنقر الأشقر (٣) وسكز (٤) وبرامق (٤) وأرسلهم على الجمال إلى الملك الناصر فبعث بهم إلى حلب فاعتقلوا بها، واستقر الصلح بين الناصر وبين المغيث صاحب الكرك، وكان مدة مقام الناصر يوسف بالعساكر على بركة زيزاء ما يزيد على شهرين بقليل، ثم عاد إلى دمشق وأعطى للملك المنصور صاحب
стр. 8648
حماة دستورا فعاد إلى بلده.
وفي أواخر سنة سبع وخمسين في أوائل ذي الحجة قبض سيف الدين قطز على ابن أستاذه الملك المنصور نور الدين علي بن المعزّ أيبك وخلعه من السلطنة، وكان علم الدين الغتمي وسيف الدين بهادر وهما من كبار المعزية غائبين في رمي البندق، وانتهز قطز الفرصة في غيبتهما وفعل ذلك، ولما حضر الغتمي وبهادر المذكوران قبض عليهما أيضا، واستقر قطز في ملك الديار المصرية، وتلقب بالملك المظفر (٣٠٠) وكان رسول صاحب الشام وهو كمال الدين بن العديم قد قدم إلى مصر في أيام المنصور علي بن المعز مستنجدا على التتر، واتفق خلع علي المذكور وولاية قطز بحضور كمال الدين بن العديم.
ولما استقر قطز في السلطنة أعاد جواب الملك الناصر أنه ينجده ولا يقعد عن نصرته، وعاد ابن العديم بذلك.
وفي هذه السنة، قصد هولاكو البلاد التي بشرقي الفرات، ونازل حران وملكها واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده شموط بن هولاكو إلى الشام، فوصل إلى ظاهر حلب في العشر الأخير من ذي الحجة هذه السنة، وكان الحاكم بحلب الملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين نائبا عن ابن ابن أخيه الملك الناصر (١)، فخرج عسكر حلب لقتالهم وخرج المعظم ولم يكن من رأيه الخروج وأكمن لهم التتر في الباب المعروف بباب الله وتقاتلوا عند بانقوسا (٢)
فاندفع التتر قدامهم إلى أن خرجوا عن البلد، ثم عادوا إليها وهرب المسلمون
стр. 8649
طالبين المدينة والتتر يقتلون [فيهم] (١) حتى دخلوا البلد، واختنق في أبواب البلد جماعة من المسلمين، ثم رحل التتر إلى أعزاز فتسلموها بالأمان.
[ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وست مئة (١٣)] (٢)
ولما بلغ الناصر يوسف صاحب الشام قصد التتر حلب برز من دمشق إلى برزة (٣) في أواخر السنة [الماضية] (٢)، وجفل الناس من بين يدي التتر، وسار الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق ونزل مع الناصر ببرزة وكان هناك مع الناصر يوسف بيبرس البندقداري من حين هرب من الكرك والتجأ إلى الناصر، واجتمع عند الناصر (٣٠١) على برزة أمم عظيمة من العساكر والجفال.
[ولما دخلت هذه السنة والملك الناصر على برزة بلغه] (٤) أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به، فهرب من الدّهليز إلى قلعة دمشق وبلغ مماليكه [الذين] (٢) قصدوا [ذلك] (٢) علمه بهم فهربوا على حميّة إلى غزّة، وكذلك سار بيبرس البندقداري إلى غزّة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازي بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين (٥) لشهامته.
стр. 8650
ولما جرى ذلك هرب الملك الظاهر المذكور خوفا من أخيه الملك الناصر، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر وأمهما [أم ولد] (١) تركية ووصل الملك الظاهر إلى غزّة واجتمع عليه من بها من العسكر وأقاموه سلطانا، ولما جرى ذلك كاتب بيبرس البندقداري الملك المظفر قطز صاحب مصر، فبذل له الأمان ووعده [الوعود الجميلة] (١)، ففارق بيبرس البندقداري الشاميين وسار إلى مصر في جماعة من أصحابه، فأقبل عليه الملك المظفر قطز وأنزله في دار الوزارة وأقطعه قليوب وأعمالها.
وفي سنة ثمان وخمسين في يوم الأحد تاسع صفر، كان استيلاء التتر على حلب، وسببه أن هولاكو عبر الفرات بجموعه ونازل حلب وأرسل هولاكو إلى الملك المعظم توران شاه نائب السلطنة بحلب يقول له: إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنّة، وبالقلعة (٣٠٢) شحنّة ونحن نتوجه إلى العسكر، [فإن كانت الكسرة على الإسلام كانت البلاد لنا، وتكونوا قد حقنتم دماء المسلمين] (٢)، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشّحنتين إن شئتم طردتموهما وإن شئتم قتلتموهما، فلم يجب المعظم إلى ذلك، وقال: ليس لكم عندنا إلا السيف، وكان رسول هولاكو إليهم في ذلك صاحب أرزن الروم فتعجب من الجواب، وتألم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك.
وأحاط التتر بحلب ثاني صفر، وهجموا التوامين في غد ذلك اليوم، وقتل من المسلمين جماعة كثيرة، وممن قتل أسد الدين بن الملك الزاهر بن صلاح
стр. 8651
الدين (١)، واشتد <ت> مضايقة التتر للبلد، وهجموه من عند حمام حمدان في ذيل قلعة الشريف يوم الأحد تاسع صفر وبذلوا السيف في المسلمين، وصعد إلى القلعة خلق عظيم، ودام القتل والنهب من نهار الأحد المذكور إلى الجمعة رابع عشر صفر المذكور، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودي بالأمان، ولم يسلم من أهل حلب إلا من التجأ إلى دار شهاب الدين بن عمرون (٢)، ودار نجم الدين أخي مردكين، ودار البازياد، ودار علم الدين قيصر الموصلي، والخانقاه التي فيها زين الدين الصوفي، وكنيسة اليهود، وذلك لفرمانات كانت بأيديهم، وقيل إنه سلم بهذه الأماكن [خمسون] (٣) ألف نفس، ونازل التتر القلعة، وحاصروها وبها المعظم ومن التجأ إليها من العسكر، واستمر الحصار عليها إلى أن <كان> [ما سنذكره] (٤)، وكان قد تأخر بحماة الطواشي مرشد لما سار صاحب حماة (٣٠٣) إلى دمشق، فلما بلغ أهل حماة فتح حلب توجه الطواشي مرشد من حماة إلى الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق، ووصل كبراء حماة إلى حلب ومعهم مفاتيح حماة وحملوها إلى هولاكو، وطلبوا منه الأمان لأهل حماة وشحنة يكون عندهم، فأمنهم هولاكو وأرسل إلى حماة شحنة رجلا أعجميا كان يدّعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسرو شاه، فسار إلى حماة وتولاها وأمن الناس، وكان بقلعة حماة مجاهد الدين قايماز أمير جندار فسلم القلعة إليه ودخل في طاعة التتر.
стр. 8652
ولما بلغ الملك الناصر بدمشق أخذ حلب رحل من دمشق وبمن معه من العساكر إلى الديار المصرية وفي صحبته الملك المنصور صاحب حماة وأقام بنابلس أياما ورحل عنها ونزلها الأمير مجير الدين بن أبي زكرى (١) والأمير علي ابن شجاع (٢) ومعهما جماعة من العسكر، ثم سار الملك الناصر إلى غزّة فانضم إليه مماليكه الذين كانوا أرادوا قتله، وكذلك اصطلح معه أخوه المظفر غازي، وانضم إليه خلق عظيم، ووصل التتر إلى نابلس وكبسوا العسكر الذي بها وقتلوا الأمير مجير الدين والأمير علي بن شجاع وكانا أميرين جليلين فاضلين، وكان البحرية قد قبضوا عليهما واعتقلوهما بالكرك، وأفرج عنهما المغيث لما وقع الصلح بينه وبين الناصر.
ولما بلغ الملك الناصر وهو بغزّة ما جرى من كبسة التتر لنابلس رحل من غزّة (٣٠٤) إلى العريش، وسير القاضي برهان الدين [الخضر] (٣) رسولا إلى الملك المظفر يطلب منه المعاضدة، ثم سار الملك الناصر والمنصور صاحب حماة والعسكر ووصلوا إلى قطيا فجرى فيها فتنة بين التركمان والأكراد الشّهرزوريّة ووقع نهب في الجفّال وخاف الملك الناصر أن يدخل مصر فيقبض عليه، فتأخر في قطيا ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماة إلى مصر، وتأخر مع
стр. 8653
الملك الناصر جماعة يسيرة منهم أخوه الظاهر والملك الصالح شير كوه صاحب حمص، وشهاب الدين القيمري، ثم سار الملك الناصر بمن تأخر معه إلى تيه بني إسرائيل، ولما وصلت العساكر إلى مصر التقاهم الملك المظفر قطز بالصالحية وطيّب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماة سنجقا والتقاه ملتقى حسنا وطيّب قلبه ودخل القاهرة.
وأما التتر، فإنهم استولوا على دمشق وعلى سائر الشام إلى غزّة واستقرت شحانيهم بهذه البلاد.
وأما قلعة حلب فوثب جماعة من أهلها في مدة الحصار على صفي الدين بن طرزة رئيس حلب، وعلى نجم الدين محمد بن عبد العزيز بن القاضي نجم الدين بن أبي عصرون فقتلوهما لأنهم اتهموهما بمواطأة التتر، ودام الحصار على القلعة نحو شهرين، ثم سلمت بالأمان في يوم الاثنين الحادي عشر من ربيع الأول هذه السنة.
ولما نزل أهلها بالأمان، وكان فيها جماعة من البحرية الذين (٣٠٥) حبسهم الملك الناصر منهم سكز وبرامق وسنقر الأشقر فسلمهم هولاكو وباقي الترك إلى رجل مع التتر يقال له سلطان حق وهو من أكابر القفجاق هرب من التتر لما غلبت على القفجاق إلى حلب فأكرمه الملك الناصر فلم تطب له تلك البلاد وعاد إلى التتر، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التي قدمنا ذكرها (١)، وأمر هولاكو أن يمضي كل من سلم إلى داره وملكه وأن لا يعارض، وجعل النائب عماد الدين القزويني، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص [موسى] (٢) بن إبراهيم بن شير كوه، وكان قد انفرد الأشرف المذكور عن
стр. 8654
المسلمين لما توجه الناصر يوسف إلى جهة مصر، ووصل إلى هولاكو بحلب فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الناصر صاحب حلب في سنة ست وأربعين وست مئة وعوضه عنها تل باشر كما تقدم ذكره (١)
فعادت إليه في هذه السنة واستقر ملكه بها.
وقدم أيضا على هولاكو وهو نازل على حلب محيي الدين بن الزكي (٢) من دمشق ومعه مفاتيحها، فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام، ولما عاد ابن الزكيّ المذكور إلى دمشق لبس خلعة هولاكو فكانت مذهبة وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق وقرأ عليهم تقليد هولاكو واستقر في القضاء.
ثم رحل هولاكو إلى حارم وطلب تسلمها، فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين (٣) والي قلعة حلب فاحضره هولاكو (٣٠٦) فسلموها إليه فغضب هولاكو [من ذلك] (٤) وقتل أهل حارم عن آخرهم، وسبى النساء ثم رحل بعد ذلك وعاد إلى الشرق، وأمر عماد الدين القزويني (٣) بالرحيل إلى بغداد فسار إليها وجعل مكانه بحلب رجلا أعجميا وأمر هولاكو بخراب أسوار قلعة حلب وإخراب أسوار المدينة فخربت عن آخرها، وأعطى هولاكو الأشرف موسى صاحب حمص الدستور ففارقه ووصل إلى حماة فنزل بدار المبارز (٥) وأخذ في
стр. 8655
خراب سور حماة بتقدم هولاكو، إليه فخربت أسوارها واحترقت زردخاناتها وبيعت [الكتب] (١) التي في دار السلطنة بقلعة حماة بأبخس الأثمان.
وأما أسوار مدينة حماة فلم تخرب لأنه كان بحماة رجل يقال له إبراهيم ابن الفرنجية (٢) ضامن الجهة المفردة بذل لخسرو شاه جملة كثيرة من المال، وقال:
الفرنج قريب منا بحصن الأكراد ومتى خربت أسوار المدينة [لا] (١) يقدر أهلها على المقام فيها فأخذ منه المال ولم يتعرض لخراب أسوار المدينة، وكان قد أمر هولاكو الملك الأشرف صاحب حمص بخراب قلعة حمص [أيضا] (٣) فلم يخرب منها إلا شيئا قليلا لأنها مدينته.
وأما دمشق فإنهم لما ملكوا المدينة بالأمان لم يتعرضوا إلى قتل ولا نهب، وعصت عليهم قلعة دمشق فحاصرها التتر وجرى على أهل دمشق شدة عظيمة من عصيان القلعة، وضايقوا القلعة وأقاموا عليها المناجيق، ثم تسلموها بالأمان في منتصف جمادى الأولى من هذه السنة (٣٠٧) ونهبوا جميع ما فيها، وجدّوا في خراب أسوار القلعة وإعدام ما بها من الزردخانات والآلات، ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها.
وفي هذه السنة، استولى التتر على ميّافارقين وقد تقدم ذكر نزولهم عليها في سنة ست وخمسين (٤) ودام الحصار عليهم حتى فنيت أزوادهم وفني أهلها
стр. 8656
بالوباء وبالقتل، وصاحبها الملك الكامل محمد بن المظفر غازي بن العادل أبي بكر بن أيوب [مصابر ثابت] (١)، وضعف من عنده عن القتال فاستولى عليها التتر وقتلوا صاحبها الملك الكامل المذكور (٢) وحملوا رأسه على رمح وطيف به في البلاد، ومروا به على حلب وحماة ووصلوا به إلى دمشق في سابع عشري جمادى الأولى، فطافوا به دمشق بالمغاني والطبول، وعلق الرأس المذكور في شبكة بسور باب الفراديس إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أبياتا منها (٣): <الخفيف>
ابن غازي غزا وجاهد قوما … أثخنوا في العراق والمشرقين
طاهرا عاليا ومات شهيدا … بعد صبر عليهم عامين
لم يشنه إذ طيف بالرأس منه … وله أسوة برأس الحسين
ثم واروا في مسجد الرأس ذا … ك الرأس واستعجبوا من الحالتين
وأما الملك الناصر يوسف فإنه لما انفرد عن العسكر من قطيا وسار (٣٠٨) إلى تيه بني إسرائيل بقي متعجبا إلى أين يتوجه، وعزم على التوجه إلى الحجاز وكان له طبردار كردي اسمه حسين (٤) فحسن له المضي إلى التتر وقصد هولاكو، فاغتر بقوله ونزل ببركة زيزاء، وسار حسين الكردي إلى كتبغا نائب هولاكو وعرفه بموضع الناصر، فأرسل كتبغا إليه وقبض عليه، وأحضره إلى عجلون
стр. 8657
وكانت بعد عاصية فأمرهم الملك الناصر بتسليمها فسلمت إليهم فهدموها، وكنا قد ذكرنا حصار التتر لبعلبك فتسلموها قبل تسليم عجلون وخربوا قلعتها أيضا.
وكان بالصّبيبة صاحبها الملك السعيد بن الملك العزيز بن العادل (١) فسلّم الصّبيبة إليهم، وصار الملك السعيد معهم وأعلن بالفسق والفجور وسفك دماء المسلمين.
وأما الملك الناصر يوسف فإن كتبغا بعث به إلى هولاكو فوصل إلى دمشق ثم إلى حماة وبها الملك الأشرف صاحب حمص فخرج إلى لقائه هو وخسرو شاه النائب بحماة ثم سار إلى حلب فلما عاينها الملك الناصر وما حل بها وبأهلها بكى وتألم وأنشد: <الطويل>
يعزّ علينا أن نرى ربعكم يبلى … وكانت به آيات حسنكم تتلى
ثم سار إلى الأردو فأقبل عليه هولاكو ووعده برده إلى مملكته.
وفي خامس عشر شعبان، أخرج التتر من الاعتقال نقيب قلعة دمشق وواليها (٢) وضربوا أعناقهما بداريّا واشتهر عند أهل دمشق خروج العسكر من مصر (٣٠٩) لقتال التتر فأوقعوا بالنصارى وكان قد استطالوا على المسلمين
стр. 8658
بدق النواقيس وإدخال الخمر إلى الجامع فنهبهم المسلمون في سابع عشري رمضان، وأخربوا كنيسة مريم، وكانت كنيسة عظيمة، وكانت كنيسة مريم في جانب دمشق الذي فتحه خالد بن الوليد بالسيف فبقيت بيد المسلمين، وكان ملاصق الجامع كنيسة وهي من الجانب الذي فتحه أبو عبيدة بن الجراح بالأمان فبقيت بأيدي النصارى، فلما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة خرب الكنيسة الملاصقة للجامع وأضافها إليه ولم يعوض النصارى عنها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عوضهم كنيسة مريم عن تلك الكنيسة، فعمروها عمارة عظيمة، وبقيت كذلك حتى خربها المسلمون في التاريخ المذكور.
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان هذه السنة، كانت هزيمة التتر على عين جالوت وذلك لما اجتمعت العساكر الإسلامية بمصر عزم الملك المظفر قطز مملوك المعز أيبك على الخروج إلى الشام لقتال التتر، وسار من مصر بالعساكر الإسلامية وصحبته الملك المنصور محمد صاحب حماة وأخوه الأفضل علي وكان مسيره من الديار المصرية في أوائل رمضان من هذه السنة، ولما بلغ كتبغا [سير العساكر الإسلامية إليه صحبة الملك المظفر قطز] (١) سار بجموعه والتقى الجمعان في اليوم المذكور، فانهزمت التتر هزيمة قبيحة، وأخذتهم سيوف المسلمين وقتل مقدمهم كتبغا واستؤسر ابنه وتعلق من (٣١٠) سلم من التتر برءوس الجبال وتبعهم المسلمون فأفنوهم، وهرب من سلم إلى الشرق، وجرد قطز ركن الدين بيبرس البندقداري في أثرهم فتبعهم إلى أطراف البلاد، وكان أيضا في صحبة التتر الملك الأشرف موسى صاحب حمص ففارقهم وطلب [الأمان] (١) من المظفر قطز فأمنه، ووصل إليه فأكرمه وأقره على ما بيده وهو
стр. 8659
حمص ومضافاتها، وأما الملك [السعيد] (١) صاحب الصّبيبة فإنه أمسك أسيرا وأحضر إلى بين يدي المظفر قطز فأمر بضرب عنقه بسبب ما كان اعتمده من سفك الدماء والفسق (٢).
ولما انقضى أمر المصاف أحسن المظفر قطز إلى الملك المنصور صاحب حماة وأقره على حماة وبارين، وأعاد إليه المعرة وكانت في يد الحلبيين من حين استولوا عليها في سنة خمس وثلاثين وست مئة (٣) وأخذ سلميّة منه وأعطاها لأمير العرب (٤)، وأتم الملك المظفر السير بالعساكر وصحبته الملك المنصور صاحب حماة حتى دخل دمشق وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت يئست من النصر على التتر لاستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، ولأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه، فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم وبقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام، وفي يوم دخوله دمشق أمر بشنق جماعة منتسبين إلى التتر فشنقوا، وكان من جملتهم حسين الكردي (٥) طبردار الملك الناصر يوسف وهو الذي أوقع الناصر (٣١١) في أيدي التتر، وفي هذه النصرة وقدوم قطز إلى الشام يقول بعض الشعراء (٦):
<الخفيف>
هلك الكفر في الشام جميعا … واستجدّ الإسلام بعد دحوضه
стр. 8660
[بالمليك] (١) المظفّر الملك الأروع … سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بحزم وعزم … فاعتززنا بسمره وببيضه
أوجب الله شكر ذاك علينا … دائما مثل واجبات فروضه
ثم أعطى قطز لصاحب حماة الدستور فقدم الملك المنصور قدامه مملوكه ونائبه مبارز الدين آقوش المنصوري إلى حماة، ثم سار الملك المنصور وأخوه الأفضل ووصلا إلى حماة، ولما استقر الملك المنصور بحماة قبض على جماعة كانوا مع التتر واعتقلهم، وهنأ الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ للملك المنصور بهذا النصر العظيم وبعودة المعرة بقصيدة منها: <الكامل>
رعت العدا فضمنت ثلّ عروشها … ولقيتها فأخذت تلّ جيوشها
نازلت أملاك التتار فأنزلت … عن فحلها قسرا وعن إكديشها
فغدا لسيفك [في رقاب كماتها] (٢) … حصد المناجل في يبيس حشيشها
فقت الملوك ببذل ما تحويه إذ … ختمت خزائنها على منقوشها
وطويت عن مصر فسيح مراحل … ما بين بركتها وبين عريشها
حتى حفظت على العباد بلادها … من رومها الأقصى إلى أحبوشها
فرشت حماة لوطء نعلك خدّها … فوطئت عين الشمس من مفروشها
(٣١٢) وضربت سكّتها التي أخلصتها … عما يشوب النقد من مغشوشها
وكذا المعرة إذ ملكت قيادها … دهشت سرورا صار في مدهوشها
طربت برجعتها إليك كأنما … شربت (٣) بخمرة كأسها أو حيشها
لا زلت تنعش بالنوال فقيرها … وتنال أقصى الأجر من منعوشها
стр. 8661
وكان خسرو شاه قد سافر من حماة إلى جهة الشرق لما بلغه كسرة التتر ثم جهز الملك المظفر قطز عسكرا إلى حلب لحفظها، ورتب شمس الدين آقوش البرلي العزيزي (١) أميرا بالسواحل وغزّة، ورتب معه جماعة من العزيزية، وكان البرلي المذكور من مماليك الملك العزيز صاحب حلب وسار في جملة العزيزية مع ولده الملك الناصر إلى قتال المصريين، وخامر البرلي وجماعة من العزيزية على ابن أستاذهم الملك الناصر، وصاروا مع أيبك التركماني صاحب مصر، ثم إن المذكورين قصدوا اغتيال المعز أيبك المذكور، فعلم بهم فقبض على بعضهم وهرب بعضهم، وكان البرلي المذكور من جملة من سلم وهرب إلى الشام، فلما وصل إلى الملك الناصر اعتقله بقلعة عجلون، فلما توجه الملك الناصر بالعساكر إلى الغور مندفعا من بين يدي التتر أخرج البرلي المذكور من حبس عجلون وطيب خاطره، فلما هرب الملك الناصر من قطيا دخل شمس الدين البرلي إلى مصر مع باقي العساكر، فأحسن إليه قطز وولاه الآن السواحل وغزة، ثم إن الملك المظفر قطز فوض السلطنة بدمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الحلبي وهو الذي (٣١٣) كان أتابك علي بن المعز أيبك، وفوض نيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ (٢) صاحب الموصل، وكان المذكور قد وصل إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام ودخل مع العساكر إلى مصر وصار مع المظفر قطز ففوض إليه نيابة السلطنة بحلب، وكان سببه أن الملك الصالح بن لؤلؤ [أخاه] (٣) قد صار صاحب الموصل بعد أبيه فولاه حلب ليكاتبه أخوه بأخبار التتر، ولما استقر السعيد المذكور في نيابة حلب سار سيرة رديئة، وكان دأبه
стр. 8662
التحيل على [أخذ] (١) أموال الرعية، ولما قرر الملك المظفر قطز المذكور الشام على ما شرحناه سار من دمشق إلى جهة الديار المصرية.
وكان قد اتفق بيبرس البندقداري الصالحي مع أنص (٢) مملوك نجم الدين الرومي الصالحي (٢) والهاروني (٣) وعلم الدين صغن أغلي (٢) على قتل المظفر قطز، وساروا معه يتوقعون الفرصة فلما صار قطز إلى القصير بطرف الرّمل وبينه وبين الصالحية مرحلة وقد سبق الدّهليز والعسكر إلى الصالحية فبينا قطز يسير إذ قامت أرنب بين يديه فساق عليها وساق هؤلاء المذكورون معه، فلما أبعدوا تقدم إليه أنص وشفع عند الملك المظفر في إنسان فأجابه إلى ذلك، فأهوى ليقبل يده وقبض عليها، فحمل عليه بيبرس البندقداري حينئذ وضربه بالسيف واجتمعوا عليه ورموه عن فرسه وقتلوه بالنشاب وذلك في سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة، فكانت (٣١٤) مدة ملكه أحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما (٤)، وساق بيبرس وأصحابه بعد قتله حتى وصلوا إلى الصالحية، ولما وصل بيبرس المذكور هو والجماعة [قاتلو] (٥) المظفر قطز إلى الدّهليز وكان عند الدّهليز نائب السلطنة فارس الدين آقطاي المستعرب وهو الذي صار أتابكا لعلي ابن المعز أيبك بعد الحلبي، فلما تسلطن قطز أقره على نيابة السلطنة، فلما وصل بيبرس البندقداري سألهم آقطاي وقال: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا، فقال:
يا خوند! اجلس في مرتبة السلطنة فجلس، واستدعيت العساكر للتحليف فحلفوا له في اليوم الذي قتل فيه قطز واستقر بيبرس في السلطنة وتلقب بالملك
стр. 8663
[القاهر ثم بعد ذلك غير لقبه وتلقب] (١) بالظاهر لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك ما لقب به أحد فطالت مدته، وكان الملك الظاهر المذكور قد سأل من قطز النيابة بحلب فلم يجبه إليها ليكون ما قدره الله تعالى.
ولما حلف الناس للملك الظاهر بالصالحية ساق في جماعة من أصحابه، وسبق العسكر إلى قلعة الجبل ففتحت له ودخلها واستقرت قدمه في المملكة، وكانت قد زينت مصر والقاهرة لقدوم قطز فاستمرت الزينة لسلطنة بيبرس في سابع عشر ذي القعدة.
وفي العشر الآخر من ذي القعدة، شرع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب السلطنة بدمشق في عمارة قلعة دمشق وجمع لها الصناع وكبراء الدولة والناس وعملوا فيها حتى عملت النساء فيها، وكان عند الناس (٣١٥) بذلك سرور عظيم.
وفي العشر الأول [من ذي الحجة] (٢) من هذه السنة، أعني سنة ثمان وخمسين جمع سنجر الحلبي الناس وحلفهم لنفسه بالسلطنة، فأجابه الناس إلى ذلك وحلفوا له، ولم يتأخر عنه أحد ولقب نفسه بالملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة وضربت السكّة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة فلم يجبه، وقال صاحب حماة: أنا مع من يملك مصر كائنا من كان، وقد ذكرنا أن [الملك السعيد] (٣) بن لؤلؤ صاحب الموصل كان قد أساء السيرة في حلب فأبغضه العسكر وبلغ الملك السعيد عود التتر إلى الشام وأنه قد وصل أولهم إلى البيرة فجهز إلى جهتهم جماعة قليلة من العسكر، وقدم عليهم سابق الدين أمير
стр. 8664
مجلس الناصري (١) فأشار عليه كبراء العزيزية والناصرية بأن هذا ما هو مصلحة وأن هؤلاء قليلون فيحصل الطمع بسببهم في البلاد، فلم يلتفت إلى ذلك وأصر على مسيرهم، فسار سابق الدين أمير مجلس بمن معه حتى قاربوا البيرة فوقع عليهم التتر فهرب منهم ودخل البيرة بعد أن قتل غالب من كان معه فازداد غيظ الأمراء على الملك السعيد بسبب ذلك فاجتمعوا وقبضوا عليه ونهبوا وطاقه، وكان قد برز إلى الباب المعروف بباب الله.
ولما استولوا على خزانته لم يجدوا فيها مالا طائلا فهددوه بالعذاب إن لم يقر لهم بماله، فنبش من تحت أشجار بباب الله خمسين ألف دينار مصرية ففرقت في الأمراء، وحمل الملك السعيد المذكور (٣١٦) إلى الشّغر وبكاس معتقلا، ثم [لما] (٢) اندفع العسكر من بين التتر [أفرجوا عنه] (٢)، ولما جرى ذلك اتفقت الأمراء العزيزية والناصرية وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجو كندار [العزيزي (٣)، ثم سارت التتر إلى حلب فاندفع حسام الدين الجوكندار] (٢)
بعسكره بين أيديهم إلى جهة حماة، ووصل التتر إلى حلب في أواخر هذه السنة وملكوها وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا وهي مقر الأنبياء (٤) فاختصرها العوام <إلى قرنبيا>، ولما اجتمعوا في قرنبيا بذل التتر فيهم السيف فقتل أكثرهم وسلم القليل منهم، ووصل حسام الدين الجوكندار ومن معه إلى حماة فضيفه الملك
стр. 8665
المنصور محمد صاحب حماة وهو مستشعر خائف من غدرهم، ثم رحلوا من حماة إلى حمص، فلما قارب التتر حماة خرج منها الملك المنصور وبعده أخوه الملك الأفضل [إلى أن خرجت هذه السنة] (١) والأمير مبارز الدين وباقي العسكر واجتمعوا بحمص.
فلما كان يوم الجمعة خامس محرم سنة تسع وخمسين وست مئة (١٣)
وصل التتر إلى حمص، ووقع الاتفاق على لقائهم، فالتقوا بظاهر حمص في نهار الجمعة المذكور، وكانت التتر ثلاثة عشر ألفا بهادرية والمسلمون أقل من ألفي فارس، ففتح الله تعالى على المسلمين النصر وانهزمت التتر وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا، ووصل المنصور إلى حماة بعد هذه الوقعة وانضم من سلم من التتر إلى باقي جماعتهم وكانوا نازلين قرب سلميّة، واجتمعوا ونزلوا على حماة وبها صاحبها المنصور وأخوه الأفضل والعسكر، وأقام التتر على حماة يوما واحدا ثم رحلوا عن حماة، وأراد المنصور (٣١٧) بعد رحيل التتر السير إلى دمشق فمنعوه العامة حتى استوثقوا منه أن يعود عن قريب، فسار هو وأخوه الأفضل في جماعة قليلة، وبقي الطواشي مرشد مع باقي الجماعة بحماة، ووصل المنصور إلى دمشق، وكذلك توجه الأشرف صاحب حمص إلى دمشق، وأما حسام الدين الجوكندار العزيزي فتوجه بمن معه ولم يدخل دمشق ونزل بالمرج ثم سار إلى مصر، وأقام صاحب حماة وصاحب حمص في دورهما بدمشق والحاكم بها يومئذ سنجر الحلبي الملقب بالملك المجاهد وقد اضطرب أمره، فلم يدخلا في طاعته لضعفه وتلاشي أمره.
стр. 8666
وأما التتر فساروا عن حماة إلى فامية، وكان قد وصل إلى فامية سيف الدين الدنبلي (١) الأشرفي ومعه جماعة، فأقام بقلعة فامية وقد بقي يغير على التتر فرحلوا عن فامية وتوجهوا إلى الشرق.
وفي هذه السنة أعني <سنة> تسع وخمسين جهز الظاهر بيبرس عسكرا مع علاء الدين البندقدار (٢) لقتال علم الدين سنجر الحلبي المستولي على دمشق، فوصلوا إلى دمشق في ثالث عشر صفر، فخرج الخلق لقتالهم، وكان صاحب حماة وصاحب حمص بدمشق فلم يخرجا معه واقتتل معهم بظاهر دمشق فولى الحلبي وأصحابه منهزمين ودخل إلى قلعة دمشق، ثم هرب بالليل إلى بعلبك فتبعه العسكر وقبضوا عليه وحمل إلى الديار المصرية فاعتقل ثم أطلق، واستقرت دمشق في ملك الظاهر، وأقيمت له الخطبة بها وبغيرها من الشام مثل حماة وحلب وحمص وغيرها (٣١٨)، واستقر أيدكين البندقدار الصالحي في دمشق لتدبير أمورها.
ولما استقر الحال على ذلك رحل المنصور والأشرف وعادا إلى بلديهما حماة وحمص.
وفي هذه السنة، ورد مرسوم الظاهر بالقبض على بهاء الدين بغدي الأشرفي (٣)، وعلى شمس الدين آقوش البرلي وغيرهما من العزيزية والناصرية، فبقي علاء الدين أيدكين البندقدار متوقعا ذلك، فتوجه بغدي إلى علاء الدين
стр. 8667
أيدكين فحال دخوله عليه قبضه فاجتمعت العزيزية والناصرية إلى آقوش البرلي وخرجوا من دمشق ليلا على حمية ونزلوا بالمرج، وكان البرلي قد ولاه المظفر قطز غزّة والسواحل، فلما جهز الظاهر البندقدار لقتال الحلبي أمر البرلي أن ينضم إليه، فسار البرلي مع البندقدار وأقام بدمشق، فلما قبض على بغدي خرج البرلي إلى المرج فأرسل البندقدار إلى البرلي يطيب قلبه ويحلف له فلم يلتفت إلى ذلك [وسار البرلي إلى حمص وطلب من صاحبها الأشرف موسى أن يوافقه على العصيان فلم يجبه إلى ذلك] (١) ثم توجه إلى حماة وأرسل يقول للمنصور صاحب حماة إنه لم يبق من البيت الأيوبي غيرك فقم لنصير معك ونملكك البلاد، فلم يلتفت المنصور إلى ذلك، ورد ردا قبيحا، فاغتاظ البرلي ونزل على حماة وأحرق زرع بيدر العشر، وسار إلى شيزر ثم إلى جهة حلب، وكان أيدكين البندقدار لما استقر بدمشق قد جهز عسكرا مع فخر الدين الحمصي (٢) للكشف عن البيرة، فإن التتر كانوا قد نازلوها فلما قدم البرلي إلى حلب كان بها فخر الدين الحمصي المذكور فقال البرلي نحن في طاعة الظاهر [فتمضي إلى السلطان وتسأله أن يتركني ومن في صحبتي مقيمين بهذا الطرف ونكون تحت طاعته] (١) من غير أن تكلفنا (٣١٩) وطء بساطه، فسار الحمصي إلى مصر ليؤدي هذه الرسالة، فلما سار إلى مصر وخرج عن حلب تمكن البرلي في حلب، واحتاط على ما بها من الحواصل، واستبدّ بالأمر، وجمع العرب والتركمان واستعد لقتال عسكر مصر.
ولما توجه الحمصي لذلك التقى في الرّمل (٣) جمال الدين المحمدي
стр. 8668
الصالحي (١) متوجها بمن معه من عسكر مصر لقتال البرلي فأرسل الحمصي عرف الظاهر برسالة البرلي، فأرسل الظاهر ينكر على فخر الدين الحمصي ويأمره بالانضمام إلى المحمدي والمسير لقتال البرلي فعاد من وقته، ثم رضي الظاهر عن علم الدين سنجر الحلبي وجهزه وراء المحمدي في جمع من العسكر، ثم أردفه بعز الدين الدّمياطي (٢) في جمع آخر، وسار الجميع إلى جهة البرلي إلى حلب وطردوه عنها، وانقضت السنة والأمر على ذلك.
وفي هذه السنة لما بلغ هولاكو كسرة عسكره على عين جالوت ثم كسرته ثانيا على حمص غضب من ذلك، وأحضر الناصر يوسف وأخاه الظاهر غازي، وقال: أنت قلت إن عسكر الشام في طاعتك فغرّرت بي، وقتلت المغل، فقال الناصر: لو كنت بالشام ما ضرب أحد في وجه عسكرك بسيف، ومن يكون ببلاد توزير كيف يحكم على بلاد الشام، فاستوفى هولاكو ناصجا ورماه به، فقال الناصر: يا خوند! الصنيعة، فنهاه أخوه الظاهر غازي، وقال: قد حصرت، ثم رماه بآخر فقتله، وأمر بضرب رقاب الباقين، فقتل الظاهر (٣) أخو الناصر، والصالح (٤) بن صاحب حمص، والجماعة الذين كانوا معهم (٣٢٠) واستبقوا العزيز بن الناصر (٥) لصغره، فبقي عندهم مدة طويلة وأحسنوا إليه ثم مات،
стр. 8669
ووصل الخبر بذلك وعقد العزاء بجامع دمشق في سابع جمادى الأولى.
وكان هذا الناصر قد تولى مملكة حلب بعد موت أبيه العزيز وعمره سبع سنين (١)، وأقامت جدته ضيفة خاتون بنت العادل بتدبير مملكته، واستقل بملك حران والرّها والرقّة ورأس عين وما مع ذلك من البلاد، ثم ملك حمص ودمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزّة، وعظم شأنه، وكسر عساكر مصر، وخطب له بمصر وقلعة الجبل، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربع مئة رأس غنم، وكانت سماطاته وتجمله إلى الغاية القصوى، وكان حليما، وتجاوز به الحلم إلى حد أضرّ بالمملكة، فإنه لما أمنت قطاع الطريق في مملكته من القتل والقطع تجاوزوا الحد في الفساد، وانقطعت الطرق في أيامه وبقي لا يقدر المسافر على السفر من دمشق إلى حماة وغيرها إلا برفقة من العسكر، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه، [وكثرت الحرامية] (٢) وكانوا يكبسون الزروع، ومع ذلك إذا حضر القاتل بين يدي الناصر المذكور يقول: الحي خير من الميت ويطلقه، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات والسبل بالحراميّة، وكان هذا على ذهن الناصر المذكور شيء كثير من الأدب والشعر، وتروى له أشعار كثيرة، منها: <الطويل>
فوالله لو قطّعت قلبي تأسفا … وجرّعتني كاسات دمعي دما صرفا
لما زادني إلاّ هوى ومحبة … ولا اتخذت روحي سواك لها إلفا
(٣٢١) وبنى بدمشق مدرسة قريبة من الجامع تعرف بالناصرية (٣)، وأوقف عليها وقفا جليلا، ووقف بالصالحية تربة غرّم عليها جملا مستكثرة فدفن فيها
стр. 8670
كرمون (١) وهو بعض أمراء التتر (كذا)، وكانت منية الناصر ببلاد العجم، وكان مولد الناصر المذكور سنة سبع وعشرين وست مئة وعمره اثنتين وثلاثين سنة تقريبا.
وفي هذه السنة، في رجب قدم إلى مصر جماعة من العرب ومعهم شخص أسمر اللون اسمه أحمد زعموا أنه ابن الإمام الظاهر بالله محمد بن الإمام الناصر، وأنه خرج من دار الخلافة ببغداد لما ملكها التتر، فعقد الظاهر بيبرس مجلسا حضرته جماعة من الأكابر منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام والقاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز (٢)، فشهد أولئك العرب أن هذا الشخص المذكور هو ابن الإمام الظاهر فيكون عم المستعصم، وأقام القاضي جماعة من الشهود واجتمعوا بأولئك العرب وسمعوا شهاداتهم ثم شهدوا بالنسب بحكم الاستفاضة، فأثبت القاضي تاج الدين نسب أحمد المذكور ولقب:
المستنصر بالله أبا القاسم أحمد (٣)
وبايعه الظاهر والناس بالخلافة، واهتم الظاهر بأمره، وعمل له الدهاليز والجمدارية وآلات الخلافة واستخدم له عسكرا، وغرّم على تجهيزه جملة طائلة قيل إنه ألف ألف دينار، وكانت العامة تلقب الخليفة المذكور بالزّرابيني. وبرز الظاهر والخليفة الأسود المذكور في رمضان هذه السنة وتوجها إلى دمشق
стр. 8671
(٣٢٢)، وكان في كل منزلة يمضي الظاهر إلى دهليزه الخاص به والخليفة إلى دهليزه، ولما وصلا إلى دمشق نزل الظاهر بالقلعة ونزل الخليفة بجبل الصالحية، ونزل حول الخليفة أمراؤه وأجناده، ثم جهز الخليفة بعسكره إلى بغداد طمعا في الاستيلاء عليها وإجماع الناس عليه، فسافر الخليفة وودعه الظاهر ووصاه بالتأني في الأمور، وعاد الظاهر من توديع الخليفة إلى دمشق، ثم سار إلى الديار المصرية ودخلها في سابع عشر ذي الحجة من هذه السنة، ووصلت إليه كتب الخليفة بالديار المصرية أنه قد استولى على عانة والحديثة وولى عليهما، وأن كتب أهل العراق وصلت إليه يستحثونه على الوصول إليهم، ثم قبل أن يصل إلى بغداد وصلت إليه التتر وقتلوا الخليفة المذكور وقتلوا غالب أصحابه، وجاءت الأخبار بذلك.
وفيها، لما سار الظاهر إلى الشام أمر القاضي شمس الدين بن خلّكان فسافر في صحبته من مصر إلى دمشق، وعزل عن قضاء دمشق نجم الدين بن صدر الدين بن سنيّ الدولة (١)، وكان قطز قد عزل محيي الدين بن الزكي الذي ولاه هولاكو القضاء وولى ابن سني الدولة، فعزله الظاهر وولى القاضي شمس الدين ابن خلّكان.
وفيها، قدم أولاد صاحب الموصل، وهم الصالح إسماعيل والمجاهد إسحاق (٢)
صاحب جزيرة ابن عمر ثم أخوهما المظفر علي (٢) صاحب سنجار أولاد لؤلؤ، فأحسن الظاهر إليهم وأعطاهم الإقطاعات الجليلة بمصر، واستمروا في أرغد
стр. 8672
عيش في طول مدة الظاهر (١).
وفيها، ورد الخبر (٣٢٣) من عكّا أن سبع جزائر في البحر خسف بها وبأهلها، وبقي أهل عكّا لابسين السواد يبكون ويستغفرون بزعمهم.
وفيها، جهز الظاهر بدر الدين الأيدمري (٢) فتسلم الشّوبك في سلخ ذي الحجة من هذه السنة أعني سنة تسع وخمسين وأخذها [من] (٣) المغيث صاحب الكرك.
وفي سنة ستين وست مئة (١٣)
وفي نصف رجب، وردت جماعة من مماليك الخليفة المستعصم البغاددة وكانوا قد تأخروا في العراق بعد استيلاء التتر على بغداد، وقتل الخليفة، وكان مقدمهم يقال له شمس الدين سلاّر فأحسن الظاهر ملتقاهم وعين لهم الإقطاعات بالديار المصرية.
وفيها في رجب، وصل إلى خدمة الظاهر بالديار المصرية عماد الدين بن مظفر الدين (٤) صاحب صهيون رسولا من أخيه سيف الدين (٥) صاحب
стр. 8673
صهيون وصحبته هدية جليلة، فتقبلها الظاهر وأحسن إليه.
وفيها، جهز الظاهر عسكرا إلى حلب ومقدمهم شمس الدين سنقر الرومي (١) فأمنت بلاد حلب وعادت إلى الصلاح، ثم تقدم الظاهر إلى سنقر الرومي وإلى صاحب حماة المنصور وإلى صاحب حمص الأشرف أن يسيروا إلى أنطاكية وبلادها للإغارة عليها، فساروا إليها ونهبوا بلادها وضايقوها، ثم عادوا وتوجهت عساكر مصر صحبة سنقر الرومي إلى مصر، ووصلوا إليها في تاسع عشري رمضان هذه السنة ومعهم أربع مئة أسير، فقابلهم (٣٢٤) الظاهر بالإحسان والإنعام.
وفيها، لما ضاقت على آقوش البرلي البلاد، وأخذت منه حلب <و> لم يبق بيده غير البيرة دخل في طاعة الظاهر وسار إليه، فكتب الظاهر إلى النواب الإحسان إليه، ورتبت الإقامات له في الطرقات حتى وصل إلى الديار المصرية في ثاني <ذي> الحجة من هذه السنة فبالغ الظاهر في الإحسان إليه وتلقاه أحسن [تلقّ] (٢) فسأل آقوش البرلي من الظاهر أن يقبل منه البيرة فلم يفعل وما زال يعاوده حتى قبلها وبقي البرلي المذكور مع الظاهر إلى أن تغير عليه وقبضه في رجب سنة إحدى وستين وست مئة، فكان آخر العهد به.
وفيها في ذي القعدة، قبض الظاهر على نائبه بدمشق وهو علاء الدين طيبرس الوزيري (٣)، وكان قد تولى دمشق بعد مسير علاء الدين أيدكين
стр. 8674
البندقدار عنها، وسبب القبض عليه أنه بلغ الظاهر عنه أمور كرهها فأرسل إليه عسكرا مع عز الدين الدّمياطي فلما وصلوا إلى دمشق خرج طيبرس لتلقيهم فقبضوا عليه وقيدوه وأرسلوه إلى مصر فحبسه الظاهر، واستمر الحاج طيبرس في الحبس سنة وشهرا، وكانت مدة ولايته بدمشق سنة وشهرا أيضا، وكان طيبرس رديء السيرة في أهل دمشق حتى نزح منها جماعة كثيرة من ظلمه، وحكم في دمشق بعد قبض طيبرس المذكور الحاج علاء الدين أيدغدي الركني (١)، ثم استناب الملك الظاهر على دمشق الأمير جمال الدين آقوش النّجيبي الصالحي (٢).
وفيها في يوم الخميس آخر ذي الحجة، جلس الملك الظاهر مجلسا عاما وأحضر (٣٢٥) شخصا كان قد قدم إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وست مئة من نسل بني العباس اسمه أحمد بعد أن أثبت نسبه [وبايعه بالخلافة] (٣) ولقبه:
الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين (٤)
وقد اختلف في نسبه، فالذي هو مشهور بمصر عند نسابة مصر أنه أحمد بن حسن بن أبي بكر بن الأمير أبي علي القبي بن الأمير حسن بن الراشد بن المسترشد [بن المستظهر] (٤).
стр. 8675
وأما عند الشرفاء العباسيين السلمانيين في درج نسبهم الثابت فقالوا: هو أحمد بن أبي علي بن أبي بكر بن أحمد بن الإمام المسترشد (١).
ولما أثبت الملك الظاهر نسب المذكور تركه في برج محترزا عليه، وأشرك له في الدعاء في الخطبة حسب لا غير.
وفيها، جهز الملك المنصور صاحب حماة شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري رسولا إلى الملك الظاهر، ووصل شيخ الشيوخ المذكور فوجد الملك الظاهر عاتبا على صاحب حماة لانشغاله عن مصالح المسلمين باللهو، وأنكر الملك الظاهر على شرف الدين ذلك، ثم انصلح خاطره وحمله ما طيّب به قلب صاحبه الملك المنصور، ثم عاد إلى حماة.
سنة إحدى وستين وست مئة إلى سنة سبعين وست مئة
< في سنة إحدى وستين وست مئة (١٣) >
في حادي عشر ربيع الآخر منها، سار الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى الشام فلاقته والدة المغيث عمر صاحب الكرك بغزّة وتوثقت لابنها المغيث من الظاهر بالأمان وأحسن إليها ثم توجهت إلى الكرك وتوجه صحبتها شرف [الدين] (٢) الجاكي المهمندار برسم حمل الإقامات في الطرق (٣٢٦) برسم المغيث، ثم سار الظاهر من غزّة ووصل إلى الطور في ثاني عشر جمادى الأولى
стр. 8676
من هذه السنة، ووصل إليه الأشرف موسى صاحب حمص في نصف الشهر المذكور فأحسن إليه الظاهر وأكرمه.
وفيها، كان قتل المغيث فتح الدين عمر بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب (١) وسببه أنه كان في قلب الظاهر بيبرس منه غيظ عظيم لأمور كانت بينهما، قيل: إن المغيث المذكور أكره امرأة الظاهر لما قبض المغيث على البحرية وأرسلهم إلى الناصر يوسف صاحب الشام وهرب الظاهر المذكور وبقيت زوجته بالكرك والله أعلم بحقيقة ذلك، ولم يزل الظاهر يجتهد على حضور المغيث وحلف لوالدته على غزّة، وكان عند المغيث شخص يقال له الأمجد، وكان يبعثه في الرسلية إلى الظاهر، فكان الظاهر يبالغ في إكرامه وتقريبه فاغتر الأمجد بذلك، وما زال الأمجد على مخدومه المغيث حتى أحضره إلى الظاهر، فحكى شرف الدين بن مزهر (٢) وكان ناظرا خزانة المغيث، قال:
لما عزم المغيث على التوجه إلى خدمة الملك الظاهر لم يكن قد بقي في خزانته شيء من المال غير القماش (٣)، وكان لوالدته حواصل في البلاد فبعناها بأربعة وعشرين ألف درهم، واشترينا باثني عشر ألفا خلعا من دمشق وجعلنا في صناديق الخزانة الاثني عشر [ألفا] (٤) الأخرى، ونزل المغيث من الكرك وأنا والأمجد وجماعة من أصحابه في خدمته، قال: وشرعت البريدية (٣٢٧) تصل إلى المغيث في كل يوم بمكاتبات الظاهر ويرسل صحبتهم مثل غزلان ونحوها
стр. 8677
والمغيث يخلع عليهم حتى نفد ما كان بالخزانة من الخلع، ومن جملة ما كتب إليه في بعض المكاتبات أن المملوك ينشد في قدوم مولانا: <الطويل>
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما … بأكرم من مولى يمشي إلى عبد (١)
قال: وكان الخوف في قلب المغيث من الظاهر شديدا، قال ابن مزهر:
ففاتحني في شيء من ذلك بالليل، فقلت له: احلف لي أنك ما تقول للأمجد ما أقول لك حتى أنصحك، فحلف لي، فقلت له: اخرج الساعة من تحت الخيام واركب حجرتك النجيلة ولا يصبح لك الصباح إلا وأنت قد وصلت إلى الكرك فتعصى فيه وما تفكر في أحد، قال ابن مزهر: فغافلني وتحدث مع الأمجد في شيء من هذا، فقال له الأمجد: إياك من ذلك، وسار المغيث حتى وصل إلى بيسان، فركب الظاهر بعساكره والتقاه في يوم السبت سابع وعشري جمادى الأولى من هذه السنة، فلما شاهد المغيث الظاهر ترجل فمنعه الظاهر وأركبه وساق إلى جانبه وقد تغير وجه الظاهر، فلما قارب الدّهليز أفرد الملك المغيث عنه وأنزله في دهليز وقبض عليه وأرسله معتقلا إلى مصر وكان آخر العهد به، قيل إنه حمل إلى امرأة الظاهر بقلعة الجبل فأمرت جواريها فقتلنه بالقباقيب، ثم قبض الظاهر على جميع أصحاب المغيث ومن جملتهم ابن مزهر المذكور، ثم بعد ذلك أفرج عنهم (٢).
ولما التقى الظاهر المغيث (٣٢٨) وقبض عليه أحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتر إلى المغيث المذكور وأجوبة عما كتب إليهم يطمعهم في ملك مصر والشام، وكتب بذلك مشروح وأثبت على الحكام،
стр. 8678
وكان للمغيث ولد يقال له العزيز (١) فأعطاه الظاهر إقطاعا بديار مصر وأحسن إليه، ثم جهز الظاهر بدر الدين البيسرى الشمسي (٢) وعز الدين أستاذ دار (٣) إلى الكرك فتسلماها في يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين، وسار الظاهر إلى الكرك ورتب أمورها، ثم عاد إلى الديار المصرية فوصل إليها في سابع عشر رجب (٤).
وفي هذه السنة أرسل الظاهر عسكرا هدموا كنيسة الناصرة وهي أكبر مواطن عبادة النصارى لأن منها خرج دين النصرانية وأغاروا على عكّا وبلادها فغنموا وعادوا.
ثم ركب الظاهر وكان نازلا على الطّور بنفسه وجماعته، وأغار ثانيا على عكّا، وهدم برجا كان خارج البلد.
ولما وصل الظاهر إلى مصر قبض على الرشيدي (٥) في رجب، ثم قبض ثاني يوم على الدمياطي وسنقر.
وفي هذه السنة، توفي الأشرف موسى صاحب حمص بن المنصور إبراهيم بن المجاهد شير كوه بن محمد بن شير كوه (٦).
стр. 8679
لما عاد من خدمة الظاهر إلى حمص مرض واشتد مرضه وتوفي، وأرسل الظاهر من تسلم حمص في ذي القعدة من هذه السنة.
وهذا الأشرف آخر من ملك حمص من بيت شير كوه، وأخذ الناصر يوسف حمص منه بسبب (٣٢٩) تسليمه سميمس إلى الملك الصالح أيوب صاحب مصر وأنه تعوض عن [حمص] (١) تل باشر، ثم أعاد هولاكو عليه حمص، فبقيت بيده حتى توفي وانتقلت إلى الظاهر.
وكان من جملة من ملك حمص منهم خمسة أولهم شير كوه بن شاذي ملّكه إياها نور الدين الشهيد، ثم ملكها بعده ابنه ناصر الدين محمد، ثم ملكها [بعده] (٢) ابنه شير كوه، ثم ملكها [بعده] (٢) ابنه [المنصور إبراهيم] (٣)، ثم ملكها [بعده ابنه] (٢) الأشرف المذكور، وانقرض بموته ملك المذكورين.
وفي سنة اثنتين وستين وست مئة (١٣)
قبض الأشكري صاحب قسطنطينيّة على عز الدين كيكاوس [وسببه أن عز الدين كيكاوس] (٤) المذكور [كان قد] (٤) وقع بينه وبين أخيه (٥)، فاستظهر أخوه عليه فهرب كيكاوس وبقي صاحب بلد الروم أخوه ركن الدين قليج أرسلان في سلطنة بلاد الروم، ثم سار كيكاوس المذكور إلى قسطنطينيّة فأحسن
стр. 8680
إليه الأشكري وإلى من معه من الأمراء [واستمروا كذلك] (١) مدة، فعزمت [الأمراء و] (١) الجماعة الذين مع كيكاوس على اغتيال الأشكري وقتله والتغلب على قسطنطينيّة، وبلغ ذلك الأشكري فقبض عليهم واعتقل عز الدين [كيكاوس بن كيخسرو] (٢) في بعض القلاع، وكحل [الأمراء وال] (٣) جماعة الذين اعتزموا قتله فأعمى عيونهم.
وفي سنة ثلاث وستين وست مئة (١٣)
سار الظاهر من الديار المصرية بعساكره المتوافرة إلى جهاد الفرنج بالساحل، ونازل قيساريّة الشام في تاسع جمادى الأولى وضايقها وفتحها بعد ستة أيام من نزوله وذلك (٣٣٠) في منتصف الشهر المذكور وأمر بها فهدمت، ثم سار إلى أرسوف ونازلها وفتحها في جمادى الآخرة من هذه السنة، وفي فتوح قيساريّة يقول ابن عبد الظاهر من قصيدة (٤): <البسيط>
نصبت للشّرك أشراكا فصدتهم … لم يقدروا وهنا أن يقدروا هربا
قلعتهم بقلاع ظلت تهدمها … أنت الذي تبتغي المسلوب لا السّلبا
إن أسرعوا … (٥) عنها فإنّهم … حلّوا لها كلّ برج ظلّ منقلبا
تبّت يدا من غدا كفرا أبا لهب … وتبّ لم يغن مال عنه قد كسبا
стр. 8681
إن الفتوحات لما رثّ ملبسها ...... من برّ قيساريّة القشبا
في كل أرض جيوش قد بعثت بها … حتى لقد أصبحت آياتها عجبا
أمطيتها .... تزهو السروج بها … لا كل مستهجن يسهجن …
كم قد قذفت شياطين العدو بها … حتى أبصروا من شهبها شهبا
سبى أعنتها ملك … ... قد أصبحت في الوغى راحاتها التعبا
لا يحسب الناس قيساريّة ضعفت … أو أسلمت نفسها …
لكنها بذيول النصر قد علقت … وقد أتته لعكّا تطلب الحسبا
وارسوف جاءته لما حاز … ما جاء محتطبا بل جاء محتطبا
ما كان من جرم رأي أن يرهما … لا تقطع الرأس حتى تقطع الذنبا
فقل لحسّاده هذي صنائعه … فمن يرى غيره يوما لها خطبا
(٣٣١) وفي تاسع عشر جمادى الآخرة، مات هولاكو ملك التتر، وهو هولاكو بن طلو بن جنكز خان، وكان موته بالقرب من كور <ة> مراغة، وكان مدة ملكه البلاد التي سنصفها نحو عشر سنين، وخلف خمسة عشر ولدا ذكرا، ولما مات جلس في الملك بعده ولده أبغا واستقرت له البلاد التي كانت بيد والده حال وفاته، وهي: إقليم خراسان وكرسيّه نيسابور، وإقليم عراق العجم وهو الذي يعرف ببلاد الجبل وكرسيّه أصفهان، وإقليم عراق العرب وكرسيّه بغداد، وإقليم أذربيجان وكرسيّه تبريز، وإقليم خورستان وكرسيّه تستر التي يسميها العامة تشتر، وإقليم فارس وكرسيّه شيراز، وإقليم ديار بكر وكرسيّه الموصل، وإقليم الروم وكرسيّه قونية وغير ذلك من البلاد التي ليست في الشهرة مثل هذه الأقاليم العظيمة.
وفيها، أو التي بعدها، أمسك الظاهر بيبرس زامل بن علي (١) أمير العرب
стр. 8682
بمكاتبة عيسى بن مهنّا في حقه.
وفيها، في رمضان استولى نائب الرحبة على قرقيسياء، وهي حصن الزباء (١)، وفيه خلاف.
وفيها، قبض الظاهر على سنقر الرومي (٢).
وفي سنة أربع وستين وست مئة (١٣)
خرج الظاهر إلى الشام وجهز عسكرا إلى ساحل البحر ففتحوا القليعات (٣)
وحلبا وعرقا (٤)، ونزل الظاهر على صفد ثامن شعبان وضايقها بالزحف وآلات الحصار، وقدم إليه وهو على صفد المنصور صاحب حماة، ولاصق الجند القلعة (٣٣٢)، وكثر القتل والجراح في المسلمين، وفتحها في تاسع عشر شعبان بالأمان، ثم قتل أهلها عن آخرهم.
ثم سار بعد ذلك إلى دمشق، فلما استقر فيها جرّد عسكرا ضخما وقدم عليهم المنصور صاحب حماة، وأمرهم بالمسير إلى بلاد الأرمن فسارت العساكر صحبة المنصور، ووصلوا إلى بلاد سيس في ذي القعدة من هذه السنة، وكان صاحب سيس إذ ذاك هيثوم [بن] (٥) قسطنطين بن باسيل (٦) قد حصن
стр. 8683
الدربندات بالرجالة والمناجيق وجعل عسكره مع ولديه على الدربندات لقتال العسكر الإسلامي فداستهم العساكر الإسلامية وأفنوهم قتلا وأسرا وقتل ابن صاحب سيس الواحد وأسر الآخر، وهو ليفون بن هيثوم (١)، وانتشرت العساكر الإسلامية في بلاد سيس وفتحوا قلعة العامودين وقتلوا أهلها، ثم عادت العساكر وقد امتلأت أيديهم من الغنائم، ولما وصل خبر هذا الفتح إلى الظاهر رحل من دمشق إلى حماة ثم إلى فامية والتقى عساكره وقد عادت منصورة، وأمر بتسليم الأسرى وفيهم ليفون بن هيثوم صاحب سيس، وكان المذكور لما أسر سلمه المنصور إلى أخيه الأفضل فاحترز عليه وحفظه حتى أحضره بين يدي السلطان، ثم عاد إلى الديار المصرية على طريق الكرك، فتقنطر بالملك الظاهر فرسه عند بركة زيزاء وانكسرت فخذه وحمل في محفة إلى قلعة الجبل.
وفي هذه السنة، نزل الظاهر على قارا [بين دمشق وحمص] (٢) لما خرج يلتقي عساكره [العائدة من غزوة بلاد سيس] (٣)، <و> أمر بنهب أهلها وقتل (٣٣٣) كبارهم، فنهبوا وقتل منهم جماعة لأنهم كانوا نصارى يسرقون أولاد المسلمين ويبيعونهم خفية للفرنج وأخذوا صبيانهم مماليك فتربوا بين الترك بالبلاد المصرية وصار منهم أجناد وأمراء.
وفي سنة خمس وستين وست مئة (١٣)
وصل المنصور صاحب حماة إلى خدمة الظاهر بالديار المصرية فاجتمعا بالغرابي (٣)، وفي اجتماع الملك الظاهر وصاحب حماة بالغرابي قال ابن عبد
стр. 8684
الظاهر: <الخفيف>
بالغرابيّ إن تجمّع شملي … ببواقي قفولكم وإيابي
فلكم بالغراب فرّق شمل … وأرى جمع شملنا بالغرابي
ثم طلب دستورا بالتوجه إلى الإسكندرية ليراها فرسم له بذلك، وأمرت أهل الإسكندرية بإكرامه واحترامه وفرش الشقق بين يدي فرسه، فتوجه المنصور إلى الإسكندرية وعاد إلى الديار المصرية مكرما، وخلع عليه الظاهر على جاري عادته، وأعطاه دستورا فتوجه إلى بلده.
وفيها، توجه الظاهر إلى الشام فنظر في مصالح صفد، ووصل إلى دمشق وأقام بها خمسة أيام، وقوي الإرجاف بوصول التتر إلى الشام، ثم ورد الخبر بعودهم على عقبهم فعاد الظاهر إلى ديار مصر.
وفي هذه السنة، مات [بركة خان بن دوشي خان بن جنكز خان] (١) أعظم ملوك التتر، وكرسي مملكته مدينة صراي، وكان قد مال إلى دين الإسلام، ولما مات جلس في الملك بعده [ابن أخيه] (٢) منكوتمر (٣٣٤) بن طغان بن باطو ابن دوشي خان بن جنكز خان.
стр. 8685
وفي سنة ست وستين وست مئة (١٣)
في مستهل جمادى الآخرة، توجه الظاهر بيبرس بالعساكر المتوافرة إلى الشام، وفتح يافا في العشر الأوسط من الشهر وأخذها من الفرنج.
وفي أيام المقام بها يقول الفاضل أبو الفضل بن عبد الظاهر (١): <الطويل>
حلى الله يافا أنها شرّ منزل … بعيد عن الراحات والخبر نفعه
عقاربه من كثرة كذبابه … وذبانه مثل العقارب لسعه
وسار إلى أنطاكية ونازلها في مستهل رمضان، ورجعت العساكر الإسلامية على أنطاكية فملكوها بالسيف في يوم السبت رابع رمضان هذه السنة وقتلوا أهلها وسبوا ذراريهم وغنموا منها أموالا جليلة، وكانت أنطاكية للبرنس بيمند ابن بيمند وله معها طرابلس وكان مقيما بها لما فتحت أنطاكية.
وفي حادي عشر رمضان (٢)، استولى الظاهر على بغراس، وسبب ذلك أنه لما فتح أنطاكية هرب أهل بغراس منها وتركوا الحصن خاليا فأرسل الظاهر من استولى عليها في التاريخ المذكور وشحنه بالرجال والعدد، وقد تقدم ذكر فتح صلاح الدين الحصن المذكور (٣) وتخريبه ثم عمارة الفرنج له بعد صلاح الدين، ثم حصار عسكر حلب له ورحيلهم عنه بعد أن أشرفوا على أخذه.
وفيها في شوال، وقع الصلح بين الظاهر وبين هيثوم صاحب سيس على أنه إذا أحضر صاحب سيس سنقر الأشقر من التتر وكانوا (٣٣٥) أخذوه من قلعة