← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي (١). ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا، وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث فيه من الخير وكثير من الأمور التي أحدثت لم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا (٢). فمنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك، وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما أحدث في ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول" (٣) وابن مسعود قال: "هذا في زمن الخلفاء الراشدين" (٤). فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق الحجج

стр. 422

التي استدل بها من قال أن هناك بدعة حسنة وسيئة، وبين أنه لا حجة لهم فيها. وبهذا يتبين أن البدع كلها ضلال، وكلها أحداث في دين الله بما لم يشرعه، وتقسيمها إلى حسنة وسيئة تقسيم باطل مردود بنصوص الكتاب والسنة.

стр. 423

المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها هناك كثير من البدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركوا فيه تعاليم الإسلام وهجروا سنن المصطفى ﷺ وسأذكر بعضًا منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وخصوصًا البدع التي تعرّض لها ابن رجب ﵀ في كتبه وبيّنها وأوضحها وهي: ١ - بدعة تخصيص رجب بعبادات معينة: خص أهل البدع والأهواء والجهلة من الناس شهر رجب بعبادات لم يشرعها الله ﵎، ولم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه من بعده، ولكن هؤلاء خصوا هذا الشهر بصلوات وصيام وغيرهما من العبادات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولا زالت هذه البدع تفعل إلى يومنا هذا. وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه البدع، وبيّن أن شهر رجب لم يخص بأي نوع من أنواع العبادات لا صدقة ولا زكاة ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من أنواع العبادة، وقد تكلم رحمه الله تعالى عن كل عبادة بعينها وسأورد كلامه رحمه الله تعالى على كل عبادة خصّ بها شهر رجب دون غيره: أ - الصلاة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "فأما الصلاة فلم

стр. 424

يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب (١) في أول ليلة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني (٢) وأبو الفضل بن ناصر (٣) وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها (٤). ب - الزكاة والصدقة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم، فمن

стр. 425

كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي" خرجه مالك في الموطأ (١). وقد قيل أن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي، ولم يعرف، وقيل بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تمّ الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به" (٢). جـ - الصيام: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة (٣) أنه قال: "في الجنة قصر لصوام رجب" قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاع، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة (٤)

стр. 426

الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي ﷺ قال: "صم من الحرم واترك قالها ثلاثًا" وخرجه أبو داود (١) وغيره، وخرجه ابن ماجه (١) وعنده: "صم أشهر الحرم". وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها. . . وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعًا (٢). د - اتخاذه عيدًا: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا" (٣).

стр. 427

وروى عبد الرزاق (١) عن ابن جريج (٢) عن عطاء قال: كان النبي ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا (٣) وعن معمر (٤)، عن ابن طاووس (٥) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا" (٦) وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة (٧).

стр. 428

وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة. فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع ... وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين. أما العيدان اللذان يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم ... شرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفى الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة والعيد الثاني عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه (١). هـ - أمور أخرى تعتقد في رجب: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين. ولا يصح شيء من ذلك ...

стр. 429

وروى زائدة بن أبي الرقاد (١) عن زياد التميمي (٢) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" (٣). وروي عن إسماعيل الأنصاري (٤) أنه قال: لا يصح في فضل رجب غير هذا الحديث، وفي قوله نظر، فإن هذا الإسناد فيه ضعف (٥). ٢ - بدعة اتخاذ عاشوراء مأتمًا أو عيدًا: يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم وهو من الأيام الفاضلة التي حثّ النبي ﷺ على صيامها ومن ذلك قوله ﷺ : " ... وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ... " (٦).

стр. 430

ولكن الرافضة ابتدعوا فيه بدعًا منكرة فهم يتخذون يوم عاشوراء من كل عام مأتمًا ونياحة وحزنًا منهم على قتل الحسين بن علي ﵁ قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن هو دونهم (١). ولا زال الرافضة إلى يومنا هذا يتخذون يوم عاشوراء مأتمًا يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين ﵁ فيلطمون الخدود ويضربون الصدور والظهور حتى تسيل الدماء، ورتبوا على هذه المنكرات الأجر والثواب وتكفير السيئات، وهذه البدعة قد نصّ على جوازها والترغيب فيها علماؤهم قديمًا وحديثًا (٢). وفي مقابل هؤلاء الرافضة واتخاذهم يوم عاشوراء مأتمًا وحزنًا من يتخذ يوم عاشوراء عيدًا ويوم فرح وسرور وهم النواصب (٣) والجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر فوضعوا الآثار التي ترغب في الفرح والسرور وما يتبعها من مظاهر في يوم عاشوراء، فصاروا يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وقد سئل

стр. 431

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع، هل ورد فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولا في كتب الصحيح ولا السنن ولا في المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ... إلى أن قال: وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة وإما جهال وأصحاب هوى. وطائفة ناصبة تبغض عليًا وأصحابه لما جرى في القتال في الفتنة ما جرى ... فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية ... وعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب ... ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأفراح وكلًا

стр. 432

الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة، وإن كان أولئك -يعني الرافضة- أسوأ قصدًا وأعظم جهلًا" (١). والسنة في هذا اليوم أن يصام فحسب كما صامه رسول الله ﷺ وحثّ على صيامه وهذا هو الحق في تعظيم هذا اليوم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة ولا يكون بالفرح والسرور ولا اتخاذه مأتمًا ويوم حزن وإنما تمسك بسنة المصطفى ﷺ وامتثال لأمره ورجاء لثواب الله تعالى. ومسألة صيام يوم عاشوراء من المسائل التي تكلم فيها العلماء ﵏ وبينوا أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: ١ - أن يصام معه التاسع والحادي عشر لحديث "صوموا قبله يومًا وبعده يومًا" (٢). ٢ - أن يصام معه التاسع فقط لحديث "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع" (٣). ٣ - إفراد يوم عاشوراء بالصوم وحده للأحاديث الدالة على تأكيد صومه منها حديث ابن عباس ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر" (٤).

стр. 433

وفي المسألة تفاصيل أخرى ليس هذا محلها (١) والمراد بيان أن السنة صيام هذا اليوم. ٣ - التبرك بالآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا: التبرك: طلب البركة، وهي النماء والزيادة. قال الجوهري: "البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة ... وتبارك الله أي بارك مثل قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى وتبركت به أي تيمنت به" (٢). والتبرك بآثار الصالحين هو التيمن وطلب خيرهم من آثارهم وطلب الخير وزيادته وثبوته في شيء إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو الله ، وإذا تدبرنا كتاب الله وجدنا الآيات الكثيرة تدل على أن البركة من الله، فهي تطلب منه وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه وفي ما شاء من بريته قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٦).

стр. 434

فلفظ تبارك لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا، فالبركة لله وحده والله يضعها فيمن شاء، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك (١). وأما التبرك بذوات الأشخاص أو بآثارهم المنفصلة عنهم كشعرهم وفضل وضوئهم ونحو ذلك فهذا يجوز في حق النبي ﷺ وقد ورد في عدة أحاديث ما يدل على جواز ذلك: منها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها" (٢). ومنها حديث خروج النبي ﷺ في الحديبية وفيه: "وما تنخم النبي ﷺ إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده" (٣). وفي رواية "وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه" (٤). وقد سأل أحد الصحابة الرسول ﷺ بردة أهديها فأعطاها إياه فلامه الصحابة على سؤاله البردة فقال: "رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها" (٥). فهذه الأدلة ونحوها تدل على شرعية التبرك بآثار النبي ﷺ كشعره وملابسه وفضل وضوءه ونحو ذلك، وهذا خاص به ﷺ في حياته.

стр. 435

وأما في غير حق النبي ﷺ فإن ذلك لا يجوز لأنه إما شرك وذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص أو المكان يمنح البركة، وإما وسيلة إلى الشرك إذا اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله، والدليل على عدم جواز ذلك أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يتبركون بحجرته أو قبوه بعد موته ﷺ ، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه أو يدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولم يكن أحد من السلف يذهب إلى المكان الذي يصلي فيه رسول الله ﷺ ليستلمه ويقبله، ولا المواضع التي كان يطؤها بقدميه الكريمتين، فإذا كان ذلك لم يشرع في حق النبي ﷺ فكيف بما يقال أن غير النبي ﷺ صلى فيه أو نام عليه، فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة الرسول ﷺ (١). وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: "التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي ﷺ مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه" (٢). وأما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتحرى الأماكن

стр. 436

التي صلى فيها رسول الله ﷺ فيصلي فيها كما روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن موسى بن عقبة (١) قال: "رأيت سالم بن عبد الله (٢) يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ في تلك الأمكنة" (٣). فإن ذلك لم يفعله غيره من الصحابة ﵃، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ ، فهم يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل من أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. فتحري الصلاة في هذه المواضع ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة. وأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب ممن نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله.

стр. 437

وقد كان عمر ﵁ ينهى (١) عن تتبع الآثار المكانية. ولا شك أن الصواب والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع (٢). وبهذا يتبين أن الدعوة إلى الاعتناء بتلك الآثار وتعظيمها خشية أن تندثر ويجهلها الناس ولاسيما في مكة والمدينة مثل غار حراء وغار ثور ودار مولده ﷺ وغيرها دعوة باطلة ومخالفة صريحة لسلف هذه الأمة إضافة إلى ما فيها من مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد ومزارات. يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره وبارك له فيه "إن تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة وأخلاقهم الحميدة وجهادهم الصالح قولًا وعملًا ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية والزخارف والكتابة ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم وهو من أعظم وسائل الشرك، وعبادة الأنبياء والأولياء كما يشهد به الواقع، وتدل عليه الأحاديث والآثار المعلومة في كتب السنة فتنبه واحذر (٣). ٤ - بدعة التصوف: إن التصوف بدعة من شر البدع وأكثرها إضلالًا وأكبرها ضلالة إذ

стр. 438

لم يعرف التصوف من نزول الوحي ولا بعده إلى أن انقرض عهد القرون المفضلة. فلم يرد لفظ التصوف على لسان رسول الله ﷺ ، ولم يؤثر عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه عرف التصوف أو نطق به وكذا التابعون من أبناء الصحابة وأبناء أبنائهم وهم أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية والفضل ثم ظهر بعد ذلك طبقة يغلب عليهم جانب العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الإسلام ولكن قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، ثم جاء من بعدهم فعملوا أمورًا ودعوا إليها ولم تكن عند الزهاد السابقين ومنها ترك الزواج وإدامة الجوع ومواصلة الصوم وهكذا تدرج هؤلاء ومن بعدهم إلى أن شرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله. يقول ابن الجوزي: "في عصر الرسول ﷺ كانت كلمة مؤمن ومسلم ثم نشأت كلمة زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا فيها هكذا كان أوائل القوم ولبّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن" (١). وهكذا بدأ التصوف ينشأ ويقوى إلى أن أصبح فكرًا مستقلًا أخذ صبغة خالصة، وقد استغلت الباطنية هذا التصوف لنشر أفكارهم الإلحادية وأدخلوا في التصوف السماع والرقص بحجة أنه موصل إلى الله، وبلغوا فيه إلى حد الوقاحة حيث نشأ فيهم حب المرادن والغلمان. وأنا أعني بهذا المتأخرين منهم، أما المتقدمون منهم فكانوا على جانب من الورع والعبادة والاعتدال.

стр. 439

وقد تسرب الفكر الصوفي إلى صفوف المسلمين منذ زمن قديم ولا زال يؤدي دوره في إفساد الأمة الإسلامية في كثير من البلدان، ولا يزال بعض الناس من المنتسبين للعلم وغيرهم مغترين بهذا الفكر، ومتحمسين في الدفاع عنه وعن أهله. أضف إلى ذلك أن المغرضين من أعداء الإسلام وجدوا لهم طريقًا لإفساد المسلمين عن طريق التصوف باسم الزهد ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات وغير ذلك من الأمور التي استطاعوا عن طريقها نشر الزندقة والإلحاد بين المسلمين. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينًا أن التصوف أصبح منهجًا من المناهج الفاسدة التي تقوم على الزندقة والإلحاد: "ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف وفيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ... وقد اتسع الخرق في هذا الباب ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإلى دعوى الحلول والإتحاد أو القول بوحدة الوجود وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان كدعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع، وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة، ليست من الدين في شيء فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، والعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في

стр. 440

ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل (١). ولا أريد هنا أن أتكلم عن التصوف والمتصوفة (٢) وما يتعلق بهم من بدع وانحرافات لأني لست في مقام الكلام على ذلك، وإنما أريد هنا أن أقتصر على ذكر بعض البدع التي وقعوا فيها وخصوصًا التي تكلم عليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته ومنها: أ - بدعة تقسيم الدين إلى حقيقة وشرعية: إن من أصول المتصوفة، وقواعد طرقهم البدعية تقسيم العلم إلى ظاهر وباطن، والدين الإسلامي إلى شريعة وحقيقة، والشرعية هي الظاهر من الدين وهي الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار في حد زعمهم، وهؤلاء هم الذين أسقطوا عنهم التكاليف الشرعية لأنهم وصلوا، وهذا كله من تلاعب الشيطان بهم، وتزيينه ذلك لهم، نعوذ بالله من الضلال والخذلان، وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "كثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله، ويقول هم محجوبون

стр. 441

وأصحاب القشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والإعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره: وصلوا ولكن إلى سقر. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام العيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الأراء والخواطر، فضلوا وأضلوا" (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومما حدث بعد الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي والأقيسة العقلية". ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين عن الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي" (٣).

стр. 442

ب - بدعة التقرب إلى الله بالرقص وهز الرؤوس وسماع الأغاني: قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن الغناء وأقسامه: القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، وتحريك القلوب إلى محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدعيه كثير من اهل السلوك، ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم، وإنما يتستر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه، من نيل لذته، فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس، وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد. وأما الصادقون في دعواهم في ذلك وقليل ما هم، فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله بما لم يشرعه الله تعالى، واتخذوا دينًا لم يأذن الله فيه، فلهم نصيب ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١) والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، كذلك قاله غير واحد من السلف. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)، فإنه إنما يتقرب إلى الله بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله ﷺ ، فأما ما نهى عنه، فالتقرب به إليه مضادة لله في أمره، قال القاضي أبو الطيب الطبري (٣) ﵀ في كتابه السماع

стр. 443

(اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينًا وطاعة ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما اجتمعت عليه العلماء ونعوذ بالله من سوء الفتن) انتهى ما ذكره. ولا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن لاسيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر به، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكوا به النفوس وتطهر به من أدناسها، وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة، بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوي به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها، بأقوات القلوب الطاهرة، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى واشتبه الأمر في ذلك أيضًا على طوائف المسلمين ممن ينتسب إلى السلوك ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض القرون الفاضلة (١). وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن السماع المشروع هو سماع ما يفيد وينفع من سماع القرآن والذكر والمواعظ النافعة وغيرها. فقال: "إن الله تعالى أمر عباده في كتابه وعلى لسان رسوله بجميع ما يصلح قلوب عباده ويقربها منه ونهاهم عما ينافي ذلك ويضاده، ولما كانت الروح تقوى بما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة وتحيى بذلك شرع الله

стр. 444

لعباده سماع ما تقوى به قلوبهم وتتغذى وتزداد إيمانًا، فتارة يكون ذلك فرضًا عليهم كسماع القرآن والذكر والموعظة يوم الجمعة في الخطبة والصلاة. وكسماع القرآن في الصلوات الجهرية من المكتوبات وتارة يكون ذلك مندوبًا إليه غير مفترض كمجالس الذكر المندوب إليها، فهذا السماع حاد يحد وقلب المؤمن إلى الوصول إلى ربه يسوقه ويشوقه إلى قربه، وقد مدح الله المؤمنين بوجود مزيد أحوالهم بهذا السماع، وذم من لا يجد منه ما يجدونه فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢) وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) ... فهذه الآية تتضمن توبيخًا وعتابًا لمن سمع هذا السماع، ولم يحدث له في قلبه صلاحًا ورقة وخشوعًا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب وغاية ما تصلح به القلوب وتنجذب به الأرواح ... فيحيي بذلك القلب بعد مماته ويجتمع بعد شتاته وتزول قسوته بتدبر خطابه وسماع آياته، فإن القلوب إذا أيقنت بعظمة ما سمعت واستشعرت شرف نسبة هذا القول إلى قائله أذعنت وخضعت، فإذا تدبرت ما احتوى عليه من المراد ووعت اندكت من مهابة الله وجلاله وخشعت، فإذا هطل عليها وابل الإيمان من سحب القرآن أخذت ما وسعت فإذا بذر فيها القرآن من حقائق العرفان وسقاه ماء الإيمان أنبتت ما

стр. 445

زرعت، ومتى فقدت القلوب غذاءها وكانت جاهلة به طلبت العوض من غيره فتغذت به فازداد سقمها بفقدها ما ينفعها، والتعوض بما يضرها، فإذا سقمت مالت إلى ما فيه ضررها ولم تجد طعم غذائها الذي فيه نفعها فتعوضت عن سماع الآيات بسماع الأبيات، وعن تدبر معاني التنزيل بسماع الأصوات (١). ٤ - بدعة قراءة القرآن بالألحان: إن قراءة القرآن بشكل مبتدع لم يكن معروفًا في عهد النبوة وما بعدها من القرون المفضلة كالتلحين والتشدق والقيام بحركات أثناء القراءة كالتمايل يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا لأن هذا كله إهانة لكتاب الله تعالى وابتذال له ومخالف لما حثّ عليه الرسول ﷺ من قراءة القرآن بتدبر وتمعن وفهم لمعانيه. وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد به الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب، للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق، وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا. ولم يثبت فيه نزاعًا منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة. وفي الحقيقة: "هذه الألحان المبتدعة المطربة، تهيج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الإلتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد" (٢). هذه أمثلة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا

стр. 446

زالت هذه البدع كلها موجودة إلى يومنا هذا بل أكثر منها، فكل البدع التي فعلت في الماضي في أزمان مختلفة فعلت في زماننا هذا نسأل الله السلامة والعافية. وتفشي البدع وانتشارها وخصوصًا في زماننا هذا له أسباب كثيرة منها: ١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتدّ الزمن وبعد الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم قلّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (١). فالجهل هو أخطر سبب يؤدي إلى انتشار البدع، ولا يقاوم ذلك إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر. ٢ - اتباع الهوى وذلك أن من أعرض عن الكتاب والسنة فإن الشيطان يزين له البدع ويحسنها، وقد ذم الله ﵎ من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به الشرع فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٣) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ذم الهوى وأصحابه، والبدع إنما هي

стр. 447

نسيج الهوى المتبع يقول الشاطبي (١) رحمه الله تعالى: "سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها أو التعويل عليها حتى يصدوا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها وراء ذلك" (٢). ٣ - التشبه بالكفار وتقليدهم من أشد ما يوقع في البدع كما في حديث ابن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط (٣) فمررنا بسدرة فقلنا: "يا رسول الله جعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، إنها السَّنَن (٤) قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٥) لتركبن سنن من كان قبلكم" (٦).

стр. 448

ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب رسول الله ﷺ من الذين دخلوا حديثًا في الإسلام أن يطلبوا هذا الطلب القبيح وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله. وقد صدق ﷺ حيث وقع ما أخبر به فإن غالب الناس ولاسيما في هذا العصر الذي أصبح التقليد والمشابهة للكفار سمة لأهله فنحن نرى الكثير من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المأتم وغير ذلك من الأمور التي لم ينج منها إلا من رحم الله وهم القليل. ٤ - التعصب للآراء والتقليد الأعمى للشيوخ يحول بين المرء واتباع الحق ومعرفة الدليل، وهذا شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم وأقوال مشائخهم وآبائهم وأجدادهم وأخذوها على أنها أقوال مسلمة لا يقبل غيرها. وقد ذم الله التقليد باتباع الآباء والأجداد حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ (٢). هذا كله من أسباب انتشار البدع بالإضافة إلى سكوت كثير من

стр. 449

العلماء وتركهم الدعوة إلى الله تعالى وتبصير الناس بدينهم وبهدي نبيهم ﷺ الأمر الذي جعل عامة الناس يعتقدون في البدع أنها سنن، وإذا أردت أن تبين لهم الحق في ذلك، ردوا عليك بقولهم من أنت؟ ومن تكون؟ فلو كان الأمر بدعة كما تدعي لبينها الشيخ فلان وفلان، فإنك لست بأعلم منهم بل لا تدانيهم في منزلتهم العلمية. وطريق الخلاص من هذه البدع كلها يكون بالتمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وإلى كتب السلف الصالح لفهم العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها أو ينقصها من الشرك والبدع والخرافات ونبذ الكتب المخالفة للكتاب والسنة من كتب الصوفية والقبورية والمخرفين. وأسأل الله تعالى أن يجنبنا مضلات الفتن وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعدائه إنه على كل شيء قدير.

стр. 450

المطلب الخامس حكم البدع وأهلها البدع كلها مضادة للشارع ومراغمة له حيث أن المبتدع نصب نفسه منصب المستدرك على شرع الله ، ولهذا كانت البدعة مذمومة بكل حال، لأن النصوص الواردة في البدع بينت أن كل بدعة ضلالة وأن عمل المبتدع مردود عليه، وعلى هذا فالإبتداع في الدين حرام سواء كان ذلك في العبادات أو الاعتقادات قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (١) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (٣). أما المبتدعة الذين يحدثون البدع فهم مفترون على الله لأن أحداثهم للبدع يفهم منه أن الله لم يكمل هذا الدين وأن الرسول ﷺ لم يبلغ كل ما أوحي إليه حتى جاء هؤلاء المبتدعة

стр. 451

فأكملوا الشرع بما أحدثوه من ضلالات زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله ، وهذا خطر عظيم واعتراض على رب العالمين ، واتهام للدين بالنقص، وللرسول ﷺ بالخيانة والكتمان، وهذا كله باطل لا شك فيه، فالله قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). والرسول ﷺ قد بلغ ما أوحي إليه بلاغًا مبينًا لم يترك طريقًا للخير يقربنا إلى الله إلا ودلنا عليه، ولا طريقًا يبعد عن الله إلا وحذرنا منه ولذا تقول عائشة ﵂ لمسروق (٢) رحمه الله تعالى كما في صحيح مسلم (٣) "ثلاث من تكلم بواحدة منها فقد أعظم على الله الفرية" وذكرت منها: من زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤). فلو كانت البدع التي أحدثها المبتدعة من الدين الذي أتمه الله علينا ورضيه لنا دينًا لبينه الرسول ﷺ لأمته إما بقوله أو فعله، فلما لم يبين ذلك دلّ على أن ما أحدثه هؤلاء ليس من الدين في شيء، وقد تكلم

стр. 452

ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا كله فقال: "أهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه، وقد جعل الله من حرم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مفتريًا عليه الكذب، فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليه الكذب ومن نسب إلى الله ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل، أو كذب بأقداره فقد افترى على الله الكذب، وقد قال الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) " قال سفيان: الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم (٢). فلهذا تغلظت عقوبة المبتدع على عقوبة العاصي، لأن المبتدع مفتر على الله، مخالف لأمر رسوله لأجل هواه (٣). فالبدع كلها شر وضلالة، ومحادة لله ولرسوله ﷺ ويخشى أن يكون أهل الأهواء والبدع ممن حيل بينهم وبين التوبة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة" (٤).

стр. 453

فهذا الحديث يدل على أن الله حجب التوبة أمام المبتدع، فلا يقبل له توبة، ذلك لأن المبتدع يرى أن عمله دين يتقرب به إلى الله فلا يتوب منه ولا يرجع عنه وهذا بخلاف العاصي فإن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها. وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن معني حديث أنس السابق فقال: "لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب مادام يراه حسنًا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فمادام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة منه ممكنة واقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ (٤).

стр. 454

وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة (١). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه مادام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة، فإنه يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله (٢).

стр. 455

المبحث الرابع الغلو وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليه الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد والمبالغة في الشيء، يقول الراغب الأصبهاني: الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو (١). وفي الشرع هو الإفراط في التعظيم بالقول والعمل والاعتقاد ومجاوزة الحد المشروع في ذلك كالغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين من حيث اعتقاد أن لهم تصرفًا في الكون، أو تعظيمهم بالألفاظ والأفعال ورفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها (٢). والغلو منهى عنه، وقد ذمه الله وحرمه وتوعد الغالين ونهاهم عنه فقال تعالى في كتابه العظيم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (٤).

стр. 456

قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "ينهى الله أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه بل قد غلوا في اتباعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلًا أو ضلالًا أو رشادًا أو صحيحًا أو كذبًا" (١). كما ذم الغلو ونهى عنه النبي ﷺ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله" (٢). فالغلو وباء قاتل ومرض مدمر، ولم يزل شره في ازدياد حتى وقع كثير من المسلمين في الشرك بسبب الغلو ومجاوزة الحد المشروع. وقد تناول ابن رجب ﵀ مسألة الغلو وبيّن أنه جهل وضلال كما بيّن بعض مظاهره فقال رحمه الله تعالى: وأما النصارى فذمهم الله بالجهل والضلالة، وبالغلو في الدين بغير الحق، ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها حتى يدعى فيه الإلهية، واتباع الكبراء في التحليل والتحريم، وكل هذا يوجد جهالًا منتسبين إلى العبادة من هذه الأمة فمنهم من يعبد بالجهل بغير العلم بل يذم العلم وأهله، ومنهم من يغلو في بعض الشيوخ فيدعى فيه الحلول، ومن يدعي الحلول المطلق والاتحاد، ومنهم من يغلو فيمن يعتقده من الشيوخ كما يغلو النصارى في رهبانهم

стр. 457

ويعتقدون أن لهم أن يغلو في الدين ما شاؤا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا يبالي بما عمل من عمل، وأن محبتهم لا يضر معها ذنب، وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار وأن ينقطع العبد عن الله بصحبته الأخيار، فمن صحب الأخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو فيهم غلوًا زائدًا عن الحد، وعلق قلبه بهم فقد انقطع عن الله بهم وإنما المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه ويعلموه دينه، وقد كان النبي ﷺ يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ويقول: "اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا" (١)، وقال لأهله: "إن أوليائي منكم المتقون يوم القيامة لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد، فأقول: قد بلغت" (٢) ولما سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٣) فإنما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والإقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة إلى العمل، ومن التخليط إلى التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة النفس آفاتها واحتقارها، فأما من صحبهم وأفتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة، وهو مصر على غفلته وكسله وبطالته فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين ﵃ يكرهون أن يطلب منهم الدعاء، ويقولون: "أنبياء نحن؟ " ... إلى أن قال رحمه الله تعالى:

стр. 458

"فالغلو من صفات النصارى، والجفاء من صفات اليهود والقصد هو المأمور به" (١). فالغلو أصل من أصول الشرك في الأولين والآخرين، ووسيلة من الوسائل المؤدية إلي عبادة الأصنام، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء والمرسلين والصالحين، وإنزالهم منازلهم من العبودية، ونهانا عن الإفراط ومجاوزة الحد في تعظيمهم، فلا نرفعهم فوق منزلتهم. وتعظيم الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ومحبتهم إنما هو باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والتقوى والعمل الصالح واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم وعبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها مساجد وأعيادًا ومجامع للزيارات وغير ذلك من البدع والضلالات. نسأل الله العافية من كل فتنة ... آمين.

стр. 459

المبحث الخامس مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل ١ - التنجيم النجم الكوكب، والجمع أنجم ونجوم وهو أحد الأجرام السماوية المضيئة، والنجم علم على الثرياء خاصّة، والمنجم والمنتجم الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها يستطلع من ذلك أحوال الكون (١). والله خلق النجوم لمنافع عظيمة، فقد أخبر في كتابه أنها يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر وأنها زينة السماء الدنيا وأنها رجوم للشياطين، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (٣)، وقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (٤). قال قتادة ﵀ تعالي: "خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك أخطأ

стр. 460

وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم به (١)، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابّة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء كل شيء" (٢). فالله خلق النجوم لهذه المنافع العظيمة، أما غير ذلك مما يدّعيه أهل هذا العلم من أنهم يستدلّون بحركات النجوم وطلوعها وغروبها على أحداث وأمور ستقع، فهذا كلّه من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو الذي حذّر منه قتادة ﵀ تعالي في كلامه السابق، ولكن التعلّق بالكواكب وربط ذلك بما يحدث في الأرض بدأ يزداد في كل عصر حتى بلغ الغاية في عصرنا هذا، وأصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تقبل الجدل عند كثير من الناس، وهذا كلّه ضلال وشرك لأنه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها، وبيّن أنها من الشرك لما فيها من التعلّق بغير الله تعالي، واعتقاد الضرّ والنفع في غيره وتصديق العرّافين والكهنة الذين يدّعون علم الغيب زورًا وبهتانًا، ويعبثون بعقول السذّج من الناس ليأخذوا أموالهم ويغيّروا عقائدهم. قال الخطابي رحمه الله تعالى: "علم المنجوم المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في
следующие страницы →