بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فمما من الله به على هذه الأمة أن حفظ لها دينها عقيدة وشريعة، وصانه من كيد الأعداء، وإبطال المبطلين، وإلحاد الملحدين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" اهـ (٢) فكلما حاول أعداء الإسلام أن يكدروا عين الإسلام الصافية قيض الله العلماء المخلصين ليعيدوا الحق إلى نصابه.
وقد تعرضت الأمة الإسلامية في تاريخها للغزو الفكري الخارجي، وللهجمة العنيفة على دينها طورا من داخل الشرق، وأديانه وثقافاته القديمة، وآخر من الغرب عندما ترجمت علوم اليونان إلى لغة المسلمين وكذلك لما نقل الفكر الغربي إلى لغات المسلمين في العصر الحديت تبين أنهم يركزون على العقل الإسلامي تركيزا شديدا بالتغيير.
وتُعدُّ الهند في طليعة الدول التي تعرضت للغزو الفكري الغربي تعرضا مباشرا، حيث تمكنت بريطانيا من بسط سيطرتها السياسية الكاملة على الهند منذ وقت مبكر، حين كانت البلاد الأخرى تتأتر بالحضارة الغربية تأثرا غير مباشر، وفور ما سيطر الإنجليز على الهند سنة ١٨٥٧ م استفاد المستشرقون والمنصرون من هذه السلطة
стр. 2
السياسية، فكان من خططهم الطعن في الدين الإسلامي الذي شكل العقبة الكبرى أمام نشر مبادئهم وتعاليمهم، وأدركوا أنه في تشكيك المسلمين في دينهم سبيل للوصول إلى أهدافهم، وأن هذا التشكيك تم بمحاولة تغيير الطرق المنهجية التي ينظر بها إلى الدين وأحكامه، بل ونصوصه، وبإثارة الشبه حول الإسلام خاصة فيما يتصل بالعقيدة لعلمهم وعلم الجميع أنها أساس الدين كله، وبثبوتها يثبت، وبزعزعتها ينهار أساس الإيمان، لهذا نرى أنهم بدأوا أول ما بدأوا في الهند بمحاولة التأثير على الجانب العقدي بهدف التشكيك، وإضعاف الإيمان أو نفيه، وقد اعتمدوا في إضعاف نزعة الإيمان على إحلال مناهج جديدة محل ما هو موجود لدى المسلمين، كي تؤتي نتائجها في إضعاف الإيمان، وتؤثر على جوانب العقيدة ووحدة المسلمين حولها، لهذا استخار الباحث الله العلي القدير، وآثر أن يكون موضوع رسالته للدكتوراه:
"أثر الاستشراق على المنهج العقدي الإسلامي بالهند"
(١٨٥٠ - ١٩٥٠)
-دراسة نقدية-
وقد درس الباحث تحت هذا العنوان مدى التجافي بين الاتجاهات الحديثة والمنهج الثابت، ومدى تبني المنهج الحديث الذي طرحه المستشرقون، وما أدى إليه من تغيير في النظرة إلى العقيدة، وكيفية معالجة مسائلها.
وتجلية لهذا الموضوع يقدم الباحث بداية عدة نقاط توضح أهمية الموضوع، والمناهج التي استخدمت لدراسة العقيدة قبل ظهور الاستشراق بالهند، ثم حملة المسشرقين الفكرية على الهند ووسائلها، وأبرز رجالها ومناهجهم التي دعوا إليها، وكذلك يطرح موقف الفكر الإسلامي الهندي من الاستشراق، ومدى التأثر الذي حدث على علماء الهند في الجانب العقدي، وما هي المناهج التي ظهرت بعد هذا التأثر، وأخيرا يبين الباحث أبرز المسائل التي حملت التغيير نتيجة هذا التأثر، وذلك كله مع ما تقتضيه ضرورة المقدمة يشير إليه الباحث في نقاط:
стр. 3
أولا: أسباب اختيار الموضوع:
يمكن إجمال العوامل التي دفعت الباحث لاختيار الموضوع فيما يلي:
١ - لاحظ الباحث أنه نتيجة للحركة الاستشراقية ومناهجها التي بثتها، قد نشط بالهند مفكرون تبنوا بقصد وبدون قصد مناهج المستشرقين وآراءهم في مجال العقيدة، وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت فرق انحرفت كثيرا عن الإسلام مثل القاديانية (١)، ومنكري السنة (٢)، ولهذه الفرق مناهجها وآراؤها التي قد بين الباحث مدى بعدها أو قربها من عقيدة الإسلام الصحيحة.
والأمر لم يقتصر على هذه الفرق بل إن المدافعين عن الإسلام أنفسهم قد تأثروا بمناهج المستشرقين، وبالتالي وقعوا في بعض المحظورات التي قد كشف عنها الباحث في بحثه.
٢ - إنه بالنظر الدقيق لهذه الحملة الشرسة التي انبنت على الأساس المنهجي قد اتسع تأثيرها في شبه القارة الهندية حتى أن بعض المسلمين قد ارتدوا عن الإسلام (٣) وقد حاول الباحث في هذا البحث أن يكشف الأسباب الحقيقية وراء ذلك.
٣ - إن للمسلمين في الهند وضعا خاصا من حيث وجودهم كمجموعة دينية بين مجموعات أخرى، ومن حيث درايتهم باللغة العربية. الأمر الذي أتاح للمستشرقين فرصة التأثير عن طريق استخدام بعض المناهج في فهم النصوص، وتحويرها مما أثر على الحركة الفكرية العقدية في الهند، قد بين الباحث مدى وكيفية استخدام هذه المناهج التأولية التي أثرت على الفكر العقدي في الهند.
стр. 4
٤ - وقد راع الباحث الفرق الكبير بين المناهج الجديدة وما ترتب عليها من فهم خاطئ في مسائل العقيدة، وبين ما كان عليه المنهج الثابت والذي كان عليه المسلمون في القرون المفضلة والذي قد حفظ للعقيدة صفاءها ونقاءها، والباحث إزاء تلك النقطة حاول أن يكشف عن ذلك المنهج الثابت الذي كان عليه المسلمون في الهند قبل الاستشراق، ثم بين ما آل إليه المنهج في دراسة العقيدة وما كان له من صدى على مسائله.
ثانيا: المناهج السابقة:
(أ) المنهج السني:
فمن المعروف أن الهند قد فتحها محمد بن القاسم الثقفي في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، ونظرا لأن هذا الفتح كان قريب عهد بزمن الصحابة ﵃، فإن أهل الهند كغيرهم لم يعرفوا إلا القرآن والحديث، ولم يعلموا إلا ما صح عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى مدة طويلة (١).
وهذا بالطبع هو منهج أهل السنة والجماعة، وقد تبنته جماعة أهل الحديث (الجماعة السلفية) بالهند، ولم يخل زمن من وجود هؤلاء مع تتابع الفتن وتكاثر الأحداث فيها، إلا أن هذه السمة لأهل الهند كانت تختفي وتظهر حتى برز بكل وضوح في بداية القرن التاسع عشر الميلادي بدعوة الشيخ الشاه إسماعيل الشهيد (١١٩٣ - ١٢٤٦ هـ) (٢)، بمؤلفات الشيخ السيد صديق حسن خان
стр. 5
(ت ١٣٠٧ هـ)، وبدرويس الشيخ نذير حسين المحدث الدهلوي (ت ١٣٢٠ هـ) ﵏ (١).
وقد بين الباحث في بحثه هذا القواعد المنهجية الخاصة لهذه المدرسة من حيث اعتمادها على الوحي، وحدود العقل عندها، ودوره الحقيقي وموقفها من الأمور الغيبية، والمرجع الصحيح عند التنازع أو الاختلاف ثم رأيها في خبر الآحاد بالنسبة للأحكام والاعتقاد، وكذلك موقفها من علم الكلام والفلسفة، كل هذا وغيره مما يتصل بالمنهج لهذه المدرسة السنية التي هي منهج الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بين إلى أي مدى ساد هذا المنهج ببلاد الهند فكرا عند علماء المسلمين وعامتهم.
(ب) المنهج الكلامي:
وإزاء المنهج السني كان هناك منهج كتب له الانتشار بالهند كغيرها من البلاد الإسلامية، وهو المنهج الكلامي المتمثل في الأشعرية والماتريدية، ولما ملك السلطان شهاب الدين الغوري الهند حاول جمع الناس على هذا المنهج (٢)، فنظرا لقوة السلطة الإسلامية آنذاك صار هذا المذهب هو السمة الغالبة على مسلمي الهند، وقد برز منهم العلماء الذين حاولوا إصلاح الناس وإرجاعهم إلى الدين طبقا لهذا المنهج الأشعري الماتريدي من أمثال الشيخ أحمد السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني
стр. 6
(ت ١٠٣٤ هـ) (١) والشيخ أحمد ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ) (٢) والسيد أحمد بن عرفان الشهيد (١٢٠١ هـ -١٢٤٦ هـ / ١٧٨٦ م - ١٨٢١ م) (٣)(٤).
ونظرا لشهرة ولي الله الدهلوي السالف الذكر فقد سُمي هذا المذهب بحركة "ولي اللهي" نسبة إليه، وقد امتزجت هذه الحركة بالحنفية في الفروع وبالأشعرية والماتريدية في الأصول (٥).
فقد أبرز الباحث ضمن المناهج الثابتة منهج الأشاعرة والماتريدية بقواعده التي يقوم عليها، مقارنا بينه وبين المنهج السني، وبَيَّن صلته بخبر المعصوم والنقل عامة ثم دور العقل والحس في رسم طريق المنهج في المسائل العقدية.
стр. 7
(ج) المنهج الشيعي:
وجد بالهند في القرن الثاني عشر مذهب الإسماعيلية ومذهب الاثنا عشرية، وبصرف النظر عن الجانب التاريخي للفرقتين فإنهما يتفقان كثيرا من ناحية المنهج، وقد بين الباحث مدى اعتمادهم على الرواية، سواء في المفهوم السني كان ذلك أم عن الإمام المعصوم، وما موقف العقل إزاء ما يروى عن الإمام، وهل يمكن الرجوع إلى الأدلة العقلية مع وجود النص المنقول عن الإمام، وما آراؤهم في ذلك إلى غير ذلك مما تناوله الباحث من منهجهم.
ثالثا: أبرز المستشرقين في الهند ومناهجهم:
ظلت المناهج المشار إليها سائدة حتى بدأ التركيز الاستشراقي على الهند بصفة خاصة بعد الاستعمار فوُجد كثير من المستشرقين الذين عملوا داخل الهند نفسها بالإضافة إلى المراكز العلمية والجامعات والمبتعثات التي استحدثت لذلك، وقد برز منهم عدد كبير أخص منهم بالذكر:
(أ) فندر (Pfunder):
كان د. فندر مستشرقا أمريكيا كاثوليكيا تحول إلى بروستانتية من أجل الطمع الدنيوي، وذلك لأنه رغب في استيطان إنجلترا، وقد تعلم الأردية والفارسية والعربية، وأرسلته كنيسة إنجلترا رئيسا للمنصرين في الهند، فاشتغل مستشرقا ومنصرا فيها، وكتب كتابات جدلية تثير شبهات حول العقيدة الإسلامية مثل: "ميزان الحق" بالفارسية ثم ترجم هذا الكتاب إلى الأردية، وزاد عليه ترجمة الكتاب "طريق الحياة" و"مفتاح الأسرار"، وبهذا أثار فندر مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في دهلي وآكره ولكهنو، وتزلزل بذلك إيمان كثير من المسلمين، كما تزعم فندر الحملة التنصيرية داخل الهند بإلقاء المواعظ والخطب في الاجتمات العامة، والتهجم على الإسلام وعلى رسول الإسلام وعقيدة الإسلام، وقد بلغت به الجرأة أنه كان يتخذ درج الجامع الكبير بدلهي
стр. 8
منصة لإلقاء الخطبة من فوقها ما بين العصر والمغرب وذلك تحت حراسة قوات الأمن الإنجليزية (١).
منهجه:
قد استخدم فندر في كتاباته عن العقيدة منهج مقارنة الأديان، وكان متأثرا بالخلفية الدينية للجدل اللاهوتي، وجعل الديانة النصرانية مقياسا لدراسة الأديان الأخرى، وطبق مقاييس الديانة النصرانية المحرفة على الإسلام، واتصف بالهجوم الشديد على الدين الإسلامي والقرآن الكريم والرسول ﷺ وكان هذا دليلا على ركونه إلى المنهج الإسقاطي وعلى عدم تورعه عن استعمال السب والشتم للمخالفين، وكما يظهر من تتبع كتاباته عن الإسلام أنه اعتمد على المنهج العكسي حيث يحول المدح ذما والذم مدحا (٢).
(ب) اللورد ميكالي:
هو المستشرق البريطاني الذي كان رئيسا للمجلس العلمي بالهند زمن الاستعمار وهو أول من وضع منهجا متكاملا لتعليم أبناء المسلمين العلوم الأروبية بالهند، وقرر أسسا أمكن بها ترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين، وقد نهج على أسسه المقررة مستشرقون آخرون بالهند أمثال: وليم ميور وتوماس آرنولد (٣).
منهجه:
كان يميل ميكالي إلى منهج الوضوح والبيان، ولما أراد السلطة البريطانية أن تفرض على الهند منهجها التعليمي بالأسلوب الخفي، أنكر ذلك عليها وقال إني لا أحب الخفاء والخداع في نشر الحق الذي أؤمن به، بل أريد الوضوح والبيان، وإن
стр. 9
أصرت الحكومة على الأسلوب الماكر استقلتُ من منصبي، فوافقت الحكومة على منهجه، وكان عنصر الاستعلاء ظاهرا في اتجاهه، فكان يعتقد بأن النصرانية وطبيعة الغرب سببان للتقدم وكان يحتقر كل شيء يرتبط بالشرق.
(جـ) وليم ميور: (William Muir)(١٨١٩ - ١٩٠٥):
السير وليم ميور كان من أولئك المستشرقين الذين شاركوا في ترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين بالهند، فنهج على الأسس التي قررها المستشرق "اللورد ميكالي" لتدريس أبناء المسلمين في الهند، بل وطورها حسب مقتضيات الزمان والمكان، وكانت له علاقة قوية بالسير سيد أحمد خان (١) إلى أن كتب كتابه المشهور " The Life Of Muhammad" (حياة محمد)، وقد كتب هذا الكتاب بإشارة من المنصر المتعصب المستشرق د. فندر، فقد أصر عليه أن يكتب كتابا في شأن رسول الإسلام مأخوذا من المصادر المعتبرة عند المسلمين وأن يكون الكتاب بلغتهم (٢).
منهجه:
قد نهج وليم ميور في كتابه هذا منهج النقد التاريخي المنحرف فأنكر الحقائق التاريخية الثابتة عند المسلمين ليزلزل عقيدتهم، فقد أنكر نسبة محمد ﷺ إلى إبراهيم وإسماعيل ﵉، وشكك في مصادر العقيدة الإسلامية باستخدام المنهج العقلاني القائل بتأتير الامتداد الزمني التاريخي في ظاهرة ما، فأنكر السنة المطهرة وأثار حولها شبهات (٣).
стр. 10
(د) السير توماس آرنولد (Sir Thomas Arnold) (١٨٦٤ - ١٩٣٠ م):
تعلم في كامبريج، وقضى عدة سنوات في الهند أستاذا في جامعة على كره (١٨٨٨ - ١٨٩٨)، وهو أول تولى كرسي الأستاذية في قسم الدراسات العربية في مدرسة اللغات الشرقية بلندن وكان معجبا بالإسلام، وكانت له علاقات قوية بالدكتور محمد إقبال الشاعر (١)، والشيخ شبلي النعماني (٢)، ومن آثاره كتابه "الدعوة إلى الإسلام"، وقد نال هذا الكتاب إقبالا عظيما وترجم إلى العربية والأردية والتركية (٣).
منهجه:
انطلق المستشرق السيرتوماس آرنولد في دراسته للعقيدة الإسلامية من منطلق المنهج العقلاني المادي البحت، وفسر أحداث التاريخ الإسلامي تفسيرا ماديا، فقد ذكر سبب تحويل القبلة إلى الكعبة انتقاما لليهود، بعد أن كان توجه المسلمين إلى بيت المقدس استمالة لهم، وكذلك مشروعية صوم عاشوراء، وكما يظهر من كتاباته اعتماده على منهج الأثر والتأثر إذ حاول أن يثبت ويجعل الإسلام حركة إصلاحية للديانة النصرانية مأخوذة من الدين النصراني نفسه، ويستند غالبا إلى المصادر الغربية الاستشراقية، فلذلك قد أخطأ كثيرا في تعميم الأحكام وإبداء الآراء التي تعدو عن توتيق المعلومات (٤).
(هـ) ولفرد كنتويل إسمث (Wilfred Cantwell Smith) (١٩١٦ - .... ):
مستشرق كندي، تربى نصرانيا، وكان ملتزما بدينه بشدة طوال حياته، تخرج في جامعة كامبريج وكان يتعاون مع الجمعيات التنصيرية، وعين مدرسا في كلية "فارن
стр. 11
كرسيجين" بـ لاهور (باكستان اليوم)، وغادر الهند سنة ١٩٤١ م، وأثناء إقامته ألف كتابه "الإسلام الحديث بالهند" (Modren Islam In India)، وقد تعلم العربية والعلوم الإسلامية على يد المستشرق جب لمدة سنتين، وبعد أن رجع أخذ الدكتوراه في موضوع "مجلة الأزهر دراسة ونقدا" تحت إشراف المستشرق فليب حتي، وأسس مؤسسة الإسلاميات في كندا، وألف كتابه "الإسلام في العصر الحديث" (Islam In Modren History) حتى تعين مديرا لمركز تقابل الأديان في أمريكا سنة ١٩٤٩ م (١).
منهجه:
اهتم إسمث بحركات التجديد بالهند، وكتب عن عقائد المسلمين فيها، ونهج في كتاباته عن العقيدة الإسلامية من وجهة تارخية ماركسية تطورية، مع كونه متشددا في نصرانيته لم يجعل دينه مقياسا لدراسة الأديان الأخرى، وكان يرى أنه لا يمكن دراسة دين ما إلا بعد التعايش مع أهله، فكان يدرس الإسلام في ممارسة المسلمين، وكان يرى تطبيق الدين على العلوم الحديثة، فقد قسم الدين إلى قسمين: قسم فردي وقسم اجتماعي، الفردي ما يخص كل إنسان وهو الإيمان بقلبه ولا يمكن إدراكه، وأما الاجتماعي فهو الدين الذي يتغير بتغير الزمان والمكان ومن هنا يتشعب الدين في نظر إسمث ويؤدي إلى فرق، وإلا كان الدين واحدا وهو الإيمان في قلب كل إنسان (٢).
وهناك مستشرقون آخرون غير أولئك الذين سبق ذكرهم قد ساهموا الحركة الاستشراقية بالهند أمثال: هنتر (Hunter) صاحب كتاب " Our Indian Muslims" وبريك (Breek) وموريسون (Morison) وآرشيبولد (Archibold) وجي. كندي (J.Kenedy) ومري طيطس (Muray T.Titus) (٣) .
стр. 12
ويمكن تلخيص المناهج التي أتبعها المستشرقون وركزوا عليها وأصروا على أخذها في دراسة العقيدة الإسلامية بالهند في النقاط التالية:
١ - منهج مقارنة الأديان المتأثر بالجدل اللاهوتي النصراني.
٢ - المنهج الإسقاطي المرتكز على تطبيق مقاييس الديانة النصرانية المنحرفة على العقيدة الإسلامية.
٣ - منهج النقد التاريخي القائل إن الامتداد الزمني يؤثر على الظاهرة الدينية فلا يمكن إثباتها إلا بعرضها على العقل الإنساني والاكتشافات العلمية الحديثة.
٤ - المنهج العقلاني المادي الذي يفسر أحداث التاريخ تفسيرا ماديا.
٥ - منهج الأثر والتأثر الموصل إلى أن الديانات كلها مأخوذ بعضها من بعض.
٦ - المنهج الماركسي التطوري الذي ينكر كون الدين من عند الله والقائل إن الدين تولد بوجود البشر ولهم حق التغيير في ذلك.
وقد تناول الباحث هذه المناهج الاستشراقية الرئيسة وغيرها من المناهج الفرعية التي استخدمها المستشرقون في دراستهم للعقيدة بتفصيل في عرضه أثناء الدراسة.
رابعا: وسائل الاستشراق بالهند:
وهي تنقسم إلى قسمين: خارجية وداخلية.
(أ) الوسائل الخارجية:
١ - المراكز العلمية:
قد أسست مراكز علمية في الدول الأوربية وبخاصة في لندن، إذ استُحدث مركز علمي لتخريج المستشرقين والمنصرين المتضلعين بثقافة المسلمين الدينية ولغاتهم كالعربية والأردية والفارسية، واشتغل هذا المركز سنوات عديدة، وخرج أفواجا من المستشرقين الذين لهم اطلاع واسع على العلوم الإسلامية، وبدأ هؤلاء المستشرقون
стр. 13
يدخلون الهند، ومن ثم تم تعيينهم في المراكز السياسية الحساسة، وعينوا في وظائف رؤساء وحكاما ومديرين (١).
٢ - البعثات الطلابية:
ومن أجل تحقيق أهداف البريطانية أرسلت الحكومة بعثات الطلاب المسلمين إلى البلاد الغربية ودرسوهم في الجامعات المتخصصة لتخريج المستشرقين، فتعلموا على أيدي أساتذة مستشرقين، وتأثروا بإيحاءاتهم الغربية وبحضارتهم، وعادوا إلى الهند حاملين رسالة تدعو إلى تقليد الغرب وإلى الأخذ بمناهجهم في الحياة (٢).
(ب) الوسائل الداخلية:
- تقرير المناهج التعليمية وفق السياسة الغربية:
بعد أن تعين اللورد ميكالي المستشرق البريطاني رئيسا للمجلس العلمي بالهند وضع منهجا متكاملا لترويج الفكر الغربي بين أبناء المسلمين ثم تطور هذا المنهج بجهود بعضهم أمثال وليم ميور وتوماس آرنولد (٣).
٢ - تأليف الكتب الجدلية حول العقيدة الإسلامية:
والمستشرقون الذين تم تعيينهم على وظائف حكومية كان لديهم حرص شديد ومهارة فائقة في المناظرة والجدل، فألفوا كتبا جدلية لبث الشبهات حول الإسلام وعقيدة المسلمين (٤)، فكتب المستشرق وليم ميور الذي كان حاكما في الولاية
стр. 14
المتحدة (بين آكره وأوده) كتبا عديدة منها: "حياة محمد" و "الخلافة" و"شهادة القرآن على الكتب الربانية"، وكتب فندر الذي كان رئيسا للحملة التنصيرية "ميزان الحق" و "طريقة الحياة"، و "طلوع شمس الحق".
٣ - تأليف الكتب الخاصة بأوضاع المسلمين بالهند:
وقد اهتم المستشرقون بأوضاع المسلمين بالهند، وكتبوا كتابات عن وضعهم الديني مشيرين إلى فرقهم المتعددة وركزوا في هذه الكتب على تشجيع الفرق المنحرفة عن الإسلام، وسموها بالحركات التجديدية في الدين الإسلامي بالهند، ومن هذه الكتب:
Indian Islam by T.Titus - (الإسلام الهندي للمستشرق طيطس).
Modren Islam In India by W.I.C.Smith - (الإسلام الحديث في الهند للمستشرق إسمث).
Our Indian Muslims by W Hunt er- .(مسلمونا الهنود للمستشرق هنتر) وإلى غير ذلك من الكتب.
٤ - تأسيس الجامعات ووضع الكراسي للمستشرقين:
ومن الوسائل الداخلية أنهم أنشئوا جامعات ومراكز علمية بالهند نفسها على طراز الجامعات الغربية بواسطة المستغربين، ووضعت الكراسي للمستشرقين فيها، فأسست مؤسسة ثقافية في عليكره باسم "مدرسة العلوم" لنقل الكتب الإنجليزية إلى اللغات الهندية، ولتعليم العلوم الغربية لأبناء المسلمين وكان الإشراف عليها علميا وثقافيا وخلقيا بأيدي المستشرقين البريطانيين أمثال: بريك (Breek) وموريسون (Morison) وآرشيبولد (Archibold)، وتحولت هذه المؤسسة إلى جامعة سنة ١٩٢١ م،
стр. 15
واشتهرت باسم جامعة عليكره، وفتحت لها فروع في أنحاء الهند، وكان يشترط أن يكون الإشراف في كل فرع منها بأيدي المستشرقين (١).
خامسا: موقف الفكر الإسلامي الهندي من الاستشراق:
المتتبع للفكر الإسلامي الهندي ومدارسه يتبين له نماذج ثلاثة:
النموذج الأول:
استمرار المناهج الثابتة عند المسلمين بالهند بأنواعها الثلاثة: السني متمثلا في أهل الحديث، والكلامي متمثلا في الماتريدية والأشعرية، والشيعي متمثلا في الروافض الاثنا عشرية والإسماعيلية البهرة، وأسست لكل منها مراكز علمية دفاعا عن عقيدتهم وحفاظا على مذهبهم.
فأهل الحديث دفاعا عن منهجهم السني أسسوا مراكز علمية من أشهرها مدرسة دار الحديث الرحمانية بدلهي، والماتريدية الأشعرية دافعوا عن الإسلام عامة وعن منهجهم الماتريدي الأشعري خاصة بفتح مدارس كثيرة ومن أشهرها على الإطلاق مدرسة دار العلوم بديوبند، وأما المنهج الشيعي فقد دافع عنه كل من الفرقتين الاثنا عشرية والإسماعيلية ولهم مدارس ومراكز علمية تختص بهم، ولا يهمنا كثيرا في هذا المكان دفاعهم إذ أن دفاعهم ليس دفاعا عن الإسلام إنما هو حفاظ على عقيدتهم المنحرفة، والذي يهمنا هو جهود جماعة أهل الحديث وجهود الماتريدية الأشعرية فمن كل منهما برز رجال قاوموا الاستشراق مقاومة متميزة، وأبلوا في ذلك بلاء حسنا، فمن أهل الحديث ظهر أمثال: الشيخ سليمان المنصوربورى، والشيخ أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري، والشيخ أبي الكلام آزاد، ومن الماتريدية الأشعرية أمثال: الشيخ محمد قاسم النانوتوي والشيخ محمود الحسن الديوبندي والشيخ رحمة الله الكيرانوي، هؤلاء كلهم استمروا على أساسهم القديم في دفاعهم عن الإسلام.
стр. 16
النموذج الثاني:
هناك بعض العلماء المفكرين كانوا على ولاء تام للاتجاه السني أو الماتريدي الأشعري ودافعوا عن الإسلام دفاعا جيدا ولكن بعض منهم تأثروا بالحركة الاستشراقية في بعض جوانب العقيدة، وهذا الاتجاه قد يتمثل في مدرسة دار العلوم ندوة العلماء بلكهنو، ولما أسس هذه المدرسة الشيخ محمد علي المونكيري كان من أهدافه تخريج علماء وسطاء بين العلماء المتمسكين بالأساس القديم والشباب الذين درسوا العلوم العصرية ونادوا بتقليد الغرب (١)، وأما المدير الأول لهذه المدرسة الشيخ الشبلي النعماني فقد قال: "لم يعد دور لأولئك الملحدين اليونان ولعلومهم ولم تبق دعوى بصحة مسائلهم عند العقلانيين وقد زال أثرهم ولا يخاف منهم على الإسلام، ولكن حلت محل الفلسفة اليونانية العلوم الجديدة ومسائلها وتحقيقاتها، فعلى العلماء اليوم أن يتعلموا العلوم الجديدة حتى يحلوا المشاكل الجديدة ويردوا على الشبهات الحديثة بأجوبة محققة مقنعة" اهـ (٢).
ومما لا شك فيه أن تلك الأهداف التي أسست المدرسة لأجلها قد تحقق بعضها بالفعل حيث برز علماء في مقاومة الاستشراق ممن ينتسب إلى هذه المدرسة أمثال: الشيخ محمد علي المونكيري المؤسس للمدرسة والشيخ شبلي النعماني المدير للمدرسة والشيخ سيد سليمان الندوي من أوائل المتخرجين من هذه المدرسة فقاوموا الاستشراق وردوا على شبهات المستشرقين دفاعا عن العقيدة الإسلامية، ولكن لم يمنع موقفهم هذا من التأثر الجزئي عند بعضهم، فإذا نظرنا إلى مؤلفات الشيخ شبلي النعماني الكلامية وجدناه يعتقد في الحشر والنشر والبعث بعد الموت وفي الجنة والنار على أنها روحانية فقط، وأما اعتقاده في الملائكة فكان يؤمن بوجودها إلا أنه كان يقول إن لفظة الملائكة قد تطلق على الملكات النبوية والملكات البشرية أيضا، وما كان هذا كله منه إلا بعد
стр. 17
اعتماده على المنهج العقلاني حتى وصفه البعض بأنه معتزلي، وهناك علماء آخرون وإن لم يكن ارتباطهم بمدرسة دار العلوم ندوة العلماء قويا، لكنهم نهجوا منهج الشبلي النعماني في الرد على مزاعم المستشرقين، ونتيجة للمنهج العقلاني الفلسفي قد تأثروا بالاستشراق تأثرا جزئيا، وأشار الباحث إلى مواطن التأثر ضمن مسائل البحث.
النموذج الثالث:
وهناك مدارس ومفكرون لعبت بهم مناهج المستشرقين وتأثيراتهم إلى حد كبير، فتأثروا تأترا كاملا وأخص منهم بالذكر السير سيد أحمد خان وجراغ علي (١) وأمير علي، ولهم مناهج خاصة بهم مأخوذة من المناهج الاستشراقية الغربية ولا بأس أن نذكر شيئا يسيرا منها:
(أ) منهج السير سيد أحمد خان:
قد انطلق السير سيد من منطلق المنهج العقلاني، وحاول إخضاع العقائد الإسلامية للكشوفات العلمية الحديثة، واعتبر الدين معيارا لبث الأخلاق العالية في الإنسان لأنها عنده من أصول الدين، فالدين عنده إنساني أكثر منه إلهي، وكذلك استخدم المنهج التاريخي التطوري الارتقائي المتأثر بالمنهج الماركسي لتفسير بعض الأحداث المرتبطة بالعقيدة مثل خلق آدم، وقال بتطور الوحي، ونهج منهج العلة والمعلول وآمن بحتمية قوانين الفطرة في أفعال الله، وأنكر كل حدث يخالف هذا النظام ولم يستثن منه المعجزات أيضا، وأعتمد في دراسته لمصادر العقيدة الإسلامية على منهج الأثر التاريخي وقال إن امتداد الزمن قد أوجد أحاديث وروايات موهومة لا حقيقة لها في الوجود، واستعمل المنهج العقلاني في معرفة الحسن والقبح، ونهج منهج مقارنة
стр. 18
الأديان وحاول إيجاد التقارب بين الإسلام والمسيحية (١)، فهو يتنقل بين المنهج العقلاني، والطبيعي، والتطوري، والعلي، والفطري، والتاريخي، وقد بين الباحث ذلك في دراسته.
(ب) منهج جراغ على:
أكب على دراسة العهدين الجديد والقديم، وتعلم الفرنسية، وركز على منهج العلة والعلول، وقال بحتمية قوانين الفطرة، وانطلق من منطلق أن القرآن من كلام محمد ﷺ والحديث حصل فيه تغير عندما روي بالمعنى، وسلك مسلك جولدتسيهر في رد الروايات، واتجه اتجاه المستشرق "جب" في قوله أن الرسول كان مصلحا اجتماعيا إلا أنه وجه الإنسانية الجاهلية إلى التمسك بوحدانية الخالق، واستفاد جراغ علي كثيرا من مناهج المستشرقين ورد على بعض مزاعم وليم ميور، ورابرطن، وإسمث، وجورج سيل، وسبرنج (٢)، وتأثر بهم أيضا، فهذا الآخر سلك مناهج العلة والمعلول وحتمية الفطرة كما حذا حذو المستشرقين في اتباع مناهجهم.
(جـ) [*] منهج أمير علي منهج أمير علي:
نهج مناهج الغرب ليجعل الإسلام غربيا ويضيفه إلى تاريخ الغرب واعتمد على المنهج العقلاني لتفسير العقيدة الإسلامية، وأنكر جميع المغيبات مثل السير سيد إلا أنه يقول: "إن السلف سموها بهذه الأسماء ونحن نسميها أصول الفطرة" اهـ، وقال بتأثر الإسلام بالنصرانية اعتمادا على منهج الأثر والتأثر، وأقام المقارنة بين شخصية محمد ﷺ وشخصية عيسى ﵇ اعتمادا على منهج المقارنة.
стр. 19
وهكذا قد تعرض المتأثرون للمنهج العقلاني، ومنهج العلة والمعلول، ومنهج التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ومنهج الارتقاء والتطور، والمنهج الطبيعي، والمنهج الفطري، ومنهج النقد التاريخي، فنتج عن ذلك أن وقعوا في أخطاء ومحظورات في مجال العقيدة، قد حاول الباحث أن يكشف عن هذه المناهج وآثارها بالتفصيل أثناء سيره في البحث.
سادسا: نماذج من آثار تطبيق المنهج الجديد على المسائل العقدية بالهند:
١ - إن المتأثرين بالاستشراق استخدموا المنهج التطوري الماركسي والمنهج الارتقائي الدارويني في دراسة العقيدة، فنتج عن ذلك قولهم بأن الدين تكون لأجل البشر، ويتطور بتقدم البشرية، وللإنسان حق التغيير في ذلك (١).
٢ - واستخدامهم للمنهج العلّي القائل بأن الله تعالى علل جميع الكائنات قد أداهم إلى القول بأن القدر والقضاء ما يقع حينا بعد حين، وأن قوانين الفطرة في أفعال الله حتمية وبأن الإيمان بالمعجزات نقض لقدرة الله وعظمته (٢).
٣ - واعتمادهم على المنهج العقلاني المادي قد أداهم إلى القول بأن ذكر الله هو التفكر والتدبر في خلق الله وليس التسبيح والتحميد والتهليل من ذكر الله، وإن
стр. 20
الفلسفة وعلم الكلام يثبت بهما صدق الدين، وإن الملائكة والجن والشياطين لا وجود لهما في الخارج (١).
٤ - وأما المنهج الفطري الكوني فقد جعلهم يقولون بأن الفطرة هي الدين، وهي تطالب الإنسان أن يكون صالحا، والعبادة ليست لأجل الجنة والحور والقصور، إنما هي تلبية للفطرة الإنسانية (٢).
٥ - ومنهج التأويل البعيد قد جعلهم يفسرون القرآن بتأويلات بعيدة عن الحقيقة، مثل قولهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ (٣) الحجر معناه الجبل والضرب معناه الذهاب، فمعنى الآية: يا موسى اصعد الجبل مستعينا بعصاك فتجد وراء الجبل اثنتى عشرة عينا (٤). وفسروا الآية: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٥) إن الرفع معناه موت بكل إجلال واحترام كما قيل في إدريس ﵇ (٦) ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٧).
٦ - وركونهم إلى منهج الأثر التاريخي القائل إن الامتداد الزمني يؤثر في الظاهرة الدينية جعلهم يشككون في ثبوت السنة المطهرة وإسنادها (٨)، إلى غير ذلك من الآثار.
стр. 21
سابعا: الدراسات السابقة:
بعد التتبع والبحث عن هذا الموضوع لم يجد الباحث دراسة أكاديمية متخصصة أُفردت لهذا الموضوع، اللهم إلا بعض كتابات عامة قد عالجت أطرافا من جوانب هذا الموضوع، ومن أهم تلك الدراسات:
١ - ردود الشيخ ثناء الله الأمر تسري (١) في تفسيره للقرآن الكريم "تفسير ثنائي" (٢) على شبهات السير سيد حول إعجاز القرآن اللغوي، والجنة والنار، وجبريل ﵇، ومعجزات الأنبياء.
٢ - وتناول الشيخ عبد الرحمن الكيلاني بعض آثار تطبيق المنهج الجديد على المسائل العقدية المرتبطة بأركان الإيمان الستة في كتابه "آئينه برويزيت معتزله سي طلوع إسلام تك" (مرآة الفرقة البرويزية من المعتزلة إلى -مجلتهم المشهورة- "طلوع إسلام" (٣) إلا أن دراسته هذه خصصت للرد على الفرقة البرويزية.
٣ - وجمع د. عزيز أحمد في كتابه "هند وباك مين إسلامي جديديت" التجديد الإسلامي في الهند والباكستان) (٤) آراء المتأثرين بالاستشراق باسم الحركات التجديدية في الإسلام، فذكر آراء السير سيد، وجراغ علي، وممتاز علي، وأمير علي، وشبلي النعماني، ومحمد إقبال حول الإسلام بدون أي نقد أو تعليق.
٤ - وقد عثر الباحث أخيرا على كتاب حسبه في صميم هذا الموضوع بعنوان "أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية" (٥) للشيخ خادم حسين إلهي بخش، فإذا بالكاتب لم يتطرق إلى الجانب الاستشراقي، إنما تناول المجتمع المسلم
стр. 22
في الهند عبر التاريخ منذ أن دخل الإسلام إلى أن جاء الاستعمار، وذكر انحراف المسلمين بعد أن دخل الاستعمار، إلّا أنه خصص فصلا بعنوان "أثر الفكر الغربي في الفرق المنحرفة عن الإسلام" وذكر تحت هذا العنوان: فرق الشيعة، والبهره، والقرآنيين، والقاديانية، ثم ذكر آراء السير سيد حول النبوة والوحي والجهاد والمولاة الشرعية في بضع صفحات بدون أي نقد أو تحليل.
ولا شك أن هذه وتلك دراسات مفيدة في الموضوع، ولكنها لم تسدّ كل الفراغ فلم يذكر المنهج العقدي الذي وضع لدراسة العقيدة بالهند قبل وبعد أن وصلها الاستشراق، ولم نر دراسة مفصلة عن المنهج العقدي للمدارس الإسلامية القديمة كما لم نجد دراسة حديثة تتناول المنهج الاستشراقي ومن سايره من الهنود، وهو الذي ركز عليه الباحث، كما أن الدراسات المشار إليها لم تدرس آثار تطبيق هذا المنهج الجديد على المسائل العقدية ولم تدرس نتائجها دراسة تحليلية ونقدية، ومع هذه الدراسات السابقة، والموضوع -في نظر الباحث- كان بحاجة ماسة إلى رسالة مفصلة مستقلة.
فنهض الباحث ببيان المنهج العقدي عند المتأثرين بالاستشراق مقارنا إياه بما كان المنهج العقدي عند السلف، كما تتبع الآثار التي تركها منهج المتأخرين في الدراسات العقدية، ثم قوَّمها عن طريق النقد العلمي الهادئ، لكي يرد القول إلى صوابه، ويعيد الحق إلى نصابه، ويكمل ما سبق إليه غيره في هذا المجال.
ثامنا: تحديد المشكلة:
انحصرت مشكلة البحث في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
١ - ما سمات المنهج العقدي السائد قبل الاستشراق؟
٢ - ما طبيعة الظاهرة الاستشراقية في الهند من الناحية المنهجية خاصة؟
٣ - ما مدى تأثير الاستشراق في إعطاء سمات جديدة للمنهج العقدي بالهند؟
٤ - ما هي الآثار التي تركها المنهج الجديد على المسائل العقدية؟
стр. 23
٥ - ما مدى تأثير الاستشراق على تفريق المسلمين؟
٦ - ما هو النقد البناء لتلك الآثار الاستشراقية في الدراسات العقدية منهجيا وموضوعيا؟
تاسعا: حدود البحث:
ومن هذا التحديد السابق لمشكلة البحث فإن الباحث:
١ - لم يتناول جميع تفاصيل الاستشراق بكل أنواعه ومدارسه ومناهجه في البلدان الإسلامية، إنما اكتفي بوصف حركة الاستشراق التي حصلت في ديار الهند بما فيها الباكستان.
٢ - أما الجانب التأصيلي في البحث فاكتفي بذكر منهج السلف بالتفصيل في تلقي العقيدة، ولم يتطرق إلى مناهج الخلف إلّا بقدر ما تطلب منه البحث.
٣ - أما الجانب الاستشراقي في البحث فذكر مناهج المستشرقين عامة ثم ذكر تأثيرها في تكوين المنهج الجديد لدراسة العقيدة عند المتأثرين بالاستشراق بالهند دون غيرهم.
٤ - ولم يتطرق في بيان العلاقة بين المستشرق والمستغرب إلى البحث عن الاتصال المباشر أو غير المباشر بينهما، ولكنه اكتفي بذكر التماثل أو التشابه بين فكرة المستغرب وشبهة المستشرق.
٥ - ولم يتعرض الباحث في ذكر آثار استشراقية، إلا ما كان في مجال العقيدة، وحَصَرَها في الإلهيات والنبوات والغيبيات.
٦ - لم يتتبع الباحث في دراسة الفرق السرد التأريخي لها إلا بقدر ما يخدم البحث، ولكنه اهتم ببيان علاقة الفرق بالاستشراق ومنهجه الجديد.
عاشرا: منهج البحث:
١ - اعتمد الباحث في دراسته هذه أساسا على المنهج الوصفي المسحي والمنهج المقارن التحليلي، إذ أن الموضوع تطلب وصف المنهج العقدي عند أهل السنة والجماعة،
стр. 24
ووصف السمات الجديدة له عند المتأثرين بالاستشراق وتحليلها ونقدها بالمقارنة بين المنهجين، واعتمد في النقد على الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة، وأقوال من سلك مسلكهم.
٢ - بدأ الباحث في تقويم الآثار الاستشراقية بعرض آراء المتأثرين بالاستشراق بتحليل العبارة تحليلا علميا، فميز بين الخطأ والصواب إن وجد وأظهرهما، وحاول أن يبين الظاهرة الاستشراقية في تلك الآراء، وحدد الشبهة ثم حاول تفنيدها بمنهج علمي سليم مثبتا الحق في الموضوع.
٣ - حاول الباحث أن يميز بين رأي المستغرب وما يرد على لسانه من رواية، وذلك بأن ينظر في الرواية من حيث ثبوتها وعدمه بعرضها على منهج المحدثين، ونظر في الرأي وحاول تقويمه بعرضه على قواعد الفهم السليم ومقاييسه.
٤ - وإذا كانت الشبهة واردة من غير دليل ومن غير استناد إلى مصدر، حاول الباحث التعرف على المصدر بالرجوع إلى مظانها، وقارنها بالمصادر الأصلية.
٥ - كثرة الترجمة وتعريب النصوص غير العربية إلى العربية كانت من الأمور العائقة في البحث، ولا يعرف هذه الصعوبة إلا من مارسها، هذا إذا كانت الترجمة في موضوع أو في كتاب معين، وما ظنك لو كان هذا في موضوعات متعددة ومن لغات مختلفة ومن كتب متنوعة الأهواء والنوازع، فنقل الباحث النصوص غير العربية نقلا مباشرا عن كتبها الأصلية مترجمة إلى اللغة العربية ترجمة وافية بدقة وأمانة علمية، ووضع تلك الترجمة بين قوسين، واعتبرها نصا من نصوص المؤلف، وأما النصوص التراثية فرجع فيها إلى مصادرها الأصلية.
٦ - وكان من أشكل المشاكل في البحث الوقوف على التلفظ الصحيح للأسماء الغربية من المستشرقين وغيرهم، ومن ثم الوصول إلى تراجمهم الصحيحة، لأنه قد وقع تصحيف كبير لأسمائهم في المراجع غير الإنكليزية وبخاصة في المراجع الأردية، لأزالة هذه العقبة استعان الباحث -بعد الله- أستاذه ومشرفه الدكتور ف. عبد الرحيم حفظه الله، فدله على المظان التي يمكن بها العثور على التلفظ اللاتيني الصحيح لتلك
стр. 25
الأسماء، وكما بين له طريقة نقله إلى الحروف العربية، فكتب الباحث الاسم الغربي بالحروف العربية أولا، ثم كتبه بالحروف اللاتينية وجعله بين القوسين، وترجم له عند أول وروده في البحث إن وقف على ترجمته.
٧ - أما الروايات الحديثية فقد حاول الباحث بقدر الإمكان ألَّا يورد في بحثه إلا ما صح منها، فأوردها بعد عزوها إلى مصدر من مصادر السنة المشهورة، وذكر رقم المجلد ورقم الصفحة ورقم الحديث مثلا: ٤/ ٤٨٠ (٤٢٩١).
٨ - وأما تصحيح الأحاديث وتضعيفها فاكتفى بعزوها إلى الصحيحين إذا وجد الحديث في أحدهما، وإذا وجد الحديث في غير الصحيحين ذكر قولا من أقوال ذوي الاختصاص في تصحيحه بعد العزو إلى مصدره الأصلي.
٩ - وأما بالنسبة إلى مصادر ومراجع البحث فقسمها الباحث إلى أربعة أقسام:
أولا: المصادر التأصيلية: وتعني المصادر الأصيلة في مجال العقيدة والفرق، ورجع إليها الباحث لتوضيح الجانب التأصيلي في الموضوع حسب ما اقتضي البحث.
ثانيا: المراجع الاستشراقية: وهي الكتب التي كتبها المستشرقون في مجال العقيدة والفرق والمناهج، ورجع إليها الباحث لبيان العلاقة بين شبهات المستشرقين وآراء المستغربين.
ثالثا: المراجع المتأثرة بالاستشراق: وهي الكتب التي كتبها المتأثرون بآراء الغرب من أبناء المسلمين في الهند، والباحث رجع إليها لجمع الملامح الجديدة للمنهج العقدي، ولتتبع آثار تطبيق المنهج الجديد على الدراسات العقدية بالهند.
رابعا: المراجع التي ناقشت مزاعم المستشرقين وتلامذتهم: استفاد منها الباحث في النقد والتقويم.
١٠ - مراجع القسم الأول والقسم الرابع كان من السهل الحصول عليها، أما مراجع القسم الثاني والقسم الثالث فالحصول عليها كان من العواق التي عاق الباحث كثيرا عن السير في البحث، فاستعان لتذليل هذه العقبة بالقيام بثلاث رحلات علمية: رحلتين إلى الهند ورحلة إلى إنكلترا، فقد حصل على مقصوده في تلك الرحلات.
стр. 26
١١ - وصنف الباحث هذه المراجع المتعددة اللغات والأهواء عند الذكر في قائمة المراجع إلى أربعة أقسام: (١) المراجع العربية (٢) المراجع الأردية والفارسية (٣) المراجع الإنكليزية (٤) الجرائد والمجلات.
١٢ - وترجم الباحث عنوان المصدر أو المرجع غير العربي عند العزو أول مرة غالبا إلا إذا كان العنوان غير العربي تطابقت ألفاظه ألفاظ اللغة العربية وفُهم معناه فلم يترجمه.
١٣ - ذكر الباحث معلومات النشر لكل مرجع عند وروده أول مرة غالبا، ثم اكتفى إذا تكرر ذلك المرجع بذكر اسمه واسم مؤلفه ورقم المجلد ورقم الصفحة.
١٤ - قد اضطر الباحث بعض الأحيان في دراسته هذه إلى ذكر سقطات بعض العلماء البارزين في الرد على المستشرقين، فذكرها بعد التثبت الكامل منها، ونقدها بدون أن يمس الشخصيات بأي جرح ونقد، إذ أن المقصود بالدراسة هو نقد الآراء الاستشراقية وآثارها وليس نقد أصحابها.
حادي عشر: محتويات البحث:
يحتوي البحث على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة.
المقدمة:
اشتملت أسباب اختيار الموضوع، وطبيعة الموضوع، وتحديد المشكلة، وحدود البحث، والدراسات السابقة، والمنهج المستخدم في هذه الدراسة، وأخيرا محتويات البحث.
التمهيد:
فيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: الحركة الاستشراقية بالهند.
والمطلب الثاني: نشأتها وتطورها.
والمطلب الثالث: اهتمامها بالعقيدة الإسلامية.
стр. 27
الباب الأول: المنهج العقدي بين الثبات والتأثير الاستشراقي:
فيه مدخل وفصلان.
الفصل الأول: ملامح المنهج العقدي عند المسلمين.
المبحث الأول: المنهج السني (منهج أهل السنة).
المبحث الثاني: المنهج الكلامي (منهج الأشاعرة والماتريدية).
المبحث الثالث: المنهج الشيعي (منهج الاثنا عشرية والبهرة).
الفصل الثاني: السمات الجديدة للمنهج بعد الاستشراق.
المبحث الأول: مناهج المستشرقين.
المبحث الثاني: مناهج المتأثرين بالاستشراق.
الباب الثاني: أثر تطبيق المنهج الجديد في المسائل العقدية ونقدها:
فيه مدخل وثلاثة فصول.
الفصل الأول: أثره في مسائل الألوهية.
المبحث الأول: توحيد ذات الله وربوبيته.
المبحث الثاني: أسماء الله وصفاته.
المبحث الثالث: القضاء والقدر.
الفصل الثاني: أثره في مجال النبوات.
المبحث الأول: مفهوم النبوة والوحي.
المبحث الثاني: الأنبياء والمعجزات.
المبحث الثالث: الكتب السماوية.
المبحث الرابع: الرسول الخاتم.
الفصل الثالث: أثره في مسائل الغيب.
المبحث الأول: مفهوم الغيب وأنواعه.
стр. 28
المبحث الثاني: الملائكة والجن والشياطين.
المبحث الثالث: الحياة البرزخية وما بعدها.
الباب الثالث: تأثير المنهج الاستشراقي في تفريق عقائد المسلمين: فيه مدخل وفصلان.
الفصل الأول: الفرق المبتدعة.
المبحث الأول: البريلوية.
المبحث الثاني: النيتشرية.
المبحث الثالث: البرويزية (منكرو السنة).
الفصل الثاني: الفرقة الخارجة عن الإسلام (القاديانية)
الخاتمة:
الاستنتاجات، والتوصيات والفهارس.
стр. 29
كلمة الشكر والتقدير
أحمد الله ربي وأشكره على ما من عليّ بنعمة الإسلام، وبالسكنى في مدينة خير الأنام، وبالدراسة على أيدي الأفاضل الكرام، فأخذت العلم من منبعه الصافي مأزر الإيمان، حتى تمكنت من المبحث في موضوع من أهم موضوعات الإيمان والإسلام. وبعد:
اعترافا بالفضل والامتنان أتقدم بالشكر والعرفان إلى حكومة خادم الحرمين الشريفين لما أطاحت لي ولا تزال تطيح لأبناء المسلمين من كل أنحاء العالم فرصة لدراسة الإسلام الخالص في جامعاتها الغراء.
ثم أقدم جزيل الشكر وخالص العرفان إلى كل من الأستاذين الفاضلين المشرفين على الرسالة: الدكتور محمود رزق ماضي، والدكتور ف. عبد الرحيم حفظهما الله لما قاما به من تصويب أفكاري وتصحيح عباراتي في هذا المبحث، وما زالا يحثان ويشجعان على الإسراع والإتقان إلى أن أكملته في موعده.
وأشكر القائمين على جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عامة وعلى كلية الدعوة خاصة أساتذة وإداريين وأمناء المكتبة، وعلى رأسهم عميد الكلية الدكتور علي بن دخيل الله الحازمي، وكما أخص بالشكر القائمين على قسم الاستشراق.
كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى كل من مدّ إليّ بيد العون في إنجاز هذا العمل الطيب أساتذه وزملاء، ومن بينهم أخص بالذكر الدكتور الفاضل مصطفى عمر الحلبي الذي رحب بكل مشورة مفيدة ومساعدة ممكنة كلما قصدته لحاجة، وقبل هؤلاء كلهم أشكر والديَّ اللذين أرشداني إلى سبيل العلم والتحصيل منذ نعومة أظفاري، وصبرا على مفارقتي إياهما طيلة مدة دراستي بالمدينه المنورة، وهم في أشد الحاجة إلى خدمتي وإحساني إليهما.
وأدعو الله ربي لي ولجميع من ذكرت ومن لم أذكر ممن عاون وساعد، أن يتقبل أعمالي وأعمالهم خالصة لوجهه الكريم، وأن يجزيني وإياهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة (آمين).
سعيد أحمد بن صغير أحمد
١ - رمضان- ١٤٢١ هـ/ ٢٧ - ١١ - ٢٠٠٠ م
стр. 30
التمهيد:
يشتمل على ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: نشأة حركة الاستشراق في الهند
* المطلب الثاني: تطورها
* المطلب الثالث: اهتمامها بالعقيدة الإسلامية
стр. 31
المطلب الأول: نشأة الاستشراق في الهند:
يذكر التاريخ أن في بداية القرن الثاني الميلادي دخل التجار الهنود "الإسكندرية" (١) وهم يبيعون الحرير والأحجار الثمينة، فلما عادوا إلى الهند أحضروا معهم عددًا كبيرا من كتب الديانة النصرانية، وبعد أن درسوا هذه الكتب وطابت لهم بعض التعاليم المتبقى فيها من تعليمات سماوية، راسلوا أسقف الاسكندرية "ديمتريوس" (Demetrus)، وطلبوا إليه أن يرسل إليهم من يعلمهم الدين النصراني، فأرسل إليهم القسيس "بونتينس" (Ponteens) (٢) فيعتبر هذا القسيس أول عالم أوربي دخل ديار الهند لتعليم أهلها الديانة النصرانية.
ومنذ أن عاد "ماركو بولو" (Marco Polo) (١٢٥٤ - ١٣٢٣) مع عمه وأبيه من الصين عام ١٢٩٥ م بثروة طائلة من الأحجار الكريمة فتحت أوربا عيونها على ثراء الشرق الأقصى. وعلى أثر النهضة العلمية اكتشف "برتولوميو دياس" (Bartolomeu Dias) " رأس الرجاء الصالح" وأبحر منه إلى الهند سنة ١٤٨٦ م. وقصد "كولمبس" (Cristopher Columbus) الإيطالي -وكان يعمل لحساب أسبانيا- الهند (١٤٩٢)(٣). فهذه الرحلات كانت مكتشفة لثروات الهند وخيراتها.
وهكذا غدت الهند مطمع أنظار الأوربيين كلهم بعد أن أدركوا ما فيها من الثروة، وضربت معظم بلاد الغرب في هذا الميدان بسهم وافر، ورغبت في غزوها
стр. 32
واستعمارها، فكانت البرتغال أولى دولة أرسلت قوائمها التجارية إلى الهند، ففي سنة ١٤٩٨ م اكتشف البحار الشهير "فاسكو داجاما" (Vasco- da-Gama) (١) الطريق البحري الجديد إلى الهند، بعد أن دار حول إفريقيا ألقى مراسيه في مرفأ "كالي كت" في جنوب غرب الهندي، وحصل من أمير البلاد على إذن بالتجارة التى لم تكن غايته، وبعد أن درس حالة البلاد واطلع على إمكانيتها وقوتها عاد إلى بلاده، ثم رجع إلى الهند بأكثر من ألف ومأتي جندي (٢).
ولا شك أن دراسة "فاسكو داجاما" أوضاع الهند دراسة اكتشافية ينطبق عليها كلمة الاستشراق بكل معانيها، فإن الاستشراق يُعرف بأنه: "علم يتناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب" اهـ (٣)، هذا إذا أريد بالاستشراق معناه العام بدون تحديد مجال الدراسة وموضوعه، وبدون إشارة إلى مواصفات الدارس والهدف من دراسته.
وأما الاستشراق بمعناه الخاص فهو كما قال أحمد غراب: "إن الاستشراق دراسات "أكادمية" يقوم بها غربيون كافرون -من أهل الكتاب بوجه خاص-
стр. 33
للإسلام والمسلمين من شتى الجوانب: عقيدة، وشريعة، وثقافة، وحضارة، وتاريخا، ونظما، وثروات، وإمكانيات .... بهدف تشويه الإسلام، ومحاولة تشكيك المسلمين فيه، وتضليلهم عنه، وفرض التبعية للغرب عليهم، ومحاولة تبرير هذه التبعية بدراسات ونظريات تدعي العلمية والموضوعية، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي" اهـ (١).
هذا وقد توالت الرحلات إلى الهند، وكانت من أهمها بعد رحلة "فاسكو داجاما" رحلة "وليم جونز" (Sir William Jones)، (٢) الذي كان يتقن العديد من اللغات الشرقية، ومن أهمها العربية والعبرية والفارسية، وقد أسند إليه أحد المناصب التجارية بشركة الهند، وبالإضافة إلى عمله الرسمي الذي رحل من أجله إلى الهند عام ١٧٨٣ م لم يقف مكتوف الأيدي أمام تلك الآفاق الثقافية والحضارية الواسعة التي وجدها أمامه، والتي يمتلك لها الأدوات اللغوية الكافية لسبر أغوارها والغوص في أعماقها، فقد درس القوانين الهندوسية والشريعة الإسلامية، والسياسة والجغرافية للهند، وبجهود هذا المستشرق الرحالة أسست "جمعية البنغال الآسوية" (Asiatic Iagne BSociety of) عام ١٧٨٤ م، وكانت لهذه الجمعية ما كانت لـ "الجمعية الملكية" (Rayal Asiatic Society Of Great Britain-١٨٢٣) بالنسبة لإنكلترا، ونظرًا لمعارفه
стр. 34
المتعددة وإتقانه للغات الشرقية الأساسية، ومعرفته الفعالة بالشرق والشرقيين، فقد اعتبره "أربري" (Arberry) في كتابه (British Orientalists" المؤسس غير المنازع للاستشراق بالهند (١).
ومن تلك المحاولات الاكتشافية ما قام به المستشرق "هنيانت أنكتيل دوبرون" (١٧٣١ - ١٨٠٥) الذي وصل "سورت" في غرب الهند ليجد ثمة خبيئة من النصوص الأفستية، وقدم ترجمة لـ "الأفستا" ولخّص المستشرق الفرنسي "شقاب" (Skwab) تقارير أنكتيل، وقال: إن ترجمة لافيتا قد أبانت عن المآثر الباهرة للثقافة والحضارة الفارسية، كما أبانت أيضًا عن حضارات مجهولة لا تحصى تنتمي إلى أزمنة غابرة وإلى عدد لا نهائي من الآداب (٢).
يقول الدكتور ساسي الحاج: "وبفضل هذه الترجمة للأفستا - وهو الكتاب المقدس للفرس- انجلت لأوربا آسيا التي كانت غامضة لديها، وظهرت واضحة أمامها بعد ما أكسبها اكتشافها بعدها الفكري والثقافي والحضاري، فسعت أوربا إلى التعرف إليها، وكشف أسرارها ودراسة الآفاق التجارية التى يمكن الحصول عليها منها" اهـ (٣).
وهكذا نشأ الاستشراق بديار الهند على أيدي رحّل من الغرب جابوا الهند ودرسوها وكتبوا عنها تقارير وافية، فكانت هذه التقارير نبراسًا اهتدت به الدول الاستعمارية لغزو الهند وما جاورها من البلاد الشرقية اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.
стр. 35
المطلب الثاني: تطور الاستشراق
سبق أن قلنا: إن أول من توجه إلى الهند البرتغاليون سنة ١٤٩٨ م، ثم البريطانيون سنة ١٦٠٠ م، وتبعهم الهولنديون سنة ١٦٠٢ م، وتصارعت الجاليات الثلاث لتثبيت أقدامها بالهند إلا أن الإنكلترا بدهائها خرجت منتصرة في هذا الصراع سنة ١٦٥١ م، ولم تتخلص الإنكلترا من خصميها القديمين حتى فوجئت بمنافسها الجديد، وهي الفرنسا التي أرسلت قوائمها السياسية باسم الشركة التجارية إلى الهند سنة ١٦٦٤ م، وكانت نتيجة ذلك الصراع بين الدولتين الاستعماريتين سلسلة من الحروب الاستعمارية بينهما في الهند بين سنة ١٧٤٤ م وسنة ١٧٤٨ م، ثم بين سنة ١٧٥٤ م وسنة ١٧٦٣ م، وخرجت بموجبها بريطانيا منتصرة على فرنسا وأحكمت بذلك سيطرتها على الهند (١).
وبعد أن استولت شركة الهند الشرقية على معظم مناطق الهند رأت السياسة البريطانية أن السيطرة الكاملة على تلك البقرة الحلوب (العصفور الذهبي) لا يمكن تحقيقها إلا بزعزعة عقائد الشعب الهندى، وتغريبهم وتنصيرهم بكل الوسائل المتاحة من وسائل الترغيب والترهيب، وتكميلًا لهذا الهدف قد سبق أن أُسس في "لندن" مراكز علمية لتخريج المستشرقين المنصرفين العارفين بلغات الإسلام والمسلمين من أردية وفارسية وعربية، ويذكر في هذا الصدد ما أسسه "توماس آدمر" (T.Adamr) كرسي الدراسات العربية في جامعة كامبريج عام ١٦٣٢ م، وتلا ذلك تأسيس كرسي آخر للعربية بجامعة آكسفورد عام ١٦٣٦ م، وتوالى الاهتمام بالدراسات الشرقية وخاصة الهندية على يد "وليم جونز"، كما أشرنا إلى ذلك آنفًا، فكان هذا نتيجة للروابط التجارية بينها وبين بريطانيا، ثم ازدهرت الدراسات الشرقية بعد حملة
стр. 36
"نابليون" (Napoleon) على مصر، وتخرج أعداد كبيرة من المستشرقين الإنكليز على يد المستشرق الفرنسى "غارسون دتساسي" (١).
وكما ساعد على نمو وازدهار الدراسات الاستشراقية تكوين الجمعيات والمجالات المتخصصة في هذا النوع من الدراسات، منها: الجمعية الآسوية للبنغال التي أسسها "وليم جونز" في كلكتا عام ١٧٨٤ م، والجمعية الآسوية الأدبية في بومباي، وكانت النتيجة البديهة لهذه الحركة الثقافية تخصص العديد من البريطانيين وغير البريطانيين في الدراسات الاستشراقية، وتخرج في تلك المؤسسات أفواج من المستشرقين الذين كانت لديهم اطلاع واسع على العلوم الإسلامية ولغات المسلمين، وعلى ثقافتهم الدينية، وبدأ هؤلاء المستشرقون المنصرون يتسللون إلى الهند، فقد تم تعيينهم على مراكز سياسية حساسة وتوظفوا وظائف ولاة وحكام وجباة ونائبين (٢).
ومن المستشرقين الذين جاءوا إلى الهند وسعوا في تطوير الدراسات الشرقية الاستشراقيه المستشرق:
١ - "وليم كيرى" (William Caray) (٣)
стр. 37
٢ - "توماس هنتر" (Thomas Hunter) (١) ١٨٢٣ - ١٨٥٧ م.
٣ - د. "سي. جي فاندر" (C.G Pfander) (٢) ١٨٠٣ - ١٨٦٥ م
٤ - "توماس والبي" (Thomas Valeby) (٣) ١٨٢٥ - ١٨٩١. م
٥ - المستشرق الأمريكي "جارلس وليم فورمين" (Charles William Forman) (٤) ١٨٢١ - ١٨٩٤ م.
٦ - "روبرت كلارك" (Robert Clark) (٥) ١٨٢٥ - ١٩٠٠ م
стр. 38
٧ - " توماس آرنولد" (١) (Arnold, Sir Thomas) ١٨٦٤ - ١٩٣٠ م.
٨ - "ولفرد كنتيويل اسمته" (٢) ١٩١٦ - ١٩٦٤ م.
٩ - "وليم ميور" (٣)
وغيرهم من المستشرقين الذين لا يحصى عددهم (٤).
стр. 39
وهنا خصصت بالذكر أولئك المستشرقين الذين كانت لديهم براعة كاملة في لغة أو أكثر من لغات الهند، والذين تعينوا على وظائف إدارية ودينية، وحاولوا تغريب المسلمين وتنصيرهم، وكان من أعمال هؤلاء المستشرقين تأسيس الجمعيات وبناء الكنائس وفتح المدارس والاستيلاء على مطابع البلد.
يقول المستشرق غارسون دتاسي الفرنسي (١): "قد اهتمت أوربا اهتمامًا بالغًا بمطابع الهند، ففي سنة ١٨٥١ م كانت ٣٠ مطبعًا من مطابع الهند تحت رعاية أوربا وطبعوا فيها ١٢٦ كتابًا" اهـ (٢).
ومن أعمال الاستشراق ترجمة الكتب من الإنجليزية والفرنسية إلى لغات الهند، وكما نقلوا الثقافة الشرقية إلى اللغات الأوربية أيضًا. ويذكر المستشرق الفرنسى غارسون دتاسي -الذي كان يتابع حركة الاستشراق بالهند- أعمالًا أكاديمية قام بها المستشرقون في تلك الفترة، فيقول: "قد فتحت الإرساليات الكياتوليكية الرومانية مطبعًا في مدينة سردهنه سنة ١٨٥١ م، وطُبع فيها كتب عقدية وغير عقدية، ومن
стр. 40
الكتب العقدية كتاب في عقيدة النصارى على شكل الأسئلة والأجوبة، وترجمة كتاب فليوري، وتذكرة أولياء النصارى، وغيرها من الكتب الدينية باللغة الفارسية وفي لغة ديوناغري، وأما مطبوعات الديانة البرتستانية فحدّث ولا حرج وهي كثيرة، وبسبب هذه الكتب بدأت تنتشر عقائد نصرانية في أهالي الهند" اهـ (١).
ومن الكتب التى نُقلت من اللغات الأوربية إلى لغات الهند:
١ - كتاب النحو والصرف في اللغة العربية للمستشرق "دي ساسي".
٢ - ملخص التاريخ القديم للمستشرق "رولاند" (Roland) (٢) .
٣ - " رساليس" (Rasselas) " قزلباش" (Cagibach).
٤ - وكار آوف ويلفيلد (Vicar Of Walefield)
٥ - رابنس كروسو (Robinson Cruso).
٦ - بلكرمس بروكرس لـ بنيان (Bunyans pilgrims progress).
٧ - دى إكونمي آف هومين لائف (The Economy Of Human life).
٨ - كتاب (Compendiosa Anglicane Liturgie).
٩ - كتاب (Anglicane Liturgie).
١٠ - تاريخ المتقدمين والمتأخرين لـ "جي أي شرسن".
١١ - تاريخ الروم واليونان لـ "غولد اسمث".