← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11802

معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع

أبو عبيد البكري

Полный текст (1 435 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

«١» وحدّ اليمن ممّا يلى المشرق: رمل بنى سعد، الذي يقال له يبرين، وهو منقاد من اليمامة، حتى يشرع فى البحر بحضر موت؛ ومما يلى المغرب: بحر جدّة إلى عدن أبين؛ وحدّها الثالث: طلحة الملك إلى شرون، وشرون: من عمل مكة، وحدّها الرابع: الجوف ومأرب، وهما مدينتان. وقد ذكرت العرب هذه الأقسام الخمسة، التى ذكرناها من جزيرة العرب فى أشعارهم. قال ابن برّاقة الثّمالىّ: أروى تهامة ثمّ أصبح جالسا ... بشعوف بين الشّثّ والطبّاق وقالت ليلى بنت الحارث الكنانيّة: ألا منعت ثمالة ما يليها ... فغورا بعد أو جلسا ثمالا وقال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النهدىّ: وكندة تهدى لى الوعيد ومذحج ... وشهران من أهل الحجاز وواهب وقال شريح بن الأحوص: أعزّك بالحجاز وإن تقصّر ... تجدنى من أعزّة أهل نجد وقال طرفة، وهو يومئذ بناحية تبالة وبيشة وما يليها: ولكن دعا من قيس عيلان عصبة ... يسوقون فى أعلى الحجاز البرابرا وقال لبيد: مرّيّة حلّت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها

стр. 37

وقال المخبّل: فإن تمنع سهول الأرض منّى ... فإنّى سالك سبل العروض وقال رجل من بنى مرّة: أقمنا على عزّ الحجاز وأنتم ... بمنبطح البطحاء بين الأخاشب وقال جرير: هوى بتهامة وهوى بنجد ... فبلّتنى التّهائم والنّجود وقال آخر: كأنّ المطايا لم تنخ بتهامة ... إذا صعّدت عن ذات عرق صدورها رجعنا إلى حديث الكلبى عن ابن عبّاس. قال «١» : فاقتسم ولد معدّ بن عدنان هذه الأرض على سبعة أقسام «٢» : فصار لعمرو بن معدّ بن عدنان، وهو قضاعة، لمساكنهم ومراعى أنعامهم: جدّة، من شاطىء البحر وما دونها إلى منتهى ذات عرق، إلى حيّز الحرم، من السّهل والجبل. وبها موضع لكلب يدعى الجدير جدير كلب، وهو معروف هنالك. وبجدّة ولد جدّة بن جرم «٣» بن ربّان «٤» بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وبها سمّى.

стр. 38

وصار لجنادة بن معدّ: الغمر غمر ذى كندة وما صاقبها، وبها كانت كندة دهرها الأطول؛ ومن هنالك احتجّ القائلون فى كندة بما قالوا «١» ، لمنازلهم من غمر ذى كندة؛ فنزل أولاد جنادة هنالك، لمساكنهم ومراعى مواشيهم، من السهل والجبل؛ وهو أشرس، وهو أبو السّكون والسّكاسك ابنى أشرس بن ثور بن جنادة؛ وكندة بن ثور بن جنادة، ومن نسب كندة فى معدّ يقول: ثور بن عفير بن جنادة بن معدّ. قال عمر بن أبى ربيعة: إذا سلكت غمر ذى كندة ... مع الرّكب «٢» قصد لها الفرقد هنالك إمّا تعزّى الفؤاد «٣» ... وإمّا على إثرهم «٤» تكمد وصار لمضر بن نزار: حيّر الحرم إلى السروات، وما دونها من الغور، وما والاها من البلاد، لمساكنهم ومراعى أنعامهم، من السهل والجبل. وصار لربيعة بن نزار: مهبط الجبل من غمر ذى كندة، وبطن ذات عرق وما صاقبها من بلاد نجد، إلى الغور من تهامة، فنزلوا ما أصابهم، لمساكنهم ومراعى أنعامهم، من السهل والجبل. وصار لإياد وأنمار ابنى نزار: ما بين حدّ أرض مضر، إلى حدّ نجران وما والاها وما صاقبها من البلاد، فنزلوا ما أصابهم لمساكنهم ومسارح أنعامهم. وصار لقنص بن معد وسنام بن معدّ وسائر ولد معدّ: أرض مكة، أوديتها وشعابها وجبالها وما صاقبها من البلاد، فأقاموا بها مع من كان بالحرم حول البيت من بقايا جرهم.

стр. 39

فلم تزل أولاد معدّ فى منازلهم هذه، كأنّهم قبيلة واحدة، فى اجتماع كلمتهم، وائتلاف أهوائهم، تضمّهم المجامع، وتجمعهم المواسم، وهم يد على من سواهم، حتى وقعت الحرب بينهم، فتفرّقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم. قال مهلهل يذكر اجتماع ولد معدّ فى دارهم بتهامة، وما وقع بينهم من الحرب: غنيت دارنا تهامة «١» فى الدّهر ... وفيها بنو معدّ حلولا فتساقوا كأسا أمرّت عليهم ... بينهم يقتل العزيز الذّليلا فأوّل حرب وقعت بينهم: أنّ حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، كان يتعشّق فاطمة بنت يذكر بن عنزة بن أسد ابن ربيعة بن نزار، وكان اجتماعهم فى محلّة واحدة، وتفرّقهم النّجع فيظعنون، فقال حزيمة. إذا الجوزاء أردفت الثّريّا ... ظننت بآل فاطمة الظّنونا ظننت بها وظنّ المرء حوب ... وإن أوفى وإن سكن الحجونا وحالت دون ذلك من همومى ... هموم تخرج الشّجن الدّفينا أرى ابنة يذكر ظعنت فحلّت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا فبلغ شعره ربيعة، فرصدوه، حتى أخذوه فضربوه، ثمّ التقى حزيمة ويذكر، وهما ينتحيان «٢» القرظ، فوثب حزيمة على يذكر، فقتله، وفيه

стр. 40

تقول العرب: «حتّى يئوب قارظ عنزة» . وقال بشر بن أبى خازم: فرجّى الخير وانتظرى إيابى ... إذا ما القارظ العنزيّ آبا وقال أبو ذؤيب: فتلك التى لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل «١» وحتّى يئوب القارظان كلاهما ... وينشر فى الموتى كليب لوائل «٢» فالقارظ الأوّل هو يذكر، والثانى هو عامر بن رهم بن هميم العنزىّ. فلمّا فقد يذكر قيل لحزيمة أين يذكر؟ قال: فارقنى، فلست أدرى أين سلك. فاتّهمته ربيعة: وكان بينهم وبين قضاعة فيه شرّ، ولم يتحقّق أمر فيؤخذ به حتى قال حزيمة: فتاة كأنّ رضاب العصير ... بفيها يعلّ به الزّنجبيل قتلت أباها على حبّها ... فتبخل إن بخلت أو تنيل فاجتمعت نزار بن معدّ على قضاعة، وأعانتهم كندة، واجتمعت قضاعة وأعانتهم عكّ والأشعرون «٣» ، فاقتتل الفريقان، فقهرت قضاعة، وأجلوا عن منازلهم، وظعنوا منجدين، فقال عامر بن الظّرب «٤» بن عياذ بن بكر بن يشكر ابن عدوان بن عمرو بن قيس عيلان فى ذلك: قضاعة أجلينا من الغور كلّه ... إلى فلجات الشام تزجى المواشيا لعمرى لئن صارت شطيرا ديارها ... لقد تأصر الأرحام من كان نائيا

стр. 41

وما عن تقال كان إخراجنا لهم ... ولكن عقوقا منهم كان باديا بما قدّم النّهدىّ لا درّ درّه ... غداة تمنّى بالحرار الأمانيا وكانوا قد اقتتلوا فى حرّة. ويعنى فلجات الزّرّاعين، وهم الإرّيسيّون، قال رجل من كلب فى الإرّيسيّين: فإن عبدودّ فارقتكم فليتكم ... أرارسة ترعون ريف الأعاجم قال أبو الفرج فيما رواه عن رجاله عن الزّهرىّ. وذكر خبر حزيمة مع يذكر إلى هنا، ثم قال: فسارت تيم اللّات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفرقة من بنى رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وفرقة من الأشعريّين نحو البحرين، حتّى وردوا هجر، وبها يومئذ قوم من النّبط، فأجلوهم «١» ، فقال فى ذلك مالك بن زهير [بن عمرو بن فهم بن تيم اللات بن أسد ابن وبرة بن تغلب بن حلوان] «٢» : نزعنا من تهامة أىّ حىّ ... فلم تحفل بذاك بنو نزار ولم أك من أناسكم «٣» ولكن ... شرينا دار آنسة بدار قال: فلما نزلوا بهجر قالوا للزّرقاء بنت زهير، وكانت كاهنة: ما تقولين يا زرقاء؟ قالت: سعف وإهان «٤» ، وتمر وألبان، خير من الهوان. ثمّ أنشأت تقول:

стр. 42

ودّع تهامة لا وداع مخالق «١» ... بذمامة لكن قلى وملام لا تنكرى «٢» هجرا مقام غريبة ... لن «٣» تعدمى من ظاعنين تهام قالوا: فما ترين يا زرقاء؟ قالت: مقام وتنوخ، ما ولد مولود وأنفقت فروخ، إلى أن يجيء غراب أبقع، أصمع أنزع، عليه خلخالا ذهب، فطار فألهب، ونفق فنعب، يقع على النّخلة السّحوق، بين الدّور والطريق، فسيروا «٤» على وتيره، ثم الحيرة الحيرة «٥» . فسمّيت تلك القبائل تنوخ لقول الزرقاء: مقام وتنوخ. ولحق بهم قوم من الأزد، فصاروا إلى الآن فى تنوخ، ولحق سائر قضاعة «٦» موت ذريع. قال: وخرجت فرقة من بنى حلوان بن عمران، يقال لهم بنو تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ورئيسهم عمرو بن مالك التّزيدىّ، فنزلوا عبقر من أرض الجزيرة «٧» ، فنسج نساؤهم الصّوف، وعملوا منه الزّرابىّ، فهى التى يقال لها العبقريّة، وعملوا البرود، وهى التى يقال لها التزيديّة؛ وأغارت عليهم التّرك، فأصابتهم، وسبت منهم، فذلك قول عمرو بن مالك بن زهير: ألا لله ليل لم ننمه ... على ذات الخضاب مجنّبينا

стр. 43

وليلتنا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميّا فارقينا وأقبل الحارث بن قراد البهرانىّ ليعيث فى بنى «١» حلوان، فعرض له أباغ بن سليح، صاحب عين أباغ، فاقتتلا، فقتل أباغ. ومضت بهراء حتى لحقوا «٢» بالتّرك، فهزموهم، واستنفذوا ما بأيديهم من بنى تزيد، فقال الحارث ابن قراد فى ذلك [ «٣» وقال ابن شبّة: القائل هو جدىّ بن الدّهاء «٤» بن عشم «٥» ابن حلوان، وقال الهمدانىّ: هو جدىّ بن مالك «٦» أحد بنى عشم] : كأنّ الدّهر جمّع فى ليال ... ثلاث «٧» بتّهنّ بشهرزور صففنا للأعاجم من معّدّ ... صفوفا بالجزيرة كالسّعير لقيناهم بجمع من علاف ... ترادى بالصّلادمة الذّكور «٨» وسارت سليح بن عمرو «٩» بن الحاف بن قضاعة يقودها الحدرجان بن سلمة، حتى نزلوا ناحية فلسطين، على بنى أذينة بن السّميدع، من عاملة. وسارت أسلم بن الحاف (وهى عذرة، ونهد، وحوتكة، وجهينة، [والحارث بن سعّد] «١٠» حتى نزلوا من الحجر إلى واد القرى. ونزلت تنوخ بالبحرين سنتين. ثم أقبل غراب فى رجليه حلقتا ذهب. فسقط على نخلة وهم فى

стр. 44

مجلسهم، فنفق نفقات ثم طار، فذكروا قول الزّرقاء فارتحلوا حتى نزلوا الحيرة، «١» فأوّل من اختطّها هم، ورئيسهم يومئذ مالك بن زهير «٢» ، واجتمع «٣» إليهم لما اتّخذوا «٤» بها المنازل، ناس كثير من سواقط «٥» القرى، فأقاموا بها زمانا، ثم أغار عليهم سابور الأكبر [ذو الأكتاف] «٦» ، فقاتلوه، وكان شعارهم يومئذ: «يا لعباد الله» فسمّوا العباد، وهزمهم سابور، فسار «٧» معظمهم ومن فيه نهوض، إلى الحضر من الجزيرة، يقودهم الضّيزن بن معاوية التّنوخى، فمضى حتّى نزلوا الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقانىّ، فأقاموا به [مع الزّبّاء، فكانوا رجالها وولاة أمرها، فلمّا قتلها عمرو بن عدىّ استولوا على الملك، حتى غلبتهم غسّان] «٨» . وأغارت حمير على بقيّة قضاعة، فحيّروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم، أو يخرجوا [عنهم] «٩» ، فخرجوا، وهم كلب وجرم والعلاف، وهم بنو ربّان أخى «١٠» تغلب بن حلّوان، وهم أوّل من عمل الرّحال العلافيّة، وعلاف: لقب ربّان، فلحقوا بالشام، فأغارت عليهم بنو كنانة بن خزيمة بعد ذلك بدهر، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزموا ولحقوا بالسماوة، فهى منازلهم إلى اليوم. انتهى كلام أبى الفرج.

стр. 45

قال المؤلف ﵀: «قوله- إنما سمّوا عبادا لأنّ شعارهم كان: يا لعباد الله» : قول خولف فيه؛ فقال ابن دريد: إنما سمّوا عبادا لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، وقال الطّبرىّ فى قوله تعالى: وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ، معناه: مطيعون. وقال أحمد بن أبى يعقوب: إنما سمّى نصارى الحيرة العباد، لأنّه وفد على كسرى خمسة منهم: فقال لأحدهم: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح. وقال للثانى: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل. وقال للثالث: ما اسمك؟ قال عبد ياسوع؟ وقال للرابع: ما اسمك؟ قال عبد الله. وقال للخامس: ما اسمك؟ قال عبد عمرو. فقال كسرى: أنتم عباد كلكم، فسمّوا العباد. وقال ابن شبّة ثم ظعنت قضاعة كلّها «١» من غور تهامة وسعد هذيم ونهد ابنا زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة منجدين، فمالت كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران، إلى حضن والسّىّ وما صاقبهما من البلاد، غير شكم اللّات «٢» بن رفيدة بن ثور بن كلب، فإنّهم انضمّوا إلى نهد ابن زيد اللّات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران إلى البحرين، وتنخوا بها معهم، ولحقتهم عصيمة بن اللّبو بن امرئ مناة بن قتيبة «٣» بن النّمر ابن وبرة بن تغلب بكلب، فانضمّوا إليهم، ولحقت بهم قبائل من جرم بن ربّان بن حلوان بن عمران، وثبتوا معهم بحضن، فأقاموا هنالك، وانتشر سائر قبائل قضاعة فى البلاد، يطلبون المتّسع فى المعاش، ويؤمّون الأرياف والعمران، فوجدوا بلادا واسعة خالية فى أطراف الشام، قد خرب أكثرها، واندفنت آبارها، وغارت مياهها لإخراب بخت نصّر لها، فافترقت قضاعة فرقا أربعا،

стр. 46

ينضمّ إلى الفرقة طوائف من غيرها، يتّبع الرجل أصهاره وأخواله. فسار ضجعم بن حماطة بن عوف بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، ولبيد بن الحدرجان السّليحىّ، فى جماعة من سليح وقبائل من قضاعة، إلى أطراف الشام ومشارفها «١» ، وملك العرب يومئذ ظرب ابن حسّان بن أذينة بن السّميدع بن هوبر «٢» العمليقىّ، فانضمّوا إليه، وصاروا معه، فأنزلهم مناظر الشام، من البلقاء «٣» إلى حوّارين، إلى الزّيتون، فلم يزالوا مع ملوك العماليق، يغزون معهم المغازى، ويصيبون معهم المغانم، حتّى صاروا مع الزّبّاء بنت عمرو بن ظرب بن حسّان المذكور، فكانوا فرسانها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدىّ بن نصر اللّخمىّ، استولوا على الملك بعدها، فلم يزالوا ملوكا حتى غلبتهم غسّان على الملك، وسليح وتلك القبائل فى منازلهم التى كانوا ينزلونها إلى اليوم: قال: وسار عمرو بن مالك التّزيدىّ فى تزيد وعشم ابنى حلوان بن عمران وجماعة من علاف، وهو ربّان بن حلوان، وهم عوف بن ربّان، وبنو جرم ابن ربّان، إلى أطراف الجزيرة، ثم خالطوا قراها وعمرانها، وكثروا بها، وكانت بينهم وبين الأعاجم هناك وقعة؛ فهزموا الأعاجم، وأصابوا فيهم، فقال شاعرهم جدىّ بن الدّهاء «٤» . وأنشد شعره وشعر عمرو بن مالك المتقدّمين. ثم قال: فلم يزالوا بناحية الجزيرة حتى أغار عليهم سابور ذو الأكتاف، فافتتحها، وقتل بها جماعة من تزيد وعشم وعلاف، وبقيت منهم بقيّة لحقت بالشام.

стр. 47

وسارت بلىّ وبهراء وخولان، بنو عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومهرة بن حيدان ومن لحق بهم، إلى بلاد اليمن، فوغلوا فيها، حتّى نزلوا مأرب: أرض سبأ، بعد افتراق الأزد منها، وأقاموا بها زمانا، ثم أنزلوا عبدا لإراشة بن عامر ابن عبيلة بن قسميل بن فرّان بن بلىّ، يقال له أشعب، فى بئر بمأرب، وأدلوا عليه دلاءهم، فطفق الغلام يملأ لمواليه ويؤثرهم، ويبطئ عن زيد اللّات «١» بن عامر بن عبيلة، فغضب، فحطّ عليه صخرة، وقال: دونك يا أشعب، فدمغته، فاقتتل القوم، ثم تفرّقوا. فتقول قضاعة إن خولان أقامت باليمن، فنزلوا مخلاف خولان، وإنّ مهرة أقامت هناك، وصارت منازلهم «٢» الشّحر، وإنه مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف، وإنه خولان بن عمرو بن الحاف. ويأبى نسّاب اليمن ذلك، فيقولون: هو خولان بن عمرو بن مالك بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ولحق عامر بن زيد اللّات «٣» بن عامر بن عبيلة بسعد العشيرة، فبنو «٤» زيد اللّات «٥» فيهم، فيقولون: زيد اللّات «٦» بن سعد العشيرة. قال المثلّم بن قرط البلوىّ فى ذلك: ألم تر أنّ الحىّ كانوا بغبطة ... بمأرب إذ كانوا يحلّونها معا بلىّ وبهراء وخولان إخوة ... لعمرو بن حاف فرع من قد تفرّعا أقام بها خولان بعد ابن أمّه ... فأثرى لعمرى فى البلاد وأوسعا فلم أر حيّا من معدّ «٧» عمارة ... أجلّ بدار العزّ منّا وأمنعا وانصرفت جماعة من تلك القبائل راجعين إلى بلادهم من تهامة والحجاز،

стр. 48

فقدموها، وتفرّقوا فيها، فنزل ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جشم بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن هنىّ «١» بن بلى، فى ولده وأهله، بين أمج وعروان، وهما واديان يأخذان من حرّة بنى سليم ويفرّغان فى البحر، ولهم أنعام وأموال، ولضبيعة إبل يقال لها الدّجحان سود. قال «٢» : فطرقهم السيل وهم نيام، فذهب بضبيعة وإبله، فقالت بائحته: سال الواديان، أمج وعروان، فذهبت بضبيعة بن حرام وإبله الدّجحان. وتحوّل ولد ضبيعة ومن كان معهم من قومم إلى المدينة وأطرافها، وهم سلمه «٣» بن حارثة بن ضبيعة، وواثله «٤» بن حارثة، والعجلان بن حارثة، فنزلوا المدينة وهم حلفاء الأنصار، ثم استوبئوها، فتحوّلوا إلى الجندل والسّقيا والرّحبة. ونزل بنو أنيف بن جشم بن تميم بن عوذ مناة بن ناج بن تيم بن إراشة بن عامر بن عبيلة: قباء، وهم رهط طلحة بن البراء الأنصارى. ونزل بنو غصينة، وهم بنو سواد بن مرىّ ابن إراشة، وهم رهط للمجذّر بن ذياد البدرىّ: المدينة. ونزل المدينة أيضا بنو عبيد ابن عمرو بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم، المذكور قبل، وهم رهط أبى بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو العقبىّ البدرىّ. وأقام بمعدن سليم فرّان بن بلىّ، فى طائفة من بلىّ، وهم بنو الأخثم بن عوف بن حبيب ابن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وهم الذين يقال لهم القيون، ويزعمون أن أصلهم من بلىّ، مع أناس وجدوهم هناك من العاربة الأولى، من بنى فاران بن عمرو بن عمليق. وخاصم رجل منهم يقال له عقيل بن فضيل

стр. 49

بنى الشّريد فى معدن فاران زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال فى ذلك خفاف بن عمير: متى كان للقينين قين طميّة ... وقين بلىّ معدنان بفاران فقال عقيل بن فضيل وهو يتقرّب إلى بلىّ وينتسب إليهم: أنا عقيل ويقال السّلمىّ ... وأصدق النّسبة أنّى من بلىّ ونزلت قبائل من بلىّ أرضا يقال لها شغب وبدا، وهى فيما بين تيماء والمدينة، فلم يزالوا بها حتى وقعت الحرب بين بنى حشنة بن عكارمة بن عوف ابن جثم بن ودم بن هميم بن ذهل بن هنىّ بن بلىّ، وبين الرّبعة بن معتمّ بن ودم- هكذا قال ابن شبّة. وإنما الرّبعة ولد سعد بن هميم بن ذهل بن هنىّ ابن بلىّ. والرّبعة: بفتح الزاء والباء- فقتلوا نفرا من بنى الرّبعة، ثم لحقوا بتيماء، فأبت يهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم؛ فتهوّدوا، فأدخلوهم المدينة، فكانوا معهم زمانا، ثم خرج منهم نفر إلى المدينة، فأظهر الله الإسلام وبقية من أولادهم بها. ومنهم «١» عويم بن ساعدة، وقد انتسب ولده إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكعب بن عجرة كان مقيما فى نسبه من بلىّ، ثم انتسب بعد فى بنى عمرو بن عوف فى الأنصار. وأقام بطون حشنة بن عكارمة بتيماء، حتى أنزل الله باليهود يهود الحجاز ما أنزل من بأسه ونقمته، فقال أبو «٢» الذّيّال اليهودى، أحد بنى حشنة بن عكارمة، يبكى على اليهود: لم تر عينى مثل يوم رأيته ... برعبل «٣» ما احمرّ الأراك وأثمرا وأيّامنا بالكبس قد كان طولها ... قصيرا وأيّام برعبل أقصرا

стр. 50

فلم أر من آل السّموءل عصبة ... حسان الوجوه يخلعون المعذّرا «١» ولحق الدّيل وعوف وأشرس، بنو زيد بن عامر بن عبيلة، فى بنى تغلب، فصاروا معهم، يقولون: نحن بنو زيد اللات «٢» بن عمرو بن غنم بن تغلب، ولهم يقول الأخطل: لزيد اللات «٣» أقدام صغار ... قليل أخذهن من النّعال ولحق أخوهم عامر بن زيد بمذحج، فانتسب إلى سعد العشيرة، فقال: هو زيد اللات «٤» بن سعد العشيرة. وكان أوّل من طلع من قضاعة إلى أرض نجد، فأصحر فى صحرائها: جهينة ونهد وسعد هذيم، بنو زيد بن ليت بن سود بن أسلّم بن الحاف بن قضاعه، فمرّ بهم راكب، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: بنو الصحراء. فقالت العرب: هؤلاء صحار، اسم مشتقّ من الصحراء. وقال زهير بن جناب الكلبى فى ذلك، وهو يعنى بنى سعد بن زيد: فما إبلى بمقتدر عليها ... ولا حلمى الأصيل بمستعار ستمنعها الفوارس من بلىّ ... وتمنعها فوارس من صحار ويمنعها بنو القين بن جسر ... إذا أو قدت للحدثان نارى ويمنعها بنو نهد وجرم ... إذا طال التجاول فى الغوار بكلّ مناجد جلد قواه ... وأهيب عاكفون على الدّوار أهيب: بن كلب بن وبرة. وقال بشر بن سوادة بن شلوة التّغلبىّ، إذ نعى بنى عدىّ بن أسامة بن

стр. 51

مالك التّغلبيّين، إلى بنى الحارث بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة: ألا تغنى كنانة عن أخيها ... زهير فى الملمّات الكبار فيبرز جمعنا وبنو عدىّ ... فيعلم أيّنا مولى صحار وقال بشر بن أبى خازم الأسدىّ: وشبّ لطيّىء الجبلين حرب ... تهرّ «١» لشجوها منها صحار وقال حاجز الأزدىّ، أزد شنوءة، أحد بنى سلامان بن مفرّج «٢» ، فى الحرب التى كانت بين الأزد ومذحج وأحلافها «٣» ، وهو يعنى نهد بن زيد، وقد ضمّ إليهم جرم بن ربّان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكانت نهد وجرم حلفاء بتلك البلاد ومتجاورين، وكانت جرم قد أصحرت، فأقامت بنجد: فجاءت خثعم وبنو زبيد ... ومذحج كلّها «٤» وابنا صحار فلم نشعر بهم حتى أناخوا ... كأنّهم ربيعة فى الجمار وقال عبّاس بن مرداس فى الحرب التى كانت بين بنى سليم وبنى زبيد، وهو يعنى نهدا، وضمّ اليهم جرم بن ربّان: فدعها ولكن هل أتاها مقادنا ... لأعدائنا نزجى الثقال الكوانسا بجمع نريد ابنى صحار كليهما ... وآل زبيد مخطئا أو ملامسا فأقامت جهينة ونهد وسعد بصحار فى نجد زمانا، فكثروا وتلاحق أولاد

стр. 52

أولادهم، حتى وثب حزيمة بن نهد وكان مشئوما فاتكا جريئا، على الحارث وعرابة ابنى سعد بن زيد، فقتلهما، فقال فى ذلك نهد أبوه: وهل نجاتى من دعوى عرابة أن ... صارت محلّة بيتى السّفح والجبلا وحاجة مثل حرّ النار داخلة ... سلّيتها بكناز ذمّرت جملا مطويّة الزّور طىّ البئر دوسرة ... مفروشة الرّجل فرشا لم يكن عقلا وكان نهد منيعا، كثير التّبع والولد، وعمّر عمرا طويلا، وهو أكثر قومه ولدا لصلبه، وهم أربعة عشر ذكرا. منهم لبرّة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر- وهى أمّ أسد بن خزيمة، وأمّ النّضر بن كنانة: مالك، وحزيمة، وعمرو، وهو الذي يقال له كبد «١» بنى نهد، وزيد، ومعاوية، وصباح، وكعب، بنو نهد، وكعب هو أبو سود. ومنهم لامرأة من قضاعة من بنى القين بن جسر: حنظلة، وعائر، وعائذة «٢» ، وجشم، وهو الطول، وشبابة، وأبان، وعائدة «٣» ، بنو نهد. وأوصى نهد «٤» بنيه حين حضرته الوفاة فقال: أوصيكم بالناس شرّا، ضربا أزّا وطعنا وخزا، كلّموهم نزرا، وانظروهم شزرا، واطعنوهم دسرا، اقصروا الأعنّة، وطرّروا الأسنّة، وارعوا الغيث حيث كان. فقال: رجل من ولده، يرون أنّه حزيمة: وإن كان على الصّفا؟ فقال نهد: حافة الصفا، فلم يرخّص لهم فى ترك النّجعة.

стр. 53

فهذه وصيّة نهد التى تذكرها العرب. قال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النّهدىّ: وأوصى أبونا فاتّبعنا وصاته ... وكلّ امرئ موص أبوه وذاهب فأوصى بألّا تستباح دياركم ... وحاموا كما كنّا عليها نضارب إذا أوقدت نار العدوّ فلا يزل ... شهاب لكم ترمى به الحرب ثاقب يفرّج عن أبنائنا ونسائنا ... جلاد وطعن يردع الخيل صائب وما ذاد عنّا النّاس إلّا سيوفنا ... وخطّيّة ممّا يترّص «١» زاعب وكندة تهذى «٢» بالوعيد ومذحج ... وشهران من أهل «٣» الحجاز وواهب «٤» وزاعب: رجل من حمير، كان يثقّف الرماح. وقال عمرو بن مرّة بن مالك النهدىّ، أحد بنى رومىّ بن مالك، زمن علىّ ابن أبى طالب. رحلت إلى كلب بحرّ بلادها ... فلم يسمعوا فى حاجتى قول قائل وكانوا كظنّى إذ رحلت إليهم ... وما عالم بالمكرمات كجاهل رهنت يمينى فى قضاعة كلّها «٥» ... فأبت حميدا فيهم غير خامل بذلك أوصانى زوىّ بن مالك ... ونهد بن زيد فى الخطوب الأوائل

стр. 54

وأوصى بألّا تستباح دياركم «١» ... وحاموا عليها تنطقوا فى المحافل وغالوا بأخذ المكرمات فإنها ... تفوز غداة السّبق عند التّفاضل وكان حنظلة بن نهد من أشراف العرب، وكان له منزلة بعكاظ فى مواسم العرب، وبتهامة والحجاز، ولذلك يقول قائلهم: حنظلة بن نهد ... خير ناش «٢» فى معدّ وعاش الذّويد- واسمه جذيمة بن صبح «٣» بن زيد بن نهد- زمانا طويلا، لا تذكر العرب من طول عمر أحد ما تذكر من طول عمره، زعموا أنه عاش أربع مئة سنة، وقال حين حضرته الوفاة: اليوم يبنى لذويد بيته ... [يا ربّ غيل حسن ثنيته] «٤» ومعصم موشّم لويته ... ومغنم فى غارة حويته لو كان للدّهر بلّى أبليته ... أو كان قرنى واحدا كفيته

стр. 55

وقال: ألقى علىّ الدّهر رجلا ويدا والدهر ما أصلح يوما أفسدا ويسعد الموت إذا الموت عدا فلما قتل حزيمة ابنى سعد بن زيد، تدابر القوم وتقاتلوا، وتفرّقوا إلى البلاد التى صاروا إليها. قال ابن الكلبىّ: وكان أوّل أمر جهينة بن زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف ابن قضاعة فى مسيرهم إلى جبالهم وحلولهم بها، فيما حدّثنى أبو عبد الرحمن المدنىّ، عن غير واحد من العرب: أن الناس بينما هم حول الكعبة، إذ هم بخلق عظيم يطوف، قد آزى رأسه أعلى «١» الكعبة، فأجفل الناس هاربين، فناداهم: ألا «٢» لا تراعوا؛ فأقبلوا إليه وهو يقول: لا همّ ربّ البيت ذى المناكب وربّ كلّ راجل وراكب أنت وهبت الفتية السّلاهب وهجمة يحار فيها الحالب وثلّة مثل الجراد السّارب متاع أيّام وكلّ ذاهب فنظروا فإذا هى امرأة، فقالوا: ما أنت: إنسيّة أم جنّيّة؟ قالت: لا، بل إنسيّة من آل جرهم أهلكنا الذّرّ زمان يعلم

стр. 56

بمجحفات وبموت لهذم للبغي منّا وركوب المأثم ثم قالت: من ينحر لى كلّ يوم جزورا، ويعدّ لى زادا وبعيرا، ويبلّغنى بلادا قورا «١» ، أعطه مالا كثيرا. فانتدب «٢» لذلك رجلان من جهينة، فسارا بها أيّاما، حتى انتهت إلى جبل جهينة، فأتت على قرية نمل وذرّ، فقالت: يا هذان، احتفرا هذا المكان، فاحتفرا عن مال كثير: من ذهب وفضّة، فأوقرا بعيريهما، ثم قالت لهما: إياكما أن تلفّتا فيختلس ما معكما. قال: وأقبل الذّرّ حتى غشيهما، فمضيا غير بعيد، فالتفتا «٣» ، فاختلس ما كان معهما من المال، وناديا: هل من ماء؟ قالت: نعم، انظرا فى موضع هذه الهضاب، وقالت، وقد غشيها الذّرّ: يا ويلتى يا ويلتى من أجلى رى صغار الذّرّ يبغى هبلى «٤» سلّطن يفرين علىّ محملى لمّا رأين أنّه لا بدّ لى من منعة أحرز فيها معقلى ودخل الذّرّ منخريها ومسامعها، فوقعت، لشقّها، فهلكت. ووجد الجهنيّان عند الهضبة الماء، وهو الماء الذي يقال له مشجر، وهو بناحية فرش ملل، من مكة على سبع أو نحوها، ومن المدينة على ليلة، إلى جانب مثعر،

стр. 57

ماء لجهينة معروف، فيقال إنهما بقيا بتلك البلاد، وصارت بها جماعة جهينة «١» . وكانت بقايا من جذام، سكان أرض بتلك البلاد، يقال لها يندد، فأجلتهم عنها جهينة، وبها نخل وماء، فقال رجل من جذام حين ظعن منها، والتفت إلى يندد ونخلها: تأبّرى يندد لا آبر لك وكان لعجوز من جذام هناك نخيلات بفناء بيتها، وكانت إذا سئلت عنهنّ قالت: هنّ بناتى. فقيل لهنّ بنات بحنة، ولا يعلمونها كانت بموضع قبل يندد، وفيها يقول الراجز: لا يغرس الغارس إلّا عجوه أو ابن طاب «٢» ثابتا فى نجوه أو الصّياحى «٣» أو بنات بحنه فنزلت جهينة تلك البلاد، وتلاحقت قبائلهم وفصائلهم، فصارت نحوا من عشرين بطنا، وتفرّقت قبائل جهينة فى تلك الجبال، وهى الأشعر والأجرد وقدس وآرة ورضوى وصندد، وانتشروا فى أوديتها وشعابها وعراصها، وفيها العيون، والنخل، والزيتون، والبان، والياسمين، والعسل، وضرب من الأشجار والنبات، وأسهلوا إلى بطن إضم وأعراضه «٤» ، وهو واد عظيم، تدفع فيه أودية، ويفرّغ فى البحر، ونزلوا ذا خشب، ويندد، والحاضرة، ولقفا

стр. 58

والفيض، وبواط، والمصلّى، وبدرا، وجفاف «١» ، وودّان، وينبع، والحوراء، ونزلوا ما أقبل من العرج والخبتين والرّويثة والروحاء، ثم استطالوا على الساحل، وامتدّوا فى التهائم وغيرها، حتى لقوا بليّا وجذام بناحية حقل من ساحل تيماء، وجاورهم فى منازلهم على الساحل قبائل من كنانة. ونزلت طوائف من جهينة بذى المروة وما يليها إلى فيف، فلم تزل جهينة بمنازلها حتى جاورتهم بها أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، ثم نزلتها معهم مزينة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، فتجاورت هذه القبائل فى هذه البلاد، وتنافسوا فيها- وبيان «٢» ما صار لكلّ قبيلة من تلك الجبال وبلادها، فى الموضع الذي فيه «٣» حديث تلك القبيلة وعلم أمرها من هذا الكتاب- فخالفت بطون من جهينة بطونا من قيس عيلان، ونزلوا ناحية خيبر وحرّة النار إلى القفّ، وفى ذلك يقول الحصين ابن الحمام المرّىّ، فى الحرب التى كانت بين صرمة بن مرّة وسهم بن مرّة: فيا أخوينا من أبينا وأمّنا ... ذروا موليينا من قضاعة يذهبا فإن أنتم لم تفعلوا (لا أبالكم) ... فلا تعلقونا ما كرهنا فنغضبا فلم تزل جهينة فى تلك البلاد وجبالها والمواضع التى حصلت لها، بعد الذي صار لاشجع ومزينة من المنازل والمحالّ التى هم بها، إلى أن قام الإسلام، وهاجر النّبيّ ﷺ . ثم ظعنت بعد جهينة سعد هذيم ونهد، ابنا زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، فنزلوا وادى القرى والحجر والجناب، وما والاهنّ من

стр. 59

البلاد، ولحقت بهم حوتكة بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وفضائل من قدامة بن جرم بن ربّان، وهو علاف «١» بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وبنو ملكان بن جرم، غير شكم بن عدىّ بن غنم «٢» بن ملكان بن جرم، وهم بطن ينسبون إلى فزارة، ويقولون: شكم بن ثعلبة بن عدىّ بن فزارة، والقوم حيث وضعوا أنفسهم. فنزلت هذه القبائل تلك البلاد، فلم يزالوا بها حتى كثروا وانتشروا، فوقعت بينهم حرب، وكان العدد والقوّة والعزّ والثروة فى قبائل سعد بن زيد، فأخرجوا نهدا وحوتكة وبطون جرم منها، ونفوهم عنها، ورئيس بنى سعد يومئذ رزاح بن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد، وهو أخو قصىّ بن كلاب لأمّه، ولم تجتمع قضاعة على أحد غيره وغير زهير بن جناب الكلبىّ، فقال زهير لما بلغه الذي كان من أمرهم، وإخراج رزاح قومه تلك القبائل من تلك البلاد، كراهة لذلك وعرف ما فى تفرّقهم من القلة والوهن، وساءه ذلك: ألا من مبلغ عنّى رزاحا ... فإنّى قد لحيتك فى اثنتين لحيتك فى بنى نهد بن زيد ... كما فرّقت بينهم وبينى أحوتكة بن أسلم إنّ قوما ... عنوكم بالمساءة قد عنونى فظعنت نهد وحوتكة وجرم من تلك البلاد، وافترقت منها فصائل فى العرب، فلحقت بنو أبان وبنو نهد ببنى تغلب بن وائل، فيقال إنهم رهط الهذيل بن هبيرة التغلبىّ، قال عمرو بن كلثوم التغلبىّ وهو يعنى الهذيل:

стр. 60

هلكت وأهلكت العشيرة كلّها ... فنهدك نهد لا أرى لك أرقما وقال بشر بن سوادة بن شلوة فى ذلك للهذيل: أنهديّا إذا ما جئت نهدا ... وتدعى بالجزيرة من نزار ألا تغنى كنانة عن أخيها ... زهير فى الملمّات الكبار فيبرز جمعنا وبنو عدىّ ... فيعلم أيّنا مولى صحار وقال خراش: هذا الشّعر لعمرو بن كلثوم التغلبىّ. وسارت حوتكة بعد إلى مصر، وأقام منهم أناس مع بلىّ، وأناس مع بنى حميس من جهينة، وأناس أيضا فى بنى لأى من بنى عذرة، ويقال إن الذين بمصر عامّتهم أنباط. وسارت قبائل جرم ونهد إلى بلاد اليمن: مالك، وحزيمة، وصباح، وزيد، ومعاوية، وكعب، وأبو «١» سود، بنو نهد، فجاوروا مذحج فى منازلهم من نجران وتثليث وما والاها «٢» ، فنزلوا منها أرضا تلى السّراة، يقال لها أديم، وأمرهم يومئذ جميع، وكلمتهم واحدة، وغلبوا على بعض تلك البلاد، وناكرتهم طوائف من قبائل مذحج، وطمعوا فيهم، فقال عبد الله بن دهثم النّهدىّ فى ذلك: لأخرجنّ صريما من مساكنها ... والمرّتين وهمّام بن سيّار لم أدر ما يمن وأرض ذى يمن ... حتى نزلت أديما أفسح الدار صريم: رجل من بنى زوىّ بن مالك بن نهد. وهمّام: منهم. والمرّتان:

стр. 61

مرّة بن مالك بن نهد، وأخ له آخر، له اسم غير مرّة، فسماهما المرّتين بأحدهما، وقال عمرو بن معد يكرب الزّبيدىّ: لقد كان الحواضر ماء قومى «١» ... فأصبحت الحواضر ماء نهد وقال هبيرة بن عمرو النّهدى، وهو يذكر قبائل مذحج وخثعم، وتنمّرهم لهم، وتوعّدهم إياهم: وكندة تهذى بالوعيد «٢» ومذحج ... وشهران من أهل الحجاز وواهب «٣» قال: ونزلت خثعم السّراة قبل نهد. قال: فكثرت بطون جرم ونهد بها وفصائلهم، فتلاحقوا، فاقتتلوا وتفرّقوا، وتشتّت أمرهم، ووقع الشرّ بينهم، وفى ذلك يقول أبو ليلى النّهدى، وهو خالد بن الصّقعب، جاهلىّ: أتعرف الدار قفرا أم تحيّيها ... أم تسأل الدار عن أخبار أهليها دار لنهد وجرم إذ هم خلط ... إذ العشيرة لم تشمت أعاديها حتّى رأيت سراة الحىّ قد جنحت ... تحت الضّبابة ترمينا ونرميها وأصبح الودّ والأرحام بينهم ... زرق الأسنّة مجلوزا نواحيها إذ لا تشايعنى نفسى لقتلهم ... ولا لأخذ نساء الهون أسبيها فلحقت نهد بن زيد ببنى الحارث بن كعب، فحالفوهم وجامعوهم، ولحقت جرم بن ربّان ببنى زبيد، فحالفوهم وصاروا معهم، فنسبت كلّ قبيلة مع حلفائها، يغزون معهم، ويحاربون من حاربهم، حتى تحاربت بنو الحارث وبنو زبيد، فى الحرب التى كانت بينهم، فالتقوا وعلى بنى الحارث عبد الله بن عبد المدان، وعلى

стр. 62

بنى زبيد عمرو بن معد يكرب الزّبيدىّ، فتعبّى القوم، فعبيت جرم لنهد، وتواقع الفريقان، فاقتتلوا، فكانت الدّبرة يومئذ على بنى زبيد، وفرّت جرم من حلفائها من زبيد، فقال عمرو بن معد يكرب فى ذلك، وهو يذكر جرما وفرارها عن زبيد: لحا الله جرما كلّما ذرّ شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرّت ظللت كأنّى للرماح دريّة ... أقاتل عن أبناء جرم وفرّت ولم تغن جرم نهدها إذ تلاقتا ... ولكنّ جرما فى اللّقاء ابذعرّت «١» فلحقت «٢» جرم بنهد، وحالفوا فى بنى الحارث، وصاروا يغزون معهم إذا غزوا ويقاتلون معهم من قاتلوا، فقال فى ذلك عمرو بن معد يكرب- قال ابن الكلبىّ: أنشدنيها أسعر بن عمرو الجعفىّ، قال: أنشدنيها خالد بن قطن الحارثى: قل للحصين إذا مررت به ... أبصر إذا راميت من ترمى تهدى الوعيد لنا وتشتمنا ... كمعرّض بيديه للدّهم أرأيت إن سبقت إليك يدى ... بمهنّد يهتزّ فى العظم هل يمنعنّك إن هممت به ... عبداك من نهد ومن جرم قصيدة طويلة. وقال خالد بن الصّقعب النّهدىّ فيما كان بين نهد وجرم: عقدنا بيننا عقدا وثيقا ... شديدا لا يوصّل بالخيوط فتلك بيوتنا وبيوت جرم ... تقارب شعر ذى الرأس المشيط إذا ركبوا ترى نفيان خيل ... مضرّجة بأبدان شميط

стр. 63

ويؤويها الصّريخ إلى طحون ... كقرن الشّمس أو كصفا الأطيط «١» فلم تزل جرم ونهد بتلك البلاد وهى على ذلك الحلف، حتى أظهر الله الإسلام، ومن هنالك هاجر من هاجر منهم، وبها بقيّتهم. وأقامت قبائل سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، بمنازلها من وادى القرى والحجر والجناب وما والاها من البلاد، فانتشروا فيها، وكثروا بها، وتفرّقوا أفخاذا وقبائل، فكان فى عذرة بن سعد- وأمّه: عاتكة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر- العدد والشّرف، ومنهم رزاح بن ربيعة، أخو قصىّ بن كلاب لأمّه، وفيهم كان بيت بنى عذرة بن سعد- وأمّه: فاطمة بنت سعد بن سيل. قال: وكان أهل وادى القرى وما والاها اليهود يومئذ، كانوا نزلوها قبلهم على آثار من آثار ثمود والقرون الماضية، فاستخرجوا كظائمها، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها وجنانها، فعقدوا بينهم حلفا وعقدا، وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل فى كلّ عام، ومنعوها لهم من العرب، ودفعوا عنها قبائل بلىّ ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل. وقد كان النّعمان بن الحارث الغسّانىّ أراد أن يغزو ووادى القرى وأهله «٢» ، وأجمع على ذلك، فلقيه نابغة بنى ذبيان، واسمه زياد بن معاوية، فأخبره خبرهم، وحذره إياهم، ليصدّه عنهم، وذكر بأسهم وشدّتهم ومنعهم بلادهم، ودفعهم عنها من أرادها، وقال فى ذلك. لقد قلت للنّعمان يوم لقيته ... يريد بنى حنّ ببرقة صادر تجنّب بنّى حنّ فإنّ لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلّا بصابر

стр. 64

هم قتلوا الطائىّ بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أمّ جابر وهم ضربوا أنف الفزارىّ بعد ما ... أتاهم بمعقود من الأمر فاقر وهم منعوها من قضاعة كلّها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور وهم طرّفوا «١» عنها بليّا فأصبحت ... بلىّ بواد من تهامة غائر «٢» فتطمع فى وادى القرى وجنوبه ... وقد منعوه من جميع المعاشر وهم منعوا وادى القرى من عدوّهم ... بجمع مبير للعدوّ المكاثر أبو جابر: ابن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك ابن جدعاء بن ذهل بن رومان الطائى. وبنوحنّ بن ربيعة بن حرام بن ضنّة: من بنى عذرة بن سعد هذيم. فلم يزالوا على ذلك، قد منعوا تلك البلاد، وجاوروا اليهود فيها، حتّى قدم وفدهم على رسول الله ﷺ : جمرة «٣» بن النّعمان بن هوذة بن مالك ابن سمعان «٤» بن البيّاع بن دليم بن عدىّ بن حزّاز بن كاهل بن عذرة، فجعل له رمية سوطه، وحضر فرسه، من وادى القرى، وجعل لبنى عريض من اليهود تلك الأطعمة التى ذكرنا فى كلّ عام، من ثمار الوادى، وكان بنو عريض أهدوا إلى النّبيّ ﷺ خزيرا أو هريسة وامتدحوه، فطعمة بنى عريض جارية إلى اليوم، ولم يجلوا فيمن أجلى من اليهود. قال هشام: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصارى ثم العجلانى، عن إبراهيم بن البكير البلوىّ، عن يثربىّ بن أبى قسيمة السّلامانى، عن أبى

стр. 65

خالد السّلامانى، قال: خرج رجل من مداش- ومداش بن شقّ بن عبد الله ابن دينار «١» بن سعد هذيم- يقال له ورد، فلقى جمرة بن النّعمان بعد أن أقطعه رسول الله ﷺ الوادى، فكسر عصا كانت بيد جمرة، فاستأدى «٢» جمرة عليه النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : دعوا أسد الهورات «٣» ، فأقطعه حائطا بوادى القرى، يقال له حائط المداش. وكانت كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وجرم بن ربّان، وعصيمة بن اللّبو بن امرئ مناة بن فتية «٤» بن النّمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان، بمنازلها من حضن، وما والاها من ظواهر أرض نجد، ينتجعون البلاد، ويتّبعون مواقع القطر، حتّى انتشرت قبائل بنى نزار بن معدّ وكثرت، وخرجت من تهامة إلى ما يليها من نجد والحجاز، فأزالوهم عن منازلهم، ورحّلوهم عنها، ونافسوهم فيها، فتفرّقوا عنها فظعنت جرم بن ربّان عن مساكنهم، من حضن وما قاربه، فتوجّهت طائفة منهم إلى ناحية تيماء ووادى القرى، مع بنى نهد بن زيد، وحوتكة بن سود بن أسلم، فصاروا أهلها وسكّانها، فلم يزالوا بها حتّى وقعت بينهم وبين قبائل سعد هذيم ابن زيد حرب، فأخرجوهم بنو سعد منها، فلحقوا ببلاد اليمن. وقد

стр. 66

فسّرنا أمرهم فى حربهم، ومسيرهم إلى اليمن، ومقامهم هنالك، فى مقدّم حديث قضاعة وتفرّقهم. وسارت ناجية بن جرم، وراسب بن الخزرج بن جدّة بن جرم، وقدامة بن جرم، وملكان بن جرم، متوجّهين إلى عمان، فمرّوا باليمامة، فأقامت طائفة منهم بها، ومضت جماعتهم حتّى قدموا عمان، فجاوروا الأزد بها، وأقاموا معهم، وصاروا من أتلاد عمان، الذين فيها، وفيه يقول المتلمّس: إنّ علافّا ومن بالطّود من حضن ... لمّا رأوا أنّه دين خلابيس ردّوا إليهم جمال الحىّ فاحتملوا ... والضّيم ينكره القوم المكاييس «١» ويقال إن سامة بن لؤىّ بن غالب القرشىّ، خرج من الحرم، فنزل عمان، وبها تزوّج امرأته الجرميّة، التى منها ولده، وهى ناجية بنت جرم، فيما ذكر الكلبىّ، وجرم يقولون: ناجية بن «٢» جرم تزوّج هند بنت «٣» سامة ابن لؤىّ. وقال غير الكلبىّ: هى «٤» ناجية بنت الخزرج بن جدّة بن جرم.

стр. 67

فصار بنو سامة بن لؤىّ بعمان حيّا حريدا شديدا، ولهم منعة وثروة، يقال لهم بنو ناجية، وفى ذلك يقول المسيّب بن علس الضّبعىّ: وقد كان سامة فى قومه ... له مأكل وله مشرب فساموه خسفا فلم يرضه ... وفى الأرض عن خسفهم مذهب فقال لسامة إحدى النّسا ... ء مالك يا سام لا تركب أكلّ البلاد بها حارس ... مطلّ وضرغامة أغلب فقال بلى إنّنى راكب ... وإنّى لقومى مستعتب فشدّ أمونا بأنساعها ... بنخلة إذ «١» دونها كبكب فجنّبها الهضب تردى به ... كما شجى القارب الأحقب «٢» فلمّا أتى بلدا سرّه ... به مرتع وبه معزب «٣» وحصن حصين لأبنائهم ... وريف لعيرهم «٤» مخصب تذكّر لما ثوى قومه ... ومن دونهم بلد غرّب «٥» فكرّت به حرج ضامر ... فآبت به صلبها أحدب فقال ألا فابشروا واظعنوا ... فصارت علاف ولم يعقبوا ولم ينه رحّلتهم فى السّما ... ء نحس الخراتين «٦» والعقرب فبلّغه دلج دائب ... وسير إذا صدح الجندب

стр. 68

فحين النهار يرى شمسه ... وحينا يلوح لها «١» كوكب وهى طويلة. ولحق بهم فيما يقال، والله أعلم، بنو فدىّ بن سعد بن الحارث بن سامة ابن لؤىّ، فانتسبوا إليهم. وكان فدىّ بن سعد قتل ابن أخ له، يقال له حمرة «٢» بن عمرو بن سعد، ثم لحق باليحمد بن حمّى بن عثمان بن نصر بن زهران من الأزد. وقال عدىّ بن وقّاع «٣» العقوىّ- وهو من العقاة من الأزد، واسم العقى: منقذ بن عمرو بن مالك بن فهم، وإنّما سمّى العقى لأنّه قتل أخاه جرموزا، فقيل عقّه «٤» ، فسمّى لقتله إيّاه العقى- فقال فى شأن جرم ونزولهم عمان، ووقعة كانت هنالك «٥» بينهم: ناج «٦» ابن جرم فما أسباب جيرتكم ... بنى قدامة إن مولاهم فسدا دليتموهم بأمراس لمهلكة ... جرد تبيّن فى مهواتها جردا أخرجتموهم من الأحرام فانتجعوا ... يبغون خيرا فلاقوا نجعة حشدا

стр. 69

إلى عمان فداستهم كتائبنا ... يوم الرّئال فكانوا مثل من «١» حصدا وانحازت كلب من منازلها التى كانوا بها، من حضن وما والاه «٢» ، إلى ناحية الرّبذة وما خلفها، إلى جبل طميّة، وفى ذلك يقول زهير بن جناب الكلبىّ وهو يوصى بنيه، ويذكر منزله طميّة: أبنىّ إن أهلك فإنّى ... قد بنيت لكم بنيّه وتركتكم أرباب سا ... دات زنادكم وريّه ولكلّ «٣» ما نال الفتى ... قد نلته إلّا التّحيّه ولقد شهدت النّار للسّلّاف «٤» توقد فى طميّه يعنى يوم خزاز «٥» حين أوقدوا. فوقعت بين قبائل كلب حرب، فاقتتلوا، فكانت كلب كلّها يدا على بنى «٦» كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، فظهرت بنو كنانة كلّها. قال هشام: الصحّة من ذلك أن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة، وعبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف وأحلافهم، كانوا يدا على بنى

стр. 70

كنانة وأحلافها «١» ، فظهرت بنو كنانة على هاتين العمارتين: بنى عامر وبنى عبد الله. وفى ذلك اليوم تحالفت أحلاف كلب كلّها، فتفرّقت كلب كلّها، وتباينت فى ديارها ومنازلها. فظعنت قبائل من بنى «٢» عامر بن عوف بن بكر إلى أطراف الشام وناحية تيماء، فيمن لحق بهم وكان معهم. وليست لعامر بادية. ونزلت كلب ومن حالفهم وصار معهم من قبائل كلب، بخبت دومة، إلى ناحية بلاد طيّئ، من الجبلين وحيّزهما، إلى طريق تيماء؛ وبدومة غلبهم «٣» بنو عليم بن جناب، فقال أوس بن حارثة بن أوس الكلبىّ، جاهلىّ، فى الخرب التى كانت بينهم: سقنا رفيدة حتّى احتلّ أوّلها ... تيماء يذعر من سلّافها جدد سرنا إليهم وفينا كارهون لنا ... وقد يصادف فى المكروهة الرّشد حتّى وردنا على ذبيان ضاحية ... إنّا كذاك على ما خيّلت نرد قال هشام عن الشّرقىّ: وكان أوّل بيت فى قضاعة، فى حنظلة بن نهد ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وكان صاحب فتاحتهم «٤» ، وهو حكمهم الذي يحكم بينهم، وله يقول القائل: حنظلة بن نهد ... خير ناش فى معدّ وكان وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مرض

стр. 71

مرضة، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهمّ أدلنى «١» من نهد، وأدل بنىّ من بنى نهد. قال: وعزّ قضاعة يومئذ وشرفها فى بنى نهد؛ وكان حنظلة بن نهد صاحب فتاحة تهامة، وصاحب العرب بعكاظ، حين تجتمع فى أسواقها، فتحوّل ذلك إلى كلب بن وبرة، فكان أوّل كلبىّ جمع كلبا وضربت عليه القبّة، عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، ودفع إليه ود «٢» . ثم ضربت من بعده على ابنه عبد ودّ بن عوف، ودفع الصّنم إلى أخيه عامر الأجدار بن عوف. ثم ضربت من بعده على الشّجب بن عبد ودّ بن عوف. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد الله بن الشجب. ثم ضربت على ابنه عامر بن عبد الله، وهو المتمنّى. ثم تحوّل البيت والشرف إلى زهير بن جناب، فلم يزل فيه عمره حتّى هلك. ثم تحوّل إلى عدّىّ بن جناب، فكان منهم فى الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدىّ بن جناب: ثم تحوّل إلى ابنه ثعلبة. ثم إلى عمرو بن ثعلبة، فهو فيهم إلى اليوم. وقال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانى فى تفرّق قضاعة: إن عامرا ماء السماء بن حارثة، جرّد وندب إلى الشام، بأمر الملك الملظاط بن عمرو، أحياء قضاعة، وولّى عليهم زيد بن ليث بن سود، فلما صاروا بالحجاز يريدون الشام، اختلفوا على أميرهم زيد بن ليث، فافترقوا عنه، فمنهم من رجع إلى اليمن، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم خولان ومهرة ومجيد؛ ومنهم من نزل الحجاز، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم بلىّ وبهراء ابنا عمرو، وأقام زيد أيضا بالحجاز،

стр. 72

فافترق بها نسله: من سعد وعذرة، وجهينة، ونهد. فأمّا نهد فارتفعت إلى نجد العليا، وقد كانت دهرا بتهامة، وأمّا من مضى من قضاعة إلى الشام ومصر والبحرين، فنسله بها إلى اليوم، وهم كلب بن وبرة، وتنوخ، وسليح، وخشين، والقين. تفرق سائر ولد معدّ قالوا: وأقام ولد معدّ بن عدنان ومن كان معهم من أولاد أدد أبى عدنان ابن أدد، بعد خروج قضاعة من تهامة، فى بلادهم وديارهم وأقسامهم، التى صارت لهم، ما شاء الله أن يقيموا. ثم قاتلت مضر وربيعة ابنا نزار، ولد قنص بن معدّ، فأخرجوهم من مساكنهم ومراعيهم، وغلبوهم «١» على ما كان بأيديهم، فانحاز ولد سنام بن معد إلى ما يليهم من البلاد، وتفرّقت طوائف من أولاد قنص بن معدّ فى العرب وبلادها، وظعن أكثرهم مع الحيقان بن الحيق، أحد بنى عمم بن قنص بن معدّ، فى آثار مالك بن زهير بن عمرو بن فهم، ومن كان معه من قضاعة، حتى قدموا عليهم البحرين، فأقاموا بها معهم، وتنخوا بها مع جماعتهم، ثم ظعنوا منها إلى السّواد: سواد العراق، يطلبون الرّيف والمتّسع والمعاش، فوجدوا النّبط الأرمانيّين، وهم من ملوك الطوائف، فأجمع الأرمانيّون والاردوانيّون على تلك القبائل من ولد معدّ، فقتلوهم ودفعوهم عن بلادهم، فارتفعوا عن سواد العراق، فصاروا أشلا، فهم أشلاء قنص بن معدّ. وأقام طائفة منهم بناحية الأنبار والحيرة، وسكنوهما، ومنهم كان ملوك آل نصر بن ربيعة بن عمرو بن

стр. 73

الحارث بن شعوذ «١» بن مالك بن عمم بن قنص بن معدّ، رهط النّعمان بن المنذر ابن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدىّ بن نصر بن ربيعة، ملك العرب بالعراق. قال هشام: هو عمم بن نمارة بن لخم، وهو الحقّ. وقال الكلبىّ: لو كان كما يقولون لقالته العرب فى أشعارها «٢» ، وهجوا به النعمان وهو يسومهم العذاب، وما وجدوا فيه أبنة إلّا الصائغ، فسبّوه به. [تداخل بعض القبائل فى بعض] قال: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس فى الماء والكلأ، والتماسهم المعاش فى «٣» المتّسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوىّ الضعيف، انضمّ الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم فى ديارهم ومحالّهم، وانتشر كلّ قوم فيما يليهم. فتيامنت عكّ بن الدّيث بن عدنان بن أدد، فيمن كان معهم ولحق بهم، إلى غور تهامة «٤» اليمن، فنزلوا فيما بين جبال السّروات وما يليها من جبال اليمن، إلى أسياف البحر، فى الكلأ والماء والمزدرع والمتّسع، وصاروا فيما هنالك بين البحر والجبل، متنكّبين لمقانب العرب فى سراياهم، معتزلين لحربهم وتغاورهم. والأشعرون متيامنون، ينتسبون إلى أدد بن زيد بن «٥»

стр. 74

يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، مقيمون على ذلك. وعكّ أكثرهم على نسبهم إلى عدنان، وطائفة منهم متيامنة إلى قحطان. قال ابن الكلبىّ: حدثنى غياث بن إبراهيم، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال للأشعريّين حين قدموا عليه: «أنتم مهاجرة اليمن من ولد إسماعيل» . وقال العباس بن مرداس وهو يفاخر عمرو بن معد يكرب بقبائل معدّ، ويعتزى إليهم: وعكّ بن عدنان الذين تلقّبوا ... بغسّان حتّى طرّدوا كلّ مطرد وقال شاعر عكّ يفخر بنسبه إلى عدنان: وعكّ بن عدنان أبونا، ومن يكن ... أباه أبونا يغلب الناس سوددا قال هشام: إنما تنسب عكّ إلى عدنان بن أدد لاسم عدنان، وليس هو كما ذكروا «١» . وتيامنت شقرة وشقحب بنو نبت بن أدد وقبائل من أولاد عدنان، إلى بلاد اليمن وتهامة، ولحقوا بأهلها، فصاروا فى قبائلها وعمائرها، وأقاموا معهم، وانتسبوا إليهم، فدخلت شقحب فى أحاظة «٢» ، من ذى الكلاع من حمير، وفيهم تقول العرب: والله لكأنما ترانى رجلا من أحاظة، مثلا تضربه فى تباعد

стр. 75

الرحم. ولحقت شقرة بمهرة بن حيدان من قضاعة. وتيامنت نبت بن نبت «١» ابن أدد إليهم. قال هشام: وكلّ هؤلاء دخلاء فيمن سمّينا، حلفاء لا ينسبون فيهم. وتيامنت قبائل من أولاد معدّ بن عدنان؛ وتفرّقوا فى بلاد العرب، ولحقوا بأهلها، فيقال والله أعلم: إنّ مهرة بن حيدان بن معدّ. قال: وصار بنو مجيد بن حيدة بن معدّ فى الأشعريّين قبيلة من قبائلهم، يقولون: مجيد بن الحنيك بن الجماهر بن الأشعر «٢» ، ولهم يقول الشاعر: أحبّ الأشعرين لحبّ ليلى ... وأكرمهم علىّ بنو مجيد وقال آخرون: هم فى عكّ بن الدّيث «٣» ، وهم فيهم بنو عمرو بن الحيّاد. ولحق بهم جنيد بن معدّ، فهم فى عكّ. وصار بنو عبيد الرّمّاح بن معدّ فى بنى مالك بن كنانة بن خزيمة، وهم رهط إبراهيم بن عربىّ «٤» بن منكث، عامل عبد الملك بن مروان على اليمامة، من بنى عبيد الرّمّاح، فيما يزعمون. وصار عوف بن معدّ فى عضل بن محلّم بن حلمة بن الهون بن خزيمة بن مدركة.
следующие страницы →