← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تكون وسيلة إلى الشرك كقول: "مالي إلا الله وأنت" وقول "هذا من الله ومنك" وغيره، والواجب أن يقول "ما شاء الله ثم شاء فلان" أو "مالي إلا الله ثم أنت" "وهذا من الله ثم منك" وهكذا لأن الواو تقتضي التشريك والتسوية، وثم تفيد الترتيب والتعقيب، وكل هذه الألفاظ داخلة تحت نهيه ﷺ عن ذلك، كما جاء عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (١). وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله عدلًا، لا بل ما شاء الله وحده" (٢). وعن قُتَيْلَة بنت صيفي الأنصارية ﵂: أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: "إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت" (٣). وجاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٤) قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول: "والله وحياتك يا فلانة وحياتي" ويقول: "لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ولولا

стр. 387

البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك" (١). فقد بيّن ابن عباس ﵄ أن هذه الألفاظ ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية التي يجب على كل مسلم أن يبتعد عنها كما دلّت على ذلك الأحاديث السابقة. ٣ - الرياء: وهو أن يعمل الإنسان عملًا يرائي به الناس فيحسنه ويزيد في تحسينه من أجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه ويثنون عليه بالصلاح، وهو من أخطر الذنوب، لأنه من الأعمال القلبية التي لا يطلع عليها إلا الله ، فمن صلى يرائي أو زين صلاته رياء أو صام أو حج يرائي أو تصدق يرائي أو جاهد في سبيل الله يرائي، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر يرائي أو قال أي قول أو عمل أي عمل يرائي فيه فقد أشرك الشرك الأصغر. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "أول من تسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم، أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء لأن يسير الرياء شرك" (٢). وقد حذر النبي ﷺ منه وسماه شركًا أصغر، وخاف على الصحابة ﵃ منه وهم أبر الأمة أعمالًا وأقواها إيمانًا، وأحسنها أخلاقًا، وأصدقها أقوالًا، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 388

"إن اخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، إن الله يقول يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء أو خيرًا" (١). وعن شداد بن أوس ﵁ قال: "كنا على عهد رسول الله ﷺ نعد الشرك الأصغر الرياء" (٢). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (٣). وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك" (٤). كلامه في حكم عمل المرائي: فصل ابن رجب رحمه الله تعالى القول في حكم عمل المرائي وما يترتب على ذلك من قبول للعمل أو رده، وقسم ذلك إلى أقسام هي:

стр. 389

أولًا: إذا كان العمل لله، وشاركه الرياء من أصله فإن هذا العمل باطل ومردود على صاحبه، ودلّت على بطلانه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تبيّن وجوب إخلاص العمل لله ﵎ وترك الرياء، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله ﵎: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) ... (١). وخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله يقول: (أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني). وخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة -وكان من الصحابة- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" (٢). وخرّج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزًا يلتمس الأجر

стр. 390

والذكر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه" (١). وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رجل يا رسول الله: إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتى نرلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ... ﴾ (٢) (٣). وممن يروى عنه هذا المعنى -أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا- طائفة من السلف، منهم: "عبادة بن الصامت" و"أبو الدرداء" و"الحسن" و"سعيد بن المسيب" (٤) وغيرهم ... ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا ... إلى أن قال: "فإن خالط نية الجهاد مثل نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم" (٥).

стр. 391

وقد ذكرت فيما مضى أحاديث (١) تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا ... (٢). ثانيًا: إذا كان العمل لله وشاركه الرياء في أثنائه هل يبطل العمل أم لا؟ يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرّجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني (٣) أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: "كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا" (٤). وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق

стр. 392

المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء لطارئه عليه، ويحتاج إلى تجديد نية (١). وهذا كله في الحقيقة يدل على خطر الشرك كبيره وصغيره، وأنه بقدر ما تكون نسبته في العمل يكون الإحباط فيه أشمل وأعم، وهذا مما يوجب على المسلم الحذر من الشرك والابتعاد عنه، وعدم الإستهانة به، وقد حذر النبي ﷺ أمته منه، وخاف عليهم منه أشد من خوفه عليهم من المسيح الدجال الذي هو شر غائب ينتظر فمع خطورة المسيح الدجال، فالرياء أشد خطرًا وأعظم منه أثرا على المسلمين لما جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" (٢). فهذا يدل على حرصه ﷺ وشفقته على أمته ونصحه لهم وتحذيره مما يخاف عليهم منه يقول صاحب فتح المجيد تعليقًا على هذا الحديث: "هذا من شفقته ﷺ بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه ... فإذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصًا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة

стр. 393

الإخلاص عن كل ما سوى الله" (١). والرياء الذي يعتبر شركًا أصغر إنما هو يسير الرياء وليس كثيره لأن الكثير منه قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر وذلك بحسب قصده ونيته، وهذا لا يصدر إلا من المنافقين الذين توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار كما أنه يصدر عن من لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: فتارة يكون -أي العمل- رياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ... ﴾ (٣). وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٤)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة (٥). بيانه أن حمد الناس للعبد على عمل الخير دون قصد منه لا يعد من الرياء: بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن حمد الناس لمن عمل الخير

стр. 394

بإخلاص وسروره بذلك لا يعد رياء، لأنه لم يعمل العمل رياء ولا سمعة وإنما عمله لله وهو لا يحب إطلاع الناس عليه، وفرحه وسروره بذلك إنما هو فرح وسرور بطاعة الله تعالى وبفضله عليه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، بفضل ورحمة، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (١) خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه (٢) وعنده "الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه ... " (٣). وهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن كون هذا النوع من الشرك أصغر لا يعني ذلك احتقاره والتقليل من شأنه، فهو وإن كان أصغر بالنسبة للأكبر إلا أنه معدود من أقسام الشرك وهو من الكبائر بالنسبة لسائر الذنوب، بل قد يكون شركًا أكبر بما يصحبه من قصد ونية والواجب على المسلم أن يحذره وأن يبتعد عنه وأن يتوب منه عند الوقوع فيه حفاظًا على توحيده وأعماله، ومنعًا لاستدراج الشيطان له ووقوعه في أخطر شرك نصبه للبشرية على الإطلاق، أعاذنا الله من الشرك كبيره وصغيره جليه وخفيه.

стр. 395

المبحث الثاني النفاق وكلام ابن رجب عليه ١ - تعريف النفاق: النفاق مشتق من نافقاء اليربوع، لأن اليربوع له جحران: أحدهما يقال له النَافِقاء، والثاني القَاصِعاء. فالنافقاء موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق، وهو يكتمه ويظهر غيره فإذا جاءه من قبل القاصعاء الظاهرة ضرب النافقاء برأسه ثم خرج، فهو يظهر القاصعاء ويخفي النافقاء (١). وقيل النفاق مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض. يقول الجوهري: النَّفَق: سرب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان، والنَافِقاء: إحدى جُحَرة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي خرج، والنُفقَة أيضًا مثال الهُمزَة: النافقاء. تقول منه نفق اليربوع تَنْفيقًا نافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين (٢). وقال ابن الأثير: قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى

стр. 396

المخصوص به وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النَافِقاء: أحد جُحَرة اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه. وقيل: هو من النفق: وهو السرب الذي يستتر فيه، لستره كفره (١). وقال الراغب الأصفهاني: النفق: الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب، والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٤) ... (٥). فكلمة النفاق تدل على إظهار الإنسان خلاف ما يبطن في شتى الأمور وهو بذلك يتضمن الدخول في الإسلام ظاهرًا وهو لا يؤمن به باطنًا كما يتضمن غير ذلك مما يكون فيه الظاهر مخالفًا للباطن ولذلك يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "سمي المنافق منافقًا لأنه يستر كفره، ويغيبه، فشُبِه بالذي يدخل النفق، وهو السرب فيستتر به ... " (٦).

стр. 397

والخلاصة أن النفاق في اللغة هو إظهار شيء وإبطان خلافه وفي الشرع: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان. وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن النفاق وبيّن أقسامه فقال رحمه الله تعالى في تعريفه وبيان أقسامه: النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار. والثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في الأحاديث وهي خمس: أحدها: أن يحدث بحديث لم يصدق به، وهو كاذب له. والثاني: إذا واعد أخلف، وهو على نوعين: أحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يوفي بوعده، وهذا شر الخلق، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كاذبًا وخلفًا. الثاني: أن يعد، ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف. والثالث: إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب كما

стр. 398

قال النبي ﷺ : "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (١). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (٢). وقال ﷺ : "إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٣). وقال ﷺ : "إن من البيان لسحرًا" (٤). فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة -سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا- على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، وأخبث خصال النفاق، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع" (٥).

стр. 399

الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١). وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (٣). وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" (٤). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" خرّجه البخاري (٥). وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين، إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئًا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها، من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب

стр. 400

الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ، مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. الخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا أؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وقال النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك" (٢). قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (٣). فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق. وخاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن ... والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا ... ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملًا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له

стр. 401

ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (١). وأنزل في اليهود ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ (٢). وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (٣). وفيهما أيضًا عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا (٤). وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "من غشنا فليس منا،

стр. 402

والمكر والخديعة في النار" (١) (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة في نظرهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٣) فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقام والفصاحة حتى أنهم يعجب منظرهم لمن يراهم، ويسمع قولهم من سمعه سماع إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعائبهم مهلكة فلهذا مثلهم بالخشب المسندة التي لا دفع لها ولا إحساس وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (٤) لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا من الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم وهكذا كل مريب يظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويتحسر عليه (٥). فالنفاق داء عضال، ومرض خطير، ولذلك كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة يخافون منه خوفًا شديدًا لعلمهم بدقة وجله، وما يترتب عليه من الآثار السيئة وقد أشار ابن رجب

стр. 403

رحمه الله تعالى إلى ذلك وبين أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخافون من النفاق أشد الخوف. فقال: "ومن هنا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد جزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، لأن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء" (١). خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس ... (٢). وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر ﵁ وهو يبكي فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا رجعنا عافسنا (٣) الأزواج والصبية فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك،

стр. 404

فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : "لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (١) (٢) ... وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة ﵃ وغيرهم تدل على خوفهم من النفاق فقال: "ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه" (٣). وسئل أبو رجاء العطاردي (٤): هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا" (٥). وقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة (٦): "أدركت

стр. 405

ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه (١). ويذكر عن الحسن أنه قال: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق" (٢). وروي عن الحسن: "أنه حلف ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن" (٣). وكان يقول: "من لم يخف النفاق فهو منافق" (٤). وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: "اللهم اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه" (٥). والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا (٦). وهذا كله يدل على عظم النفاق، وشدة خطره، فإذا كان الصحابة ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ والذين رباهم

стр. 406

الرسول ﷺ كانوا يخافون من النفاق، فما الحال في زمننا هذا الذي قل فيه الإخلاص، والإيمان بالله ، مما لا شك فيه أن خلقًا كثيرًا قد وقعوا في النفاق سواءًا شعروا بذلك أم لم يشعروا، نسأل الله السلامة منه ومن كل ما يحبط الأعمال ويفسدها، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.

стр. 407

المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع البدعة نقيض السنة مشتقة من بَدَع الشيء يبدعه بَدْعًا إذا أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى الحسنى البديع فهو سبحانه بديع السموات والأرض لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) والبديع أيضًا الذي ليس قبله شيء، والله هو الأول الذي ليس قبله الشيء، والبدع: ما كان أولًا ولم يسبقه شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) أي ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بل أرسل قبلي رسل كثيرون. ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٣) ... " (٤).

стр. 408

فالبدعة اسم هيئة من الابتداع وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق، وهي بهذا المعنى تقال في المدح والذم لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سبق سواءًا كان خيرًا أو شرًا ولكن لفظ البدعة غلب على الحدث المكروه في الدين، قال ابن الأثير: "وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم" (١). وأما البدعة في الشرع فقد عرفها ابن رجب رحمه الله تعالى فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة" (٢). وقال رحمه الله تعالى: "فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (٣) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٤) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة (٥). فالبدعة إذًا هي كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ولم يكن على عهد الصحابة دينًا يعبد الله به أو يتقرب به إليه سواء كان ذلك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأعمال. وقد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي تدل على وجوب الاتباع والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.

стр. 409

منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١). ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣). ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٤). وأما الأحاديث فكثيرة جدًا: منها حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (٥).

стр. 410

ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (١). ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢). ومنها حديث أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني" (٣). فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الاتباع والابتعاد عن البدع ومحدثات الأمور. كما أن السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين

стр. 411

وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله ﷺ ، ويحذرون من البدع وينفرون منها، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا. فمن أقوال الصحابة ﵃: قول عمر ﵁: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله" (١). وقال حذيفة ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا أثارنا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطاتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (٢). وقال عبد الله بن عمر ﵄: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (٣). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة" (٤). وقال عثمان بن حاضر (٥) الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت:

стр. 412

أوصني، فقال: نعم عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع" (١). ومن الآثار الواردة عن التابعين ومن بعدهم في التحذير من البدع ولزوم السنة: قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا" (٣). وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة" (٤). وقال حسان بن عطية (٥) رحمه الله تعالى: "ما ابتدع قوم بدعة في

стр. 413

دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (١). وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من أحد ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وأني واثق بنفسي، فمن آمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه" (٢). ويقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول" (٣). فهذه الآثار الواردة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كلها تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة وتحذر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها يقول الإمام أبو محمد البربهاري (٤) رحمه الله تعالى: "واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل

стр. 414

فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم. فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار". واعلم رحمك الله -أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف، ولا شرح، ولا يقال: لم؟ ولا كيف، فالكلام والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" (١).

стр. 415

المطلب الثاني أنواع البدع للبدع أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة فهي ليست على درجة واحدة ولكن هذه الأنواع كلها لا تخرج عن هذين النوعين: النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم. النوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: ١ - بدعة في أصل العبادة وذلك بأن يحدث عبادة ليس لها أصل مشروع كأن يحدث صلاة غير مشروعة كصلاة الرغائب، أو صيامًا كصيام رجب وحده أو أعيادًا كأعياد الموالد وغيرها، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع فقال: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) فمن تقرّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي أو الرقص

стр. 416

أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله بالتقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا (١). ٢ - بدعة الزيادة في العبادة المشروعة كزيادة الشيعة "أشهد أن عليًا ولي الله" في الآذان أو النقص من المشروع كذكر الله بالاسم المفرد كما يفعله الصوفية أو الإتيان بصفة معينة للعبادة غير مشروعة كالاتيان بالأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة أو تخصيص وقت معين لعبادة مشروعة لم يخصصه الشرع كمن خصّ يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا النوع بقوله: "وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا عليه أم لا، فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا كمن زاد ركعة عمدًا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعًا

стр. 417

أربعًا، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه، وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله أم أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله (١).

стр. 418

المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك هناك فريق من الناس يقسمون البدع إلى بدع حسنة وسيئة وإلى بدع مذمومة ومحمودة، وهذا تقسيم لا أصل له، وإنما هو من تلبيس إبليس جاءوا به من عند أنفسهم ليسوغوا الأحداث في الدين، والذي دعاهم إلى هذا التقسيم هو تمسكهم ببعض النصوص التي ليس لهم في الحقيقة دلالة فيها لأن تقسيم البدع إلى هذا التقسيم لا دليل عليه من الشرع بل إن فيه مخالفة صريحة لأقوال الرسول ﷺ ومنها قوله ﷺ : " ... وكل بدعة ضلالة" (١) وهم يقولون: لا، بل البدعة منها ما هو بدعة حسنة ومنها ما هو بدعة سيئة، وقد رد ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا التقسيم وبين أن البدع جميعها مذمومة سواء في الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات فقال رحمه الله تعالى: "فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج منه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة" (٣).

стр. 419

وهؤلاء الذين قسموا البدع إلى حسنة وسيئة احتجوا بنصوص لا دليل لهم فيها وإنما هي شبهات تعلقوا بها، واغتر بها من لا علم عنده من المتصوفة والجهال والعوام مما دعاهم إلى أن يتعبدوا الله بعبادات لم ترد عن الله ولا عن رسوله ﷺ ، فإذا نهاهم عالم أو أحد طلبة العلم عن ذلك قالوا: أن ما نفعله بدعة حسنة وليس بدعة سيئة. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى النصوص والأمور التي تعلقوا بها ورد عليهم فيها، وبيّن أنه لا حجة لهم فيها فقال: "وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: "نعمت البدعة هذه" (١) وروي عنه أنه قال: "إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة" (٢). وروي عن أبي بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه: فمنها: أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو ﷺ ، صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك، معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده ﷺ .

стр. 420

ومنها: أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃. ومن ذلك آذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي، واستمر عمل المسلمين عليه ... ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر ﵄: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح. وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف، وإعدامه لما خالفه، خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة ... وقد روى الحافظ أبو نعيم (١) بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد (٢) قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة فما

стр. 421

وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي (١). ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا، وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث فيه من الخير وكثير من الأمور التي أحدثت لم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا (٢). فمنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك، وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما أحدث في ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول" (٣) وابن مسعود قال: "هذا في زمن الخلفاء الراشدين" (٤). فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق الحجج

стр. 422

التي استدل بها من قال أن هناك بدعة حسنة وسيئة، وبين أنه لا حجة لهم فيها. وبهذا يتبين أن البدع كلها ضلال، وكلها أحداث في دين الله بما لم يشرعه، وتقسيمها إلى حسنة وسيئة تقسيم باطل مردود بنصوص الكتاب والسنة.

стр. 423

المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها هناك كثير من البدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركوا فيه تعاليم الإسلام وهجروا سنن المصطفى ﷺ وسأذكر بعضًا منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وخصوصًا البدع التي تعرّض لها ابن رجب ﵀ في كتبه وبيّنها وأوضحها وهي: ١ - بدعة تخصيص رجب بعبادات معينة: خص أهل البدع والأهواء والجهلة من الناس شهر رجب بعبادات لم يشرعها الله ﵎، ولم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه من بعده، ولكن هؤلاء خصوا هذا الشهر بصلوات وصيام وغيرهما من العبادات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولا زالت هذه البدع تفعل إلى يومنا هذا. وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه البدع، وبيّن أن شهر رجب لم يخص بأي نوع من أنواع العبادات لا صدقة ولا زكاة ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من أنواع العبادة، وقد تكلم رحمه الله تعالى عن كل عبادة بعينها وسأورد كلامه رحمه الله تعالى على كل عبادة خصّ بها شهر رجب دون غيره: أ - الصلاة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "فأما الصلاة فلم

стр. 424

يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب (١) في أول ليلة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني (٢) وأبو الفضل بن ناصر (٣) وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها (٤). ب - الزكاة والصدقة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم، فمن

стр. 425

كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي" خرجه مالك في الموطأ (١). وقد قيل أن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي، ولم يعرف، وقيل بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تمّ الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به" (٢). جـ - الصيام: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة (٣) أنه قال: "في الجنة قصر لصوام رجب" قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاع، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة (٤)
следующие страницы →