وسعيد بن جبير أن الضمير في وإنه عائد إلى القرآن بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة ... ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) أي أمارة ودليل على وقوعها.
قال مجاهد: (وإنه لعلم للساعة) أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.
وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم (١).
وأما الأدلة من السنة على نزول عيسى ﵇ فهي كثيرة جدًا منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" (٢) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (٣).
ومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم" (٤).
стр. 667
ومنها حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تِكرَمة الله لهذه الأمة" (١).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الأنبياء أخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان مُمَصَّران (٣) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
стр. 668
وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة قال السفاريني رحمه الله تعالى: "أجمعت الأمة على نزوله ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنّما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء وإن كانت قائمة به وهو متصف بها" (١) ا. هـ.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى نزول عيسى ﵇ وما يقدم به بعد نزوله فقال: "وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد ﷺ ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض" (٢) ا. هـ.
كما أشار إلى نزول عيسى ﵇ وقتله للدجال في كتاب فضائل الشام فقد عقد فصلًا بعنوان: الفصل الرابع فيما ورد في نزول عيسى بن مريم ﵉ في آخر الزمان عند دمشق.
وقد ذكر فيه جملة من الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇ ومكان نزوله، وقد سبق ذكر بعضها.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وقد جاء من حديث أبي أمامة وغيره ما قد يشعر بأن عيسى ينزل ببيت المقدس، وليست أسانيدها بالقوية، ويتعين حملها على تقدير صحتها على أنه يأتي بمن معه من المؤمنين إلى بيت المقدس من دمشق كما قاله ابن عباس وكعب، جمعًا بينها وبين حديث النواس المخرج في الصحيح، وظاهر ما تقدم من الأحاديث والآثار يدلّ
стр. 669
على أن عيسى ﵇ ينزل عند باب مدينة دمشق الشرقي ... ". (١).
٤ - خروج نار تحشر الناس:
جاء في الأحاديث الصحيحة أن آخر الآيات خروجًا قبل قيام الساعة نار عظيمة تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، وتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة وذكر بعض الأحاديث الواردة في ذكرها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار" ففي صحيح البخاري عن أنس أن النبيّ ﷺ قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب" (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" (٣).
فهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث:
أحدها: من يحشر راغبًا هو من يهاجر إلى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا على نفسه لظهور الفتن في أرضه.
стр. 670
والثالث: من تحشره النار قسرًا وهو شر الثلاثة ...
وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبيّ ﷺ قال: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
وفي رواية له: "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس" (١).
وخرّجه الترمذي وعنده: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" (٢).
وخرّج الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع عن النبيّ ﷺ نحوه قال: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذرة والنمل" وقال: صحيح الإسناد ... (٣).
وخرّج أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ قال: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، فتسوقهم سوق الجمل الكبير" (٤).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين:
стр. 671
أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إلى المحشر، وفي حديث أنس وعبد الله بن عمرو أنهم يحشرون إلى المغرب، والظاهر أنه أريد بالمغرب مغرب المدينة وهو الشام ...
الثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن، وفي بعضها من المشرق، وفي بعضها ما يدلّ على خروجها من قرب المدينة، وكله حق.
وقد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة ... (١).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى أيضًا: " ... فأما شرار الخلق فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرًا حتى تجمع الناس كلهم بالشام قبل قيام الساعة" (٢).
والجمع بين ما جاء في أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة وما جاء في بعض الروايات أنها أول أشراط الساعة أن يقال أن المقصود أن هذه العلامة آخر أشراط الساعة باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة.
وهي أول أشراط الساعة باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا" (٣).
وهناك علامات أخرى للساعة ورد ذكر بعضها فيما سبق من الأحاديث كخروج الدابة ويأجوج ومأجوج والدخان وغيرها مما وردت به
стр. 672
الأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ وإنّما اقتصرت على ما ذكرت لأني وجدت فيها لابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا، ومن أراد الاطلاع على علامات الساعة الكثيرة فليراجع الكتب المصنفة في ذلك مثل كتاب النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، وكتاب الإشاعة للبرزنجي، وكتاب الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان، وكتاب إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشواط الساعة لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، وغيرها من الكتب الأخرى.
стр. 673
المبحث الثالث الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته
من أصول أهل السنة والجماعة التي يجب الإيمان بها الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فمن نجا من عذاب القبر فما بعده أيسر منه، ومن لم ينج منه فما بعده أشر منه لقوله ﷺ : "إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشر منه" (١).
أعاذنا الله من فتنة القبر وعذابه.
وقد دلت الآيات في كتاب الله والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وسيأتي ذكر هذه الأدلة في معرض كلام ابن رجب رحمه الله تعالى حيث أنه قد ذكر هذه المسألة وما يدلّ على ثبوتها من أدلة الكتاب والسنة.
فقد جعل رحمه الله تعالى: الباب الأول من كتابه أهوال القبور في ذكر حال الميت عند نزوله القبر وسؤال الملائكة له، وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه، وما يرى من منزله في الجنة أو النار.
والباب الخامس في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيًا.
стр. 674
وأما الباب السادس فقد جعل عنوانه نصًا في المسألة فقال: الباب السادس في ذكر عذاب القبر ونعيمه.
حيث قال رحمه الله تعالى: "وقد دلّ القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١).
ثم ساق رحمه الله تعالى بعد ذلك بعض تفسيرات الصحابة ﵃ للآيات التي تدل على عذاب القبر منها قوله: "وروى البراء في قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٢) قال: عذاب القبر" (٣).
وكذا روي عن ابن عباس في قوله : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ (٤).
وكذا قال قتادة والربيع بن أنس (٥) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٦) أحدهما في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر" (٧) ... (٨).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وأما نعيم القبر فقد دلّ عليه قوله تعالى:
стр. 675
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (١) ... " (٢).
كما أنه أورد رحمه الله تعالى تحت بقية الأبواب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تدل على ثبوت عذاب القبر ونعيمه وفتنته، فمن الآيات التي أوردها قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (٣).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى عقب هذه الآية تفسير النبيّ ﷺ للآية فقال: "وخرجا في الصحيحين (٤) من حديث البراء بن عازب ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ نزلت في عذاب القبر ... زاد مسلم: "يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد"، فذلك قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾.
وفي رواية البخاري قال: "إذا أقعد العبد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ... " (٥).
ومنها قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (٦).
стр. 676
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "قال قتادة في هذه الآية يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخًا وصغارًا ونقيصة" (١).
وقال ابن سيرين (٢): كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول: عرجت الملائكة، وهبطت الملائكة، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار" (٣) ... (٤).
وأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه فهي كثيرة جدًا بلغت حد التواتر.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ ﷺ في عذاب القبر والتعوذ منه" (٥).
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى كثيرًا من الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه.
منها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم آتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - محمد ﷺ - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ﷺ فيقال له: انظر إلى
стр. 677
مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال: فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين" (١).
ومنها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (٢).
ومنها حديث عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ قال: "نعم عذاب القبر حق" قالت عائشة: "فما رأيت رسول الله ﷺ بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" (٣).
ومنها حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (٤).
стр. 678
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" (١).
ومنها حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: بينما النبيّ ﷺ في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به، فكادت تلقيه، واذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل أنا: قال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: "وإن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار" قالوا: نعوذ بالله من النار قال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال (٢).
ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: خرج النبيّ ﷺ وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال: "يهود تعذب في قبورها" (٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن إثبات عذاب القبر ونعيمه وفتنته كما هو قول أهل السنة والجماعة وخلافًا للخوارج
стр. 679
ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة الذين نفوا ذلك وخالفوا بذلك دلائل الكتاب والسنة التي تظافرت على إثباته (١).
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه وهو قول أهل السنة والجماعة فقال: "ومما يدلّ على وقوع العذاب على الأجساد الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه" (٢).
كما رد رحمه الله تعالى على الذين يقولون إن العذاب على الروح فقط فقال وهو يتكلم عن إعادة الروح للجسد "وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره، وذكر أن السؤال للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره، وقالوا: لو كان ذلك حقًا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دلّ على أنهما موتتان وحياتان، وهذا ضعيف جدًا، فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هو حياة تامة حتى يكون إنفصال الروح به موتًا تامًا وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتًا وحياة كما كان يقول رسول الله ﷺ إذا استيقظ: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور" (٣)
стр. 680
وسماه الله تعالى وفاة لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ (١) الآية. ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيًا حياة مطلقة" (٢).
فما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو الحق والصواب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين" (٣).
وقد أشار ابن رجب ﵀ إلى أنواع عذاب القبر التي يعذب بها الميت في قبره فقال: "وقد ورد في عذاب القبر أنواع منها الضرب بمطراق من حديد وغيره ... ".
ومنها تسليط الحيات والعقارب ...
ومنها تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه ... (٤).
стр. 681
المبحث الرابع الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر
أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي يعذب الميت بسببها في قبره وذكر على ذلك الأحاديث الدالة عليها فقال: "وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة، قالوا: لِمَ فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" (١).
وقد روي هذا الحديث عن النبيّ ﷺ من وجوه متعددة خرّجه ابن ماجه (٢) من حديث أبي بكرة وفي حديثه: "وأما الآخر فيعذب في الغيبة" ...
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان:
стр. 682
حق لله، وحق للعباد، وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والغيبة والوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما (١).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي تكون سببًا في النجاة من عذاب القبر فقال: "إن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر .... لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم، وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم (٢).
стр. 683
المبحث الخامس مستقر الأرواح
تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة في كتاب أهوال القبور وعقد لذلك بابًا قال فيه: الباب التاسع في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ.
ثم بيّن أن الأرواح تتفاوت وقسّمها إلى الأقسام التالية:
١ - أرواح الأنبياء قال فيها: أما الأنبياء ﵈ فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين.
وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" (١) وكررها حتى قبض.
٢ - أرواح الشهداء قال فيها: وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٢). قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع
стр. 684
إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" (١).
وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنّا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٢) ... (٣).
وخرّج ابن منده من طريق يحيى بن صالح (٤) عن سعيد بن سويد (٥)
стр. 685
أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: "بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه".
وكذا قال الضحاك وإبراهيم التيمي (١) وغيرهما من السلف في أرواح الشهداء.
وقد ذكر ابن رجب كثيرًا من الأحاديث الدالة على أن أرواح الشهداء في الجنة، ثم قسّم بقية الناس غير الأنبياء والشهداء إلى قسمين فقال: "وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف، وغير أهل تكليف فهذان قسمان:
أحدهما: غير أهل التكليف كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع ...
وكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة، وجاء صريحًا عن السلف على أن أرواحهم في الجنة".
ثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الأدلة على أن أرواح أطفال المسلمين في الجنة ومنها قوله: "ومما يستدل لهذا أيضا ما خرّجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به فانطلقا به وذكر حديثا طويلًا وفيه: "فانطلقا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن
стр. 686
وأفضل فيها شيوخ وشباب" وذكر الحديث وفيه قالا: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله فأولاد الناس" وفي رواية: "فكل مولود مات على الفطرة" وفي رواية: "ولد على الفطرة" والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء" (١).
ثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى قولين في حكم أطفال المسلمين فوجه الأول منها، واستبعد الثاني فقال: "وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المسلمين عمومًا أنهم في الجنة ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن راهويه نقله عنه إسحاق بن منصور (٢)، وحرب في مسائلهما. ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد لأبيه بالإيمان فلا يشهد له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم.
وحكى ابن عبد البر (٣) عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين وحماد بن زيد وحماد بن سلمة (٤) وابن المبارك وإسحاق، وهو بعيد جدًا، ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم وإنهم أرادوا بها أطفال المشركين.
стр. 687
وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم الأثرم (١) والبيهقي.
وذكر أن ابن عباس رجع إليه، والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين، وإنما أخذه البيهقي من عموم لفظ روى عنه كما أنه روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ولكن الحفاظ الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين. واستدل القائل بالموقف بما أخرجه مسلم (٢) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "أوَ لا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا". . . (٢).
وعن أنس عن النبي ﷺ قال: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (٣).
ولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه -يعني أن يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه- ولعل النبي ﷺ نهى أولًا عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك تحتاج إلى علم به ثم أطلع على ذلك فأخبر به والله أعلم (٤).
ثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذلك القسم الثاني فقال:
стр. 688
"القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين وغيرهم سوى الشهداء، وقد اختلف فيهم العلماء قديمًا وحديثًا ...
ثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى تلك الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول ورد على بعضها وتتلخص الأقوال التي ذكرها فيما يلي:
١ - القول الأول: أن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار، وهذا يروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من العلماء.
٢ - القول الثاني: أن الأرواح كلها في الأرض وهؤلاء اختلفوا:
أ - فمنهم من قال: الأرواح تستقر على أفنية القبور.
ب - ومنهم من قال: تجتمع في موضع من الأرض، فأرواح المؤمنين تجتمع بالجابية (١) وأما أرواح الكفار فتجمع بسبخة (٢) بحضرموت يقال له بَرهُوْت (٣).
٣ - القول الثالث: أن الأرواح عند الله .
٤ - القول الرابع: أن أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله.
стр. 689
٥ - القول الخامس: أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ، وذلك البرزخ عند منقطع العناصر -يعني لا ماء ولا هواء ولا نار- وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ وهذا قول ابن حزم.
وقد رد ابن رجب على هذا القول واستبعد أن يكون ذلك من قول أهل الإسلام فقال: "وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من جنس كلام المتفلسفة".
٦ - القول السادس: كما ساقه ابن رجب ورد عليه "وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما ورد من عذاب الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين: أما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن أو على أن يخلق في بدن آخر، وهذا الثاني باطل قطعًا لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع روح غير روحه فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضًا وهذا باطل قطعًا، والأول باطل أيضًا بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له، وهي كثيرة جدًا.
وقد اتضح لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يميل إلى القول الأول وهو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث قال عنه:
"والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة، وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء ...
стр. 690
وقد حكى القاضي أبو يعلى (١) في كتاب المعتمد ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله بن أحمد (٢) عن أبيه، ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل، وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ قال: روي عن النبي ﷺ قال: نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده فيبعثه الله" .. (٣).
وهذا الكلام أيضًا تدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفة ولم يذكر سوى ذلك، ففي رواية حنبل: جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك ...
стр. 691
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ (١) هو دخول النار مع إحراقها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقبًا للاحتضار والموت، وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمن في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (٢)، وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ (٣) على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (٤) الآية. ونظير هذه الآية قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ (٥).
стр. 692
ومما يستدل به أيضًا لذلك ما رواه مجالد (١) عن الشعبي (٢) عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن خديجة قال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب" (٣).
وخرّج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما رجم الأسلمي الذي اعترف عنده بالزنا قال: "والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (٤) وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها (٥).
ولعل القول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار هو أرجح الأقوال في هذه المسألة لأن أدلته كثيرة وصحيحة وصريحة والله أعلم.
стр. 693
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان" (١).
وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الفرق بين حياة الشهداء في الجنة وحياة غيرهم من المؤمنين فقال: "والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين:
أحدهما: أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها، ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.
والثاني: أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة، وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل: إنهما بمعنى، وأن المراد الأكل من الشجر، قال ابن عبد البر وقيل: رواية الضم معناها الأكل، ورواية الفتح معناها التعلق، ذكره ابن الجوزي، وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل والله أعلم (٢).
стр. 694
المبحث السادس الصراط
الصراط جسر منصوب على متن جهنم ويمر الناس عليه إلى الجنة على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم، فمن مر على الصراط دخل الجنة.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في كتاب التخويف من النار حيث عقد بابًا قال فيه: الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط على متن جهنم ومرور الموحدين عليه (١).
ثم شرع في ذكر الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل قال فيه: " ... ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم" قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "دحض
стр. 695
مَزِلة" (١) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (٢) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمن كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب (٣)، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس (٤) على وجهه في النار" (٥).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه قال: "ويضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق (٦) بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى ... " (٧).
стр. 696
ومنها حديث حذيفة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه قال: " ... فيأتون محمدًا ﵌ فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم" ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: "رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زخفًا" قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب مُعَلَّقَةٌ مأمورة بأخذ من أُمِرت بأخذه، فمخدوش ناج ومكدوس في النار" (١).
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ فذكر حديثًا طويلًا وفيه قال: "والصراط كحد السيف دحض مَزِلة، قال: فيقولون: انجو على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرجال، ويرمل رملًا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخرّ يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار" (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه، وما ذكرته من الأحاديث هو طرف من الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة فهم عندما يعرضون للكلام عن
стр. 697
الصراط يذكرون هذه الأحاديث التي فيها ذكر الصراط وصفته وكيفية المرور عليه ويؤمنون بها.
وصفة الصراط والمرور عليه لم يخالف فيها إلا أهل البدع والأهواء الذين فسروا هذه الأحاديث بتفسيرات باطلة تخالف دلالات هذه النصوص وما قرره علماء أهل السنة والجماعة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن المشركين يتبعون آلهتهم التي عبدوها من دون الله فتسير بهم تلك الآلهة حتى تهوى بهم في نار جهنم، ولا يمر على الصراط إلا المؤمنون وفيهم المنافقون وعصاة المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: "واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط، ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقون" فذكر الحديث إلى أن قال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه" (١).
وفيهما أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى
стр. 698
اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ثم يدعي النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر آتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا -مرتين أو ثلاثًا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفون بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ... " (١).
فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك
стр. 699
من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولًا، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ (١) وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء ثم يردون النار بعد ذلك.
وقد ورد في حديث آخر: أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقًا أو منافقًا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين" (٢).
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن من استقام على الطريق المستقيم سلم من النار واستقام سيره على الصراط المنصوب على متن جهنم قال ﵀: "إن الإيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ظاهرًا وباطنًا استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات كان اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هذا
стр. 700
الصراط المستقيم كما في حديث أبي هريرة: "إنها تخطف الناس بأعمالهم" (١).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وإذا طهر المؤمن من ذنوبه، لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم، فمن طهر من الذنوب ونقى منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح لم يجد شيئًا من حر النار ولم يحس بها ... " (٢).
стр. 701
المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى الخلاف في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (١) وعقد له فصلًا في كتاب التخويف من النار بعنوان "الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار" قال فيه:
اختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود ثم ذكر بعد ذلك أقوال العلماء في ذلك على النحو التالي:
١ - قول الذين قالوا إن المراد بالورود المرور على الصراط، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "قالت طائفة: الورود هو المرور على الصراط وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وغيرهم .. ".
٢ - القول الثاني: قول ابن عباس ﵄ ومن وافقه من الصحابة وغيرهم في أن المقصود من الورود في الآية هو الدخول في النار، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس، روي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقول الله تعالى في فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (٣)
стр. 702
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (١) ... " (٢).
٣ - القول الثالث: قول الذين قالوا إن المراد بالورود هو ما يصيب المؤمن في الدنيا من حمى ومرض، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدنيا"، روي عن مجاهد وعثمان بن الأسود (٣)، وفيه حديث مرفوع: "الحمى حظ المؤمن من النار" (٤) وإسناده ضعيف.
٤ - القول الرابع: قول الذين قالوا إن الورود ليس عامًا وإنما هو
стр. 703
خاص بالمحضرين حول جهنم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقالت طائفة: الورود ليس عامًا وإنما هو خاص بالمحضرين حول جهنم المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: "وإن منكم إلا واردها" روى هذا التأويل عن زيد بن أسلم (٢) وهو بعيد جدًا" (٣).
ويبدو لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يرجح القول الأول الذي يقول أن المراد بالورود هو المرور على الصراط، ويدل على ذلك ما يأتي:
١ - عند ذكره للقول الأول قال: "ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول ما خرّجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤) فقال النبي ﷺ : قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (٥) ...... (٦) " (٧). فهذا يشعر برده للقول الثاني ...
стр. 704
٢ - أنه بعد أن ذكر بعض الآثار التي تدل على القول الثاني رد عليها بقوله: "ولكن هذا والذي قبله قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط كالقول الأول" (١).
٣ - أنه صدر به الأقوال.
والقول بأن الورود في هذه الآية هو المرور على الصراط ذهب إليه كثير من المفسرين والعلماء.
قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢) ما هو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط" (٣).
وقال الشوكاني: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١). . .﴾ (٤) ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط ... فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل الآية على ذلك" (٥).
стр. 705
المبحث الثامن الشفاعة
قال ابن الأثير: تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: "شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفِّع الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تقبل شفاعته" (١).
وقال الراغب الأصفهاني: "الشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ... " (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه (٣).
فالشفاعة هي طلب وسؤال الخير للغير.
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكل ما جاءهم عن الله وعن رسوله ﷺ في الشفاعة، ويثبتون جميع الشفاعات التي وردت الأدلة في الكتاب والسنة بإثباتها كشفاعته ﷺ لأهل الموقف وأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعاته ﷺ التي ستأتي،