وقوله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره" (١).
فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر وتبين أهميته.
وقد اهتم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الركن من أركان الإيمان اهتمامًا كبيرًا وتعرض له في كثير من مؤلفاته بل إنه أفرد بعض جوانبه بمؤلفات خاصة، فقد تكلم في كتابه أهوال القبور عن عذاب القبر ونعيمه وما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث كما تكلم أيضًا في كتاب التخويف من النار عن النار وعذابها وصفات أهلها، كما أنه أشار في ثنايا كتبه الأخرى عن جوانب كثيرة مما يكون بعد الموت من البعث والنشور وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار، وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط مما هو دليل على ذلك اليوم العظيم.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وجوب الإيمان بالغيب والتسليم بذلك بدون تكلف البحث عن الكيفيات التي ترد في الكتاب والسنة، لأن البحث في ذلك يؤدي إلى الحيرة والشك فقال رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: "ومما يدخل النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا بالإيمان بها ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يغني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب" (٢).
стр. 632
كما بيّن رحمه الله تعالى أن كل ما في الدنيا دليل على الآخرة ومذكر بها فقال: "كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة ودليل عليها، فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبًا يابسًا يدل على بعث الموتى من الأرض وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (١) ".
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ (٣).
قال أبو رزين للنبي ﷺ : كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "هل مررت بواد أهلك محلًا ثم مررت به يهتز خضرًا؟ " قال: نعم، قال: "كذلك يخرج الله الموتى وذلك آيته في خلقه" خرّجه الإمام أحمد (٤).
стр. 633
وقصر مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيًا إلى التراب الذي خلق منه، وفصول السنة تذكر بالآخرة، فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم، وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها ..... وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها، وينبغي أن يحث المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة (١).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى وجوب الاستعداد لما بعد الموت بالأعمال الصالحة فقال: "فالواجب على العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إلى ذلك، فإنه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار.
وذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظن المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه (٢).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه إن لم يكن مصير العبد إلى خير، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ (٣).
فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء الله
стр. 634
عز وجل بالموت وما بعده ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأعانه وتولاه وثبته على التوحيد فلقيه وهو عنه راض.
ومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعد حينئذ للقائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه فأهمله، فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءته البشرى من الله، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والفاجر بعكس ذلك.
وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (١)) (٢).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أقسام الناس باليوم الآخر فمنهم المكذب والمنكر الذي لا يرجو لقاءه، ومنهم المصدق والمقر به وهؤلاء على درجات متفاوتة فقال: "انقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ (٣).
وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٤).
القسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
стр. 635
والظالم لنفسه هم الأكثرون منهم، وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همه، بها يرضى وبها يغضب، ولها يوالي وعليها يعادي، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزلة سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانًا مجملًا فهو لا يعرفه مفصلا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا، مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة.
والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا ... ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا.
قال ابن عمر: "لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا" (١) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد، وروي مرفوعًا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر، ويشهد لهذا أن الله حرم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليها، وادخرها لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
стр. 636
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (١) ".
وصح عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة" (٢).
وقال: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٣).
وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن إلله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملًا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤).
وقال بعض السلف أيهم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة، لينظر من يقف منهم معه ويركن إليه، ومن ليس كذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا
стр. 637
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ (١) ثم بيّن انقطاعه وإنفاده فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ (٢).
فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، فاكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبيّ ﷺ يقول: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح عنها وتركها" (٣) ...
وأهل هذه الدرجة على قسمين:
منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد.
ومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى النفس بذلك وتنشط للعمل كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٤) ...
ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوي على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها (٥).
стр. 638
المبحث الثاني الإيمان بأشراط الساعة
إن الله قد أخفى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا هو كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ (٢).
فالله يأمر نبينا محمدًا ﷺ أن يخبر الناس أن علم الساعة عند الله وحده فلا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله وحده.
ومن الأحاديث النبوية الدالة على أنه لا يعلم متى الساعة إلا الله وحده حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" (٣).
стр. 639
وحديث جبريل المشهور وفيه سأل جبريل ﵇ النبيّ ﷺ عن وقت الساعة فقال ﵊: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (١)، فجبريل ﵇ لا يعلم متى تقوم الساعة، وكذلك نبينا محمد ﷺ ، ومن زعم أن النبيّ ﷺ يعلم متى قيام الساعة فهو جاهل لا علم عنده، لأن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة السابقة ترد عليه وعلى من قال بقوله، فعلم قيام الساعة مما استأثر الله به فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا إلا أن هناك آيات وأحاديث تدل على قرب قيام الساعة ودنوها من ذلك قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (٣).
ومن ذلك قوله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" (٤) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على قرب قيام الساعة.
وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه قد جعل لها أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها، وقد سمى الله هذه الأمارات والعلامات بأشراط الساعة قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٥).
وأشراط الساعة هي العلامات الدالة على قربها قال ابن حجر
стр. 640
رحمه الله تعالى: "المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة" (١)
وقد ورد في كتاب الله وسنة المصطفى ﷺ كثير من أشراط الساعة وعلاماتها وقد قسمها العلماء رحمهم الله تعالى إلى قسمين:
١ - علامات صغرى.
٢ - علامات كبرى.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى جملة من أشراط الساعة وعلاماتها الصغرى والكبرى في ثنايا مؤلفاته، وسأذكر أمثلة لكل قسم مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك:
أولًا: العلامات الصغرى:
١ - بعثة النبيّ ﷺ :
أخبر النبيّ ﷺ أن بعثته دليل على قرب قيام الساعة كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ... " (٢) الحديث.
وكما في حديث سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" (٣).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى شارحًا للحديث الأول: قوله ﷺ : "بين يدي الساعة" يعني أمامها، ومراده أنه بعث قدام الساعة قريبًا منها،
стр. 641
ومن أسمائه ﷺ الحاشر، والعاقب كما صح عنه ﷺ أنه قال: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعدي نبي " (١) ...
وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة: "بعثت أنا والساعة جميعًا إن كادت تسبقني" (٢).
وللترمذي: "بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه -لأصبعيه السبابة والوسطى- ليس بينهما أصبع أخرى" (٣).
والصحيح أنه يدلّ من ذلك على القرب من الساعة، ومما يدلّ على أن بعثة محمد ﷺ من علامات الساعة أنه أخبر عن خروج الدجال في حديث الجساسة" (٤) ا. هـ (٥).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا شارحًا للحديث الثاني: وقد فسر قوله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" فقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى وبأن زمن بعثته يعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة كما قال في الحديث الصحيح:
стр. 642
"أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، فالحاشر الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله ﷺ من علامات الساعة" (١) ا. هـ.
٢ - ظهور الفتن:
أخبر الرسول ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل حتى إنه من شدة الفتن يتزلزل الإيمان فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا" (٢).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (٣).
ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح
стр. 643
الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فَكَسِّروا قِسيَّكم، وقطِّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دُخل على أحدكم، فليكن كخير ابني آدم" (١).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تشير إلى وقوع الفتن العظيمة والتي من شدتها بأن المؤمن يمر بصاحب القبر ويتمنى أنه مكانه كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء" (٢).
وقد حذر نبينا محمد ﷺ أمته من الفتن وأمر بالتعوذ منها فقال ﷺ : "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" (٣) نعوذ بالله العظيم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه لا عاصم من الفتن إلا الإيمان بالله ولزوم جماعة المسلمين وهم أهل السنة والجماعة الذين يسيرون على نهج الكتاب والسنة وإن كانوا قلة ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا
стр. 644
الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (١).
وقد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة من علامات الساعة وبين أن أول ما ظهر من الفتن بعد قتل عمر ثم عثمان ﵄ وما تلى ذلك من الفتن في الدين كظهور الخوارج على علي ﵁ وفتنة الروافض وفتنة القول بخلق القرآن وغيرها من الفتن العظيمة التي كانت سببًا في تفرق المسلمين وظهور الشر العظيم فقال رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (٢) المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته فإن قدر الله على عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية، فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفي حديث آخر: "وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٣)، وكان يخص
стр. 645
بعض الفتن العظيمة بالذكر، وكان يتعوذ بالله في صلاته من أربع ويأمر بالتعوذ منها: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (١) ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها كالكفر والبدع والفسوق والعصيان، وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة، وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظيم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.
وفي حديث معاوية عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة" (٢).
وأخبر النبيّ ﷺ عن الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا.
وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد مقتل عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن مقتل عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء، وتفرق القلوب وظهور الفتن في الدين كبدع الخوارج المارقين، وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة (٣)
стр. 646
رضي الله عنه المشهور حين سأله عنها عمر ﵁، وكان حذيفة ﵁ من أكثر الناس سؤالًا للنبي ﷺ عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها، ولما حضره الموت قال: "حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، الحمد لله الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعُلُوجها" (١) وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو أربعين يومًا، وقيل: بل مات بعد قتل عثمان وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل.
وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال لرجل: "إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان، فإن استطعت أن تموت فمت" (٢) وهذه إشارة إلى هذه
стр. 647
الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁. . . إلى أن قال ﵀: "ثم إن المؤمن لابد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ (١).
ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتنة، ويصبرهم عليها ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مضلة مهلكة، تذهب بدينهم، بل تمر عليهم وهم منها في عافية. . . والفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة.
كذا جاء في حديث حذيفة (٢) ﵁. . . وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذ منها ويسأل الموت قبلها،
стр. 648
فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله تعالى وحماه (١).
٣ - انشقاق القمر:
جاء في أحاديث صحيحة أن القمر قد انشق في زمن النبيّ ﷺ منها حديث أنس ﵁: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر" (٢).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشهد" (٣).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن انشقاق القمر من علامات الساعة حيث قال: "وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (٤)، وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (٥).
٤ - ظهور نار بالحجاز:
وردت أحاديث عن النبيّ ﷺ تذكر أن نارًا عظيمة تخرج في أرض الحجاز تشاهد أعناق الإبل ببُصرى (٦) في ضوئها.
стр. 649
قال النووي رحمه الله تعالى: "خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (١) ا. هـ.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه النار وإلى بعض ما ورد فيها من الأحاديث فقال: "وقد ثبت في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (٢)، وقد خرجت هذه النار بالحجاز بقرب المدينة ورؤيت أعناق الإبل من ضوئها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة" (٣).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: " ... وأخبر النبيّ ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" (٤).
وهذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبيّ ﷺ سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتهر أمرها، وشوهد من ضوئها بالليل أعناق الإبل ببصرى واستفاض (٥).
стр. 650
٥ - ولادة الأمة لربتها وتطاول الحفاة العراة في البنيان:
جاء في حديث جبريل أن جبريل ﵇ سأل النبيّ ﷺ عن الساعة فقال ﵊: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان" (١).
وفي رواية عند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ "فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ سبحان الله في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو ... ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك" قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها" قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" (٢).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هاتين العلامتين في شرحه لحديث جبريل فقال: "وقد ذكر النبيّ ﷺ للساعة علامتين:
الأولى: "أن تلد الأمة ربتها" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها وفي حديث (٣) أبي هريرة ﵁ "ربها" وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة
стр. 651
لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها ...
والعلامة الثانية: "أن ترى الحفاة العراة العالة" والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (١).
وقوله: "رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" هكذا في حديث عمر ﵁، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه.
وفي حديث (٢) أبي هريرة ﵁ ذكر ثلاث علامات:
منها: أن تكون الحفاة العراء رؤساء الناس.
ومنها: أن يتطاول رعاة البهم في البنيان ... فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًا أو خاصًا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال ... وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس، ولا تعليمهم بل همته في حيازة المال وإكثاره، ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم ... وإذا كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم أو عدم بالكلية كما صح عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن من أشراط
стр. 652
الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل" (١).
وأخبر "أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (٢).
وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار" (٣).
وفي قوله: "يتطاولون في البنيان" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بل كان بنيانهم بقدر الحاجة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان" خرجه البخاري (٤) ... (٥).
٦ - خراب البيت ورفع القرآن وبعث ريح طيبة لقبض أرواح المؤمنين:
روى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان (٦) قال: سمعت أبا
стр. 653
هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا وهم الذين يستخرجون كنزه" (١).
وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرب الكعبة ذو السُّوَيْقَتين (٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع (٣) أفيدع (٤) يضرب عليها بمسحاته (٥) ومعوله" (٦)(٧).
وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى
стр. 654
في الأرض منه آية، وتبقى طوائف الناس الشيخ الكبير والعجوز ويقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة "لا إله إلا الله" فنحن نقولها (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يخرج الدجال فذكر الحديث وفيه: "فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلَّا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" (٣).
وعنه ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت" (٤).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولا منافاة بين الروايتين لأن الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى
стр. 655
عليه السلام ويصلي عليه المسلمون ... ثم يكون خراب الكعبة على يدي ذي السُّوَيْقَتين بعد هذا" (١) ا. هـ.
وقد يقال إن الأحاديث التي فيها استحلال البيت وهدم الكعبة وخرابها تخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٢).
وقد حبس الله عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة وهي لم تكن آنذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة المسلمين؟
فالجواب على ذلك أن يقال: إن الله جعل الكعبة البيت الحرام آمنًا إلى قرب قيام الساعة، وخراب الدنيا حينما لا يبقى في الأرض من يقول الله كما جاء في حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" (٣). وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، وقد حدث القتال في مكة مرات عديدة وأعظم قتال وقع ما حصل من القرامطة (٤) في القرن الرابع الهجري
стр. 656
حيث قتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى وقلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى بلادهم، وفعلوا الأفاعيل المخزية في الحرم، وقد أعيد الحجر بعد ذلك، كل هذا لا يعارض الآية لأن ذلك إنما وقع بأيدي المنتسبين إلى الإسلام، فهو موافق لقوله ﷺ : "لن يستحل هذا البيت إلا أهله" (١) فوقع ما أخبر به النبيّ ﷺ ، وهو من علامات نبوته ﵊ (٢).
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى العلامات الواردة في الأحاديث السابقة فقال: "وقد أخبر النبيّ ﷺ أن هذا البيت يحج ويعتمر بعد خروج يأجوج ومأجوج، ولا يزال كذلك حتى تخربه الحبشة ويلقون حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين كلهم فلا يبقى على الأرض مؤمن، ويسري بالقرآن من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الأرض قرآن ولا إيمان ولا شيء من الخير فبعد ذلك تقوم الساعة ولا تقوم إلا على شرار الناس" (٣) ا. هـ.
ثانيًا: العلامات الكبرى:
١ - طلوع الشمس من مغربها:
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة.
وطلوع الشمس من مغربها من الآيات العظام التي تحدث على خلاف ما نعهده الآن من طلوعها من المشرق، وذلك بقدرة القدير الذي
стр. 657
يقول للشيء كن فيكون، فالذي أطلعها من المشرق قادر على تغيير مسارها وإخراجها من المغرب فهو خالقها ومدبر أمرها .
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في طلوع الشمس من مغربها في معرض ذكره لأحاديث أشراط الساعة فقال: "وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﵌ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" ... (٢).
وفي صحيح مسلم عن النبيّ ﵌ قال: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض" (٣).
وفيه أيضًا عن النبيّ ﷺ قال: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه" (٤).
وعن أبي موسى عن النبيّ ﵌ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء
стр. 658
الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" (١).
وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال عن النبيّ ﵌ قال: "إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه" (٢).
وفي المسند عن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمر ومعاوية عن النبيّ ﵌ قال: "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل" (٣).
فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحال بينها وبينه، إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل (٤).
стр. 659
فقد دلت الأحاديث السابقة التي ساقها ابن رجب رحمه الله تعالى على أن طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى وأن المراد ببعض آيات الله في الآية هو طلوع الشمس من مغربها كما دلّ على ذلك حديث الصحيحين، ففي ذلك الوقت لا ينفع نفسًا إيمانها إن لم تكن آمنت قبل، لأن باب التوبة مغلق فلا يقبل توبة أحد، فمن أحدث توبة بعد هذا الوقت فتوبته مردودة عليه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ساق بعض الأحاديث السابقة: فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه، وإنما كذلك -والله أعلم- لأن ذلك من أكبر أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها، فعومل ذلك معاملة يوم القيامة (١).
٢ - فتنة المسيح الدجال:
فتنة المسيح الدجال إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس.
وسمى مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا (٢).
وهو مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات.
أما مسيح الهدى فهو عيسى ﵇ حيث يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
стр. 660
فالله خلق مسيحين أحدهما ضد الآخر.
وسمي الدجال دجالًا لأنه يغطي الحق بالباطل أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتلبيسه وتمويهه عليهم (١). ولفظة الدجال أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل الدجال فلا يتبادر إلى الذهن غيره.
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان، والتحذير منه حيث أنه ﷺ وصفه لأمته وصفًا لا يخفى على ذي بصر كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم وصفوه لهم أوصافًا ظاهرة.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر" (٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه إنه أعور وإن الله ليس بأعور" (٣).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنَّار، فالتي
стр. 661
يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه" (١).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أَخْوَفُنِي عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قَطَط (٢) عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلَّةً بين الشام والعراق (٣)، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره" قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (٤) أطول ما كانت
стр. 662
ذُرًا (١) وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (٣) ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جَزلتين (٤) رمية الغرض (٥) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٦)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذا طاطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان (٧) كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا
стр. 663
مات، ونُفُسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه بباب لد (١) فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة" (٢).
والأحاديث الواردة في الدجال كثيرة جدًا. قال النووي رحمه الله تعالى: "قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة ... في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقًا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
стр. 664
ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفًا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله (١).
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى فتنة الدجال فقال في معرض كلامه عنه: "فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها" (٢).
٣ - نزول عيسى بن مريم ﵇:
من أمارات الساعة العظام وأشراطها نزول عيسى ﵊، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه ينزل قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويحكم بالقسط ويقضي بشريعة النبيّ ﷺ ، ويحيي من شأنها ما تركه الناس، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يموت ويصلى عليه ويدفن.
وقد ذكر الله في القرآن الكريم آيتين تدلان على نزول عيسى ﵇.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٣)
стр. 665
أي قبل موت عيسى ﵇ وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن هذا هو قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ثم قال: "هذا القول هو الحق" (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢) أي أن نزول عيسى ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة ويدل على ذلك القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح العين واللام. أي علامة وأمارة على قيام الساعة.
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية (وإنه) يعني عيسى ﵇ (لعلم للساعة) يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة" (٣).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (وإنه لعلم للساعة) تقدم تفسير ابن إسحاق (٤) أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى ﵊ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام وفي هذا نظر، وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري
стр. 666
وسعيد بن جبير أن الضمير في وإنه عائد إلى القرآن بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة ... ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) أي أمارة ودليل على وقوعها.
قال مجاهد: (وإنه لعلم للساعة) أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.
وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم (١).
وأما الأدلة من السنة على نزول عيسى ﵇ فهي كثيرة جدًا منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" (٢) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (٣).
ومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم" (٤).
стр. 667
ومنها حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تِكرَمة الله لهذه الأمة" (١).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الأنبياء أخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان مُمَصَّران (٣) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
стр. 668
وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة قال السفاريني رحمه الله تعالى: "أجمعت الأمة على نزوله ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنّما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء وإن كانت قائمة به وهو متصف بها" (١) ا. هـ.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى نزول عيسى ﵇ وما يقدم به بعد نزوله فقال: "وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد ﷺ ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض" (٢) ا. هـ.
كما أشار إلى نزول عيسى ﵇ وقتله للدجال في كتاب فضائل الشام فقد عقد فصلًا بعنوان: الفصل الرابع فيما ورد في نزول عيسى بن مريم ﵉ في آخر الزمان عند دمشق.
وقد ذكر فيه جملة من الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇ ومكان نزوله، وقد سبق ذكر بعضها.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وقد جاء من حديث أبي أمامة وغيره ما قد يشعر بأن عيسى ينزل ببيت المقدس، وليست أسانيدها بالقوية، ويتعين حملها على تقدير صحتها على أنه يأتي بمن معه من المؤمنين إلى بيت المقدس من دمشق كما قاله ابن عباس وكعب، جمعًا بينها وبين حديث النواس المخرج في الصحيح، وظاهر ما تقدم من الأحاديث والآثار يدلّ
стр. 669
على أن عيسى ﵇ ينزل عند باب مدينة دمشق الشرقي ... ". (١).
٤ - خروج نار تحشر الناس:
جاء في الأحاديث الصحيحة أن آخر الآيات خروجًا قبل قيام الساعة نار عظيمة تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، وتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة وذكر بعض الأحاديث الواردة في ذكرها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار" ففي صحيح البخاري عن أنس أن النبيّ ﷺ قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب" (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" (٣).
فهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث:
أحدها: من يحشر راغبًا هو من يهاجر إلى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا على نفسه لظهور الفتن في أرضه.
стр. 670
والثالث: من تحشره النار قسرًا وهو شر الثلاثة ...
وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبيّ ﷺ قال: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
وفي رواية له: "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس" (١).
وخرّجه الترمذي وعنده: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (٢).
وخرّج الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع عن النبيّ ﷺ نحوه قال: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذرة والنمل" وقال: صحيح الإسناد ... (٣).
وخرّج أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ قال: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، فتسوقهم سوق الجمل الكبير" (٤).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين: