تقريظ فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فقد قرأت الكتاب الذي ألفه فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن سليمان الغفيلي بعنوان: "ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف" فوجدته كتابًا وافيًا في موضوعه مفيدًا في محتواه حيث تناول شخصية علمية من أعظم الشخصيات في الإسلام، ألا وهي شخصية الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي وما قدمه ذلك الإمام من آثار علمية في مجالات مختلفة مما أثرى المكتبة الإسلامية ونقل علم السلف النقي الخالص إلى أتباعهم من الخلف الذين اتبعوهم بإحسان ورفضوا السير خلف غيرهم فكان هذا الكتاب الذي أعده أخونا الشيخ: عبد الله الغفيلي بمثابة المنظار الصافي الذي يطلع من قرأه على مكانة الإمام ابن رجب ﵀ وقيمة مؤلفاته العلمية في أعظم أبواب العلم وهو باب العقيدة. وتبقى آثاره الحديثية، وآثاره الأصولية، وآثاره الفقهية مجالات أخرى لمن يريد إبرازها من الباحثين وإنها لمفخرة عظيمة أن يقوم الباحثون منا بتجلية مواقف أئمتنا وبيان آثارهم العلمية حتى يحذو حذوهم ويقتدي بهم كل من أراد أن يدعو إلى الله على بصيرة. ومن أراد أن يبين الطريق الصحيح الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها في وقت كثر فيه أدعياء العلم ومن ينتحلون الدعوة وهم على غير بصيرة وإنما ينتهجون مناهج من هنا وهناك مخالفة لمنهج الكتاب والسنة في الدعوة إلى الله
стр. 6
ومخالفة لمنهج السلف حتى أصبحت في الغالب دعوة إلى الفتنة والاختلاف. ورحم الله الإمام مالك حيث قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، -وأخيرًا نقول للشيخ عبد الله الغفيلي ولإخوانه المتبصرين من شباب هذه الأمة مزيدا من البحث عن مواقف الأئمة المصلحين وآثارهم المفيدة. ليتضح الطريق الصحيح أمام من يريد الحق. ولكم من الله المعونة وجزيل المثوبة ودعوات المخلصين- وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
وعضو هيئة كبار العلماء
стр. 7
تقريظ فضيلة الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري
بسم الله الرحمن الرحيم. وبه ثقتي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
هذا فرسالة الدكتور عبد الله بن سليمان الغفيلي التي تحمل العنوان التالي: "ابن رجب الحنبلي وأثره في العقيدة السلفية" قد بذل فيها الباحث جهدًا مشكورًا على أن هذه الرسالة تعد أول دراسة من نوعها لعقيدة الحافظ عبد الرحمن بن أحمد أبي الفرج الدمشقي الحنبلي السلفية.
وكانت هذه الرسالة قد شملت في دراستها لعقيدة أبي الفرج وجوهًا عديدة:
١ - حصر مؤلفات الحافظ ابن رجب في العقيدة وغيرها مطبوعة ومخطوطة.
٢ - تركيزه على ما يتعلق بالعقيدة السلفية من مؤلفات ابن رجب إضافة إلى البحوث التي أخذها الباحث من مختلف كتب ابن رجب.
وقد توج الرسالة بفهارس فنية شاملة تساعد القارئ على ما يريد في هذه الرسالة القيمة الفريدة في موضوعها بيسر وسهولة وأسأل الله العلي القدير أن يجزي جامعها خير الجزاء وأن ينفع بها قارئها وكاتبها والله ولي التوفيق.
كتبه أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣)(٤).
أما بعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأجلها قدرًا، وأوجبها
стр. 9
مطلبًا لأنه العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وحقوقه على عباده، ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه، ولذا أجمعت الرسل على الدعوة إليه قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١).
وشهد الله لنفسه تعالى بألوهيته وحده وشهد بها له ملائكته وأهل العلم قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (٢).
ولما كان هذا شأن التوحيد كان واجبًا على كل مسلم أن يعتني به تعلمًا وتعليمًا واعتقادًا وعملًا ليبني دينه على أساس سليم وطريق قويم يسعد بثمراته ونتائجه في الدنيا والآخرة، فالعقيدة الإسلامية هي قوام المجتمع المسلم الذي لا يمكن أن يكون له بناء بدونها.
وأنا أعتقد اعتقادا جازما أن منهج أهل السنة والجماعة في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب السير عليه والعمل بمقتضاه في كل زمان ومكان لمن أراد أن يسلك سبيل النجاة والفلاح، لأن أعداء الإسلام والمسلمين قد بذلوا كل ما يستطيعون لإبعاد المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم السليمة كي يستطيعوا تحقيق أغراضهم الفاسدة، فابن سبأ (٣) اليهودي الذي أدخل على المسلمين عقائد تشوه جمال دينهم وتحطم بنيانه، كان من أول أعداء المسلمين الذين بثوا
стр. 10
العقائد الفاسدة في صفوف المسلمين، الأمر الذي أصبح له الأثر الكبير على ما أصاب المسلمين فيما بعد من محن.
وقد تبع ابن سبأ أناس آخرون ساروا على نهجه في تحطيم كيان الأمة الإسلامية بما يقومون به من أعمال فاسدة أمثال بشر المريسي (١) والجعد بن درهم (٢) والجهم بن صفوان (٣) وغيرهم.
وقد حاول هؤلاء جميعًا القضاء على الإسلام والمسلمين، ولكن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٤).
стр. 11
فقد هيأ ﵎ من يرد كيد هؤلاء الحاقدين المفسدين في نحورهم إذ تصدى لهم علماء السنة وردوا كيدهم ودحضوا باطلهم بالحجج القوية القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما، وأمثال الدارقطني وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهم ﵏ جميعًا.
وكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والدعاة المصلحين الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري العلامة الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه، فقد عرف عنه رحمه الله تعالى الورع والعبادة والزهد، وقد ابتدأ في طلب العلم والحديث بصفة خاصة منذ نعومة أظفاره، فقضى حياته رحمه الله تعالى كلها في علم وعمل ودعوة وعبادة وتهجد ووعظ وإرشاد، وقد بارك الله له في أوقاته وعمله، فقد استفاد منه خلق كثير في حياته، ولا زال طلاب العلم ينتفعون بمؤلفاته القيمة حيث أن له رحمه الله تعالى ما يربو على ستين مؤلفًا في فنون مختلفة.
وقد استفاد رحمه الله تعالى كثيرًا من كتب من سبقه من علماء الإسلام وخاصة شيخه ابن قيم الجوزية وشيخ شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فقد تتلمذ على الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وسمع عليه بعض مؤلفاته وقرأ عليه النونية في السنة الأخيرة ولازمه حتى الممات مما كان له الأثر الكبير في علمه وثقافته.
ولما كان نظام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية يطلب من طلاب الدراسات العليا الذين يريدون الحصول على شهادة العالمية العالية "الدكتوراه" أن يكتبوا بحثًا علميًا في مجال تخصصهم رأيت أن أقوم
стр. 12
بدراسة علمية لمنهج هذا العالم الجليل وجهوده في توضيح عقيدة السلف، فاستخرت الله وشاورت في ذلك أهل العلم من مشايخنا الأفاضل في هذه الجامعة المباركة فوجدت منهم استحسانًا وتأييدًا لهذا الموضوع فعزمت عليه وجعلت عنوانه "ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف" للحصول على درجة "الدكتوراه" في العقيدة وكان سبب اختياري لهذا الموضوع الأمور التالية:
١ - أنه لم يسبق أن كتب أحد عن الحافظ ابن رجب في مجال العقيدة وجهوده فيها حسب علمي.
٢ - إن إبراز عقيدة هذا الإمام وغيره من أئمة السلف فيها إبراز لعقيدة السلف الصالح.
٣ - بيان أن عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى هي عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
٤ - الحرص على بيان عقيدة السلف الصالح ونشرها بين الناس وذلك بإبراز علماء السلف مما يجلي عقيدتهم ويوضحها لدحض ما عداها من عقائد أهل البدع والضلال، فإن العمل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ومحاربة البدع وأهلها وإبراز علماء السلف من الأعمال الواجبة على أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية ليكون ذلك نورًا يهتدي به من أراد أن يسلك الطريق المستقيم طريق الكتاب والسنة. وسلاحًا بأيدي الدعاة والمصلحين يدحضون به كيد أهل الباطل ويدمغون به شبههم الذين نراهم الآن جادين في إخراج تراثهم الباطل ونشر كتبهم الفاسدة وترويج أفكارهم الضالة وكل هذا وراءه أعداء الإسلام والمسلمين الذين يدعمون كل رذيلة وينشرون الكفر والإلحاد، والله لهم بالمرصاد
стр. 13
والعاقبة للمتقين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (١).
وقد سرت في الموضوع على الخطة التالية:
قسمت البحث إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة:
أما المقدمة فقد اشتملت على ما يأتي:
١ - أسباب اختيار الموضوع.
٢ - خطة البحث.
٣ - عملي الذي سرت عليه في هذا البحث.
وأما الباب الأول: فقد خصصته للحديث عن العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى وعن حياته الشخصية والعلمية علمًا أنه قد كتب عن تاريخ ابن رجب وحياته ومؤلفاته وأقوال الناس فيه بعض الدراسات السابقة (٢) من قبل بعض الباحثين، وقد استفدت من ذلك كثيرًا.
ولكن أردت بهذا الباب أولا أن أدلي بدلوي مع الدلاء وأسهم بسهم مع الفضلاء وإني وإن لم أكن في مقامهم وسبقهم لأن اللاحق يتبع السابق.
ثانيًا أردت أن أبرز بعض الجوانب التي رأيت أنها بحاجة إلى اهتمام أكثر وهي:
стр. 14
١ - زيادة التحقيق في تاريخ ولادة ابن رجب رحمه الله تعالى خصوصًا وأن الدكتورة أمينة الجابر قد جعلت ذلك موضوع شك ووهمت الدكتور الوائلي في ترجيح تاريخ معين في ولادة ابن رجب رحمه الله تعالى.
٢ - تتبع شيوخ وتلاميذ ابن رجب رحمه الله تعالى من كتب التراجم المختلفة وحصرهم، وهذا لم يحصل منه شيء في الدراسات السابقة.
٣ - حصر كتب ومؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى مع بيان المطبوع منها والمخطوط مع الإشارة إلى أماكن المخطوط منها بقدر المستطاع.
٤ - الإشارة إلى الكتب التي تنسب إلى ابن رجب وهي ليست له أو هي مأخوذة من بعض كتبه ولم يؤلفها هو استقلالًا.
وقد اشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه، وفيه ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
الفصل الثاني: حياة ابن رجب الشخصية وفيه المباحث التالية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: كنيته ولقبه.
المبحث الثالث: مولده.
المبحث الرابع: شهرته.
стр. 15
المبحث الخامس: أسرته.
المبحث السادس: أخلاقه وصفاته.
المبحث السابع: ابن رجب والتصوف.
المبحث الثامن: وفاته.
الفصل الثالث: حياته العلمية ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: طلبه للعلم.
المبحث الثاني: رحلاته في طلب العلم.
المبحث الثالث: شيوخه.
المبحث الرابع: تدريسه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: ثقافته ومؤلفاته.
المبحث السابع: عقيدته ومذهبه.
المبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
الباب الثاني: أثره في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه ويشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أقسامه والعلاقة بينها وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف التوحيد لغة.
المبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا.
المبحث الثالث: أنواع التوحيد.
стр. 16
المبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.
الفصل الثاني: توحيد الربوبية وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريفه لغة.
المبحث الثاني: تعريفه شرعًا.
المبحث الثالث: دلائل توحيد الربوبية:
١ - دلالة الفطرة.
٢ - دلالة النعم.
٣ - دلالة خلق السموات والأرض.
٤ - دلالة خلق النبات.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له.
المبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الرابع: بيانه أن مذهب السلف أعلم وأسلم وأحكم.
المبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن.
المبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى.
المبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى:
стр. 17
١ - صفة العلم.
٢ - صفة الغنى.
٣ - صفة المعية.
٤ - صفة المجيء والإتيان.
٥ - صفة النزول.
المبحث الثامن: شبهة حول صفة النزول والرد عليها.
المبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة.
المبحث العاشر: تنزيه الله من نسبة الولد إليه.
المبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.
الفصل الرابع: توحيد الألوهية. ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:
تمهيد.
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها. وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: بيان معنى كلمة "إله".
المطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.
المطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.
المطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله.
стр. 18
المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ"لا إله إلا الله".
المبحث الثالث: تعريف العبادة، وذكر بعض أنواعها.
المبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.
الفصل الخامس: نواقض التوحيد، وما يلحق بها من المسائل. ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: الشرك وكلام ابن رجب عليه. ويشتمل على عدة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك لغة.
المطلب الثاني: تعريف الشرك شرعا وبيان أقسامه.
أمثلة للشرك الأصغر.
كلامه في حكم عمل المرائي.
حمد الناس العبد على الخير لا يعد من الرياء.
المبحث الثاني: النفاق وكلام ابن رجب عليه، وفيه عدة أمور:
١ - تعريف النفاق.
٢ - أقسام النفاق.
٣ - خوف السلف من النفاق لخطورته وخفائه.
المبحث الثالث: البدع وكلام ابن رجب عليها وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: معنى البدعة في اللغة والشرع والأدلة على التحذير من البدع والبعد عنها.
المطلب الثاني: أنواع البدع.
المطلب الثالث: الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب على ذلك.
стр. 19
المطلب الرابع: نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها.
المطلب الخامس: حكم البدع وأهلها.
المبحث الرابع: الغلو وكلام ابن رجب عليه.
المبحث الخامس: مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل.
١ - التنجيم.
٢ - التطير والتشاؤم.
٣ - الجمع بين قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" وقوله: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وقوله: "لا يورد ممرض على مصح".
٤ - معنى قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث".
٥ - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد.
٦ - النهي عن سب الدهر.
الباب الثالث: أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل:
الفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل ويشتمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية الإيمان.
المبحث الثاني: تعريف الإيمان لغة.
المبحث الثالث: تعريف الإيمان شرعًا.
المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الخامس: العلاقة بين مسمى الإيمان والإسلام.
стр. 20
المبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.
الفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب. ويشتمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول لغة وشرعًا.
المبحث الثاني: معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
المبحث الثالث: الغرض من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
المبحث الرابع: التفاضل بين الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
المبحث الخامس: بعض خصائص الرسل عليهم الصلاة والسلام.
المبحث السادس: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ .
المبحث السابع: كلامه في دعوة نبينا محمد ﷺ .
المبحث الثامن: بيانه فضل إرسال النبي ﷺ .
المبحث التاسع: النجاة والسعادة في طاعة الرسول ﷺ .
المبحث العاشر: الإيمان بالملائكة والكتب.
الفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر. ويشتمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر.
المبحث الثاني: معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلة على ذلك.
المبحث الثالث: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 21
المبحث الرابع: النهي عن الخوض في القدر.
المبحث الخامس: الرضا بالقضاء والقدر.
المبحث السادس: حكم تمني الموت وعلاقته بالقضاء والقدر.
المبحث السابع: القضاء والقدر وفعل الأسباب.
المبحث الثامن: الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث "فحج آدم موسى".
الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر، وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.
أولا: العلامات الصغرى: ومنها:
١ - بعثة النبي ﷺ .
٢ - ظهور الفتن.
٣ - انشقاق القمر.
٤ - ظهور نار بالحجاز.
٥ - ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة في البنيان.
٦ - خراب البيت ورفع القرآن وبعث ريح طيبة لقبض أرواح المؤمنين.
ثانيًا: العلامات الكبرى: ومنها:
١ - طلوع الشمس من مغربها.
٢ - فتنة المسيح الدجال.
стр. 22
٣ - نزول عيسى بن مريم ﵇.
٤ - خروج نار تحشر الناس.
المبحث الثالث: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته: أنواع من عذاب القبر.
المبحث الرابع: الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر.
المبحث الخامس: مستقر الأرواح.
المبحث السادس: الصراط.
المبحث السابع: بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.
المبحث الثامن: الشفاعة.
المبحث التاسع: الجنة ونعيمها.
المبحث العاشر: رؤية الله في الجنة.
المبحث الحادي عشر: النار وعذابها.
المبحث الثاثي عشر: خلق الجنة والنار.
المبحث الثالث عشر: الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدًا.
الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث.
هذا وقد كان منهجي الذي اتبعته في إعداد رسالتي هذه ما يأتي:
١ - قمت بجمع مؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى وذلك عن طريق البحث والسفر والسؤال والمراسلة لأهل الخبرة والشأن حتى استطعت بحمد الله وتوفيقه أن أحصل تقريبًا على جميع مؤلفات ابن رجب المطبوع منها والمخطوط الذي لم يفقد.
стр. 23
٢ - حصرت مباحث العقيدة التي اشتملت عليها كتب ابن رجب وذلك بعد قراءة جميع ما تيسر لي من كتبه المطبوعة والمخطوطة، ثم جمعت الأقوال التي تتعلق بكل مبحث على حده في بطاقات، وجعلت لها عنوانًا يتناسب مع ما تدل عليه، ثم بينت ما تدل عليه من مسألة اعتقادية حسب جهدي -وهو جهد مقل- مستعينًا في ذلك بأقوال أهل العلم الذين لهم جهود في توضيح العقيدة الإسلامية من علماء سلفنا الصالح.
٣ - أحيانًا أكرر الكلام الواحد لابن رجب في أكثر من موضع وذلك لاشتماله على أكثر من مسألة من مسائل العقيدة، فاضطر إلى إعادة الكلام وتكراره في عدة مواضع من مباحث الرسالة.
٤ - التزمت عند النقل من أي مرجع أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات هذه المراجع في فهرست المصادر والمراجع في آخر الرسالة.
٥ - بينت مواضع الآيات التي وردت في الرسالة بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٦ - عزوت الأحاديث التي وردت في هذه الرسالة إلى مصادرها من كتب السنة المعتمدة بذكر الجزء والصفحة مع الإشارة في الغالب إلى درجة الحديث من خلال أقوال المحدثين إذا كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما، لأن مجرد العزو إلى الصحيحين أو أحدهما معلم بالصحة.
٧ - ترجمت للأعلام الذين ورد ذكرهم في الرسالة ما عدا المشهورين، فإني لم أترجم لهم لعدم خفاء أحوالهم وذلك ككبار الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم.
стр. 24
٨ - عرفت بالفرق والطوائف التي ورد ذكرها في الرسالة تعريفًا موجزًا.
٩ - شرحت المفردات الغريبة التي وردت في الرسالة مستعينًا في ذلك بكتب الغريب والمعاجم اللغوية.
١٠ - إذا تكرر الحديث في أكثر من موضع فإني أخرجه أول مرة ثم أحيل عليه في المرات التي تليه.
١١ - ضبطت الكلمات التي قد يشكل على القارئ ضبطها، وقد حاولت أن أضبط كل كلمة مرت عليّ في هذا البحث وأرى أن قراءتها تشكل على القارئ.
١٢ - وضعت فهارس علمية عامة للرسالة تعين على الرجوع إلى المراد منها بيسر وسهولة، وقد اشتملت على ما يلي:
أ - فهرس الآيات القرآنية حسب ترتيب سور القرآن.
ب - فهرس الأحاديث الشريفة ورتبتها على الحروف الهجائية.
جـ - فهرس الآثار ورتبتها على الحروف الهجائية.
د - فهرس الأعلام المترجم لهم ورتبتهم حسب الحروف الهجائية.
هـ - فهرس الفرق والطوائف والمصطلحات.
و- فهرس المصادر والمراجع وقد رتبتها على الحروف الهجائية.
ز - فهرس الموضوعات وقد بينت فيه أبواب الرسالة وفصولها ومباحثها وما تتضمنه من فروع وجزئيات.
وبعد فإني أحمد الله تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد والشكر كله حيث وفقني لاختيار هذا الموضوع الذي شعرت بفائدته الكبيرة منذ أن بدأت
стр. 25
فيه، ذلك لأنني قرأت وعرفت كثيرًا من كتب العقيدة المفيدة النافعة.
وبعد حمد الله وشكره أتقدم بجزيل شكري وعظيم امتناني إلى فضيلة شيخي العلامة حماد بن محمد الأنصاري حفظه الله المشرف على هذه الرسالة فقد قرأت عليه هذه الرسالة من أولها إلى آخرها، فاستفدت كثيرًا من توجيهاته العلمية الهادفة وإرشاداته القيمة، وآرائه السديدة، وأعطاني من علمه ووقته الشيء الكثير بدون تقييد بزمن الإشراف المحدد، ووجدت منه كل الإخلاص والنصح والمحبة فجزاه الله عني وعن العلم وأهله خير الجزاء، وتقبل منه جهده وإخلاصه ووهب له مزيدًا من التوفيق وأمده بالصحة والعافية، وبارك له في عمره إنه القادر على ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الحسن لفضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي الذي وجدت منه تشجيعًا كبيرًا لهذا الموضوع والذي أعطاني كل ما عنده من كتب ومخطوطات تتعلق بهذا الموضوع فأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء كما لا يفوتني أن أشكر كل من له سمات بارزة في النهوض بهذه الجامعة وأخص منهم معالي رئيس الجامعة الإسلامية.
كما أشكر المسؤولين في الدراسات العليا على ما قدموه لي من تسهيلات وعلى رأسهم فضيلة رئيس الدراسات العليا الشيخ: عبد الله بن محمد الغنيمان كما أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذين الفاضلين فضيلة الدكتور: محمد بن حمود الوائلي الأستاذ بكلية الشريعة ورئيس قسم الفقه فيها، وفضيلة الدكتور: أحمد بن سعد الغامدي الأستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين اللذين قاما بقراءة الرسالة وتقويمها.
وأخيرًا أتوجه بالشكر وفائق الاحترام والتقدير إلى جميع الإخوة الذين ساعدوني وتعاونوا معي على إنجاز هذه الرسالة، والله أسأل أن
стр. 26
يتقبل من الجميع تعاونهم وأن يوفقنا وإياهم إلى العمل المستمر في التعاون على البر والتقوى، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 27
الباب الأول حياة ابن رجب وآثاره العلمية
ويشتمل على الفصول التالية:
١ - الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه ابن رجب الحنبلي.
٢ - الفصل الثاني: حياة ابن رجب الشخصية.
٣ - الفصل الثالث: حياة ابن رجب العلمية.
стр. 28
الفصل الأول العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى
ويشتمل على المباحث التالية:
تمهيد.
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
стр. 29
تمهيد
من المعلوم أنه من أراد أن يعطي فكرة عن شخصية من الشخصيات وبيانًا لأثرها في المجتمع لاسيما إذا كان لتلك الشخصية آثار وأعمال يتوارد ذكرها متناثرًا في كتب العلماء أن يدرس الظروف المحيطة بها والبيئة التي عاشت فيها حتى يتمكن الباحث من الوقوف على العوامل والمؤثرات التي أدت إلى ظهور تلك الشخصية ونبوغها واتجاهها وذلك أن الشخص عادة يتأثر بالأحوال المحيطة به كما يتأثر بالبيئة وبمن حوله من شيوخه ومعلميه كما يؤثر هو في تلاميذه وطلابه ومن يحيطون به ويعاشرونه، وللأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها أثر كبير في تكييف اتجاهه ومنهجه الذي يسلكه، من أجل ذلك كله كان لابد ونحن ندرس شخصية ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى من أن نعطي فكرة موجزة عن العصر الذي عاش فيه من النواحي التالية:
١ - الناحية السياسية.
٢ - الناحية الاجتماعية.
٣ - الناحية العلمية.
стр. 30
المبحث الأول الناحية السياسية
وقع في العالم الإسلامي قبيل مولد ابن رجب رحمه الله تعالى -حادثان رهيبان تحطمت على إثرهما دولة الإسلام وزالت معالمها وكان لها أكبر الأثر في تنبيه المسلمين من رقدتهم وغفلتهم- وهذان الحادثان هما:
١ - استيلاء التتار الذين جاءوا من شمال الصين إلى بغداد، وقتلهم للخليفة والعلماء، وتدميرهم الشام وتهديد مصر، وكان سقوط بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ (١).
٢ - الحروب الصليبية التي استمرت نحو قرنين من الزمن من سنة ٤٩٠ هـ - ٦٩٠ هـ وراح ضحيتها أعداد هائلة من الأرواح.
يقول ابن الأثير (٢) رحمه الله تعالى في أحداث ذلك العصر: "لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بعصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها ظهور هؤلاء التتر قبحهم الله، أقبلوا من المشرق ففعلوا
стр. 31
الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها. . . ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم" (١).
وقد استمر زحف التتار على بلاد المسلمين وتخريبهم لها فأثاروا الرعب في قلوب الناس بما قاموا به من أعمال التخريب والتدمير والقتل يقول ابن كثير وهو يصف الحال: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشباب ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِي الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب ففتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك المساجد والجوامع، والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضى (٢) وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها
стр. 32
خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. . . " اهـ (١).
وقد هيأ الله للمسلمين رجلًا صالحًا هو الملك قطز (٢) الذي خاض المعركة ضد التتار وانتصر عليهم في معركة عين جالوت (٣) ودخل قطز دمشق ورفرفت راية الإسلام فحكم مصر والشام معًا.
وقد وصف ابن كثير رحمه الله تعالى ذلك فقال في حوادث سنة ٦٥٨ هـ: "إن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، وقد عزموا على الدخول إلى مصر وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر -وليته فعل- وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك. . . والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير ابن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى
стр. 33
يستمد هولاكو (١) فأبى إلا أن يناجزه سريعًا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان فاقتتلوا قتالا عظيمًا، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته. . . . وهرب من بدمشق منهم. . . فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدًا، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون" (٢).
وقد تولى خلافة المسلمين بعد سقوط بغداد بثلاث سنين أبو القاسم أحمد (٣) بن الخليفة الظاهر وذلك سنة ٦٥٩ هـ (٤) غير أن حالة الضعف التي تعانيها البلاد الإسلامية نتيجة الصراع على السلطة قد شجعت التتار على العودة إلى بلاد المسلمين ومهاجمتها وفعلا عادوا وكان آخر موقعة
стр. 34
منهم حين التقت جيوشهم بقيادة غازان مع جيوش المسلمين بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١) ومعه الخليفة في موقعة مرج الصفراء سنة ٧٠٢ هـ على مقربة من حمص فهزم التتار فيها شر هزيمة ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك (٢). وأما الصليبيون فقد استمرت غاراتهم وهجماتهم على المسلمين نحو قرنين من الزمن، فهم في حملتهم الأولى سنة ٤٩١ هـ استولوا على القدس والرُها وقتلوا فيها آلاف المسلمين واستمروا على هذه الحال يعيثون في الأرض فسادا بحملاتهم المتتالية على بلاد المسلمين حتى هيأ الله للمسلمين حكامًا أقوياء تمكنوا من استرداد ما استولى عليه الصليبيون أمثال زنكي (٣) الذي استرد الرها سنة ٥٣٩ هـ (٤) وصلاح الدين الأيوبى (٥) الذي طهر بيت المقدس منهم سنة ٥٨٣ هـ (٦) وكانت نهايتهم وانقضاء دولتهم على يد الملك
стр. 35
الأشرف (١) بن المنصور قلاوون جزيرة الروضة الواقعة في نهر النيل، وأسكنهم فيها وقد دامت مملكتهم قرنًا وثلثًا (٢) وقد أدرك الحافظ ابن رجب طرفًا كبيرًا من عهدهم سنة ٦٩٠ هـ (٣).
هذه الحوادث غيرت مجرى التاريخ وأيقظت العالم الإسلامي من سباته العميق.
ولا شك أن تلك الحوادث وإن كانت سابقة من حيث الزمن على ميلاد ابن رجب رحمه الله تعالى إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا في نفسه، فالصراعات المذهبية العنيفة بين أهل السنة والرافضة من جهة، وما صنعه النصارى واليهود والرافضة من مساعدة للتتار للقضاء على الإسلام وأهله من جهة أخرى كان لها أثر في الناحية الاجتماعية والعلمية كما سيأتي.
ولقد عاش ابن رجب رحمه الله تعالى كما يظهر من تاريخ حياته خلال القرن الثامن الهجري وهو القرن الذي كان يحكم فيه المماليك الذين قامت دولتهم على أنقاض الدولة الأيوبية الذين كانت دولتهم من أعظم مراكز القوى في العالم الإسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة الإسلامية ببغداد.
وتبدأ فترة حكم المماليك من سنة ٦٤٨ هـ وتنتهي في سنة ٩٢٣ هـ.
стр. 36
وهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: المماليك البحرية وحكموا من سنة ٦٤٨ هـ إلى سنة ٧٨٤ هـ. وسموا بذلك لأن الملك الصالح نجم الدين أيوب (١) اختار لهم بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة.
القسم الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسة وحكموا من سنة ٧٨٤ هـ إلى سنة ٩٢٣ هـ. وسموا بالبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي أنزلهم بها قلاوون، يقول ابن العماد في حوادث سنة ٧٨٤ هـ: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة فإنه خلع الصالح القلاووني وتسلطن برقوق (٢) ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة" (٣).
وقد أدرك ابن رجب من هذا العهد ١١ سنة من سنة ٧٨٤ هـ وهي السنة التي حكموا فيها إلى سنة ٧٩٥ هـ وهي السنة التي توفي فيها ابن رجب رحمه الله تعالى.
وقد كانت بلاد الشام تابعة في إدارتها إلى نظام الحكم في مصر ويطبق فيها نفس نظام مصر في تقسيم البلاد إلى ولايات، ولكن دمشق كانت هي الولاية الرئيسية بين تلك الولايات، لأن واليها هو الذي يوقع عن السلطان في أكثر الأمور. إلا أنه في هذا العصر كان يسود العالم عدم استقرار في الأوضاع السياسية التي يعد سمة بارزة في هذا العصر
стр. 37
لكثرة الفتن والاقتتال على السلطة حتى أصبح ذلك أمرًا مألوفًا (١).
стр. 38
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية
لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى مليئة بالفتن والصراع على السلطة وعدم الاستقرار، ولذا لا يتصور أن تكون هناك حالة اجتماعية ثابتة مستقرة، لأن الحالة السياسية كان لها تأثير بالغ على الحالة الاجتماعية، وإن من أبرز الأمور التي تتضح فيها الحالة الاجتماعية في هذه الحقبة من الزمن أمرين:
١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية.
٢ - الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.
١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية:
كان المجتمع في العصر المملوكي يتكون من طبقات ثلاث لها وزنها وتأثيرها فهناك طبقة الحكام وهي الطبقة التي لها سلطان القوة والنفوذ، وكانت هذه الطبقة لها عدة أصول فمنهم التركي، ومنهم المغولي، ومنهم الجركسي، ومنهم الصيني وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر (١).
стр. 39
وكانت هذه الفئات لا تشعر بالازدراء لحسن المعاملة التي كانوا يلقونها عند الأسياد لأن سلاطين المماليك قد حرصوا على العناية بمماليكهم وأتاحت الفرص لهم فقد كانوا يتعلمون القرآن وغيره من العلوم الشرعية وإذا كبر أحدهم تعلم الفروسية وفنونها، وكانوا يدخلون في مناصب الدولة ويترقون حتى يصلوا إلى رتبة الأمراء، والسلاطين (١).
وقد كان الأمراء حريصين على أن يبقى المماليك منفصلين عن باقي المجتمع، وكانوا يؤيدون ذلك بالتحذيرات وإيقاع العقوبات بمن يخالفها (٢).
وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغد من العيش لأنهم استغلوا نفوذهم وانتصاراتهم على التتار والصليبيين فتمتعوا بخيرات البلاد وعاشوا عيشة الترف (٣).
الطبقة الثانية: طبقة العلماء: وهذه الطبقة تستمد قوتها من الدين نفسه، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك أن يكرم العلماء ويحوز على رضاهم لأن هؤلاء السلاطين يشعرون بأنهم غرباء على البلاد وأهلها، ولذا فهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم ويستعينون بها على إرضاء الشعب، ولم يكن أمامهم إلا العلماء لأن هؤلاء السلاطين عندما كانوا يقدمون على عمل كبير كالحروب مثلا فإنهم يحتاجون إلى من يستندون إليه لفرض أمور على الناس وهم العلماء ولذلك كانوا يحترمونهم ويسمعون كلامهم إضافة إلى أن غالب العلماء كانوا يعتمدون في حياتهم على الله تعالى ثم على الوظائف التي تسند
стр. 40
إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس (١) من العز بن عبد السلام (٢) فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام ﵀ قال الظاهر بيبرس: "ما استقر ملكي إلا الآن" (٣).
كما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق.
وكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: "من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله