← Акыда

Акыда · id 118

أثر الاستشراق على المنهج العقدي بالهند

سعيد أحمد بن صغير هندي

Полный текст (713 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"نابليون" (Napoleon) على مصر، وتخرج أعداد كبيرة من المستشرقين الإنكليز على يد المستشرق الفرنسى "غارسون دتساسي" (١). وكما ساعد على نمو وازدهار الدراسات الاستشراقية تكوين الجمعيات والمجالات المتخصصة في هذا النوع من الدراسات، منها: الجمعية الآسوية للبنغال التي أسسها "وليم جونز" في كلكتا عام ١٧٨٤ م، والجمعية الآسوية الأدبية في بومباي، وكانت النتيجة البديهة لهذه الحركة الثقافية تخصص العديد من البريطانيين وغير البريطانيين في الدراسات الاستشراقية، وتخرج في تلك المؤسسات أفواج من المستشرقين الذين كانت لديهم اطلاع واسع على العلوم الإسلامية ولغات المسلمين، وعلى ثقافتهم الدينية، وبدأ هؤلاء المستشرقون المنصرون يتسللون إلى الهند، فقد تم تعيينهم على مراكز سياسية حساسة وتوظفوا وظائف ولاة وحكام وجباة ونائبين (٢). ومن المستشرقين الذين جاءوا إلى الهند وسعوا في تطوير الدراسات الشرقية الاستشراقيه المستشرق: ١ - "وليم كيرى" (William Caray) (٣)

стр. 37

٢ - "توماس هنتر" (Thomas Hunter) (١) ١٨٢٣ - ١٨٥٧ م. ٣ - د. "سي. جي فاندر" (C.G Pfander) (٢) ١٨٠٣ - ١٨٦٥ م ٤ - "توماس والبي" (Thomas Valeby) (٣) ١٨٢٥ - ١٨٩١. م ٥ - المستشرق الأمريكي "جارلس وليم فورمين" (Charles William Forman) (٤) ١٨٢١ - ١٨٩٤ م. ٦ - "روبرت كلارك" (Robert Clark) (٥) ١٨٢٥ - ١٩٠٠ م

стр. 38

٧ - " توماس آرنولد" (١) (Arnold, Sir Thomas) ١٨٦٤ - ١٩٣٠ م. ٨ - "ولفرد كنتيويل اسمته" (٢) ١٩١٦ - ١٩٦٤ م. ٩ - "وليم ميور" (٣) وغيرهم من المستشرقين الذين لا يحصى عددهم (٤).

стр. 39

وهنا خصصت بالذكر أولئك المستشرقين الذين كانت لديهم براعة كاملة في لغة أو أكثر من لغات الهند، والذين تعينوا على وظائف إدارية ودينية، وحاولوا تغريب المسلمين وتنصيرهم، وكان من أعمال هؤلاء المستشرقين تأسيس الجمعيات وبناء الكنائس وفتح المدارس والاستيلاء على مطابع البلد. يقول المستشرق غارسون دتاسي الفرنسي (١): "قد اهتمت أوربا اهتمامًا بالغًا بمطابع الهند، ففي سنة ١٨٥١ م كانت ٣٠ مطبعًا من مطابع الهند تحت رعاية أوربا وطبعوا فيها ١٢٦ كتابًا" اهـ (٢). ومن أعمال الاستشراق ترجمة الكتب من الإنجليزية والفرنسية إلى لغات الهند، وكما نقلوا الثقافة الشرقية إلى اللغات الأوربية أيضًا. ويذكر المستشرق الفرنسى غارسون دتاسي -الذي كان يتابع حركة الاستشراق بالهند- أعمالًا أكاديمية قام بها المستشرقون في تلك الفترة، فيقول: "قد فتحت الإرساليات الكياتوليكية الرومانية مطبعًا في مدينة سردهنه سنة ١٨٥١ م، وطُبع فيها كتب عقدية وغير عقدية، ومن

стр. 40

الكتب العقدية كتاب في عقيدة النصارى على شكل الأسئلة والأجوبة، وترجمة كتاب فليوري، وتذكرة أولياء النصارى، وغيرها من الكتب الدينية باللغة الفارسية وفي لغة ديوناغري، وأما مطبوعات الديانة البرتستانية فحدّث ولا حرج وهي كثيرة، وبسبب هذه الكتب بدأت تنتشر عقائد نصرانية في أهالي الهند" اهـ (١). ومن الكتب التى نُقلت من اللغات الأوربية إلى لغات الهند: ١ - كتاب النحو والصرف في اللغة العربية للمستشرق "دي ساسي". ٢ - ملخص التاريخ القديم للمستشرق "رولاند" (Roland) (٢) . ٣ - " رساليس" (Rasselas) " قزلباش" (Cagibach). ٤ - وكار آوف ويلفيلد (Vicar Of Walefield) ٥ - رابنس كروسو (Robinson Cruso). ٦ - بلكرمس بروكرس لـ بنيان (Bunyans pilgrims progress). ٧ - دى إكونمي آف هومين لائف (The Economy Of Human life). ٨ - كتاب (Compendiosa Anglicane Liturgie). ٩ - كتاب (Anglicane Liturgie). ١٠ - تاريخ المتقدمين والمتأخرين لـ "جي أي شرسن". ١١ - تاريخ الروم واليونان لـ "غولد اسمث".

стр. 41

ومن كتب الفلاسفة القديمة كتاب "اسكند دي ماس تهينز شيشرون" وغيرها من الكتب التي يطول ذكرها (١). وأصدر قسيس أمريكي من فرقة بريسبيتيرين (presbyterian) طبعة للمصحف الشريف عام ١٨٤٤ م في إله آباد ألحق بالمصحف تفسيرا من وجهة النظر النصرانية مثل ما كتب مترجم معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية مراجي (Maracci).

стр. 42

المطلب الثالث: اهتمام الاستشراق بالعقيدة الإسلامية: ومن المعروف أن الاستشراق عامة وفي الهند خاصة قد مرّ في مراحله الأولى منطبعا بالصبغة الدينية المتمثلة في التنصير، وكما رأينا آنفًا أن معظم المستشرقين الذين اشتغلوا في الهند كانوا منصرين قد عملوا تحت إدارة الاستشراق ودعاية النزاهة العلمية، يقول د. ساسي الحاج: "إن الرعيل الأول من المستشرقين البريطانيين كان دافعهم الأول لدراسة العربية واللغات الشرقية دافعًا دينيًا ..... حتى قال: "وإن اختلفت أغراض هؤلاء المستشرقين إلا أن الرعيل الأول كان يهتم بالدراسات العربية والإسلامية لأهداف دينية أهمها التتبشير (التنصير) (١) ويأتي بعدها الأهداف الثقافية والتجارية والاقتصادية التي اهتم بها المستشرقون المتأخرون" اهـ (٢). ويصرح بهذا الهدف الدينى المستشرق الفرنسى غارسون دتاسي فيقول: "إن الحكومة البريطانية عندما نشرت هذه المطبوعات العديدة من النوع العقدي ليس القصد من ورائها نشر بعض الأفكار الغربية فقط بل كانت تستهدف إلى نشر الأفكار المسيحية (النصرانية) (٣) أيضًا" اهـ (٤). وطلبت جمعية "تطوير العلوم المسيحية" نشر الدين النصراني من بابا "آرك" رسميًا سنة ١٨١٣ م، فتعين (Bishop) أسقفًا، واثنيين من كبار الشمامسة لإدارة الأعمال التنصيرية في الهند، وبدأوا ينشرون الدين النصراني في جميع شبه القارة الهندية

стр. 43

بما فيها سري لنكا وبورما وآسام، وكان "توماس دلتن" (Thomas Mddleton) (١) أول رئيس للقساوسة، وكانت مدة رئاسته ثماني سنوات، ومن أعماله أنه فتح مدارس نصرانية، وقام بطباعة كتب الأدعية النصرانية، وفي سنة ١٨٢٠ أسس كلية الأساقفة. ثم جاء بعده المستشرق المنصر الشاعر "هيبر" (٢)، ونظم قصائد كثيرة في تأئيد النصرانية وانتقاد الإسلام. ثم أصبح "د. جيمز" ثم "د. ترنر" (Turner) (٣)، رئيسين للقساوسة سنة ١٨٢٨ م وسنة ١٨٣٠ م، وتبعهما "د. ولسون" (Willson) (٤) سنة ١٨٣١ م، ثم تعين بعده "د. كوتن" سنة ١٨٥٨ م، وقيل إنه كان أول رئيس يعرف

стр. 44

لغة الأردو ويناظر بها العلماء المسلمين، وكان رديفه "مل مين" (Mill Man) وهذا المستشرق كان يعوف عديدًا من اللغات الشرقية، ثم تعين "د. إيدورد رول جونس" (Edward Jones) رئيسًا للقساوسة، وقد عمل تحت رئاسته ٨١٦ قسيسًا وبنى ١٩١ كنيسة (١). وخطب المستشرق المنصر "مينكلسن" أحد أعضاء المجلس البرلمانى وقال: "نشكر الرب على أنه أرانا مثل هذا اليوم الذي حصل لنا فيه تسلط كامل على أرض الهند، لأجل أن نرفع رأية المسيح في أنحائها، والواجب على كل فرد منا أن يضحي نفسه في العمل الجليل: ألا هو نشر الديانة النصرانية بدون أي تكاسل وتهاون" اهـ (٢). هذا وقد كان الإسلام هي العقبة الكبرى أمام نضر مبادئهم وتعاليمهم هذه، وأدركوا أنه في تشكيك المسلمين بدينهم سبيل للوصول إلى أهدافهم، ولهذا نرى أنهم بدأوا أول ما بدأوا بمحاولة التأتير على الجانب العقدي بهدف التشكيك، يقول الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوى: "لما دخل الإنكليز ديار الهند نشطوا في شراء المصاحف القرآنية بأسعار غالية ظانيين أنه لا توجد المطابع بالهند، فإذا نفِدت النسخ فأتوا بمصاحف محرفة من بريطانيا، وهم لا يدرون أن في قلوب المسلمين من مصاحف لا تعد ولا تحصى" اهـ (٣). وهكذا اهتم المستشرقون بالعقيدة الإسلامية لإثارة الشبه حولها، ونشطوا في ذلك جميعهم حكومة وجمعيات وأفرادًا، وظهرت في الساحة كتب عقدية جدلية كثيرة بلغات الهند المختلفة، وقد ذكر الشيخ إمداد صابرى قائمة مفصلة لها (٤)، ومن أهمها ما يلي:

стр. 45

١ - "ميزان الحق" للمستشرق "فاندر"، طبعة الإرسالية الأمريكية لُدهيانة الهند بالفارسية سنة ١٨٣٣ م وبالأردية سنة ١٨٦٨ م. ٢ - " طريق الحياة" للمستشرق "فاندر" بالفارسية طبع في مطبعة عرفان آكره سنة ١٨٣٨ م. ٣ - "مفتاح الأسرار" بالفارسية ولم يذكر اسم المطبعة وتاريخ النشر. ٤ - "حل الأشكال" بالأردية طبع في الإرسالية الأمريكية سنة ١٨٧٤ م ٥ - رسالة "تحقيق دين حق" للمستشرق "إسمث" طبع في ين. سي. عرفان بريس إله آباد سنه ١٨٤٣ م. ٦ - "إبطال دين محمدي بمقابلة دين عيسوي" للمستشرق "ايل جي هي" طبع في برستيرين مشن بريس إله آباد. ٧ - "رسالة أفزائش زوال دين محمدي" (سرعة زوال الدين المحمدى) للمستشرق "جي إج ولس" (G.H. Wells) طبع في بريس إله آباد سنة ١٨٣٩ م. ٨ - رسالة الكتب الثلاثة للمستشرق "كبتان وليم روبنسن ايكمن" طبع في لدهيانة سنة ١٨٧٢ م. ٩ - " تفتيش الإسلام" للمستشرق "جون روجرس" (John Rogrrs). ١٠ - " رسالة إلهى براهين" (البراهين الإلهية) للمستشرق "صموئيل" (Samuel) والمتنصر "رجب علي" طبع سنة ١٨٦٩ م. ١١ - "تصديق الكتاب" للمستشرق "ت. ج. اسكوت" طبع في مطبع أمريكن مدينة لكهنؤ سنة ١٨٧٤ م. ١٢ - وله "كتاب علم إلهي عقلي" طبع في المطبعة السابقة سنة ١٨٧٧ م. ١٣ - "رسالة شهادت قرآني" (الشهادة القرآنية) للمستشرق "السير وليم ميور" وغيرها من الكتب (١).

стр. 46

إن الكتب الثلاثة ميزان الحق، وطريق الحياة، ومفتاح الأسرار للمستشرق المتعصب د. فاندر كانت من أخطر الكتب على الإطلاق، والتى ملئت بإيرادات مشينة على عقيدة الإسلام وعلى رسول الإسلام وعلى القرآن الكريم، ومنها تناقلت الشبهات الوقحة إلى جميع الكتب الأخرى التى كتبها المستشرقون في الهند، وبالجملة كانت الإيرادات متشابهة ومتماثلة ولكنها نشرت بعناوين مختلفة، وخلاصة تلك الشبهات كما يلى (١). ١ - إن القرآن الذي بين أيدينا ليس مصونا من التحريف والتغيير. ٢ - إن القرآن ليس فيه شيء جديد إضافي وجميع ما فيه إما مأخوذ من الإنجيل والزبور، وإما هي خرافات يهودية. ٣ - إن النبي لا بد له من معجزة، ومحمد ﷺ لم يأت بمعجزة فهو ليس بنبي. ٤ - ولم تأت أية بشارة لمحمد ﷺ لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد، فكيف يكون هو نبيا؟ ٥ - تعاليم القرآن والسنة تخالف مطالب الكتب السابقة المقدسة، فالقرآن إذن ليس بوحي إلهي. ٦ - الإسلام ينشر الكذب. ٧ - القرآن فيه تعارض يخالف بعضه بعضًا فهو ليس وحيًا إلهيًا. ٨ - لا يوجد في القرآن أية وسيلة من وسائل الغفران. ٩ - الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف والقتال. ١٠ - محمد ﷺ لم يأته الوحي إنما كان يصيبه الصرع. ١١ - إن في القرآن آيات كاذبة شيطانية. ١٢ - اتهامات عديدة واهية تجاه ذات النبي ﷺ المقدسة.

стр. 47

١٣ - إن العهد القديم والعهد الجديد لم يحدث فيهما تحريف ولا تبديل. ١٤ - اعتراف القرآن بأن الإنجيل كتاب إلهي. ١٥ - لا نجاة إلا بطريق المسيح. وكما صدرت جرائد ومجلات عديدة لبيان صدق النصرانية وبطلان الإسلام على حد زعمهم منها: ١ - "دك درشن" ١٨٨٨ م. ٢ - "خير خواه هند" (ناصح الهند) ١٨٣٧ م. ٣ - "فوائد الناظرين" ١٨٤٥ م. ٤ - "خير خواه خلق" (ناصح الخلق) ١٨٦٢ م. ٥ - "شمله أخبار" (١) (جريدة شملة). ٦ - مواعظ عقبى ١٨٦٧ م. ٧ - مخزن مسيح ١٨٦٨ م. ٨ - شمس الأخبار ١٨٦٩ م. ٩ - "خير خواه أطفال" (ناصح الأطفال) ١٨٧٣ م. ١٠ - كيل هندوستان ١٨٧٤ م. ١١ - كوكب هند ١٨٧٧ م. ١٢ - ورفيق نسوان (رفيق النسوة) ١٨٨٤ م. ١٣ - سفير الهند ١٨٧٨ م، صدر الأخبار ١٨٤٦ م (٢). وبالجملة حدثت هجمة شرسة على عقيدة المسلمين فتأثر من تأثر وتنصر من تنصر من أبناء المسلمين، ويذكر المستشرق غارسون إحصائيات سكان الهند أيام الاستعمار كما يلي:

стр. 48

جملة عدد السكان الهنود الذين كانوا تحت سيطرة الحكومة البريطانية / ١٥٠٠٠٠٠٠٠ نَسَمة. ومنهم: ١ - النصارى / ١٠٩٣٠٠٠ نَسَمة، (٦٤٠٠٠٠ كياثوليكي، ٤٥٣٠٠٠ بروتستنتي). ٢ - الهندوس / ١١٠٠٠٠٠٠٠ نَسَمة. ٣ - البوذيون / ٣٠٠٠٠٠٠ نَسَمة. ٤ - المسلمون / ٢٥٠٠٠٠٠٠ نَسَمة. ٥ - المجوس واليهود/ ٧٠٠٠٠٠٠ نَسَمة (١). البلاد التي كانت خالية من النصارى قد بلغ عددهم (١٠٩٣٠٠٠) نسمة في سنوات قليلة، وذكرت الإحصائيات أنه من أول أكتوبر سنة ١٨٧٤ م إلى ٣١ ديسمبر سنة ١٨٧٤ م قد تنصر ١٢٩٥٤ شخصا، وتأثر ٨٢٠ شخصًا، هذا ما حصل في سنة واحدة تحت جمعية واحدة وهي الجمعية الإرسالية الكنسية (٢). وقس على ذلك أنشطة الجمعيات الأخرى فقد كانت هناك ٣٣ جمعية تنصيرية بأسماء تشعر بأنها جمعيات خيرية، وكان القصد من ورائها محاربة عقيدة المسلمين، ولكن الأعداد التي ذكرناها قد سُجلت بدون تمييز بين من تنصر من المسلمين وبين من تنصر من الهندوس، نحسب أن أعداد المسلمين كانت أقل من أعداد الهندوس (٣). والسبب في ذلك أنه كانت هناك مقاومة قوية بمقابلة تلك الهجة الاستشراقية التنصيرية، وقام علماء المسلمين وجهًا لوجه للدفاع عن عقيدتهم، وقد انبرى في

стр. 49

الساحة علماء لا يحصى عددهم، وقد ذكر الشيخ إمداد صابري المشهورين منهم قد بلغ عددهم ٤٥ عالما (١). وقاموا بمناظرات ومناقشات عديدة، وأسسوا مدارس وكونوا جمعيات إسلامية بمقابل جمعيات تنصيرية يبلغ عددها ٣٠ جمعية (٢). كما أصدروا مجلات وجرائد عديدة، وأما الكتب فلا يحصى عددها، وبفضل هذه المحاولات قد قامت الثورة (٣) على المستشرقين المنصرين بخاصة، وعلى كل أوربي بعامة، فعصم الله المسلمن من كيد الأعداء بسبب هذه الجهود المخلصة. ولما فشلت الحكومة البريطانية في خطتها لتنصير المسلمين وخافت من زوال سيطرتها على الهند، راجعت تخطيطها، وعينت عددًا من المستشرقين الحاذقين لدراسة أوضاع المسلمين من جديد، وللبحث عن طرق جديدة يمكن بها القضاء على الثورة، وإخضاع المسلمين من جديد ومن هؤلاء المستشرقين البارعين: المستشرق البريطاني "هنتر" الذي درس أوضاع المسلمين بكل دقة وحذاقة، وجمع تقاريره في كتاب سماه " Our Indian Muslims" (مسلمونا الهنود) (٤) واستهل الكتاب بقوله: "ومن أعظم الظلم الذي يمكن أن يرتكبه الإنكليز أن لا يحاولوا فهم رعيتهم الآسوين" اهـ (٥).

стр. 50

فكان هذا الكتاب نقطة التحول في سياسة الإنكليز تجاه المسلمين وعقيدتهم، وكما كان هو نفسه نقطة تحول الاستشراق من مرحلة إلى مرحلة: من مرحلة دينية تنصيرية إلى مرحلة أكاديمية استشراقية، فاستخدموا فيها البحث العلمى في تحقيق أهدافهم، وحاول فيها المستشرقون تغيير الطرق المنهج الذي ينظر به المسلمون إلى دينهم وإلى عقيدتهم، وإحلال مناهج جديدة لدراسة العقيدة عما هو موجود لدى المسلمين. فكيف تم ذلك التغيير في المنهج؟ وما هى الآثار التي تركها هذا المنهج الجديد على عقائد المسلمين؟ هذا ما ندرسه في الفصول التالية من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 51

الباب الأول: المنهج العقدي بين الثبات والتأثير الاستشراقي . فيه مدخل وفصلان: * الفصل الأول: ملامح المنهج العقدي عند المسلمين والفرق المنتسبة للإسلام. * الفصل الثاني: السمات الجديدة للمنهج بعد الاستشراق.

стр. 52

مدخل المنهج في اللغة: المنهج مشتق من نَهَجَ يَنْهَجُ نَهْجًا أي هو الطريق البين والواضح، ويطلق على الطريق المستقيم، والمَنْهَجُ والنَّهْجُ والمِنْهَاجُ بمعنى واحد، وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) وفسره ابن عباس ﵁ بسبيل سنة، وقال لم يمت رسول الله ﷺ حتى ترككم على طريق ناهج أي واضحة بينة. (٢) المنهج في الاصطلاح: " هو الطريق المؤدي إلى التعرف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة والتي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة" (٣) ويختلف باختلاف مجال العلم الذي يبحث فيه، فلكل علم منهج يناسبه. (٤) وقد يختلف أيضا باختلاف الهدف الذي يبحث من أجله (٥).

стр. 53

ومن التعريف السابق للمنهج يمكن القول بأن علم المناهج علم يقف وراء كل علم ليحلل طرائقه ويحدد مسالكه، ويعرّف مصادره وأدلته، وبواسطته يبتغى قضاياه ومسائله (١). المنهج في العقيدة: وأما المنهج في العقيدة فمجاله العقيدة الإسلامية والهدف من البحث فيها هو الوصول إلى معرفة سبيل ندين الله به. يقول الشيخ الأمين الحاج: "ليس للمسلم الخيار في المنهج العقدي الذي يدين الله به، فالعقيدة توقيفية، وكذلك منهجها توقيفي، لا يجوز الزيادة عليه والنقصان منه، ولا يجوز استبداله بمنهج مغاير لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، ومن لم يسعه ما وسع الله ورسوله والصحابة الكرام فلا وسع الله عليه في الدنيا والآخرة، هذا المنهج قد بينه القرآن والسنة، ولم يدعا فيه أمرا للاجتهاد وهو من الثوابت التي لا تتغير ولا تتبدل على مرّ الأيام وكرّ الدهور" اهـ (٢). قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وقال الرسول ﷺ : "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" اهـ (٤). "لقد كان المسلمون حتى وفاة النبي ﷺ وصدر من عصر الصحابة رضوان الله عليهم على منهاج واحد، وسبيل متحد في الاعتقادات

стр. 54

والأحكام والوفاق العلمي والاتفاق العملي ... وكان دينهم الذي يعتمدون: الكتاب والسنة، منهما يصدرون وإليهما يتحاكمون، وبهما يحتجون، ولم يعرضوا عن نصوص الوحي، ولا عارضوها، ولم يعطلوا أحكامه ولا حرفوها، ولم يقبلوا من أحد -وإن علت في النفوس منزلته- مقالة في الدين حتى تكون موافقة للكتاب والسنة، غير مخالفة لهما. هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن تربى على نهجهم من التابعين، حتى إذا كان آخر عهدهم بدأت بعض الاتجاهات الشاذة تطل برأسها على الواقع الإسلامي من الكلام في الصفات والقدر: نفيا وإثباتا والخوض في نصوص الوعد والوعيد والطعن في الصحابة أو الغلو فيهم إلى غير ذلك مما كان الناس في عافية منه" اهـ (١). ولم تلبث هذه الاتجاهات أن تطورت وتحولت إلى فرق ونحل لكل منها منهج خاص بها، فأهل الكلام لهم منهج يسلكونه في الاستدلال على مسائلهم، ورغم ادعاء كل منهم على أنها على الحق ولها النجاة دون غيرها، وهم مختلفون فيما بينهم، لكل منهم مقالات واعتقادات تخالف بها نظيراتها، وما كان هذا كله منهم إلا بعد اختلافهم في المناهج التي يعتمدون عليها في تلقي العقيدة، وفي الاستدلال على مسائلها. يقول الدكتور عثمان بن علي حسن: "إن الاختلاف في المناهج هو الذي باين بين فرقة وأخرى، ويلزم من ذلك الاختلاف في القضايا والمسائل التفصيلية، إذ هو النتيجة الطبيعية للاختلاف في المناهج" اهـ (٢).

стр. 55

أبرز المناهج في الهند: ومن أبرز هذه المناهج التي وصلت إلى الهند والتي كنت سائدة قبل ظهور الاستشراق فيها: المنهج السني والمنهج الكلامي والمنهج الشيعي، فالمنهج السني كان متمثلا في جماعة أهل الحديث، والكلامي في الأشعرية والماتريدية، والشيعي في الروافض الاثنا عشرية، والإسماعيلية (البهرة). فسنبين في هذا الفصل ملامح لكل من المناهج الثلاثة المذكورة من مصادرها الأصلية، مع الاهتمام ببعض تفاصيل المنهج السني إذ هو الأساس والعمدة في تلقي العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وهو المعتمد والمستند في تفنيد شبهات المتأثرين بالاستشراق. هذا ومما يجب علينا أن نعرف أنه يتعين على كل من يتعامل مع دراسات المستشرقين في موضوع ما أن يكون ملما بما عنده من الحق والصواب في تلك الجزئية، وهذا الإلمام يفيده من ناحيتين: يحميه من التأثر الخفي الذي قد يحصل له بكثرة ترداد شبهات المستشرقين ومزاعم المتأثرين بهم من ناحية، ويمكنه من تفنيد الشبهات اعتمادا على هذا التأصيل من ناحية أخرى. فبقدر قناعة الباحث بوجه الصواب تكون القناعة بالنقد والمناقشة، فمن هذا المنطلق يجدر بنا أن نبدأ في هذا البحث بالجانب التأصيلي قبل أن نخوض في الجانب الاستشراقي.

стр. 56

الفصل الأول: ملامح المنهج العقديى عند المسلمين والفرق المنتسبة إلى الإسلام فيه ثلاثة مباحث: * المبحث الأول: المنهج السني (منهج الصحابة) * المبحث الثاني: المنهج الكلامي (منهج الماتريدية والأشاعرة) * المبحث الثالث: المنهج الشيعي (منهج الاثنا عشرية والإسماعيلية)

стр. 57

المبحث الأول: المنهج السني فيه تمهيد ومطلبان: * المطلب الأول: معالم رئيسة للمنهج العقدي السني * المطلب الثاني: مدى سيادة هذا المنهج بديار الهند

стр. 58

تمهيد المنهج السني هو المنهج الذي بينه الرسول ﷺ لأمته عندما سأله أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أن يصف لهم الفرقة الناجية ومنهجها، فأجابهم إلى ذلك بذكر وصف جامع مانع لمنهجهم، فقال ﵊: ". . . . ما أنا عليه اليوم وأصحابي" اهـ (١) "فهذا هو الميزان الذي توزن به جميع الأقوال والأعمال والاعتقادات وجميع الفرق والمذاهب: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" اهـ، فلا يكفي أحدا من الناس أو فرقة أن تدعي النجاة حتى تعرض نفسها وأقوالها وأعمالها واعتقاداتها على هذا الميزان كما لا يكفي أحدا أن يستدل بالكتاب والسنة حتى يقف على فهم الصحابة رضوان الله عليهم لهذين المصدرين الكتاب والسنة. فـ "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" هو الميزان، وهو -أيضا- المنهاج والطريق الذي يوصل إلى معرفة الكتاب والسنة المعرفة الصحيحة المطابقة لمراد الله ورسوله، ومن ثم يصح الاستدلال بها على المقالة أو المذاهب" اهـ (٢). هذا وقد سبق أن ذكرنا من تعريف المنهج بأنه عبارة عن مجموعة من القواعد التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى المعرفة، وقد ذكر العلماء عددا من القواعد التي كان عليها صحابة رسول الله ﷺ ، والتي تبين منهج أهل السنة والجماعة، وما من قاعدة من هذه القواعد إلا وهي مستفادة من الكتاب والسنة، ففي هذا المبحث سنحاول جمع تلك القواعد مع الإشارة إلى النصوص التي استنبطت منها القاعدة، وإلى ذكر بعض ما تقتضيه كل قاعدة من الأمور اللازمة لها.

стр. 59

المطلب الأول: معالم رئيسة للمنهج العقدي السني فيه ست قواعد: * القاعدة الأولى: الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة * القاعدة الثانية: إثبات ما ورد في كتاب الله أو على لسان رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته بدون تحريف وتعطيل وتأويل وتكييف وتشبيه. * القاعدة الثالثة: اشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين: دلائله ومسائله. * القاعدة الرابعة: الخضوع لحديث الرسول ﷺ إذا صح وتعظيمه وعدم الاعتراض عليه بأي نوع من أنواع الاعتراضات لأنه وحي من الله. * القاعدة الخامسة: حجية فهم السلف الصالح (الصحابة) لنصوص الكتاب والسنة. * القاعدة السادسة: درء التعارض بين النقل والعقل.

стр. 60

القاعدة الأولى: الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة وقد أسس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه القاعدة بقوله: "إن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرفه، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب (مسائل الاعتقادات) يوجد عامة منصوصا في الكتاب والسنة، متفقا عليه بين سلف الأمة" اهـ (١). ودلالة ذلك قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: "يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول -يعني رسول الله ﷺ فأقرّ- ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، يعني بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها. . . . . وصدّق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله" اهـ (٣). ومما أنزل على الرسول ﷺ سنته الثابتة الصحيحة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) ولقوله ﵊: ". . . ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه. . . " اهـ (٥)

стр. 61

وهذه القاعدة تقتضي أمورا منها: أولا: الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (١) فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) ثانيا: درء التعارض بين نصوص الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). قال ابن جرير الطبري ﵀: " .... فيعلمون حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به (يا محمد) من التنزيل من عند ربهم، لاتّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضا بالتصديق،

стр. 62

وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض" اهـ (١). وقال الإمام الشافعي ﵀: "لا تخالف سنة لرسول الله كتاب الله بحال" اهـ (٢). وقال ابن خزيمة ﵀ لا أعرف أنه روي عن النبي ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما" اهـ (٣). ثالثا: ظواهر النصوص مفهومة لدى المخاطبين: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤)، وصف كلام الله بكونه عربيا، أي يفهمه العرب ومن في حكمهم ممن تعلم لسانهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ ، وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ .. فإن معنا (٥)

стр. 63

الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به" اهـ (١). رابعا: عدم الخوض في المسائل الاعتقادية مما لا مجال للعقل فيه: لـ "أن العقل البشري عاجز عن معرفة الأمور الغيبية بنفسه استقلالا وأن دور العقل هو الفهم والاتباع والاعتقاد بما جاء به الوحي، وليس الرد والاعتراض لأن الوحي جاء ليكون ميزانا بين هذه العقول المختلفة ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢) " اهـ (٣). القاعدة الثانية: إثبات ما ورد في كتاب الله أو على لسان رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته بدون تحريف وتعطيل وتأويل وتكييف وتشبيه . وقد أسّس لهذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبتون لله ما أثبته (لنفسه) من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات،

стр. 64

ويثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، وينزهونه من النقص والتعطيل وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة" اهـ (١). وهذه القاعدة تقتضي أمورا منها: أولا: أن لا يوصف الله إلّا بما وصف به نفسه أو وصفه رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث (٢): ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "فالواجب أن ينظر في هذا الباب، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه وما نفاه الله ورسوله نفيناه" اهـ (٣). ثانيا: القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به وسوله تشبيه أو تمثيل لصفاته بصفات خلقه: كما قال ابن حماد ﵀: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيه" اهـ (٤).

стр. 65

ثالثا: قطع الطمَع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه وكل من حاول إدراك ذلك خرج إلى ضرب من التشبيه (١). رابعا: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر: بسبب الغفلة عن هذا الأصل، ضلّ من أثبت بعض الصفات، ونفى البعض الآخر، إذ لا فرق بين ما نفاه وما أثبته، والقول فيهما واحد وكذلك القول في الأسماء (٢). خامسا: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه: ومثاله: فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (٣). سادسا: الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيا وإثباتا، والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيا ولا إثباتا: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " .... والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي ...... وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين، مثل لفظ "الجسم" و"الجوهر" و"المتحيز" و"الجهة" ونحو ذلك ..... ولا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها، والحاجة مثل أن

стр. 66

يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل أثبت الحق وأبطل الباطل" اهـ (١). القاعدة الثالثة: اشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين: دلائله ومسائله: وقد أسّس الإمام ابن القيم ﵀ لهذه القاعدة قائلا: "إن النصوص (الكتاب والسنة) محيطة بأحكام الحوادث (وبأولى أصول الدين)، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس (٢)، بل بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية" اهـ (٣). ودلالة ذلك من القرآن: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥). قال الإمام القرطبي ﵀: " .. أي ما تركنا شيئا من أمر الدنيا إلا وقد دلَلْنا عليه في القرآن إما دلالة مبينة مشروعة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊، أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ... فصدق خبر الله ما فرط في الكتاب من شيء إلّا ذكره إما تفصيلا، وإما تأصيلا" اهـ (٦).

стр. 67

ودلالته من أقوال الصحابة: قول أبي ذر ﵁ حيث قال: "لقد تركنا محمد ﵊ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلّا أذكرنا (١) منه علما" اهـ (٢). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال، فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة" اهـ (٣). فالكتاب والسنة هما العمدة في معرفة الدين أصوله وفروعه ودلائله ومسائله، وقال ابن تيمية ﵀: "جعل القرآن (والسنة) إماما يؤتم به في أصول الدين وفروعه، هو دين المسلمين، وهي طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد -قط- أو يعارض القرآن (والسنة) بمعقول أو رأي يقدمه على القرآن (والسنة") اهـ (٤). وعليه فإن كل من كان أعظم اعتصاما لهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا. وهذه القاعدة تقتضي أمورا منها: أولا: تحكيم الكتاب والسنة الصحيحة في كل قضية من القضايا: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥).

стр. 68

ثانيا: رد التنازع إلى الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). لقد جرى عمل السلف الصالح في حياة الرسول ﷺ على اتباع كتاب الله المنزل وسنة رسوله الكريم ﷺ ، والرجوع إليه في كل ما شجر بينهم معتصمون بحبل الله، ولا يتقدمون بين يدي الله ورسوله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا أراد أحدهم معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قال الله والرسول، فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة" اهـ (٢). ثالثا: الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة معينة وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر (٣): إذ كان من أسباب انحراف الفرق الضالة أنها تستند إلى بعض النصوص وتترك البعض الآخر: فالوعيدية (الخوارج والمعتزلة) يحتجون بحديث: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره

стр. 69

بوائقه" اهـ (١)، وفي مقابلهم المرجئة يحتجون بحديث: "ما من عبد قال لا إله إلّا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" اهـ (٢). ونفاة القدر يحتجون بحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه." اهـ (٣)، وفي مقابلهم مثبتة القدر الغالون فيه (الجبرية) يحتجون بحديث: "كل يعمل لما خلق له" اهـ (٤). والمشبهة يحتجون بحديث: "خلق الله آدم على صورته .. " اهـ (٥)، وفي مقابلهم المعطلة يحتجون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٦).

стр. 70

القاعدة الرابعة: الخضوع لحديث الرسول ﷺ إذا صح وتعظيمه وعدم الاعتراض عليه بأي نوع من أنواع الاعتراضات لأنه وحي من الله: وقد أسّس لهذه القاعدة الإمام ابن حزم ﵀ قائلا: " ... فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل" اهـ (١). قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)، وقال أيضا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). وقال أيضا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). وكان السلف يعظمون حديث الرسول ﷺ ، ولا يعترضون عليه بأي اعتراض، ومن ذلك ما روي عن خُرّازاذ العابد قال: "حدث أبو

стр. 71

معاوية الرشيد بحديث: "احتج آدم وموسى .. " (١)، فقال رجل شريف: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النِّطعَ والسيفَ، زنديق يطعن في الحديث، فما زال أبو معاوية يسكته ويقول: "بادرة منه يا أمير المؤمنين، حتى سكت" اهـ (٢). وهذا الأصل يقتضي أمورا منها: أولا: الاعتماد على الأحاديث الصحيحة دون الضعيفة ونبذ الأحاديث الموضوعة: " وقد تمثل هذا عند السلف بالإنكار على من اعترض على الأحاديث الصحيحة الثابتة، وتمثل أيضا بذكرهم للأسانيد فيما يروونه، معلوم أنه إذا أسند الراوي فلا بد من النظر في إسناده والحكم على الحديث صحة وضعفا بعد جمع طرقه ورواياته" اهـ (٣)، تأسيا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٤). والفرق التي ضلت في هذا الباب فهم ما بين الإفراط والتفريط: فمنهم من قبل كلما جاء باسم حديث الرسول ﷺ ، إذا وافق أهواءهم بدون أن يميزوا بين الصحيح والضعيف أو الموضوع، فأدخلوا في الدين ما ليس

стр. 72

منه، ومنهم من رد الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ بزعمهم أنها تخالف العقل لأنها لم توافق أهواءهم فأخرجوا من الدين ما كان منه. ثانيا: حجية خبر الآحاد في الاعتقاد والأحكام إذا صح: هذا من أهم المعالم لمنهج السلف، والقول بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم، ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة. يقول ابن تيمية ﵀: "وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العمليات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ... لم تزل الصحابة والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه، وصفاته، فأين سلف المفرِّقين بين البابين" اهـ (١)؟ وهذا التفريق ربما جاء لسببين: أحدهما قولهم إن الآحاد ثبوتها ظني ليس قطعيا، والثاني أن العقيدة لا يقترن بها عمل والأحكام العملية لا تقترن بها عقيدة، وكل هذا باطل وهو من بدع أهل الكلام (٢).

стр. 73

القاعدة الخامسة: حجية فهم السلف الصالح (الصحابة) لنصوص الكتاب والسنة: وقد أسس لهذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: " (الصحابة) أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبا، وأعمقهم، وأقلهم تكلفا، أصحهم قصودا، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل" اهـ (١). "وقد سمعوا من النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ودعوته ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم كمن كان غائبا لم ير ولم يسمع أو سمع وعلم بواسطة، أو وسائط كثيرة وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينا قطعا (٢). ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ " اهـ (٣). قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤).

стр. 74

ويقول ابن جرير الطبري ﵀: " ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويتبع طريقا غير طريق أهل التصديق (الصحابة) ويسلك منهاجا غير منهاجهم" اهـ (١). قال تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وقال ﵊ في بيان منهج الفرقة الناجية: " .. ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٣)، فكل من أراد أن يكون من الفرقة الناجية لزم أن يركب سفينتها، وسفينة النجاة، ما عليه النبي ﷺ وأصحابه: من العلم والاعتقاد والعمل الصالح، ومن يرغب عنها فقد سفه نفسه" اهـ (٤). القاعدة السادسة: درء التعارض بين النقل والعقل: وقد أسّس لهذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "إن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان (العقل)، فكلاهما في الإنزال أخوان في معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح (العقل الصريح) لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة (الكتاب والسنة)، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة

стр. 75

(المعقولات)، ولا دلالة النص الصحيح القياس الصحيح بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يتناقض القياس الصحيح والنص الصحيح أبدا" اهـ (١). قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ (٢) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣). وقد جمع الله في هذه الآية دليلين دليل النقل والعقل وقدم النقل على العقل، يقول ابن كثير ﵀: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو النقل الصادق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ... " اهـ (٤). وهذا الأصل يقتضي أمورا منها:
следующие страницы →