← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11802

معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع

أبو عبيد البكري

Полный текст (1 435 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مرضة، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهمّ أدلنى «١» من نهد، وأدل بنىّ من بنى نهد. قال: وعزّ قضاعة يومئذ وشرفها فى بنى نهد؛ وكان حنظلة بن نهد صاحب فتاحة تهامة، وصاحب العرب بعكاظ، حين تجتمع فى أسواقها، فتحوّل ذلك إلى كلب بن وبرة، فكان أوّل كلبىّ جمع كلبا وضربت عليه القبّة، عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، ودفع إليه ود «٢» . ثم ضربت من بعده على ابنه عبد ودّ بن عوف، ودفع الصّنم إلى أخيه عامر الأجدار بن عوف. ثم ضربت من بعده على الشّجب بن عبد ودّ بن عوف. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد الله بن الشجب. ثم ضربت على ابنه عامر بن عبد الله، وهو المتمنّى. ثم تحوّل البيت والشرف إلى زهير بن جناب، فلم يزل فيه عمره حتّى هلك. ثم تحوّل إلى عدّىّ بن جناب، فكان منهم فى الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدىّ بن جناب: ثم تحوّل إلى ابنه ثعلبة. ثم إلى عمرو بن ثعلبة، فهو فيهم إلى اليوم. وقال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانى فى تفرّق قضاعة: إن عامرا ماء السماء بن حارثة، جرّد وندب إلى الشام، بأمر الملك الملظاط بن عمرو، أحياء قضاعة، وولّى عليهم زيد بن ليث بن سود، فلما صاروا بالحجاز يريدون الشام، اختلفوا على أميرهم زيد بن ليث، فافترقوا عنه، فمنهم من رجع إلى اليمن، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم خولان ومهرة ومجيد؛ ومنهم من نزل الحجاز، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم بلىّ وبهراء ابنا عمرو، وأقام زيد أيضا بالحجاز،

стр. 72

فافترق بها نسله: من سعد وعذرة، وجهينة، ونهد. فأمّا نهد فارتفعت إلى نجد العليا، وقد كانت دهرا بتهامة، وأمّا من مضى من قضاعة إلى الشام ومصر والبحرين، فنسله بها إلى اليوم، وهم كلب بن وبرة، وتنوخ، وسليح، وخشين، والقين. تفرق سائر ولد معدّ قالوا: وأقام ولد معدّ بن عدنان ومن كان معهم من أولاد أدد أبى عدنان ابن أدد، بعد خروج قضاعة من تهامة، فى بلادهم وديارهم وأقسامهم، التى صارت لهم، ما شاء الله أن يقيموا. ثم قاتلت مضر وربيعة ابنا نزار، ولد قنص بن معدّ، فأخرجوهم من مساكنهم ومراعيهم، وغلبوهم «١» على ما كان بأيديهم، فانحاز ولد سنام بن معد إلى ما يليهم من البلاد، وتفرّقت طوائف من أولاد قنص بن معدّ فى العرب وبلادها، وظعن أكثرهم مع الحيقان بن الحيق، أحد بنى عمم بن قنص بن معدّ، فى آثار مالك بن زهير بن عمرو بن فهم، ومن كان معه من قضاعة، حتى قدموا عليهم البحرين، فأقاموا بها معهم، وتنخوا بها مع جماعتهم، ثم ظعنوا منها إلى السّواد: سواد العراق، يطلبون الرّيف والمتّسع والمعاش، فوجدوا النّبط الأرمانيّين، وهم من ملوك الطوائف، فأجمع الأرمانيّون والاردوانيّون على تلك القبائل من ولد معدّ، فقتلوهم ودفعوهم عن بلادهم، فارتفعوا عن سواد العراق، فصاروا أشلا، فهم أشلاء قنص بن معدّ. وأقام طائفة منهم بناحية الأنبار والحيرة، وسكنوهما، ومنهم كان ملوك آل نصر بن ربيعة بن عمرو بن

стр. 73

الحارث بن شعوذ «١» بن مالك بن عمم بن قنص بن معدّ، رهط النّعمان بن المنذر ابن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدىّ بن نصر بن ربيعة، ملك العرب بالعراق. قال هشام: هو عمم بن نمارة بن لخم، وهو الحقّ. وقال الكلبىّ: لو كان كما يقولون لقالته العرب فى أشعارها «٢» ، وهجوا به النعمان وهو يسومهم العذاب، وما وجدوا فيه أبنة إلّا الصائغ، فسبّوه به. [تداخل بعض القبائل فى بعض] قال: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس فى الماء والكلأ، والتماسهم المعاش فى «٣» المتّسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوىّ الضعيف، انضمّ الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم فى ديارهم ومحالّهم، وانتشر كلّ قوم فيما يليهم. فتيامنت عكّ بن الدّيث بن عدنان بن أدد، فيمن كان معهم ولحق بهم، إلى غور تهامة «٤» اليمن، فنزلوا فيما بين جبال السّروات وما يليها من جبال اليمن، إلى أسياف البحر، فى الكلأ والماء والمزدرع والمتّسع، وصاروا فيما هنالك بين البحر والجبل، متنكّبين لمقانب العرب فى سراياهم، معتزلين لحربهم وتغاورهم. والأشعرون متيامنون، ينتسبون إلى أدد بن زيد بن «٥»

стр. 74

يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، مقيمون على ذلك. وعكّ أكثرهم على نسبهم إلى عدنان، وطائفة منهم متيامنة إلى قحطان. قال ابن الكلبىّ: حدثنى غياث بن إبراهيم، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال للأشعريّين حين قدموا عليه: «أنتم مهاجرة اليمن من ولد إسماعيل» . وقال العباس بن مرداس وهو يفاخر عمرو بن معد يكرب بقبائل معدّ، ويعتزى إليهم: وعكّ بن عدنان الذين تلقّبوا ... بغسّان حتّى طرّدوا كلّ مطرد وقال شاعر عكّ يفخر بنسبه إلى عدنان: وعكّ بن عدنان أبونا، ومن يكن ... أباه أبونا يغلب الناس سوددا قال هشام: إنما تنسب عكّ إلى عدنان بن أدد لاسم عدنان، وليس هو كما ذكروا «١» . وتيامنت شقرة وشقحب بنو نبت بن أدد وقبائل من أولاد عدنان، إلى بلاد اليمن وتهامة، ولحقوا بأهلها، فصاروا فى قبائلها وعمائرها، وأقاموا معهم، وانتسبوا إليهم، فدخلت شقحب فى أحاظة «٢» ، من ذى الكلاع من حمير، وفيهم تقول العرب: والله لكأنما ترانى رجلا من أحاظة، مثلا تضربه فى تباعد

стр. 75

الرحم. ولحقت شقرة بمهرة بن حيدان من قضاعة. وتيامنت نبت بن نبت «١» ابن أدد إليهم. قال هشام: وكلّ هؤلاء دخلاء فيمن سمّينا، حلفاء لا ينسبون فيهم. وتيامنت قبائل من أولاد معدّ بن عدنان؛ وتفرّقوا فى بلاد العرب، ولحقوا بأهلها، فيقال والله أعلم: إنّ مهرة بن حيدان بن معدّ. قال: وصار بنو مجيد بن حيدة بن معدّ فى الأشعريّين قبيلة من قبائلهم، يقولون: مجيد بن الحنيك بن الجماهر بن الأشعر «٢» ، ولهم يقول الشاعر: أحبّ الأشعرين لحبّ ليلى ... وأكرمهم علىّ بنو مجيد وقال آخرون: هم فى عكّ بن الدّيث «٣» ، وهم فيهم بنو عمرو بن الحيّاد. ولحق بهم جنيد بن معدّ، فهم فى عكّ. وصار بنو عبيد الرّمّاح بن معدّ فى بنى مالك بن كنانة بن خزيمة، وهم رهط إبراهيم بن عربىّ «٤» بن منكث، عامل عبد الملك بن مروان على اليمامة، من بنى عبيد الرّمّاح، فيما يزعمون. وصار عوف بن معدّ فى عضل بن محلّم بن حلمة بن الهون بن خزيمة بن مدركة.

стр. 76

قال هشام: لا أعرف لعوف ولدا. ودخلت جنادة بن معدّ وقناصة بن معدّ فى السّكون، فهم، فيما يقال، تجيب وتراغم ابنا معاوية بن ثعلبة بن عقبة بن السّكون. قال هشام: أنا أنكر هذا القول فى جنادة وفى تجيب. ويقال: السّكون والسّكاسك ابنا أشرس بن ثور بن حيادة بن معدّ. ومن هنالك قيل فى كندة ما قيل. قال هشام: أنا «١» أنكر هذا. يقال: كندة بن عفير بن يعفر بن حيادة بن معدّ، قال امرؤ القيس بن حجر فى قتل أبيه حجر: والله لا يذهب شيخى باطلا ... خير معدّ حسبا ونائلا قال هشام: إنّما قال: «يا خير ناش فى معدّ نائلا» . قال: ولحقت شقيص، من قناصة بن معدّ، ثم من تراغم، بكلب، فهم فى بنى عامر الأجدار على نسبهم. ويقال إن شقيصا هو الحارث بن سيّار بن شجاع بن عوف بن تراغم. قال هشام: هكذا نسبه، وليس شقيص من قناصة بن معدّ. وقال رجل من بنى الماروت بن قناصة بن معدّ- قال هشام: إنّما الماروت من «تراغم» ، ومن قال «تراغب» فهو خطأ، وبنو الماروت حلفاء فى بنى أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان-

стр. 77

حين فارقهم إخوتهم بنو شقيص بن قناصة، فدخلوا فى كلب، وهو يذكر تراغم وتجيب «١» وشقيصا، واغترابهم عن أصلهم، فقال الماروتىّ: لقد نزحت شقيص عن أبيها ... قناصة مثلما نزحت تجيب وكانوا ينسبون إلى معدّ ... فساقتها الزلازل والحروب وحىّ من تراغم قد أشتّت ... بهم عنّا نوى عنّا ذهوب وقال هشام: تجيب بنت السّكون؛ وقولهم هذا فى تجيب باطل.. وصار أود بن معدّ فى مذحج، فانتسبوا إلى صعب بن سعد العشيرة، وقالوا: أود بن صعب، وثبتوا معهم، وفيهم يقول الشاعر، كما زعم الشّرقىّ ابن القطامىّ: ومن كان يدعو من معدّ نصيره ... فما الأود من إخوانها بقريب «٢» نأت دارهم حيث استقرّ محلّهم ... بصعب بن سعد والغريب غريب وكم دونهم من شقّة وتنوفة ... أمالس قفر ما بهنّ عريب وقال البجلىّ فى تفرّق بجيلة حين وقعت بينهم حرب الحدأة: لقد فرّقتم فى كلّ أوب ... كتفريق الإله بنى معدّ تفرق بحيلة وخثعم قال: وكان جابر بن جشم بن معدّ، ومضر وربيعة وإياد وأنمار، بنو نزار بن معدّ بن عدنان، بمنازلهم من تهامة وما يليها من ظواهر نجد، فأقاموا

стр. 78

بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم أجلت بجيلة وخثعم ابنا أنمار بن نزار من منازلها وغور تهامة، وحلّت بنو مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بلادهم. قال هشام: حدّثنى الكلبىّ، عن معاوية بن عميرة بن مخوس بن معد يكرب، عن ابن عبّاس، قال فقأ أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان، عين أخيه مضر بن نزار، ثم هرب، فصار حيث تعلم، أى انتسب فى «١» اليمن. قال: فظعنت بجيلة وخثعم ابنا أنمار إلى جبال السّروات، فنزلوها، وانتسبوا فيهم «٢» ، فنزلت قسر بن عبقر بن أنمار حقال «٣» حلية وأسالم وما صاقبها من البلاد، وأهلها يومئذ حىّ من العاربة الأولى، يقال لهم بنو ثابر، فأجلوهم «٤» عنها، وحلّوا مساكنهم منها، ثم قاتلوهم، فغلبوهم «٥» على السّراة، ونفوهم عنها. ثم قاتلوا بعد ذلك خثعم أيضا، فنفوهم عن بلادهم، فقال سويد ابن جدعة أحد بنى أفصى بن نذير بن قسر، وهو يذكر ثابرا وإخراجهم إياهم من مساكنهم، ويفتخر بذلك وبإجلائهم خثعم: ونحن أزحنا ثابرا عن بلادهم ... وحلى أبحناها فنحن أسودها «٦» إذا سنة طالت وطال طوالها ... وأقحط عنها القطر واسودّ «٧» عودها وجدنا سراة لا يحوّل ضيفنا ... إذا خطّة تعيا بقوم نكيدها

стр. 79

ونحن نفينا خثعما عن بلادها «١» ... تقتّل حتّى عاد مولى شريدها «٢» فريقين: فرق باليمامة منهم ... وفرق بخيف الخيل تترى خدودها «٣» وقال عمرو بن الخثارم وهو «٤» يذكر نفيهم إياهم عن السّراة، وقتالهم إياهم عنها: نفينا كأنّا ليث دارة جلجل ... مدلّ على أشباله يتهمهم فما شعروا بالجمع حتّى تبيّنوا ... بنيّة ذات النّخل ما يتصرّم شددنا عليهم والسّيوف كأنّها ... بأيماننا غمامة تتبسّم وقاموا لنا دون النّساء كأنهم ... مصاعيب زهر جلّلت لم تخطّم ولم ينج إلّا كلّ صعل هزلج ... يخفّف من أطماره «٥» فهو محرم ونلوى «٦» بأنمار ويدعون ثابرا ... على ذى القنا ونحن والله أظلم حبيبيّة قسريّة أحمسيّة ... إذا بلغوا فرع المكارم تمّموا منحنا حقالا آخر الدّهر قومنا ... بجيلة كى يرعوا هنيئا وينعموا فصارت السّراة لبجيلة، إلى أعالى التّربة، وهو واد يأخذ من السراة، ويفرّغ فى نجران، فكانت دارهم جامعة، وأيديهم واحدة، حتّى وقعت حرب بين أحمس بن الغوث بن أنمار، وزيد بن الغوث بن أنمار، فقتلت زيد أحمس، حتى لم يبق منهم إلّا أربعون غلاما، فاحتملهم عوف بن أسلم

стр. 80

ابن أحمس، حتى أتى بنى الحارث بن كعب، فنزلوا بهم، وجاوروهم، وعوف يومئذ شيخ، فلم يزالوا فى ديار بنى الحارث حتى تلاحقوا وقووا، فأغاروا ببنى الحارث على بنى زيد، فقتلوهم ونفوهم عن ديارهم، إلّا بقيّة منهم، ورجعت أحمس إلى ديارهم. فلم تزل قسر فى دارها، مقيمة فى محالّها، يغزون من يليهم، ويدفعون عن بلادهم، مجتمعة كلمتهم على عدوّهم، حتى مرّت بهم حدأة، فقال رجل من عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر: أنا لهذه الحدأة جار، فعرفت بالعرنىّ، ونسبت إليه، فلبثت حينا، ثم إنها وجدت ميّتة، وفيها سهم رجل من بنى أفصى بن نذير بن قسر، فطلب عرينة صاحب السّهم، فقتلوه ثم إنّ أفصى جمعت لعرينة، فالتقوا، فظهرت عليهم عرينة، فقتلوهم إلّا بقيّة منهم، فلم يزالوا قليلا حتى ظهر الإسلام، واجتمعت قبائل قسر، فأخرجوا عرينة عن ديارهم، ونفوهم عنها، فقال عوف بن مالك بن ذبيان وبلغه أمرهم: وحدّثت قومى أحدث الدّهر بينهم ... وعهدهم بالنّائبات قريب فإن يك حقّا ما أتانى فإنّهم ... كرام إذا ما النائبات تنوب فقيرهم مدنى الغنى وغنيّهم ... له ورق للمعتفين رطيب ونبّئت قومى يفرحون بهلكهم ... سيأتيهم ملمنديات «١» نصيب فتفرّقت بطون بجيلة عن الحروب التى كانت بينهم، فصاروا متقطّعين «٢» فى قبائل العرب، مجاورين لهم فى بلادهم، فلحق عظم عرينة بن قسر، ببنى جعفر ابن كلاب بن ربيعة، وعمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ولحقت قبيلتان من عرينة: غانم ومنقذ ابنا مالك بن هوازن بن عرينة، بكلب بن

стр. 81

وبرة، وانضمّت موهبة بن الرّبعة بن هوازن بن عرينة، إلى بنى سليم بن منصور. ودخلت أبيات من عرينة فى بنى سعد بن زيد مناة بن تميم. وصارت بطون سحمة بن سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، ونصيب بن عبد الله بن قداد، فى بنى عامر بن صعصعة. وكانت بنو أبى مالك بن سحمة وبنو سعد بن سحمة بن سعد بن عبد الله بن قداد، فى بنى الوحيد بن كلاب وعمرو بن كلاب. وكان «١» بنو أبى أسامة بن سحمة فى بنى أبى عمرو «٢» بن كلاب ومعاوية الضّباب. وكانت عادية بن عامر بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، فى بنى عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. «٣» وكانت بنو جشم بن عامر بن قداد فى بنى عامر بن صعصعة «٤» . وكانت ذبيان وقطيعة ابنا عمرو بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، فى بنى عامر بن صعصعة. وكانت بنو فتيان بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار، فى بنى الحارث بن كعب. ولحقت جشم بن عامر بن قداد ببنى الحارث بن كعب أيضا. وكانت قيس كبّة- وكبّة فرس له- بن الغوث ابن أنمار فى بنى جعفر بن كلاب. وصارت بنو عقيدة وبنو منبّه بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنماز، فى بنى سدوس بن شيبان بن ثعلبة بالبحرين، وأبيات من العتيك بن الرّبعة بن مالك بن سعد مناة بن نذير بن قسر، وبعمان منهم أناس، وعظمهم بنجران، مجاورين لبنى الحارث بن كعب، وفى البادية فيما بين اليمامة والبحرين بطن من بنى سحمة، يقال لهم الجلاعم، رهط قيس القتّال الشاعر، ومعهم أهل أبيات من قيس، ومنهم الذي يقول:

стр. 82

ألا أبلغا أبناء سحمة كلّها ... بنى جلعم منهم، وذلّا لجلعم فلا أنتم منّى ولا أنا منكم ... فراش حريق العرفج المتضرّم ولحقت طائفة من بنى محلّم بن الحارث بن ثعلبة بن سحمة، ببنى محلّم بن ذهل بن شيبان، وأقامت طائفة منهم فى بجيلة، فقال رجل منهم فى ذلك: لقد قسمونا قسمتين فبعضنا ... بجيلة والأخرى لبكر بن وائل فقد متّ غمّا لا هناك ولا هنا ... كما مات سقط بين أيدى القوابل وقال البجلىّ لقومه حين تفرّقوا فى العرب: لقد فرّقتم فى كلّ أوب «١» ... كتفريق الإله بنى معدّ وكنتم حول مروان «٢» حلولا ... أكارس «٣» أهل مأثرة ومجد ففرّق بينكم يوم عبوس ... من الأيّام نحس غير سعد فكانت قبائل بجيلة فى قبائل بنى عامر بن صعصعة، وكانوا معهم يوم جبلة، فتزعم بجيلة أن مغراء «٤» الغرنىّ- وهو عرينة بن نذير «٥» بن قسر بن عبقر، وهو بجيلة بن أنمار- قتل لقيط بن زرارة يوم جبلة، وقال شاعرهم: ومنّا الذي أردى لقيطا برمحه ... غداة الصّفا وهو الكمىّ «٦» المقنّع بجيّاشة كبّت لقيطا لوجهه ... وأقبل منها عاند «٧» يتدفّع

стр. 83

فكانت عادية «١» بن عامر بن قداد من بجيلة فى بنى عامر بن صعصعة، وكانت سحمة بن معاوية بن زيد فى بنى أبى بكر بن كلاب، ومنهم نفر مع عكل. قال: فلم يزالوا على ذلك حتى أظهر الله الإسلام، فسأل جرير بن عبد الله ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن حزيمة بن حرب بن على بن مالك بن سعد مناة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار، عمر بن الخطّاب، رضى الله عنه، لما أراد أن يوجّهه لحرب الأعاجم، أن يجمعهم له، ويخرجهم من تلك القبائل، ففعل له ذلك، وكتب فيه إلى عمّاله. وأقامت خثعم بن أنمار فى منازلهم من جبال السّراة وما والاها: جبل يقال له شىّ، وجبل يقال له بارق، وجبال معهما، حتى مرّت بهم الأزد فى مسيرها من أرض سبأ، وتفرّقها فى البلاد، فقاتلوا خثعما، فأنزلوهم من جبالهم، وأجلوهم عن منازلهم، ونزلتها أزد شنوءة: غامد وبارق ودوس، وتلك القبائل من الأزد، فظهر الإسلام وهم أهلها وسكانها. ونزلت خثعم ما بين بيشة وتربة، وما صاقب تلك البلاد وما والاها، فانتشروا فيها إلى أن أظهر الله الإسلام وأهله، فتيامنت بجيلة وخثعم، فانتسبوا إلى أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقالوا: نحن أولاد قحطان، ولسنا إلى معدّ بن عدنان. وتيامنت النّخع، وهو جسر بن عمرو بن الطّمثان بن عوذ مناة بن يقدم ابن أفصى بن دعمىّ بن إياد بن نزار، فنزلت ناحية بيشة وما والاها من البلاد، وأقاموا بها، فصاروا مع مذحج فى ديارهم، وانتسبوا إليهم، فقالوا: النّخع بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد، وثبتوا على ذلك، إلّا طائفة

стр. 84

منهم، فإنهم يقرّون بنسبهم، ويعرفون أصلهم، فقال لقيط بن يعمر «١» الإيادىّ وهو يحضّض إيادا على كسرى، ويعيّرهم صنيعهم: ولا يدع بعضكم بعضا لنائبة ... كما تركتم بأعلى بيشة النّخعا قال هشام: وقد روينا فى النّخع وثقيف، وفى نزولهما منازلهما بأبدانهما، حديثا آخر. قال هشام: أمّ النخع بن عمرو: بنت عمرو بن الطّمثان، وهذا خلاف قولهم. وأمّ ثقيف: بنت سعد بن هذيل بن مدركة. قال هشام: حدّثنى الكلبىّ عن أبى صالح، قال: ذكر ثقيف والنّخع يوما عند ابن عبّاس، فقال: إنّ ثقيفا والنّخع ابنا خالة، وإنهما خرج فى نجعة ومعهما غنيمة «٢» لهما، فيها شاة، معها جدى لها، فعرض لها مصدّق «٣» لبعض ملوك اليمن، فأرادهما على أخذ الشاة ذات الجدى، فقالا له: خذ منها ما شئت، فقال: هذه الشاة الحلوب. قالا: إنما نعيش ويعيش جديها منها، فخذ غيرها، فأبى. قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، وهمّا بقتله، فأشار أحدهما إلى صاحبه أن ارمه، فرماه بسهم، ففلق قلبه، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما تحملنا أرض واحدة، فإمّا أن تغرّب وأشرّق، وإمّا أن تشرّق وأغرّب، فقال قسىّ، وهو ثقيف: فإنى أغرّب، وقال النّخع، واسمه جسر: فإنى أشرّق. قال: فمضى النخع حتى نزل بيشة باليمن، فلما كثر ولده تحوّل إلى الدّثينة «٤» ، فهى منازلهم إلى اليوم، ومضى قسىّ حتى أتى وادى القرى، فنزل بعجوز يهوديّة كبيرة، لا ولد لها،

стр. 85

فكان يعمل بالنهار، ويأوى إليها بالليل، فاتّخدها أمّا، واتّخذته، ابنا، فلمّا حضرتها الوفاة قالت له: يا هذا، لا أحد لى غيرك، وقد أردت أن أكرمك، لإلطافك إياى، وإنما كنت أعدّك ابنى، وقد حضرنى الموت، فإذا أنت واريتنى «١» ، فخذ هذا الذهب، وهذه القضبان من العنب، فإذا أنت نزلت واديا تفدر على الماء فيه، فاغرسها فيه، فإنّك تنتفع بها، وماتت. قال: فأخذ الذهب والقضبان، ثم أقبل، حتى إذا كان قريبا من وجّ، وهو الطّائف، إذا هو بأمة يقال لها خصيلة. قال هشام: ويقال زبيبة» . ترعى ثلاث «٣» مئة شاة، فأسرّ فى نفسه طمعا فيها، وفطنت له، فقالت: كأنك أسررت فىّ طمعا: تقتلنى وتأخذ الغنم؟ قال إى والله. قالت: والله لو فعلت لذهبت نفسك ومالك، وأخذت الغنم منك. أنا جارية عامر بن الظّرب العدوانىّ، سيّد قيس وحكمها، وأظنّك خائفا طريدا. قال: نعم: قالت. فعربىّ أنت؟ قال: نعم. قالت: فأنا أدلّك على خير ممّا أردت؛ مولاى إذا طفلت الشمس للأياب يقبل، فيصعد هذا الجبل، ثم يشرف على هذا الوادى، فإذا لم ير فيه أحدا، وضع قوسه وجفيره «٤» وثيابه، ثم ينحدر فى الوادى لقضاء حاجته، ثم يستنجى بماء من العين، ثم يصعد فيأخذ ثيابه وقوسه، ثم ينصرف، فيخرج رسوله، فينادى: ألا من أراد الدّرمك «٥» واللحم والتمر واللبن، فليأت دار عامر

стр. 86

ابن الظّرب. فيأتيه قومه، فاسبقه إلى الصخرة، واكمن له عندها، فإذا وضع ثيابه وقوسه فخذها، فإذا قال لك: من أنت؟ فقل: غريب فأنزلنى، وطريد فآونى، وعزب فزوّجنى، فإنه سيفعل. ففعل ذلك قسىّ، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا قسىّ بن منبّه، وأنا طريد فآونى، وغريب فأنزلنى، وعزب فزوّجنى. فانصرف به إلى وجّ، وخرج مناديه فنادى: ألا من أراد الخمر «١» واللحم والتمر واللبن، فليأت دار عامر بن ظرب. فأقبل كلّ من كان حوله من قومه، فلمّا أكلوا وتمجّعوا «٢» وفرغوا، قال لهم: ألست سيّدكم وابن سيّدكم وحكمكم؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تؤمّنون من أمّنت، وتؤوون من آويت، وتزوّجون من زوّجت؟ قالوا: بلى. قال: هذا قسىّ بن منبّه، وقد زوّجته ابنتى، وآويته معى فى دارى، وأمّنته. قالوا: نعم، فقد جوّزنا ما فعلت. فزوّجه ابنته زينب، فولدت له عوفا وجشم ودارسا، وهم فى الأزد بالسّراة، وسلامة، انتسبوا فى اليمن. قال هشام: وهم أهل أبيات قليلة فى بنى نصر بن معاوية. ثم هلكت زينب، فزوّجه ابنة له أخرى، يقال لها آمنة، فولدت له «٣» ناصرة بن قسىّ، والمسك بنت قسىّ. قال هشام: وهى أمّ النّمر بن قاسط. قال: وغرس قسىّ تلك القضبان بوادى وجّ، فأنبتت، فقالوا: قاتله الله، ما أثقفه! حين ثقف عامرا حتى أمّنه وزوّجه، وأنبت تلك القضبان حتى أطعمت، فسمّى ثقيفا يومئذ.

стр. 87

قال: فلم تزل ثقيف مع عدوان حتى ربلوا، فأخرجوا عدوان من الطائف. قال هشام: إنما سمّى الطائف، فيما أخبرنى أبو مسكين المدنىّ، قال: أصاب رجل من الصّدف دما فى قومه بحضر موت، وكان يقال للصّدفىّ الدّمون، وكان قتل ابن عم له، فقال فى ذلك: وحربة ناهل «١» أو جرت عمرا ... فما لى بعنده أبدا قرار ثم خرج هاربا حتى نزل بوجّ، فحالف مسعود بن معتّب ومعه مال عظيم، فقال لهم: هل لكم أن أبنى لكم طوفا عليكم، يكون لكم ردءا من العرب؟ قالوا: نعم. فبنى لهم بماله ذلك الطوف، فسمّى الطائف، لأنّه حائط يطيف بهم. قال: واجتمعت قبائل من إياد بعد أن فارقهم النخع، فساروا مشرّقين فى آثار قضاعة والقنصيين، وكان لهم شرف فى أهل تهامة، ومنزلة فيهم، وعزّ ومنعة فى ذلك الزمن، تعرفه العرب؛ وتخلّفت عنهم ثقيف، وأقاموا مع أخوالهم عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، إلى جانب الطائف، وظعنوا عن مساكنهم، ونزلتها كنانة بن خزيمة بن مدركة بعدهم. والأرض التى كانت فيها حرب إياد وإخوته، حين أجليت إياد من تهامة، يقال لها خانق، وهى لكنانة. قال أبو المنذر، بإسناده المتقدم عن ابن عبّاس: أقامت ربيعة و؟؟؟ مفسر وإياد فى منازلها وديارها، بعد مسير أنمار بن نزار، وظعنهم عن بلادهم، فربلت إياد وكثرت، حتى إن كان الرجل ليولد له فى الليلة العشرة وأكثر من ذلك، ولا يولد لمضر وربيعة فى الشهر إلّا الولد الواحد، فكثرت قبائلهم، وتلاحقت نابتتهم، وكان فيهم الغمامتان، وهما قبيلتان، والكردوسان من إياد، فبغت

стр. 88

على إخوتهم، حتى كان الرجل يضع قوسه على باب المضرىّ أو الرّبعىّ، فيكون أحقّ بما فيه. فيزعمون- والله أعلم- أنّهم سمعوا مناديا فى جوف الليل، على رأس جبل، وهو يقول: «يا معشر إياد، اظعنوا فى البلاد، لمضر الأنجاد، قد عثتم «١» فى الفساد، فحلّوا بأرض سنداد، فليس إلى تهامة من معاد» . ورماهم الله بقرح- وقال ابن شبّة: بداء- يقال له النّخاع «٢» ، فكان يموت منهم فى اليوم والليلة المئة والمئتان، فقال رجل صالح منهم: يا معشر إياد، إنّما رماكم الله بما ترون لبغيكم على بنى أبيكم، فاشخصوا عن هذه البلاد، فقد أمرتم بذلك، لا يصيبكم الله بعذاب. قال ابن الكلبىّ: وحدّثنى أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأنصارىّ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: أخرج الله إيادا من تهامة بالشّمال، وبعثه الله على نعمهم الجدب حتّى إذا أرمّت «٣» هبّت الشّمال، فاستقبلتها النعم، فخرج بها من تهامة. ولذلك يقول أميّة بن أبى الصّلت: آباؤنا دمّنوا «٤» تهامة فى الدّهر وسالت بجيشهم إضم قومى إياد لو أنّهم أمم ... أو لو أقاموا فتجزر النعم جدّى قسىّ إذا انتسبت ومنصور ... بحقّ ويقدم القدم

стр. 89

قوم لهم ساحة العراق إذا ... ساروا جميعا والقطّ والقلم ويقال إن إيادا لم تزل مع إخوتها بتهامة وما والاها، حتّى وقعت بينهم حرب، فتظاهرت مضر وربيعة على إياد، فالتقوا بناحية من بلادهم، يقال لها خانق، وهى اليوم من بلاد كنانة بن خزيمة، فهزمت إياد، وظهر عليهم، فخرجوا من تهامة. وقال الكنانىّ الذي قتله خالد يوم الغميصاء، للجارية الّتى كان يتعشّقها أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية يوما أو بإحدى الخوانق ألم يك حقّا أن ينوّل عاشق ... يكلّف إدلاج السّرى والودائق فقال أحد بنى خصفة بن قيس بن عيلان فى ذلك: إيادا يوم خانق قد وطئنا ... بخيل مضمرات قد برينا تعادى بالفوارس كلّ يوم ... غضاب الحرب تحمى المحجرينا «١» فأبنا بالنّهاب وبالسّبايا ... وأضحوا فى الديار مجدّلينا «٢» فظعنت إياد من منازلها، ونزلوا سنداد، بناحية سواد الكوفة، فأقاموا بها دهرا. وقال ابن شبّة: افترقت ثلاث فرق: فرقة مع أسد بن خزيمة بذى طوى، وفرقة لحقت بعين أباغ، وأقبل الجمهور حتّى نزلوا بناحية سنداد. ثم اتّفقوا، فكانوا يعبدون ذا الكعبات: بيتا بسنداد- وعبدتها بكر بن وائل بعدهم- فانتشروا فيما بين سنداد وكاظمة، وإلى بارق والخورنق وما يليها، واستطالوا على الفرات حتى خالطوا أرض الجزيرة، فكان لهم موضع دبر الأعور ودير الجماجم ودير قرّة، وكثر من بعين أباغ منهم، حتّى صاروا كالليل كثرة، وبقيت هنالك تغير على من يليها من أهل البوادى، وتغزو

стр. 90

مع ملوك آل نصر المغازى، حتى أصابوا امرأة من أشراف الأعاجم، كانت عروسا قد أهديت إلى زوجها، وولى ذلك منها بعض سفهائهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الأعاجم، قيل هو أنو شروان بن قباذ، وقيل كسرى بن هرمز، واسم المرأة سيرين. فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون إبلهم فى القراقير، ويجوزون الفرات، وراجزهم يرتجز ويقول: بئس مناخ الخلفات الدّهم ... فى دفعة القرقور وسط اليمّ فتبعتهم الأعاجم، فقالت كاهنة كانت فى إياد: «إن يقتلوا رجلا سلما، ويأخذوا نعما، يضرّجوا آخر اليوم دما» . فقال رجل منهم لابن له يقال له ثواب: أى بنىّ، هل لك أن تهب لقومك نفسك؟ فخرج بإبله يعارضهم، فقتلوه وأخذوا إبله، ورأس القوم يومئذ بياضة بن رياح «١» بن طارق الإيادى، فلما التقى الناس قالت هند بنت بياضة: نحن «٢» بنات طارق ... نمشى على النمارق والمسك فى المفارق ... مشى القطا النواتق؟ إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق «٣» فهزمت إياد الأعاجم آخر النهار، وذلك بشاطئ الفرات العربىّ، وقتلت ذلك الجيش، فلم يفلت منهم إلا الشّريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمّى ذلك الموضع دير الجماجم. ومن رواية أبى علىّ القالىّ عن رجاله، قالوا: كانت إياد لمّا نزلوا العراق

стр. 91

تغزو أهله ومن نلوأهم، حتى ملك كسرى أنوشروان، فأغارت إياد على نساء من نساء فارس، فأخذوهنّ، فغزاهم أنوشروان، فقتل منهم، ونفاهم عن أرض العراق، فنزل بعضهم تكريت، وبعضهم الجزيرة وأرض الموصل كلّها، فبعث أنوشروان ناسا من بكر بن وائل مع الفرس، فنفوهم عن تكريت والموصل، إلى قرية يقال لها الحرجيّة «١» ، بينها وبين الحصنين فرسخان أو ثلاثة، فالتقوا بها، فهزمتهم الفرس، وقتلتهم «٢» ، وقبور إياد بها إلى اليوم، فساروا حتى نزلوا بقرّى من أرض الروم، وسار بعضهم إلى حمص وأطراف الشام. وكان الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، فيمن سار إليهم من بكر بن وائل مع الأعاجم، فأجار ناسا من إياد، وكان أبو دواد الإيادىّ فيمن أجار وأكرم، فضربت العرب المثل به، فقالوا: «جار كجار أبى دواد» ، يعنون الحارث بن همّام «٣» . وقال: هشام: حدّثنى أبو زهير بن عبد الرحمن بن مغراء «٤» الدّوسى، عن رجل منهم كان عالما، قال: كان عند كسرى بن هرمز رهن من إياد وغير إياد من العرب، وكان كسرى يضع الدّريّة لأساورته، فيرمونها، فيوالون فيها بالنشّاب، فقال رجل من الرّهن الذين من إياد: لو أنزلنى الملك رميت مثل رميهم. فأخبر بذلك كسرى، فأمر به فأنزل، فرمى، فأجاد الرّمى. فقال له: أفى قومك من يرمى رميك؟ قال: كلّهم يرمى رميى. قال: فأتنى منهم

стр. 92

بثلاث مئة رجل أو أربع مئة، يرمون مثل رميك، فجاءه بهم، فكانوا يكونون عنده، وجعلهم مراصد على الطريق، فيما بينه وبين الفرات، لئلّا يعبره أحد عليهم. قال: وكان ما بين المدائن إلى نهر الملك، مرج واحد من البساتين، لا حائط له «١» . قال: فخرجت سيرين ومعها جواريها، وأصلها رومىّ، فعرض لها رجل من الإياديّين، يقال له الأحمر، وكان معه صاحب له، فعبثا بهنّ، قال: فجعلتهما العرب الأحمرين، قال راجزهم: الاحمران أهلكا إيادا ... وحرما قومهما السّوادا قال: فشكوا ذلك إلى كسرى، فبعث إليهم عدّتهم من الفرس، وهرب الأحمران، فأنذرا أصحابهما، فلحقتهم الفرس وقد عبروا دجلة، وقد كان قال لهم كسرى: خذوهم أخذا. قال: فلحقوهم، فجثا الإياديّون على الرّكب، فرموا رشقا واحدا، فأعموهم جميعا، فأخبر كسرى بذلك، فبعث إليهم الخيل، وأمر لقيط بن يعمر «٢» بن خارجة بن عوبثان الإيادى، وكان محبوسا عند كسرى، أن يكتب إلى من كان من شداد قومه، فيما بينه وبين الجزيرة، أن يقبلوا إلى قومهم، فيجتمعوا، ليغير على إياد كلّهم، فيقتلهم. قال: فكتب لقيط إلى قومه ينذرهم كسرى، ويحذّرهم إيّاه: سلام «٣» فى الصّحيفة من لقيط ... على «٤» من بالجزيرة من إياد بأنّ اللّيث يأتيكم دليفا ... فلا يشغلكم سوق النّقاد «٥» ويروى: بأن الليث كسرى قد أتاكم.

стр. 93

وكتب إليهم أيضا بقصيدة أوّلها: يا دار، عبلة «١» من محتلّها الجرعا ... هاجت لى الهمّ والأحزان والوجعا «٢» ويروى: قد هجت لى الهمّ والأحزان والوجعا. يقول فيها: أبلغ إيادا وخلّل «٣» فى سراتهم ... إنى أرى الرأى إن لم أمحص قد نصعا يا لهف نفسى إذا كانت أموركم ... شتّى وأحكم أمر الناس فاجتمعا «٤» ألا تخافون قوما لا أبالكم ... أمسوا إليكم كأرسال الدّبى سرعا «٥» أبناء قوم تآيوكم «٦» على حنق ... لا يشعرون أضرّ الله أم نفعا فى كلّ يوم يسنّون الجراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا

стр. 94

مالى أراكم نياما فى بلهنية «١» ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا يا قوم بيضتكم «٢» لا تفجعنّ بها ... إنى أخاف عليها الأزلم الجذعا «٣» يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا هو الفناء الذي يجتثّ أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا ما انفكّ يحلب هذا الدّهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا حتى استمرّت على شزر مريرته «٤» ... مستحكم السّنّ «٥» لا قحما ولا ضرعا «٦» لا يطعم النّوم إلّا ريث يبعثه «٧» ... همّ يكاد شباه «٨» يفصم «٩» الضّلعا

стр. 95

مستنجدا يتحدّى الناس كلّهم ... لو صارعوه جميعا فى الوغى صرعا «١» لقد نخلت لكم رأيى «٢» بلا دخل ... فاستيقظوا إنّ خير العلم ما نفعا قال: فلما أتاهم الكتاب هربوا، وأمر كسرى الخيل، فأحدقت بهم، وبالذين بقوا من خلف الفرات، ثم وضعوا فيهم السّيوف. قال هشام: قال الكلبىّ: فمن غرق منهم بالماء أكثر ممن قتل بالسيف. ولما بلغ كسرى شعر لقيط قتله، وكان كاتبه «٣» بالعربيّة وترجمانه، وكان مقروفا «٤» بامرأة كسرى. ودانت إياد لغسّان، وتنصّروا، ولحق أكثرهم بلاد الروم، فيمن دخلها مع جبلة بن الأيهم، من غسّان وقضاعة وغيرهم، وبقايا من بقاياهم متفرّقون فى أجناد الشام ومدائنها، وكان من دخل مع جبلة بن الأيهم من إياد وقضاعة وغسّان ولخم وجذام نحو أربعين ألفا، وهم معهم إلى اليوم، ومدينتهم تعرف بمدينة العرب، وليس لمن كان منهم اليوم بالشام دعوة ولا قبيل ينسبون إليه. قال هشام: حدّثنى الكلبىّ، عن على بن وثّاب الإيادى، عن أبيه: أن إيادا حين دخلوا الروم لم يزالوا بها إلى الإسلام؛ فلمّا كان زمن عمر بن الخطّاب، بعث رسلا من عنده معهم المصاحف، إلى ملك الروم: أن اعرض هذه المصاحف على من قبلك من قومنا من العرب، فمن أسلم منهم فلا تحولنّ بينه وبين الخروج إلينا، فو الله لئن لم تفعل لأتتبّعنّ «٥» كلّ من كان على دينك فى جميع بلادنا، فلأقتلنّه.

стр. 96

قال: فلمّا قدمت المصاحف عليه عورضت بالإنجيل، فوجدوا القرآن يوافق الإنجيل، فأسلموا، ونادى مناد بالصلاة. قال ابن وثّاب عن أبيه: فجعلت أنظر إلى «١» الصفوف، ما أرى أطرافها من كثرتها. قال: فلمّا كان عند الخروج، لم يخرج منهم إلّا أربعة آلاف، منهم أبى. وقال ثعلبة بن غيلان يذكر خروج إياد من تهامة: تحنّ إلى أرض المغمّس ناقتى ... ومن دونها ظهر الجريب فراكس بها قطعت عنّا الوذيم نساؤنا ... وخرّست الأبناء فيها الخوارس «٢» إذا شئت غنّانى الحمام بأيكة ... وليس سواء صوتها والعرانس «٣» تجوب بنا الموماة «٤» كلّ شملّة ... إذا أعرضت منها القفار البسابس فيا حبّذا أعلام بيشة واللّوى ... ويا حبّذا أخشافها والجوارس «٥» أقامت بها جسر بن عمرو وأصبحت ... إياد بها قد ذلّ منها المعاطس تبدّل دعمىّ بدعوى أخيهم ... سباسب آل تجتويها الفوارس جسر بن عمرو النّخعىّ، ودعمىّ بن إياد. فلم يبق بتهامة وغورها «٦» من ولد عدنان إلّا مضر وربيعة ومن كان معهم أو دخيلا فيهم أو مجاورا لهم. قال ابن شبّة: وإلا قسىّ بن منبّه بن النّبيت

стр. 97

ابن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمىّ بن إياد، فإنّه أقام بالطائف فى نفر من أصهاره عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، لأنّ أمّ بنيه: زينب بنت عامر ابن الظّرب العدوانىّ، على ما تقدّم ذكره. وكان قسىّ وهو ثقيف قد تمرّد على قومه، وتفتّك على من قاربهم وجاورهم من غيرهم، ونابذوه، فانحاز عنهم. ونزلت عامر بن صعصعة- وأمّه عمرة بنت عامر بن الظّرب- ناحية من الطائف، مجاورين لعدوان أصهارهم أيضا، فنزلوا حولهم، وكانوا بذلك زمانا، ووقعت بين عدوان حرب، فتفرّقت جماعتهم، وتشتّت أمرهم، فطمعت فيهم بنو عامر، وأخرجتهم من الطائف، ونفوهم عنها، وفى ذلك يقول حرثان بن محرّث ذو الإصبع العدوانى: بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض وهم بوّوا «١» ثقيفا دا ... ر لا ذلّ ولا خفض قال: فكانت بنو عامر يتصيّفون الطائف لطيبها وثمارها، ويتشتّون بلادهم من أرض نجد، لسعتها وكثرة مراعيها وإمراء كلئها، ويختارونها على الطائف. وعرفت ثقيف فضل الطائف، فقالوا لبنى عامر: إن هذه بلاد غرس وزرع، وقد رأيناكم اخترتم المراعى عليها، فأضررتم بعمارتها واعتمالها، ونحن أبصر بعملها منكم، فهل لكم أن تجمعوا الزّرع والضّرع، وتدفعوا بلادكم هذه إلينا، فنثيرها حرثا، ونغرسها أعنابا وثمارا وأشجارا، ونكظمها كظائم، ونحفرها أطواء، ونملأها عمارة وجنانا، بفراغنا لها، وإقبالنا عليها، وشغلكم عنها، واختياركم غيرها، فإذا بلغت الزروع، وأدركت الثمار، شاطرناكم، فكان لكم النّصف بحقّكم فى البلاد، ولنا النصف بعملنا فيها، فكنتم بين

стр. 98

ضرع وزرع، لم يجتمع لأحد من العرب مثله. فدفعت بنو عامر الطائف إلى ثقيف، بذلك الشرط، فأحسنت ثقيف عمارتها، فكانت بنو عامر تجىء أيّام الصّرام، فتأخذ نصف الثمار كلّها كيلا، وتأخذ ثقيف النصف الثانى، وكانت عامر وثقيف تمنع الطائف ممّن أرادهم. فلبثوا بذلك زمانا من دهرهم، حتى كثرت ثقيف، فحصّنوا الطائف، وبنوا عليها حائطا يطيف بها، فسمّيت الطائف، فلما قووا بكثرتهم وحصونهم، امتنعوا من بنى عامر، فقاتلتهم بنو عامر، فلم تصل إليهم، ولم يقدروا عليهم، ولم تنزل العرب مثلها دارا. فقال الأجشّ بن مرداس بن عمرو بن عامر بن سيار «١» بن مالك بن حطيط ابن جشم بن قسىّ يذكر الطائف: فقد جرّبتنا قبل عمرو بن عامر ... فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت إن قالت الحق أنّنا ... إذا ما انثنت صعر الخدود نقيمها نقرّبها حتى يلين شريسها ... ويرجع للحقّ المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرّق ... كلون السماء زينتها نجومها وقال كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن غيرة بن عوف ابن قسيّ، يفخر بالطائف ويذكر فضلها: كأنّ الله لم يؤثر علينا ... غداة تجزّأ الأرض اقتساما عرفنا سهمنا فى الكفّ يهوى ... لدى وجّ وقد قسم السهاما فلمّا أن أبان لنا اصطفينا ... سنام الأرض إنّ لها سناما أسافلها منازل كلّ حىّ ... وأعلاها لنا بلدا حراما

стр. 99

ثم انتسبوا بعد، فقالوا: قسىّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وثبتت طائفة منهم على نسبهم إلى إياد. قال أميّة بن أبى الصّلت: فإمّا تسألى يا بثن عنّى ... وعن نسبى أخبّرك اليقينا فإنّا للنّبيت بنى قسىّ ... لمنصور بن يقدم أقدمينا لأفصى عصمة الهلّاك أفصى ... على أفصى بن دعمىّ بنينا ودعمىّ به يكنى إياد ... إليه تنسّبى كى تعلمينا وقال مالك بن عوف النّصرىّ: ألا أبلغ ثقيفا حيث كانت ... بأىّ ما حييت لكم معادى فإنّى لست منك ولست منّى ... فحلّى فى أحاظة أو إياد فأجابه مسعود بن معتّب: لا قيسكم منّا ولا نحن منكم ... ولكنّنا أولاد نبت بن يقدما وإن أدع يوما فى أحاظة تأتنى ... كتائب خرس لا أخاف التّهضّما وقال غيلان بن سلمة بن معتّب: إنّى امرؤ من إياد غير مؤتشب «١» ... وارى الزّناد وقلّل قيس عيلان هم والدى وإليهم أنتمى صعدا ... والحىّ قيس هم صهرى وجيرانى فلم يبق بتهامة وغورها من «٢» ولد عدنان إلا ربيعة ومضر، ومن كان معهم أو دخيلا فيهم أو مجاورا لهم. قال ابن شبّة: وإلا قسىّ بن منبّه بن النّبيت ابن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمىّ بن إياد، فإنّه أقام بالطائف فى نفر من أصهاره، عدوان بن قيس بن عيلان، على ما تقدّم إيراده، فكثروا وتضايقوا فى منازلهم، فانتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد نجد وتهامة،

стр. 100

فكانت بقرن المنازل وحضن وعكابة وركبة وحنين وغمرة أوطاس «١» وذات عرق والعقيق وما والاها من نجد، معهم كندة، يغزون معهم المغازى، ويصيبون الغنائم، ويتناولون أطراف الشام وناحية اليمن، ويتعدّون فى نجعهم. ثم إنّ بنى عامر بن الحارث بن أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، أصابت عامرا الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط، وكان عامر منزل ربيعة فى انتجاعهم، وصاحب مرباعهم، فقتلوه بغير دم أصابه، فقالت النّمر وأولاد قاسط- وفيهم كان البيت يومئذ- لعبد القيس: يا إخوتنا «٢» ، قتلتم صاحبنا، وانتهكتم حرمتنا، فإمّا أنصفتمونا وأعطيتمونا بطائلتنا، أو ناجزناكم فمشت السّفراء بينهم، فاصطلحوا على أن تحتمل عبد القيس دية الرّئيس، وهى عشر ديات، فصار من ذلك على بنى عامر خمس مئة بعير، وعلى بقيّة عبد القيس خمس مئة، وأعطوهم رهنا بالدية، خمسة نفر من بنى عامر، وأربعة من أبناء عبد القيس، فيهم امرأة من بنى غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، فأدّت بنو عامر الخمس مئة، وافتكّوا رهنهم، وتراخى سائر ولد عبد القيس فى افتكاك رهنهم، فعدت عليهم النّمر، فقتلتهم، وخلّوا سبيل المرأة، فجمعت لهم عبد القيس، وقالوا لهم: اعتديتم يا قومنا: أخذتم الأموال، وقتلتم الأنفس: فهذه أوّل حرب وقعت بين بنى ربيعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الفناء والهلاك فى النّمر، وخرجت الرياسة عنهم، فصارت فى بنى يشكر. فتقرّقت ربيعة فى تلك الحرب وتمايزت، فارتحلت عبد القيس وشنّ بن أفصى ومن معهم، وبعثوا الرّوّاد مرتادين، فاختاروا البحرين وهجر، وضامّوا

стр. 101

من بها من إياد والأزد، وشدّوا خيلهم بكرانيف النّخل، فقالت إياد «١» : أترضون أن توثق عبد القيس خيلها بنخلكم؟ فقال قائل: عرف النّخل أهله، فذهبت مثلا. وأجلت عبد القيس إيادا عن تلك البلاد، فساروا نحو العراق، وتبعتهم شنّ بن أفصى، وعطفت عليهم إياد، فكاد القوم يتفانون «٢» ، وبادت قبائل من شنّ. وكانت إياد يقال لها الطّبق، لشدّتهم ونجدة كانت فيهم، ولإطباقهم على الناس بعرامهم وشرّهم، فقال الشاعر: لقيت شنّ إيادا بالقنا ... طبقا وافق شنّ طبقه وقال كاهن فيهم: وافق شنّ طبقه ... وافقه فاعتنقه وقال عمرو بن أسوى اللّيثىّ، من عبد القيس، بعد ذلك بزمان: ألا بلّغا عمرو بن قيس رسالة ... فلا تجز عن من نائب الدّهر واصبر شحطنا إيادا عن وقاع فقلّصت ... وبكرا نفينا عن حياض المشقّر فغلبت عبد القيس على البحرين، واقتسموها بينهم. فنزلت جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف «٣» بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، الخطّ وأعناءها. ونزلت شنّ بن أفصى بن عبد القيس طرفها وأدناها إلى العراق. ونزلت نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس وسط القطيف وما حوله. وقال ابن شبّة: نزلت نكرة الشّفار والظّهران، إلى الرمل وما بين هجر

стр. 102

إلى قطر وبينونة؛ وإنما سمّيت بينونة لأنها وسط بين البحرين وعمان، فصارت بينهما. ونزلت عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، والعمور- وهم بنو الدّيل بن عمرو، ومحارب بن عمرو، وعجل بن عمرو ابن وديعة بن لكيز بن أفصى، ومعهم عميرة بن أسد بن ربيعة حلفاء لهم- الجوف والعيون والأحساء، حذاء طرف الدّهناء، وخالطوا أهل هجر فى دارهم. ودخلت قبائل من عبد القيس فيهم «١» - وهم بنو زاكية بن وابلة بن دهن بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وعمرو بن وديعة بن لكيز، والعوقة، وعوف بن الدّيل، وعائش بن الديل بن عمرو بن وديعة، وعمرو بن نكرة بن لكيز بن أفصى- جوف عمان، فصاروا شركاء للأزد بها فى بلادهم، وهم «٢» الأتلاد: أتلاد عمان، ومعهم من الأتلاد من كان بها من بلقين وجرم ونهد وناجية، ومن لحق بهم من بنى عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وبنى مالك بن سعد، وعوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ودخلت قبائل من ربيعة ظواهر بلاد نجد والحجاز وأطراف تهامة وما والاها من البلاد، وانتشروا فيها، فكانوا بالذّنائب وواردات والأحصّ وشبيث وبطن الجريب والتّغلمين وما بينها وحولها من المنازل. وتيامنت قبائل من ربيعة إلى بلاد اليمن، فحالفت أهله، وبقوا على أنسابهم، منهم أكلب بن ربيعة بن نزار، نزلت ناحية تثليث من اليمن وما والاها، فجاورت خثعم وحالفوهم، وصاروا يدا واحدة معهم على من سواهم. وقال رجل من خثعم ثم من شهران ينفى أكلب بن ربيعة:

стр. 103

ما أكلب منّا ولا نحن منهم ... وما خثعم يوم الفخار» وأكلب قبيلة سوء من ربيعة أصلها ... وليس لها عمّ لدينا ولا أب فأجابه الأكلبىّ: إنّى من القوم الذين نسبتنى ... إليهم كريم الجدّ والعمّ والأب فلو كنت ذا علم بهم ما نفيتنى ... إليهم ترى أنى بذلك أثلب فإلّا: يكن عمّاى حلفا وناهسا ... فإنى امرؤ عمّاى بكر وتغلب أبونا الذي لم تركب الخيل قبله ... ولم يدر مرء قبله كيف يركب وتيامنت عنز أيضا، فصارت حلفاء لخثعم؛ وعنز: هو عبد الله بن وائل بن قاسط، وإنما سمّى عنزا لأنّه كان يشبه رأسه رأس العنز، وكان محدّد الرأس. وظعنت «٢» بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل، يتّبعون الكلأ والماء، وينتجعون مواقع القطر والغيث، على السّمت الذي كانت عبد القيس سلكت. فخرج منهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدّول ابن حنيفة، منتجعا بأهله وماله، حتى هجم على اليمامة، فينزل بموضع يقال له قارات، وهى من حجر على ليلة، فأقام بها أيّاما، ومعه جار له من اليمن، من سعد العشيرة، ثم من بنى زبيد. ثم إن راعيا لعبيد خرج حتى يأتى حجرا، فرأى القصور والنّخل وأرضا عرف أنّ لها شأنا، فرجع حتى أتى عبيدا، فأخبره وقال: رأيت آطاما طوالا «٣» ، وشجرا حسانا، وهذا حمله؛ وجاء بتمر نخيلة وجده منتثرا تحت النخل، فأكل منه عبيد، فقال: هذا والله الطعام، وأصبح فأمر بجزور فنحرت، ثم قال لبنيه وغلمانه والزّبيدى. احترزوا «٤»

стр. 104

حتى آتيكم، فركب فرسه، وارتدف الغلام خلفه، وأخذ رمحه حتى يأتى حجرا، فلمّا رآها عرف أنّها أرض لها شأن، فوضع رمحه فى الأرض، ثم دفع الفرس، فاحتجر على ثلاثين دارا وثلاثين حديقة، فسمّيت حجيرته حجرا، فهى حجر اليمامة. وقال فى ذلك شعرا: حللنا بدار كان فيها أنيسها ... فبادوا وخلّوا ذات شيد حصونها فصاروا قطينا للفلاة بغربة ... رميما وصرنا فى الديار قطينها فسوف يليها بعدنا من يحلّها ... ويسكن عوض «١» سهلها وحزونها قال: وكان لبكر بن وائل صنم يقال له عوض؛ ويقال: بل عوض الدّهر، وقد جاء فيه شعر «٢» . قال رجل من عنزة قديم، يخبر أنّ عوضا صنم لبكر كلّها. حلفت بمائرات حول عوض ... وأنصاب تركن لدى السّعير «٣» أجوب «٤» الدّهر أرضا شطر عمرو ... ولا يلفى بساحتها بعيرى ثم ركز عبيد رمحه فى وسطها، ثم رجع إلى أهله فاحتملهم، ووضعهم بها. فلمّا رآه جاره الزّبيدىّ قال: يا عبيد، الشّرك. قال: لا، بل الرّضا. قال: ما بعد الرّضا إلّا السّخط. فقال: عليك بتلك القريّة، على نصف فرسخ من حجر، فمكث الزّبيدىّ أيّاما، ثم غرض، فأتى عبيدا وقال: عوّضنى شيئا، فإنى خارج وتارك ما هاهنا، فأعطاه ثلاثين بكرا، ثم خرج ولحق بأهله، فتسامعت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل، بما أصاب عبيد بن ثعلبة،

стр. 105

فأقبلوا حتى نزلوا قرى اليمامة. قال: ويقبل زيد بن ثعلبة «١» بن يربوع، حتى يأتى عبيدا أخاه، فقال له أنزلنى معك فى حجر. قال: لا ينزلها معى (وقبض على ذكره) إلّا من خرج من هذا، ولكن عليك بتلك القريّة، التى خرج منها الزّبيدىّ، فانطلق فنزلها فى الفساطيط والأخبية، وعبيد وولده فى القصور بحجر. قال: فجعل يمكث الأيام، ثم يقول لبنيه: انطلقوا بنا إلى باديتنا، فنتحدّث إليهم، ثم يرجع. قال: فمن هناك سمّيت البادية زيد بن يربوع، وحبيب بن يربوع، وقطن بن يربوع، ومعاوية بن يربوع. هؤلاء الذين يقال لهم البادية من بنى حنيفة. قال: وجعل زيد يقتصل «٢» جثيث النّخل، وهى أولادها، ثم يغرسها، فتخرج على مهلتها. قال: وصنع ذلك أهل البادية كلّها. فأرض اليمامة حجر، وهى مصرها ووسطها، ومنزل الأمراء فيها، وإليها تجلب الأشياء. وأقامت سائر قبائل ربيعة، من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة فى بلادهم، من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، حتّى وقعت الحرب بينهم فى قتل جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان كليب بن ربيعة، وانضمّت النّمر وغفيلة إلى بنى تغلب، فصاروا معهم، ولحقت عنزة وضبيعة ببكر بن وائل، فلم تزل الحروب والوقائع تنقلهم من بلد إلى بلد، وتنفيهم من أرض إلى أرض، وتغلب فى كلّ ذلك ظاهرة على بكر، حتى التقوا يوم قضة «٣» ، وقضة: عقبة فى عارض اليمامة، وعارض: جبل، وقضة من اليمامة على ثلاث ليال، وذلك

стр. 106

يوم التّحالق، فكانت الدّبرة لبكر على بنى تغلب فتفرّقوا على ذلك اليوم وتلك الوقعة، وتبدّدوا فى البلاد، أعنى بنى تغلب، وانتشرت بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة، فيما بينها وبين البحرين، إلى أطراف سواد العراق ومناظرها، وناحية الأبلّة، إلى هيت وما والاها من البلاد، وانحازت النّمر وغفيلة إلى أطراف الجزيرة وعانات وما دونها، إلى بلاد بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة، من مشارق «١» الأرض، فقال الأخنس بن شهاب التّغلبىّ، وكان رئيسا شاعرا، يذكر منازل القبائل: لكلّ أناس من معدّ عمارة ... عروض إليها يلجئون وجانب لكيز لها البحران والسّيف كلّه ... وإن يغشها بأس من الهند «٢» كارب تطاير على أعجاز حوش كأنّها ... جهام أراق ماءه فهو آئب وبكر لها برّ العراق وإن تشأ ... يحل دونها من اليمامة حاجب وصارت تميم بين قفّ ورملة ... لها من حبال منتأى ومذاهب وكلب لها خبت ورملة عالج ... إلى الحرّة الرّجلاء حيث تحارب وبهراء حىّ قد علمنا مكانهم ... لهم شرك حول الرّصافة لاحب وغارت إياد بالسّواد ودونها ... برازيق عجم تبتغى من تضارب ونحن أناس لا حجاز «٣» بأرضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو عازب «٤»

стр. 107

تفرق مضر قال: فلم تزل مضر بن نزار بعد خروج ربيعة من تهامة مقيمة فى منازلها، من تهامة وما والاها، حتّى تباينت قبائلهم، وكثر عددهم وفصائلهم، وضاقت بلادهم عنهم، فطلبوا المتّسع والمعاش، وتتبعوا الكلأ والماء، وتنافسوا فى المحالّ والمنازل، وبغى بعضهم على بعض، فاقتتلوا، فظهرت خندف على قيس. وقال آخرون: إن غزية بن معاوية بن بكر بن هوازن، كان نديما لربيعة ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فشربا يوما، فعدا ربيعة بن حنظلة على غزية بن جشم، فقتله، فسألت قيس خندف الدّية، فأبت خندف، فاقتتلوا، فهزمت قيس فتفرّقت، فقال فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ابن خزيمة: أقمنا على «١» قيس عشيّة بارق ... ببيض حديثات الصّقال بواتك ضربناهم حتّى تولّوا وخلّيت ... منازل حيزت يوم ذاك لمالك قال: فظعنت قيس من تهامة طالعين إلى بلاد نجد، إلّا قبائل منهم، فانحازت إلى أطراف الغور من تهامة. فنزلت هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس: ما بين غور تهامة إلى ما والى بيشة وبركا وناحية السّراة والطائف وذا المجاز وحنين وأوطاس وما صاقبها من البلاد. ثم تنافست أولاد مدركة وطابخة ابنى إلياس بن مضر فى المنازل، وتضايقوا فيها، ووقعت بينهم حرب، فظهرت مدركة على طابخة، فظعنت طابخة من تهامة، وخرجوا إلى ظواهر نجد والحجاز.

стр. 108

وانحازت مزينة بن أدّ بن طابخة إلى جبال رضوى وقدس وآرة، وما والاها وصاقبها من أرض الحجاز. وظهرت تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة، وضبّة بن أدّ بن طابخة، وعكل بن أدّ، إلى بلاد نجد وصحاريها، فحلّوا منازل بكر وتغلب، التى كانوا ينزلونها فى الحرب التى كانت بينهم، ثم مضوا حتّى خالطوا أطراف هجر، ونزلوا ما بين اليمامة وهجر. ونفذت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، إلى يبرين وتلك الرّمال، حتّى خالطوا بنى عامر بن عبد القيس فى بلادهم قطر، ووقعت طائفة منهم إلى عمان، وصارت قبائل منهم بين أطراف البحرين، إلى ما يلى البصرة، ونزلوا هنالك إلى منازل ومناهل كانت لإياد بن نزار، فرفضتها إياد، وساروا عنها إلى العراق. وأقامت قبائل مدركة بن الياس بن مضر، بتهامة وما والاها من البلاد وصاقبها، فصارت مدركة بناحية عرفات وعرنة وبطن نعمان ورجيل وكبكب والبوباة، وجيرانهم فيها طوائف من أعجاز هوازن. وكانت لهذيل جبال من جبال السّراة، ولهم صدور أوديتها وشعابها الغربيّة، ومسائل تلك الشعاب والأودية على قبائل خزيمة بن مدركة فى منازلها، وجيران هذيل فى جبالهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان. ونزلت خزيمة بن مدركة أسفل من هذيل بن مدركة، واستطالوا فى تلك التهائم إلى أسياف البحر، فسالت عليهم الأودية، التى هذيل فى صدورها وأعاليها، وشعاب جبال السّراة التى هذيل سكّانها، فصاروا فيما بين..... «١» وجبال السّراة الغربيّة. وأقام ولد النّضر بن كنانة بن خزيمة حول مكّة وما والاها، بها جماعتهم

стр. 109

وعددهم، فكانوا جميعا ينتسبون إلى النّضر بن كنانة. قال: فجلس عامر بن لؤىّ وسامة بن لؤىّ يوما يشربان بمكّة، فجرى بينهما كلام، ففقأ سامة عين عامر، وكان سامة ماضيا، فخرج من وجهه هاربا حتّى أتى عمان، فتزوّج بها ناجية بنت جرم، على ما تقدّم ذكره. ويقال: بل تزوّج غيرها، فصار بنو سامة بعمان حيّا حريدا شريدا، لهم بأس وثروة «١» ومنعة، وفيهم يقول المسيّب بن علس الضّبعىّ شعره: وقد كان سامة فى قومه ... له مأكل وله مشرب فساموه خسفا فلم يرضه ... وفى الأرض من خسفهم مذهب وقد تقدّم إنشادها. قال: وأقام ولد فهر حول مكّة، حتى أنزلهم قصىّ بن كلاب الحرم، وكانت مكّة ليس بها أحد- قال هشام: قال الكلبى: كان الناس يحجّون ثم يتفرّقون، فتبقى مكّة خالية، ليس بها أحد- فقريش البطاح من ولد فهر: من دخل مع قصىّ الأبطح، وقريش الظواهر من ولد فهر: تيم الأدرم بن غالب بن فهر، ومعيص بن عامر بن لؤىّ، ومحارب والحارث ابنا فهر؛ فهؤلاء قريش الظواهر، وسائر قريش أبطحيّون، إلّا رهط أبى عبيدة بن الجرّاح، رضى الله عنه، وهم بنو هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر، ورهط سهل وسهيل ابنى البيضاء، وهم بنو هلال بن ضبّة بن الحارث بن فهر، فإنّهم دخلوا مع قصىّ الأبطح، فهم أبطحيّون. فهذا ما كان من حديث افتراق معدّ ومنازلهم التى نزلوها، ومحالّهم التى حلّوها فى الجاهليّة، حتّى ظهر الإسلام.

стр. 110

«١» وجاء الله بالإسلام «٢» وقد نزل الحجاز من العرب أسد، وعبس، وغطفان، وفزارة، ومزينة، وفهم، وعدوان، وهذيل، وخثعم، وسلول، وهلال «٣» ، وكلاب بن ربيعة، وطيّئ- وأسد وطيئ حليفان- وجهينة، نزلوا «٤» جبال الحجاز: الأشعر، والأجرد، وقدسا، وآرة، ورضوى، وأسهلوا إلى بطن إضم. ونزلت قبائل من بلىّ شغبا وبدا، بين تيماء والمدينة. ونزلت ثقيف وبجيلة حضرة الطائف، ودار خثعم من هؤلاء: تربة وبيشة وظهر تبالة، على محجّة اليمن، من مكّة إليها، وهم مخالطون لهلال بن «٥» عمرو، وبطن تبالة لبنى مازن. ودار سلول فى عمل المدينة. ومنازل أزد شنوءة السّراة، وهى أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة، وأوساط هذه الأودية لخثعم، على ما تقدّم، وأحياء مذحج. وهذه الأودية تدفع فى أرض «٦» بنى عامر بن صعصعة؛ ومن بقى بأرض الحجاز من أعجاز جشم ونصر بن معاوية، ومن ولد خصفة بن قيس، فهم بالحرّة، حرّة بنى سليم، وحرّة بنى هلال، وحضرة الرّبذة، إلى قرن تربة، وهم مخالطون لكلاب بن ربيعة. هؤلاء كلّهم من ساكنى الحجاز. ونزل نجدا من العرب بنو كعب بن ربيعة بن عامر، ودارهم الفلج وما أحاط به من البادية. ونزل نمير بن عامر، وباهلة بن يعصر، وتميم كلّها بأسرها باليمامة، وبها دارهم، إلّا «٧» أنّ حاضرتها لربيعة «٨» بن نزار وإخوتهم.
следующие страницы →