← Акыда

Акыда · id 117

ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (789 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهم ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: المماليك البحرية وحكموا من سنة ٦٤٨ هـ إلى سنة ٧٨٤ هـ. وسموا بذلك لأن الملك الصالح نجم الدين أيوب (١) اختار لهم بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة. القسم الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسة وحكموا من سنة ٧٨٤ هـ إلى سنة ٩٢٣ هـ. وسموا بالبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي أنزلهم بها قلاوون، يقول ابن العماد في حوادث سنة ٧٨٤ هـ: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة فإنه خلع الصالح القلاووني وتسلطن برقوق (٢) ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة" (٣). وقد أدرك ابن رجب من هذا العهد ١١ سنة من سنة ٧٨٤ هـ وهي السنة التي حكموا فيها إلى سنة ٧٩٥ هـ وهي السنة التي توفي فيها ابن رجب رحمه الله تعالى. وقد كانت بلاد الشام تابعة في إدارتها إلى نظام الحكم في مصر ويطبق فيها نفس نظام مصر في تقسيم البلاد إلى ولايات، ولكن دمشق كانت هي الولاية الرئيسية بين تلك الولايات، لأن واليها هو الذي يوقع عن السلطان في أكثر الأمور. إلا أنه في هذا العصر كان يسود العالم عدم استقرار في الأوضاع السياسية التي يعد سمة بارزة في هذا العصر

стр. 37

لكثرة الفتن والاقتتال على السلطة حتى أصبح ذلك أمرًا مألوفًا (١).

стр. 38

المبحث الثاني الحالة الاجتماعية لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى مليئة بالفتن والصراع على السلطة وعدم الاستقرار، ولذا لا يتصور أن تكون هناك حالة اجتماعية ثابتة مستقرة، لأن الحالة السياسية كان لها تأثير بالغ على الحالة الاجتماعية، وإن من أبرز الأمور التي تتضح فيها الحالة الاجتماعية في هذه الحقبة من الزمن أمرين: ١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية. ٢ - الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع. ١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية: كان المجتمع في العصر المملوكي يتكون من طبقات ثلاث لها وزنها وتأثيرها فهناك طبقة الحكام وهي الطبقة التي لها سلطان القوة والنفوذ، وكانت هذه الطبقة لها عدة أصول فمنهم التركي، ومنهم المغولي، ومنهم الجركسي، ومنهم الصيني وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر (١).

стр. 39

وكانت هذه الفئات لا تشعر بالازدراء لحسن المعاملة التي كانوا يلقونها عند الأسياد لأن سلاطين المماليك قد حرصوا على العناية بمماليكهم وأتاحت الفرص لهم فقد كانوا يتعلمون القرآن وغيره من العلوم الشرعية وإذا كبر أحدهم تعلم الفروسية وفنونها، وكانوا يدخلون في مناصب الدولة ويترقون حتى يصلوا إلى رتبة الأمراء، والسلاطين (١). وقد كان الأمراء حريصين على أن يبقى المماليك منفصلين عن باقي المجتمع، وكانوا يؤيدون ذلك بالتحذيرات وإيقاع العقوبات بمن يخالفها (٢). وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغد من العيش لأنهم استغلوا نفوذهم وانتصاراتهم على التتار والصليبيين فتمتعوا بخيرات البلاد وعاشوا عيشة الترف (٣). الطبقة الثانية: طبقة العلماء: وهذه الطبقة تستمد قوتها من الدين نفسه، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك أن يكرم العلماء ويحوز على رضاهم لأن هؤلاء السلاطين يشعرون بأنهم غرباء على البلاد وأهلها، ولذا فهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم ويستعينون بها على إرضاء الشعب، ولم يكن أمامهم إلا العلماء لأن هؤلاء السلاطين عندما كانوا يقدمون على عمل كبير كالحروب مثلا فإنهم يحتاجون إلى من يستندون إليه لفرض أمور على الناس وهم العلماء ولذلك كانوا يحترمونهم ويسمعون كلامهم إضافة إلى أن غالب العلماء كانوا يعتمدون في حياتهم على الله تعالى ثم على الوظائف التي تسند

стр. 40

إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس (١) من العز بن عبد السلام (٢) فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام ﵀ قال الظاهر بيبرس: "ما استقر ملكي إلا الآن" (٣). كما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق. وكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: "من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله

стр. 41

جنوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة، وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سلطان السلاطين، ومبيد الشياطين خلَّد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب -على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين- بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا وكشف بها عن الناس أجمعين غمومًا ولمّ بها شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خياراتها، وعن يمين عنايتها غائبًا محرومًا مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم المواليد بمراعاة زمامها لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة وأعاديها مخذولة مقهورة" (١). وقد كان ابن رجب ﵀ من العلماء العاملين الذين لم يتزلفوا إلى الحكام ويقفوا بأبوابهم، وإنما كان منقطعًا عنهم لا يتردد إليهم ولا يقبل هباتهم منشغلًا بالعلم والتعليم ودفع الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح ولا غرو في ذلك فهو تلميذ ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعد بحق علمًا شامخًا في تاريخ الأمة الإسلامية ومفخرة عظيمة للمسلمين وموسوعة علمية نهل منها كل طالب ما يريد. الطبقة الثالثة: طبقة عامة الناس من زراع وتجار وصناع فهذه الطبقة كانت مغلوبة على أمرها يعيشون في الفقر، وكانت الحالة الاقتصادية من أسوأ ما يكون حيث مرت على البلاد الإسلامية في تلك الأيام نوبات من القحط والمجاعة حتى أن الناس أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميتات وباعوا أولادهم وأهليهم (٢)، وكانت تقع عليهم

стр. 42

معظم المظالم من ضرائب ومكوس، وهؤلاء هم الذين عصفت بهم التيارات المنحرفة ونشطت بهم الطرق الصوفية. الأمر الثاني: الأوبئة والأمراض التي تعرض لها المجتمع: لم تسلم البلاد في عهد المماليك من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان لها أثر بالغ على النفوس، أدى ذلك إلى موت الآلاف من الناس وقلة الأيدي العاملة لأن عدم التحكم في مياه النيل كان يترتب عليه فساد الزراعة وقلة المحاصيل وبالتالي انتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ومن تلك الأوبئة والمجاعات: الطاعون الذي وقع سنة ٧٤٩ هـ وما أصاب الناس في تلك السنة من أثره منقطع النظير حتى أنه إذا ما حل في أهل بيت من البيوت لا يكاد يخرج منه حتى يقضي عليهم بل إن هذا الوباء قد عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصفه: "وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل أن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا. . . . . . وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الأموات كل يوم إلى مئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم. . . . . وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيما من النساء، فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات في هذا

стр. 43

الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). وزاد الأمر أنه في يوم الاثنين ثاني عشر من شهر رجب جاءهم ريح شديدة أظلمت الدنيا منه ولقي الناس منه تعبًا شديدًا وهرعوا إلى المساجد يدعون الله ويستغفرونه يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصف هذه الريح: "وفي يوم الاثنين ثاني عشرة بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارًا شديدًا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة والخمسين، وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام، فإنا لله وانا إليه راجعون" (٢). كما أنه في سنة ٧٦٢ هـ كثرت المستنقعات من فيض النيل في الديار المصرية فانتشرت الأمراض والأوجاع وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال (٣). وفي سنة ٧٦٥ هـ حلت بالبلاد موجة من الجراد أتلفت المحاصيل الزراعية فغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وحل بهم الهم والغم (٤).

стр. 44

وقد انتشرت الأمراض والأوبئة في جميع أرجاء البلاد فما أن يتنفس الناس الصعداء مما هم فيه من بلاء إلا ويحل بهم أمر آخر، والله غالب على أمره وله في أفعاله حكم لا يعلمها إلا هو ، وهو لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).

стр. 45

المبحث الثالث الحالة العلمية خالفت الحالة العلمية كلًّا من الحالة السياسية والاجتماعية فقد كان هذا القرن تقريبًا من القرون الذهبية من الناحية العلمية، ذلك أن العصر المماليكي بشكل عام شهد حركة علمية نشطة ويرجع هذا النشاط إلى عدة عوامل هي: ١ - وفود العلماء إلى مصر والشام حيث أن كثيرًا منهم يمم إلى هذه البلاد فرارًا من الزحف التتري المغولي الذي أوقع بالناس الكثير من البلاء والأذى وصنوف التعذيب والتقتيل، وليس بأدل على ذلك ما حدث ببغداد على أيدي التتار، فرأى كثير من العلماء أن مصر والشام خير حمّى لهم، إليها يفرون وإلى رحابها يلجأون. ٢ - تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم والعلماء وتشجيعهم للنشاط العلمي حيث أن المماليك عرفوا أن العلم سياج الدولة فقربوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأنزلوهم من أنفسهم المكانة اللائقة بهم وبمراكزهم، وهذه الحفاوة التي لقيها العلماء من الحكام رغبت الكثير من أبناء الشعب على طلب العلم والسعي في تحصيله عن حب وإخلاص لكي يصل الأواخر منهم إلى ما وصل إليه الأوائل. ٣ - شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه لأنه لما حطم التتار بغداد وأبادوا العلماء وكتبهم، رأى العلماء في مصر والشام أنهم أمام مسؤولية ضخمة تقتضي منهم القيام بواجبهم في نشر الدين وتجديد

стр. 46

العلم، وإحياء ما أبادته أيدي الغزاة الغاشمين فقاموا بذلك قيامًا مشكورًا وسعوا إليه سعيًا حميدًا، فكانت حركة إحياء علمية جليلة وكان بينهم في هذا المجال تنافس شديد في ميدان العلم والتعليم. هذه الأسباب أدت إلى حركة علمية نشطة فانتشرت المدارس العلمية وملئت المساجد بحلقات التدريس بشكل عام. ومن أبرز هذه المدارس في مصر: المدرسة الناصرية التي أمر بإنشائها السلطان زين الدين كتبغا (١) ولكنه خلع قبل إتمامها وعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر فأمر بإتمامها فتمت سنة ٧٠٣ هـ (٢). ومن أبرز المدارس في الشام: المدرسة الشريفية الحنبلية وقفها شيخ الحنابلة بدمشق شرف الإسلام عبد الوهاب (٣) بن أبي الفوج الحنبلي الفقيه، وممن درس بهذه المدرسة الحافظ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى (٤). أما المساجد التي كانت فيها حلقات العلم والتعليم فمن أبرزها: ١ - جامع عمرو بن العاص في مصر وهو أول مسجد أسس بديار

стр. 47

مصر بعد الفتح بمدينة الفسطاط سنة ٢١ هـ وكان هذا الجامع بمثابة الجامعة التي يتلقى فيها طلاب العلم جميع فنون العلم وقد ذكر المقريزي (١) في الخطط أن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ (٢) أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء الكائن في سنة ٧٤٩ هـ بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه (٣). ٢ - الجامع الأموي بدمشق الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٤) وهو أعظم جوامع دمشق. قال النعيمي (٥): وذكر إبراهيم بن الليث الكاتب في رسالة: وقد أفضيت إلى جامعها فشاهدت ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه، وجملة ذلك أنه بكر الدهر ووحيد الدهر، ونادرة الأوان وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات وعجيبة الساعات، ولقد أبقت أمية ذكرًا

стр. 48

ما يدرس، وخلفت أثرًا لا يخفى ولا يدرس (١). وكانت تدرس في هذه المدارس والمساجد مختلف أنواع المعارف في مقدمتها التفسير والفقه والحديث والنحو والصرف وغير ذلك من علوم الدين واللغة، وقد تخرج من هذه المراكز علماء وفقهاء كانت لهم مؤلفات قيمة، وذخيرة علمية عظيمة تعتبر موسوعات علمية في مختلف العلوم والفنون. ومن أعلام ذلك العصر البارزين على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١ هـ) والحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) وغيرهم ممن عرفوا بسعة انتاجهم وأصالته وأثروا التراث الإسلامي بكثير من مؤلفاتهم وعلومهم، إلا أننا رغم هذه النهضة العلمية الواسعة يجب أن لا نغفل أنه في هذا العصر استولت فيه عدة أوهام، وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف، وذلك بسبب البطش والجبروت والقلاقل التي سبقت حياة ابن رجب، فالصوفية قد انتشرت بطرقها بل وأصبحت لها مكانة في المجتمع ودليل ذلك اعتبار الخوانق (٢) والربط من دور التعليم، وكذلك المؤولة قد انتشروا من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ورافضة وغيرهم من الفرق المخالفة لأهل السنة.

стр. 49

وقد عاش الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في غمرة هذه الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية، وكان لكل ذلك أثره المباشر في تكوين شخصيته حيث نجده بعيدًا عن التقلبات السياسية الكثيرة مؤثرًا الانصراف إلى تلقي العلوم ومجالسة العلماء ومن ثم التدريس والتأليف. وكان للحياة الثقافية الزاهرة في دمشق ما يدعوه إلى الاهتمام بعلوم الشريعة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حيث نشأ وتعلم -كما سيأتي فيما بعد- على شيوخ وعلماء عصره البارزين في علوم الشريعة المختلفة، فاستطاع أن يأخذ من كل هؤلاء ويبرز علمًا من أعلام المسلمين في ذلك العصر في علوم مختلفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

стр. 50

الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: اسمه ونسبه. المبحث الثاني: كنيته ولقبه. المبحث الثالث: مولده. المبحث الرابع: شهرته. المبحث الخامس: أسرته. المبحث السادس: أخلاقه وصفاته. المبحث السابع: وفاته.

стр. 51

المبحث الأول اسمه ونسبه (١) هو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام المقرئ

стр. 52

المحدث شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الإمام المحدث أبي أحمد رجب (١) عبد الرحمن بن الحسن (٢) بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي (٣)

стр. 53

البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (١).

стр. 54

المبحث الثاني كنيته ولقبه كنيته المشهور بها: "أبو الفرج". وقد كناه ابن تغري بردي (١) بأبي العباس (٢) ولكن المشهور أن هذه كنية أبيه وليس كنية له. وأما لقبه المشهور به فهو: "زين الدين". ولقبه ابن العماد الحنبلي: "زين الدين وجمال الدين" (٣) ولقبه ابن فهد (٤) (٥) وابن تغري بردي (٦) بشهاب الدين، والمشهور أن هذا لقب أبيه.

стр. 55

المبحث الثالث مولده ولد ابن رجب رحمه الله تعالى في بغداد سنة ٧٣٦ هـ وهذا ما ذكرته أغلب مصادر ترجمته. وذكر ابن حجر في الدرر الكامنة (١) أنه ولد في سنة ٧٠٦ هـ، وتبعه على ذلك السيوطي في طبقات الحفاظ (٢) وإسماعيل باشا في هدية العارفين (٣). وقد ذهب الدكتور: محمد بن حمود الوائلي في رسالته (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) إلى أن القول الأول هو القول الصحيح وذلك للأمور التالية: ١ - ما ذكره ابن العماد في شذرات الذهب فيه "قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ" (٤). وهذا يكشف لنا تاريخ ولادته وأن سنه حين قدم دمشق ثماني سنوات، وهذا يؤيد ما ذكره ابن حجر في إنباء الغمر وهو خلاف ما ذكره في الدرر الكامنة، ولعل سبب اختلاف التاريخين يعود إلى أن ناسخ الدرر

стр. 56

أسقط كلمة "الثلاثين" لأنه ليس من المعقول أن يضع ابن حجر لولادة ابن رجب تاريخين متغايرين في كتابيه دون أن يذكر سببًا لذلك. ٢ - ما ذكره ابن رجب في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة فقد أزال اللبس وكفانا عناء البحث من أنه حضر درس الشيخ شرف الدين أبي محمد فقال: "حضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا" (١) وكان ذلك سنة ٧٤١ هـ وبذلك نستطيع القطع بأن مولده كان عام ٧٣٦ هـ (٢). أقول: ويضاف إلى ما ذكره الدكتور الوائلي للدلالة على صحة أن ولادة ابن رجب ﵀ سنة ٧٣٦ هـ الأمور التالية: ١ - أن سنة ٧٠٦ هـ هو تاريخ ولادة والده أحمد كما جاء ذلك في الرد الوافر (٣) والمنهج الأحمد (٤). ٢ - أن ما ذكره ابن العماد في الشذرات من أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق سنة ٧٤٤ هـ وهو صغير، قد ذكره قبله ابن مفلح (٥).

стр. 57

في المقصد الأرشد (١) والعليمي (٢) في المنهج الأحمد (٣) والنعيمي في الدارس في تاريخ المدارس (٤) وهذا يدل على أن صحة ولادته كانت ٧٣٦ هـ إذ لو كانت ولادته سنة ست وسبعمائة لكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة ٧٤٤ هـ ومن كان هذا عمره لا يسمى صغيرًا. ٣ - أن ابن حجر رحمه الله تعالى ذكر في إنباء الغمر تاريخ ولادته بالحروف وفي الدرر الكامنة بالأرقام، وما كتب بالأرقام عرضة للسقط والسهو من النساخ وغيرهم بخلاف الكتابة بالحروف فالخطأ فيها بعيد مما يدل على صحة ما في إنباء الغمر. وهذه الأمور كلها تقطع لنا بأن ولادة ابن رجب كانت سنة ٧٣٦ هـ، وفيها رد على من توقف في تعيين تاريخ لولادة ابن رجب رحمه الله تعالى أو جعل تعيين تاريخ معين لولادته من الأمور العسيرة. ومنهم الدكتورة أمينة محمد الجابر حيث قالت في مقدمة رسالتها "ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية": فإن بحثي العلمي المتواضع يثبت عدم القطع بتاريخ مولد ابن رجب لعدم وجود مصدر أو قرينة ترجح أي التاريخين أنسب لذكر مولد ابن رجب، وعلى هذا فمن قطع وجزم بتاريخ المولد فهي شبهة علمية ليس عليها دليل (٥).

стр. 58

بل الأعجب من ذلك أنها وهمت الدكتور الوائلي في قطعه بصحة مولد ابن رجب وجعلت ذلك من الأمور العسيرة حيث قالت: "وعلى هذا فمن العسير عقليًا أمام هذا التعكير القطع بتاريخ مولد ابن رجب وهو الوهن الذي وقع فيه الدكتور الوائلي حيث أنه جعل من رواية ابن رجب "وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا" دليلًا على ترجيح أنه ولد سنة ٧٣٦ هـ، ولو قارنها بمقالة ابن رجب عن شيخه صفي الدين أنه أجازه غير مرة لأدرك أن القطع هنا قطع وهمي لا يسعفه علم ولا يسانده مصدر" (١). وهذا الكلام في الحقيقة من قلب الحقائق والنظر إلى الأمور بخلاف ما هي عليه، لأن ما قاله الدكتور الوائلي هو الحق والصواب الذي يتعين الأخذ به وعدم الالتفات إلى غيره في تاريخ ولادة ابن رجب لوجود القرائن والدلائل التي سبق ذكرها والتي من خلالها نقطع ونجزم بصحة تاريخ ولادة ابن رجب وأنه سنة ٧٣٦ هـ.

стр. 59

المبحث الرابع شهرته اشتهر زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بـ (ابن رجب الحنبلي)، ورجب هو اسم جده عبد الرحمن، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب ونسب إليه الحفيد ﵀. وقد كان هناك من يسمى بابن رجب غيره ومنهم: ١ - والده شهاب الدين بن رجب ويقال له ابن رجب المقرئ، وستأتي ترجمته (١). ٢ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن رجب الطوخي الشافعي يعرف بابن رجب ولد سنة ٨٤٧ هـ وتوفي سنة ٨٩٣ هـ (٢). ولكن غلبت هذه الشهرة عليه رحمه الله تعالى فإذا قيل ابن رجب أو ابن رجب الحنبلي يتبادر إلى الذهن عند العلماء وطلاب العلم أن المراد ابن رجب الحنبلي زين الدين ما لم يكن دليل أو قرينة تدل على أن المراد غيره وهذا يدل على فضله وسمو مكانته التي جعلته يشتهر على من سواه.

стр. 60

المبحث الخامس أسرته نشأ ابن رجب رحمه الله تعالى في أسرة علمية عريقة كان لها أثر واضح في تنمية مواهبه ومن ثم أصبح عالمًا تمت شهرته الآفاق، وتجمع المصادر على أن أسرة ابن رجب بغدادية وأنها أسرة علم وطهر وفضل وصلاح، بل عريقة في الإمامة العلمية ومنهم: أولًا: جده أبو أحمد رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي، واسمه عبد الرحمن ورجب لقبه، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب كان فقيهًا عالمًا له حلقة علمية في بغداد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان، وقد ولد سنة ٦٧٧ هـ وسمع ثلاثيات البخاري وحدث بها وسمع من المعيد ابن المجلح وابن غزال وغيرهما (١). وصفه ابن العماد بقوله: "الشيخ الإمام المحدث" (٢). وقد أدرك ابن رجب رحمه الله تعالى جده وحضر مجلسه وهو يقرأ عليه قال في الذيل على الطبقات: قرأ على جدي أبي أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي أخبرنا أبو

стр. 61

الوقت عبد الأول بن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداوودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عبد الله الفربري حدثنا البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (١) (٢). وهذا يدل على أن جده أبا أحمد كان عالمًا ويقرأ الناس عليه وقد توفي في صفر سنة ٧٤٢ هـ (٣). ثانيًا: أبوه أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات السلامي البغدادي الحنبلي، نزيل دمشق ولد في بغداد صبيحة يوم السبت الخامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦ هـ (٤) ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، وطلب الحديث، وخرج لنفسه معجمًا مفيدًا. قال ابن ناصر الدين (٥) في وصفه: "الإمام العالم الصالح المقرئ المجود المحدث المفيد. . . قرأ القرآن بالروايات وأخذ عن جماعة من الشيوخ كثيرًا من المرويات وخرج لنفسه مشيخة مفيدة بتراجم ملخصة فريدة، وذكر ابن تيمية بشيخ الإسلام، وأثنى عليه وكان يحبه ويميل بالمودة إليه" (٦).

стр. 62

وقال ابن حجر: "ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها وبالقدس وجلس للقراء بدمشق وكان ذا خير ودين وعفاف. . . " (١). وقال العليمي: "العالم الصالح المقرئ المحدث شهاب الدين .. " (٢) مات سنة ٧٧٤ هـ ﵀ (٣). وقد أقبل ابن رجب يتتلمذ على أبيه، وينتفع منه، وينهل من معينه وكان أبوه حريصًا على تزويده من مناهل العلوم والمعارف المختلفة فكان يصطحبه معه في السماع على الشيوخ وذكر العليمي أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ فاشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (٤) فلا ريب أن ابن رجب استفاد من جده المحدث (رجب) ثم من والده الإمام المقرئ لأنه ما دامت أن هذه هي أسرته التي عاش فيها وتلك مكانتها العلمية فلا عجب حين نرى ابن رجب ينشأ وهو محاط بجو علمي ديني تعبدي. ولا شك أن نشأة ابن رجب في مثل هذه الأسرة قد هيأ له مناخًا مناسبًا لطلب العلم والجد في تحصيله. تلك هي أسرة ابن رجب رحمه الله تعالى أسرة علم وتقًى وطهارة نالت من العلم حظًا وافرًا.

стр. 63

المبحث السادس أخلاقه وصفاته إن علماء السلف كانوا أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة. ولقد كان الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق الرذيلة من الحسد والإيذاء والحقد وغير ذلك. وكان رحمه الله تعالى زاهدًا ورعًا تقيًا، متعففًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله ويسد رمقه، فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، وكان ينهى دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين والاشتغال بالعلم، وكان له رحمه الله تعالى من الصفات والسلوك ما كان له أثر كبير في ظفره بلقب الإمام والحافظ وزين الدين وغير ذلك من النعوت التي وصفه بها كل من ترجم له، فهو حافظ لكتاب الله، وعالم بما أثر عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين، وذو بصر تام بمذهب الإمام أحمد ﵀، وهو من أئمة الحديث وحفاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله، وهو ذو أفق واسع، لا يتعصب لمذهب، ولا يندد بغيره، وهو حريص على معرفة الكتاب والسنة والرجوع إلى الطريقة التي جرى عليها الصحابة والتابعون ومن جاؤوا بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف الصالح لا يشغله عن العبادة وطلب العلم

стр. 64

شيء من مطالب الدنيا وهو رضي الخلق، عذب الشمائل، حسن النية، وقد ظهر آثار ذلك كله فيما خلفه من تآليف متنوعة أثنى عليها العلماء، وتلقوها بالقبول. وكان رحمه الله تعالى صاحب عبادة وتأله وتهجد وطول صلاة. قال ابن ناصر الدين عمه: "أحد الأئمة الزهاد، والعلماء العباد" (١). وقال ابن فهد: "كان ﵀ إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه" (٢). وقال الحافظ ابن حجر: "وكان صاحب عبادة وتهجد" (٣). وكان مائلًا إلى اعتزال الناس والابتعاد عن مخالطتهم لاسيما في أواخر أيام حياته قال ابن حجي: "كان لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد" (٤). وقال ابن قاضي شهبة (٥): "وكان منجمعًا عن الناس لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن بالمدرسة العسكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئًا من أمور الدنيا، فارغًا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا اشتغال بالعلم. . . وكان فقيرًا متعففا غني

стр. 65

النفس، وبالجملة لم يخلف بعده مثله" (١). وكانت مجالس تذكيره ووعظه الناس للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة ونافعة، قال ابن العماد: "وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة ومباركة نافعة" (٢). تلك الصفات التي وصف بها تدل على ما وصل إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من مكانة عالية خلقًا وزهدًا وورعًا وعلمًا فهو المحدث الذي أتقن فنون الحديث وطرقه، وصار قدوة وعلمًا تخرج على يديه كثير من أهل العلم في زمانه، وبخاصة الحنابلة، وهو المصنف الذي ترك لنا آثارًا منوعة في العقيدة والفقه والحديث والتاريخ تدل على غزارة علمه وحضور حافظته واجتماع النصوص بين يديه ويجعلها أداة طيعة فيما يريده من شرح وتبسيط للأفكار، بحيث يقترب من العامة، ولا يبعد عن الخاصة من أهل العلم. وهو الواعظ المحبب إلى القلوب تجد الإخلاص والصدق في حديثه ووعظه، وهو الزاهد فيما به الناس مشغولون، المنقطع للعبادة والتصنيف.

стр. 66

المبحث السابع ابن رجب والتصوف إن المطلع على كتب ابن رجب رحمه الله تعالى وكثرة نقوله عن السابقين وخصوصًا من اشتهر بالتصوف يظن أن ابن رجب رحمه الله تعالى علم من أعلام المتصوفة البارزين الذين يشار إليهم بالبنان، وهذا يدل على عدم معرفة هذا الإمام، بل الحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى ليس كما ظن هؤلاء وإن نقل بعض أقوال المتصوفة وحكاياتهم لأنه رحمه الله تعالى عنده من العقيدة السليمة الصافية عقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع السلوك الحسن ما عصمه من الوقوع فيما وقع فيه أولئك القوم من زلات فضلّا عن الأمور التي وصلوا فيها إلى حد الشرك والحلول وغيرها من الأمور البعيدة عن دين الله التي سببها الجهل بالكتاب والسنة ويكفيه فخرًا في ذلك أنه تلميذ من تلاميذ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى أبرز تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. إضافة إلى ذلك أنه انتقد القوم ورد عليهم في عدة مسائل بل ذكر بعض بدعهم وبين أن ما هم عليه في هذه المسائل بعيد كل البُعد عن دين الله . ولا يعني هذا أني أقول بعصمة ابن رجب رحمه الله تعالى من الأخطاء والزلات، حاشا وكلا إنما هو بشر يصيب ويخطئ. ولا أريد بهذا طرح جميع ما عند القوم بل لا بأس بالاستشهاد

стр. 67

ببعض أقوالهم ما دامت موافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكم من الكتب التي ألفها علماء بارزون من أهل السنة والجماعة فيها شيء من أقوال بعض الصوفية، وأقرب مثال على ذلك شيخه العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. وهذا منهج سليم وصحيح لأن المسلم الحق الذي يسير على نهج الكتاب والسنة يجب عليه أن يقبل الحق لأنه هو بغيته ومراده بغض النظر عمن قال به. روى البيهقي بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خذ الحكمة ممن سمعت، فإن الرجل يتكلم بالحكمة، وليس بحكيم فتكون كالرمية خرجت من غير رام (١). إلا أن الإنسان المؤمن الحق يجد في أقوال أهل السنة والجماعة ما يغني عن أقوال غيرهم من الذين يوهم النقل عنهم الرضا بسيرتهم وما هم عليه. فابن رجب رحمه الله تعالى يعد من علماء السلف الذين كان لهم فضل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين جعلوا ابن رجب رحمه الله تعالى من الصوفية إنما هو بسبب خلطهم بين الزهد والتصوف، فالصوفية ومن سار على نهجهم حتى يكثروا سوادهم ويدللوا على صحة منهجهم ضموا إليهم كل من كان من العلماء زاهدًا متعففًا ومنقطعًا للعبادة وسموه صوفيًا. والحقيقة أن هذا من قلب الموازين والمفاهيم السليمة لأن قلة الرغبة في الدنيا مع العبادة في ديننا دين الإسلام زهد وورع وتقوى، أما تسميته بذلك صوفيًا فهذا غلط لأن لفظة صوفي لفظة محدثة كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذكر أنها نسبة إلى الصوف ولبسه (٢).

стр. 68

والحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى بريء من المتصوفة ومن مناهجهم التي خالفوا فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومع ذلك فهو ليس بمعصوم فقد يوجد في بعض كلامه أو بعض ما ينقله ما لا يسلم من الهفوات والأخطاء التي وقع فيها أولئك القوم، وهذا لا يقدح في علمه وفضله لأنه كما يقال: "لكل جواد كبوة". والإنسان مهما تعلم وقرأ لا يسلم من الخطأ، والأخطاء منها ما هو فاحش لا يمكن السكوت عنه، ومنها ما هو خطأ غير فاحش لا يلام صاحبه. وقد تتبعت كتب ابن رجب رحمه الله تعالى التي بين يدي صغيرها وكبيرها فلم أجد ولله الحمد كلمة أو مقالة فيها رد لما ورد في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو مخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة من أهل السنة والجماعة سوى ما ذكرت من كثرة نقوله من أقوال الصوفية خصوصًا في أنواع العبادة كالمحبة والتوكل. والخلاصة في هذا أن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من علماء السلف الأفاضل المشهود لهم بالخير والصلاح وسلامة المعتقد كما سيتضح ذلك فيما أنقله من ثناء العلماء عليه وشهادتهم له بالإمامة والفضل إن شاء الله تعالى. وما أحسن مقولة للحافظ الذهبي قال فيها: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك (١).

стр. 69

المبحث الثامن وفاته ظل ابن رجب رحمه الله تعالى يعمل ويجد في ورع وزهد ويدعو إلى الله بصدق وإخلاص حتى أدركته المنية بعد هذه الحياة الجهادية سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، وهذا التاريخ قد اتفقت عليه جميع المصادر التي ترجمت لابن رجب، وشذ عن هذا الاتفاق ابن تغري بردي في المنهل الصافي إذ قيد وفاته سنة خمس وسبعين وسبعمائة (١) وهو غلط وتصحيف ظاهر. وقد اختلفت المصادر في تحديد الشهر الذي توفي فيه رحمه الله تعالى. فذكر ابن حجي (٢) (٣) وابن مفلح (٤) والنعيمي في الدارس (٥) وابن

стр. 70

قاضي شهبة (١) والعليمي (٢) وابن العماد (٣) أن وفاته ليلة الاثنين رابع رمضان. وذهب ابن حجر في الدرر الكامنة (٤) وابن ناصر الدين (٥) والسيوطي (٦) والشوكاني (٧) إلى أنه توفي في شهر رجب. ويبدو لي أن القول الأول أرجح لأن القائلين به أكثر ولزيادة الوصف فيما ذكروا حيث حددوا تاريخ يوم وفاته، ولأن القائلين به أكثرهم من الحنابلة وهم أعرف وأعلم بشيوخ وعلماء مذهبهم من غيرهم، علمًا أن الاختلاف في تحديد الشهر فائدته ليست كبيرة ما داموا يتفقون على تحديد السنة، وقد توفي ﵀ بأرض الحميرية ببستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد، ودفن بمقبرة الباب الصغير بجوار قبر الشيخ أبي الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ثم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ست وثمانين وأربعمائة (٨) والذي يرجع الفضل إليه في نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل بالقدس ودمشق رحمه الله تعالى. وفي قصة وفاته ودفنه ما يشير إلى زهده وانتظاره للموت، قال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال له: احفر لي هاهنا لحدًا،

стр. 71

وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر، واضطجع فيه فأعجبه، وقال: هذا جيد ثم خرج. قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتًا محمولًا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى (١). رحم الله ابن رجب ورضي عنه ونفعنا والمسلمين بعلمه وهديه آمين.

стр. 72

الفصل الثالث حياته العلمية المباحث التي يشتمل عليها هذا الفصل: المبحث الأول: طلبه للعلم. المبحث الثاني: رحلاته في طلب العلم. المبحث الثالث: شيوخه. المبحث الرابع: تدريسه. المبحث الخامس: تلاميذه. المبحث السادس: ثقافته ومؤلفاته. المبحث السابع: عقيدته ومذهبه. المبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.

стр. 73

المبحث الأول طلبه للعلم تعلم مبادئ القراءة في الكتاتيب كغيره من أبناء عصره، ثم عكف على طلب العلم فقرأ القرآن العظيم على أبيه وعلى جماعة من شيوخ عصره. ثم أقبل على العلم وأجهد نفسه في تحصيله ورحل إليه مرارًا وقرأ الفقه والحديث وغيرهما فحفظ أصولهما وقرأهما على مشاهير علماء عصره. وقد قرأ على كثير من العلماء حتى برز في كثير من العلوم كالتفسير والحديث وأصول الدين وعلم السلوك والفقه وغير ذلك. وقد قيض الله لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة منها: أسرته الكريمة التي توارثت العلم أبًا عن جد، ومنها أن مدينة بغداد التي ولد فيها كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم والثقافة آنذاك، وكان أهلها يتمتعون بفوائد الرحلة وهم في بلدهم لكثرة علمائها في مختلف العلوم والفنون، ولترداد أهل العلم وطلبته من كل حدب وصوب إلى بغداد، شأن كل مركز حيوي للعلم والثقافة في كل زمان ومكان. ومنها عصره المزدحم بالثقافة الموسوعية والمعرفة المتنوعة ونوابغ العلماء في كل مضمار.

стр. 74

هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو طلب العلم وقبل سن التمييز، فحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد أشار هو رحمه الله تعالى إلى هذا فقال في أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي: درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا (١) ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره لأنه يصرح بالتمييز في الثالثة وما بعدها فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر في الثالثة، وفي الرابعة، وفي الخامسة (٢). وقد حصل له في الخامسة سماعات كثيرة ذكرها بكل دقة ووعي فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي قراءة عليه وأنا في الخامسة (٣). بل أحيانًا يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع علي بن عبد الصمد وأنا أسمع سنة ٧٤١ هـ ببغداد (٤). وهذه السماعات في هذا السن المبكر تدل على مكانة أسرته العلمية. هذه بدايات الطلب للحافظ ابن رجب كما ذكرها المترجمون له وكما ذكرها هو في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة، وسيكون الكلام في المبحث القادم إن شاء الله تعالى عن رحلاته العلمية التي رحلها في كثير من البلاد.

стр. 75

المبحث الثاني رحلاته في طلب العلم كان الصحابة ﵃ حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي ﷺ ، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه لذلك نجد المكثرين من رواية الحديث عن الرسول ﷺ لم يخرجوا منها حتى توفي ﵊. ولما بدأ عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بدأت رحلاتهم وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار يحملون معهم حديث نبينا محمد ﷺ كلٌّ بحسبه فمنهم المكثر ومنهم المقل وقد يسمع أحدهم ما لم يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره. ولذلك كانوا ﵃ هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث من أحاديث المصطفى ﷺ اختص بسماعه واحد منهم دون سواه فهذا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵄ يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه بالشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلًا بهمًا قال: قلنا وما بهمًا؟
следующие страницы →