Полный текст (1 076 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المعاصي سبب لمنع القطر وانقطاع البركات، والتوبة والاستغفار سبب لإجابة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، ويأمرهم بالصدقة على الفقراء والمساكين، لأن ذلك سبب للرحمة، ثم يعين لهم يوما يخرجون فيه ليتهيؤوا ويستعدوا لهذه المناسبة الكريمة بما يليق بها من الصفة المسنونة، ثم يخرجون في الموعد إلى المصلى بتواضع وتذلل وإظهار للافتقار إلى الله تعالى، ولقول ابن عباس ﵄: "خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعا متخشعا متضرعا"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وينبغي أن لا يتأخر أحد من المسلمين يستطيع الخروج، حتى الصبيان والنساء اللاتي لا تخشى الفتنة بخروجهن، فيصلي بهم الإمام ركعتين كما سبق، ثم يخطب خطبة واحدة، وبعض العلماء يرى أنه يخطب خطبتين، والأمر واسع، ولكن الاقتصار على خطبة واحدة أرجح من حيث الدليل، وكذلك كون الخطبة بعد صلاة الاستسقاء هو أكثر أحواله ﷺ ، واستمر عمل المسلمين عليهن وورد أنه ﷺ خطب قبل الصلاة وقال به
стр. 282
بعض العلماء، والأول أرجح، والله أعلم.
وينبغي أن يكثر في خطبة الاستسقاء من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به؛ لأن ذلك سبب لنزول الغيث، ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى، ويرفع يديه؛ لأن النبي ﷺ كان يرفع يديه في دعائه بالاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه، ويصلي على النبي ﷺ ؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة، ويدعوا بالدعاء الوارد عن النبيصلى الله عليه وسلم في هذا الموطن؛ إقتداء به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .
ويسن أن يستقبل القبلة في آخر الدعاء، ويحول رداءه؛ فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين، وكذلك ما شابه الرداء من اللباس كالعباءة ونحوها؛ لما في "الصحيحين"؛ "أن النبي ﷺ حول الناس إلى ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ... ".
والحكمة من ذلك والله أعلم: التفاؤل بتحويل الحال عما هي
стр. 283
عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث، ويحول الناس أرديتهم لما روى الإمام أحمد: "وحول الناس معه أرديتهم"، ولأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، ثم إن سقى الله المسلمين، وإلا؛ أعادوا الاستسقاء ثانيا وثالثا؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
وإذا نزل المطر يسن أن يقف في أوله ليصيبه منه، ويقول: "اللهم صيبا نافعا، ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته".
وإذا زادت المياه وخيف منها الضرر؛ سن أن يقول: "اللهم حوالينا ولا علينا، الله على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر"؛ لأنه ﷺ كان يقول ذلك، متفق عليه، والله أعلم.
стр. 284
باب في أحكام الجنائز
إن شريعتنا ولله الحمد كاملة شاملة لمصالح الإنسان في حياته وبعد مماته، ومن ذلك ما شرعه الله من أحكام الجنائز؛ من حين المرض والاحتضار إلى دفن الميت في قبره؛ من عيادة المريض، وتلقينه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وما يتبع ذلك من قضاء ديونه، وتنفذ وصاياه، وتوزيع تركته، والولاية على أولاده الصغار.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وكان هديه ﷺ في الجنائز أكمل الهدي، مخالفا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده؛ من عيادة، وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن الأحوال وأفضلها، فيقفون صفوفا على جنازته، يحمدون لله، ويثنون عليهن ويصلون على نبيه محمد ﷺ ، ويسألون للميت المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم يقفون على قبره؛ يسألون له التثبيت، ثم زيارة قبره،
стр. 285
والدعاء له؛ كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهل الميت وأقاربه وغير ذلك" اهـ.
ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له بالتوبة من المعاصي، ورد المظالم إلى أصحابها، والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل هجوم الموت على غرة.
قال النبي ﷺ : "أكثروا من ذكر هادم اللذات"، رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهادم اللذات، بالذال: هو الموت.
وروى الترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعا: "استحيوا من الله حق الحياء". قالوا: إنا نستحي يانبي الله والحمد لله. قال: "ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة؛ ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء".
أولا: أحكام المريض والمحتضر.
وإذا أصيب الإنسان بمرض؛ فعليه أن يصبر ويحتسب ولا يجزع
стр. 286
ويسخط لقضاء الله وقدره، ولا بأس أن يخبر الناس بعلته ونوع مرضه، مع الرضى بقضاء الله، والشكوى إلى الله تعالى، وطلب الشفاء منه لا ينافي الصبر، بل ذلك مطلوب شرعا ومستحب؛ فايوب ﵇ نادى ربه وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
وكذلك لا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة، بل ذهب بعض العلماء إلى تأكد ذلك، حتى قارب به الوجوب؛ فقد جاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالطعام والشراب.
ولا يجوز التداوي بمحرم؛ لما في "الصحيح" عن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: "أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وروى أبو داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله أنزل الدواء، وأنزل الداء، وجعل لكل داء دواء، ولا تداووا بحرام"، وفي "صحيح مسلم"؛ أن النبي ﷺ قال في الخمر: "إنه ليس بدواء ولكنه داء".
стр. 287
وكذلك يحرم التداوي بما يمس العقيدة؛ من تعليق التمائم المشتملة على الفاظ شركية أو أسماء مجهولة أو طلاسم أو خرز أو خيوط أو قلائد أو حلق تلبس على العضد أو الذراع أو غيره، يعتقد فيها الشفاء ودفع العين والبلاء؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وذلك كله من الشرك أو من وسائله الموصلة إليه.
ومن ذلك أيضا التداوي عند المشعوذين من الكهان والمنجمين والسحرة والمستخدمين للجن، فعقيدة المسلم أهم عنده من صحته، وقد جعل الله الشفاء في المباحات للبدن والعقل والدين، وعلى رأس ذلك القرآن الكريم والرقية به وبالأدعية المشروعة.
قال ابن القيم: "ومن أعظم العلاج فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع إلى الله والتوبة، وتأثيره أعظم من الأدوية، لكن بحسب استعداد النفس وقبولها" انتهى.
ولا بأس بالتداوي بالأدوية المباحة على أيدي الأطباء العارفين بتشخيص الأمراض وعلاجها في المستشفيات وغيرها
وتسن عيادة المريض؛ لما في "الصحيحين" وغيرهما: "خمس تجب للمسلم على أخيه"ن وذكر منها عيادة المريض، فإذا زاره؛ سأل عن حاله؛ فقد كان النبي ﷺ يدنوا من المريض، ويسأله عن حاله،
стр. 288
وتكون الزيارة يوما بعد يوم، أو بعد يومين، ما لم يكن المريض يرغب الزيارة كل يوم، ولا يطيل الجلوس عنده؛ إلا إذا كان المريض يرغب ذلك، ويقول للمريض: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله"، ويدخل عليه السرور، ويدعو له بالشفاء، ويرقيه بالقرآن، لا سيما سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين.
ويسن للمريض أن يوصي بشيء من ماله في أعمال الخير، ويجب أن يوصي بماله وما عليه من الديون وما عنده من الودائع والأمانات، وهذا مطلوب، حتى من الإنسان الصحيح؛ لقوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، متفق عليه، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد؛ فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً، إلا ووصيته مكتوبة عنده؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت.
ويحسن المريض ظنه بالله؛ فإن الله يقول: "أنا عند ظن عبدي بي"، ويتأكد ذلك عند إحساسه بلقاء الله.
стр. 289
ويسن لمن يحضره تطميعه في رحمة الله، ويغلب في هذه الحالة جانب الرجاء على جانب الخوف، وأما في حالة الصحة؛ فيكون خوفه ورجاؤه متساويين؛ أن من غلب عليه الخوف؛ أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء؛ أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله.
فإذا احتضر المريض؛ فإنه يسن لمن حضره أن يلقنه: لا إله إلا الله؛ لقوله ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، رواه مسلم، وذلك لأجل أن يموت على كلمة الإخلاص، فتكون ختام كلامه؛ فعن معاذ مرفوعا: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة"، ويكون تلقينه إياها برفق، ولا يكثر عليه؛ لئلا يضجره وهو في هذه الحال.
ويسن أن يوجه إلى القلة.
ويقرأ عنده سورة ﴿يَاسِينَ﴾ ، لقوله ﷺ : "اقرأوا على موتاكم سورة ياسين"، رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والمراد بقوله: "موتاكم": من حضرته الوفاة. أما من مات فأنه لا يقرأ عليه، فالقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على الذي يحتضر؛ فإنها سنة،
стр. 290
فالقراءة على الميت عند الجنازة أو على القبر أو لروح الميت، كل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، والواجب على المسلم العمل بالسنة وترك البدعة.
ثانيا: أحكام الوفاة.
ويستحب إذا مات الميت تغميض عينيه؛ لأن النبي ﷺ أغمض أبا سلمة ﵁ لما مات، وقال: "إن الروح إذا قبض؛ تبعه البصر؛ فلا تقولوا إلا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، رواه مسلم.
ويسن ستر الميت بعد وفاته بثوب؛ لما روت عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ حين توقى؛ سجى ببردة حبرة"، متفق عليه.
وينبغي الإسراع في تجهيزه إذا تحقق موته؛ لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله"، رواه أبو داود، ولأن في ذلك حفظا للميت من التغير، قال الإمام أحمد ﵀: "كرامة الميت تعجيله"، ولا بأس أن ينتظر به من يحضر من وليه أو غيره إن كان قريبا ولم يخش على الميت من التغير.
стр. 291
ويباح الإعلام بموت المسلم؛ للمبادرة لتهيئته، وحضور جنازته، والصلاة عليه، والدعاء له، وأما الإعلام بموت الميت على صفة الجزع وتعداد مفاخره؛ فذلك من فعل الجاهلية، ومنه حفلات التأبين وإقامة المآتم.
ويستحب الإسراع بتنفيذ وصيته؛ لما فيه مت تعجيل الأجر، وقد قدمها الله تعالى في الذكر على الدين؛ اهتماما بشأنها، وحثا على إخراجها.
ويجب الإسراع بقضاء ديونه، سواء كانت لله تعالى من زكاة وحج أو نذر طاعة أو كفارة، أو كانت الديون لآدمي كرد الأمانات والغصوب والعارية، سواء أوصى بذلك أم لم يوص به؛ لقوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه"، رواه أحمد والترمذي وحسنه؛ أي: مطالبة بما عليه من الدين محبوسة، ففي هذا الحث على الإسراع في قضاء الدين على الميت، وهذا فيمن له مال يقضى منه دينه، ومن لا مال له ومات عازما على القضاء؛ فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله يقضي عنه.
стр. 292
ثالثا: تغسيل الميت.
ومن أحكام الجنازة وجوب تغسيل الميت على من علم به وأمكنه تغسيله، قال ﷺ في الذي وقصته راحلته: "اغسلوه بماء وسدر ... " الحديث متفق عليه، وقد تواتر تغسيل الميت في الإسلام قولاً وعملاً، وغسل النبي ﷺ وهو الطاهر المطهر؛ فكيف بمن سواه؟ فتغسيل الميت فرض كفاية على من علم بحاله من المسلمين.
والرجل يغسله الرجل، والأولى والأفضل أن يختار لتغسيل الميت ثقة عارف بأحكام التغسيل؛ لأنه حكم شرعي له صفة مخصوصة، لا يتمكن من تطبيقها إلا عالم بها على الوجه الشرعي، ويقدم في تولي تغسيل الميت وصيه، فإذا كان الميت قد أوصى أن يغسله شخص معين، وهذا المعين عدل ثقة؛ فإنه يقدم في تولي تغسيله وصية بذلك؛ لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس؛ فالمرأة يجوز أن تغسل زوجها؛ كما أن الرجل يجوز أن
стр. 293
يغسل زوجته، وأوصى أنس ﵁ أن يغسله محمد بن سيرين، ثم يلي الوصي في تغسيل الميت أبو الميت؛ فهو أولى بتغسيل ابنه؛ لاختصاصه بالحنو والشفقة على ابنه، ثم جده؛ لمشاركته للأب في المعنى المذكور، ثم الأقرب فالأقرب من عصابته، ثم الأجنبي منه، وهذا الترتيب في الأولوية إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل وطالبوا به، وإلا؛ فإنه يقدم العالم بأحكام التغسيل على من لا علم له.
والمرأة تغسلها النساء، والأولى بتغسيل المرأة الميتة وصيتها، فإن كانت أصت أن تغسلها امرأة معينة؛ قدمت على غيرها إذا كان فيها صلاحية لذلكن ثم بعدها تتولى تغسيلها القربى فالقربى من نسائها.
فالمرأة تتولى تغسيلها على هذا الترتيب، والرجل يتولى تغسيله الرجال على ما سبق، ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه؛ فالرجل له أن يغسل زوجته والمرأة لها أن تغسل زوجها؛ لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله زوجته، ولأن عليّا ﵁ غسل فاطمة، وورد مثل ذلك عن غيرهما من الصحابة.
стр. 294
ولكل من الرجال والنساء غسل من له دون سبع سنين ذكرًا كان أو أنثى، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير" اه، ولأنه لا عورة له في الحياة؛ فكذا بعد الموت، ولأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء
وليس لامرأة غسل ابن سبع سنين فأكثرن ولا لرجل عسل ابنة سبع سنين فاكثر.
ولا يجوز لمسلم أن يغسل كافرًا أو يحمل جنازته أو يكفنه أو يصلي عليه أو يتبع جنازته؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ ؛ فالآية الكريمة تدل بعمومها على تحريم تغسيله وحمله واتباع جنازته، وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، ولا يدفنه، لكن إذا لم يوجد من يدفنه من الكفار؛ فإن المسلم يواريهن بأن يلقيه في حفرة؛ منعا للتضرر بجثته، ولإلقاء قتلى بدر في القليب، وكذا حكم المرتد كتارك الصلاة عمدًا وصاحب البدعة المكفرة،
стр. 295
وهكذا يجب أن يكون موقف المسلم من الكافر حياً وميتا موقف التبري والبغضاء، قال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم والذين معه: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ .
وذلك لما بين الكفر والإيمان من العداء، ولمعادة الكفار لله ولرسله ولدينه؛ فلا تجوز موالاتهم أحياء ولا أمواتا.
نسأل الله أن يثبت قلوبنا على الحق، وأن يهدينا صراطه المستقيم.
ويشترط أن يكون الماء الذي يغسل به طهورًا مباحا، والأفضل أن يكون باردًا؛ إلا عند الحاجة إزالة وسخ على الميت أو في شدة برد؛ فلا بأس بتسخينه.
ويكون التغسيل في مكان مستور عن الأنظار ومسقوف من بيت أو خيمة ونحوها إن أمكن.
ويستر مابين سرة الميت وركبته وجوبا قبل التغسيل، ثم يجرد من ثيابه، ويوضع على سرير الغسل منحدرًا نحو رجليه؛ لينصب عنه الماء وما يخرج منه.
стр. 296
ويحضر التغسيل الغاسل ومن يعينه على الغسل، ويكره لغيرهم حضوره.
ويكون التغسيل بأن يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسهن ثم يمر يده على بطنه ويعصره برفق؛ ليخرج منه ما هو مستعد للخروج، وكثر صب الماء حينئذ؛ ليذهب بالخارج، ثم يلف الغاسل على يده خرقة خشنة؛ فينجي الميت، وينقي المخرج بالماء، ثم ينوي التغسيل، ويسمي، ويوضئه كوضوء الصلاة إلا المضمضة والاستنشاق؛ فيكفي عنهما مسح الغاسل أسنان الميت ومنخريه بإصبعه مبلولتين أو عليهما خرقة مبلولة بالماء، ولا يدخل الماء فمه ولا أنفه، ثم يغسل رأسه ولحيته برغوة سدر أو صابون، ثم يغسل ميامن جسده وهي صفحة عنقه اليمنى، ثم يده اليمنى وكتفه، ثم شق صدره الأيمن وجنبه الأيمن وفخذه الأيمن وساقه وقدمه الميامن، ثم يقلبه على جنبه اليسر، فيغسل شق ظهره الأيمن، ثم يغسل جانبه الأيسر كذلك، ثم يقلبه على جنبه الأيمن، فيغسل شق ظهره الأيسر، ويستعمل السدر مع الغسل أو الصابون، ويستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل.
والواجب غسلة واحدة إن حصل الإنقاء، والمستحب ثلاث غسلات، وإن لم يحصل الإنقاء؛ زاد في الغسلات حتى ينقى إلى سبع
стр. 297
غسلات، ويستحب أن يجعل في الغسلة الأخرة كافورًا؛ لأنه يصلب بدن الميت، ويطيبه، ويبرده، فلجل ذلك؛ يجعل في الغسلة الأخيرة؛ ليبقى أثره.
ثم ينشف الميت بثوب ونحوه، ويقص شاربه، وتقلم أظافره إن طالت، ويؤخذ شعر إبطيه، ويجعل المأخوذ معه في الكفن، ويضفر شعر رأس المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها.
وأما إذا تعذر غسل الميت لعدم الماء أو خيف تقطعه بالغسل؛ كالمجذوم والمحترق، أو كان الميت امرأة مع رجال ليس فيهم زوجها، أو رجلاً مع نساء ليس فيهم زوجته؛ فإن الميت في هذه الأحوال ييمم بالتراب؛ بمسح وجهه وكفيه من رواء حائل على يد الماسح، وإن تعذر غسل بعض الميت؛ غسل ما أمكن غسله منه، ويمم عن الباقي.
ويستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل بعد تغسيله، وليس ذلك بواجب.
رابعا: أحكام التكفين.
وبعد تمام الغسل والتجفيف يشرع تكفين الميت.
ويشترط في الكفن أن يكون ساترًا، ويستحب أن يكون أبيض نظيفا، سواء كان جديدًا وهو الأفضل أو غسيلاً.
стр. 298
ومقدار الكفن الواجب ثوب يستر جميع الميت، والمستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف، وتكفين المرأة في خمسة أثواب؛ إزار وخمار وقميص ولفافتين، ويكفن الصغير في ثوب واحد، ويباح في ثلاثة أثواب، وتكفن الصغيرة في قميص ولفافتين، ويستحب تجمير الأكفان بالبخور بعد رشها بماء الورد ونحوه؛ لتعلق بها رائحة البخور.
ويتم تكفين الرجل بأن تبسط اللفائف الثلاث على بعضها فوق بعض، ثم يؤتى بالميت مستورًا وجوبا بثوب ونحوه ويوضع فوق اللفائف مستلقيان ثم يؤتى بالحنوط وهو الطيب ويجعل منه في قطن بين أليتي الميت، ويشد فوقه خرقة، ثم يجعل باقي القطن المطيب على عينيه ومنخريه وفمه وأذنيه وعلى مواضع سجوده: جبهته وأنفه، وركبتيه، وأطراف قدميه، ومغابن البدن: الإبطين وطي الركبتين وسرته، ويجعل من الطيب بين الأكفان وفي رأس الميت، ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، ويكون الفاضل من طول اللفائف عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ثم يجمع الفاضل عند رأسه ويرد على وجهه، ويجمع الفاضل عند رجليه فيرد على رجليه، ثم يعقد على اللفائف أحزمة؛ لئلا تنتشر وتحل العقد في القبر.
стр. 299
وأما المرأة؛ فتكفن في خمسة أثواب: إزار تؤزر به، ثم تلبس قميصا، ثم تخمر بخمار على رأسها، ثم تلف بلفافتين.
خامسا: أحكام الصلاة على الميت.
ثم يشرع بعد ذلك الصلاة على الميت المسلم:
فعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان"، قيل: وما القراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، متفق عليه.
الصلاة على الميت فرض كفاية، إذا فعلها البعض؛ سقط الإثم عن الباقين، وتبقى في حق الباقين سنة، وإن تركها الكل؛ أثموا.
ويشترط في الصلاة على الميت: النية، واستقبال القبلة، وستر العورة وطهارة المصلي عليه، واجتناب النجاسة، وإسلام المصلي مكلفا.
وأما أركانها فهي: القيام فيها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء للميت، والترتيب، والتسليم.
وأما سننها فهي: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، وأن يدعو لنفسه وللمسلمين، والإسراء بالقراءة، وأن يقف بعد
стр. 300
التكبيرة الرابعة وقبل التسليم قليلاً، وأن يضع يده اليسرى على صدره، والالتفات على يمينه في التسليم.
تكون الصلاة على الميت بأن يقوم الإمام والمنفرد عند صدر الرجل ووسط المرأة، ويقف المأمومون خلف الإمام، وسن جعلهم ثلاثة صفوف، ثم يكبر للإحرام، ويتعوذ بعد التكبير مباشرة فلا يستفتح، ويسمى، ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر، ويصلي بعدها على النبي ﷺ مثل الصلاة عليه في تشهد الصلاة، ثم يكبر ويدعو للميت بما ورد، ومنه: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا؛ فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا، فتوفه عليهما، اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيراً من داره، وزوجا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأذعه من عذاب القبر وعذاب النار، وافسح له في قبره، ونور له فيه".
стр. 301
وإن كان المصلى عليه أنثى؛ قال: "اللهم اغفر لها"؛ بتأنيث الضمير في الدعاء كله، وإن كان المصلى عليه صغيرًا؛ قال: "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه، وفرطا، بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم"، ثم يكبر، ريقف بعدها قليلاً، ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه
ومن فاته بعض الصلاة على الجنازة؛ دخل مع الإمام فيما بقي، ثم إذا سلم الإمام؛ قضى فاته على صفته، وإن خشي أن ترفع الجنازة؛ تابع التكبيرات "أي: بدون فصل بينها"، ثم سلم
ومن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه؛ صلى على قبره.
ومن كان غائبا عن البلد الذي فيه الميت، وعلم بوفاته؛ فله أن يصلي عليه صلاة الغائب بالنية.
وحمل المرأة إذا سقط ميتا وقد تم له أربعة أشهر فأكثر، صلي عليه صلاة الجنازة، وإن كان دون أربعة أشهر؛ لم يصل عليه.
سادسا: حمل الميت ودفنه.
حمل الميت ودفنه من فروض الكفاية على من علم بحاله من
стр. 302
المسلمين، ودفنه مشروع بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ؛ أي: جعله مقبورًا، والأحاديث في دفن الميت مستفيضة، وهو بر وطاعة وإكرام للميت واعتناء به.
وسن إتباع الجنازة وتشييعها إلى قبرها؛ ففي "الصحيحين": "من شهد جنازة حتى يصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". وللبخاري بلفظ: "من شيع"، ولمسلم بلفظ: "من خرج معها، ثم تبعها حتى تدفن"، ففي الحديث برواياته الحث على تشييع الجنازة إلى قبرها.
ويسن لمن تبعها المشاركة في حملها إن أمكن، ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة، لا سيما إذا كانت المقبرة بعيدة.
ويسن الإسراع بالجنازة؛ لقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة؛ فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك؛ فشر تضعونه عن رقابكم"، متفق عليه، لكن لا يكون الإسراع شديدًا، ويكون على دامليها ومشيعيها السكينة، ولا يرفعون أصواتهم؛ لا بقراءة ولا غيرها من
стр. 303
تهليل وذكر أو قولهم: استغفروا له، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا بدعة.
ويحرم خروج النساء مع الجنائز؛ لحديث أم عطية: "نهينا عن إتباع الجنائز"، ولم تكن النساء يخرجن مع الجنائز على عهد النبيصلى الله عليه وسلم؛ فتشييع الجنائز خاص بالرجال.
ويسن أن يعمق القبر ويوسع؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "احفروا وأوسعوا وعمقوا"، قال الترمذي: "حسن صحيح".
ويسن ستر قبر المرأة عند إنزالها فيه لأنها عورة.
ويسن أن يقول من ينزل الميت في القبر: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله"؛ لقوله ﷺ : "إذا وضعتم موتاكم في القبور؛ فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، رواه الخمسة؛ وحسنه الترمذي.
ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لقوله ﷺ في الكعبة: "قبلتكم أحياء وأمواتا"، رواه أبو دود وغيره.
стр. 304
ويجعل تحت رأسه لبنة أو حجر أو تراب، ويدنى من حائط القبر الأمامي، ويجعل خلف ظهره ما يسنده من تراب، حتى لا ينكب على وجهه، أو ينقلب على ظهره.
ثم تسد عليه فتحة اللحد بالبن والطين حتى يلتحم، ثم يهال عليه التراب، ولا يزاد عليه من غير ترابه.
ويرفع القبر عن الأرض قدر سبر، ويكون مسنما أي: محدبا كهيئة السنام لتنزل عنه مياه السيول، ويوضع عليه حصباء، ويرش بالماء ليتماسك ترابه ولا بتطاير، والحكمة في رفعه بهذا المقدار؛ ليعلم أنه قبر فلا يداس، ولا بأس بوضع النصائب على طرفيه لبيات حدوده، وليعرف بها، من غير أن يكتب عليها.
ويستحب إذا فرغ من دفنه أن يقف المسلمون على قبره ويدعوا له: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبت؛ فإنه الآن يسأل"، رواه أبو داود، وأما قراءة شيء من القرآن عند القبر؛ فإن هذا بدعة؛ لأنه لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام، وكل بدعه ضلالة.
ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها؛ لقول جابر: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني
стр. 305
عليه"، رواه مسلم، وروى الترمذي وصححه من حديث جابر مرفوعا: "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن توطأ"، ولأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة؛ لأن الجهال إذا رأوا البناء والزخرفة على القبر؛ تعلقوا به.
ويحرم إسراج القبور، أي: إضاءتها بالأنوار الكهربائية وغيرها، ويحرم اتخاذ المساجد عليها، أي: ببناء المساجد عليها، والصلاة عندها أو إليها، وتحرم زيارة النساء للقبور؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، رواه أهل السنن، وفي "الصحيح": "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ولأن تعظيم القبور بالبناء عليها ونحوه هو أصل شرك العالم.
стр. 306
وتحرم إهانة القبور بالمشي عليها ووطئها بالنعال والجلوس عليها وجعلها مجتمعا للقمامات أو أسال المياه عليها؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتخرق ثيابه، فتخلص إلى جلده: خير من أن يجلس على قبر".
قال الإمام ابن القيم ﵀: "من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه؛ علم أن النهي إنما احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال على رؤوسهم".
سابعا أحكام التعزية وزيارة القبور:
وتسن تعزية المصاب بالميت، وحثه على الصبر والدعاء للميت، لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات، عن عمرو بن حزم مرفوعا: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة؛ إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة"، ووردت بمعناه أحاديث.
ولفظ التعزية أن يقول: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك".
ولا ينبغي الجلوس للعزاء والإعلان عن ذلك كما يفعل بعض الناس اليوم، ويستحب أن يعد لأهل الميت طعاما يبعثه إليهم؛ لقوله ﷺ :
стр. 307
"اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ جاءهم ما يشغلهم"، رواه أحمد والترمذي وحسنه.
أما ما يفعله بعض الناس اليوم من أهل البيت يهيئون مكانا لاجتماع الناس عندهم، ويصنعون الطعام، ويستأجرون المقرئين لتلاوة القرآن، ويتحملون في ذلك تكاليف ماليه؛ فهذا من المآتم المحرمة المبتدعة؛ لما روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله؛ قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة"، وإسناده ثقاب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرؤوا ويهدوا له؛ ليس معروفا عند السلف، وقد كرهه طوائف من أهل العلم من غير وجه" انتهى.
وقال الطرطوشي: "فأما المآتم؛ فممنوعة إجماع العلماء، والمأتم هو الاجتماع على المصيبة، وهو بدعة منكرة، لم ينقل شيء، وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثلث والرابع والشهر والسنة؛ فهو طامة، وإن كان من التركة وفي الورثة محجور عليه أو من لم يأذن؛
стр. 308
حرم فعله، وحرم الأكل منه" انتهى
وتستحب زيارة القبور للرجال خاصة؛ لأجل الاعتبار والاتعاظ، ولأجل الدعاء للأموات والاستغفار لهم؛ لقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"، رواه مسلم والترمذي، وزاد: " فإنها تذكر الآخرة"، ويكون ذلك بدون سفر
فزيارة القبور تستحب بثلاث شروط:
١ أن يكون الزائر من الرجال لا النساء؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله زوارات القبور".
٢ أن تكون بدون سفر؛ لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".
٣ أن يكون القصد منها الاعتبار والاتعاظ والدعاء للأموات، فإن كان القصد منها التبرك بالقبور والأضرحة وطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الموتى؛ فهذه زيارة بدعية شركية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "زيارة القبور على نوعين: شرعية وبدعية،
стр. 309
فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته من غير شد رحل، والبدعة: أن تكون قصد الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، وهذا شرك أكبر، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو الدعاء به، وهذا بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك، وليس من سنة النبي ﷺ ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها" انتهى
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 310
كتاب الزكاة
باب في مشروعية الزكاة ومكانتها
اعملوا وفقني الله وإياكم أنه لا بد من معرفة تفاصيل أحكام الزكاة وشروطها وبيان من تجب عليه ومن تجب له تجب فيه من الأموال.
فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، كما تظاهرت بذلك دلالة الكتاب والسنة، وقد قرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعا، مما يدل على عظم شأنها، وكمال الاتصال بينها وبين الصلاة، ووثاقة الارتباط بينهما، حتى قال صديق هذه الأمة وخليفة الرسول الأول أبو بكر الصديق: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة".
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .
стр. 311
وقال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ... " الحديث.
وأجمع المسلمون على فرضيتها، وأنها الركن الثالث من أركان الإسلام، وعلى كفر من جحد وجوبها، وقتال من منع إخراجها.
فرضت في السنة الثانية للهجرة النبوية، وبعث رسول الله ﷺ السعادة لقبضها وجبايتها لإيصالها إلى مستحقتها، ومضت بذلك سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.
وفي الزكاة إحسان إلى الخلق، وهي طهرة للمال من الدنس، وحصانة له من الآفات، وعبودية للرب سبحانه، وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، وبالتالي؛ فهي تطهير للنفوس من الشح والبخل، وامتحان للغني حيث يتقرب إلى الله بإخراج شيء ماله المحبوب إليه.
وقد أوجبها الله في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها
стр. 312
النمو والربح: ما ينمو فيها بنفسة كالماشية والحرث، وما ينمو بالتصرف وإدارته في التجارة كالذهب والفضة وعروض التجارة، وجعل الله قدر المخرج في الزكاة على حسب التعب في المال الذي تخرج منه، فأوجب في الركاز وهو وجد مؤنة نصف الخمس، وما وجد فيه التعب من طرفين ربع الخمس، وفيما يكثر فيه التعب والتقلب كالنقود وعروض التجارة ثمن الخمس.
وقد سماها الله بالزكاة، لأنها تزكي النفس والمال؛ فهي ليست غرامة ولا ضريبة تنقص المال وتضر صاحبه، بل هي على العكس تزيد المال نموًأ من حيث لا يشعر الناس، قالصلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة".
والزكاة في الشرع حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص، هو تمام الحول في الماشية والنقود وعروض التجارة، وعند اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمار، وحصول ما تجب
стр. 313
فيه من العسل، واستخراج ما تجب فيه من المعادن، وغروب الشمس ليلة العيد في زكاة الفطر.
وتجب الزكاة على المسلم إذا توفرت فيه شروط خمسة:
أحدها: الحرية؛ فلا تجب على مملوك؛ لأنه لا مال له، وما بيده ملك لسيده، فتكون زكاته على سيده.
الشرط الثاني: أن يكون صاحب المال مسلما؛ فلا تجب على كافر، بحيث لا يطالب بأدائها؛ لأنها قربة وطاعة، والكافر ليس من أهل القربة والطاعة، ولأنها تحتاج إلى نية، ولا تتأتى من الكافر، أما وجوبها عليه بمعنى أنه مخاطب بها ويعاقب عليها في الآخرة عقابا خاصا؛ فمحل خلاف بين أهل العلم، وفي حدي معاذ ﵁: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله"، ثم ذكر الصلاة، ثم قال: "فإن هم أطاعوك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، متفق عليه؛ فجعل الإسلام شرطا لوجوب الزكاة.
الشرط الثالث: امتلاك نصاب؛ فلا تجب فيما دون النصاب، وهو قدر معلوم المال يأتي تفصيله، سواء كان مالك النصاب كبيرًا أو صغيرًا، عاقلاً أو مجنونا؛ لعموم الأدلة.
الشرط الرابع: استقرار الملكية؛ بأن لا يتعلق بها حق غيره؛ فلا
стр. 314
زكاة في ما لم تستقر ملكيته؛ كدين الكتابة؛ لأن المكاتب يملك تعجيز نفسه، ويمتنع من الأداء.
الشرط الخامس: مضى الحول على المال؛ لحديث عائشة ﵂: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، رواه ابن ماجه، وروى الترمذي معناه.
وهذا في غير الخارج من الأرض كالحبوب والثمار، فأما الخارج من الأرض؛ فتجب فيه الزكاة عند وجوده؛ فلا يعتبر فيه الحول، وإنما يبقى تمام الحول مشترطا في النقود والماشية وعروض التجارة رفقا بالمالك؛ ليتكامل النماء فيها.
ونتائج البهائم التي تجب فيها الزكاة وربح التجارة حولهما حول أصلهما؛ فلا يشترط أن يأتي عليهما حول مستقل إذا كان أصلهما قد بلغ النصاب، فإن لم يكن كذلك؛ ابتدئ الحول من تمامهما النصاب.
ومن له دين على معسر؛ فإنه يخرج زكاته إذا قبضه لعام واحد على الصحيح، وإن كان له دين على مليء باذل؛ فإنه زكيه كل عام.
وما أعد من الأموال للقنية والاستعمال؛ فلا زكاة فيه؛ كدور السكنى، وثياب البذلة، وأثاث المنزل، والسيارات، والدواب المعدة للركوب والاستعمال.
стр. 315
وما أعد للكراء كالسيارات والدكاكين والبيوت؛ فلا زكاة في أصله، وإنما تجب الزكاة في أجرته إذا بلغت النصاب بنفسها أوبضمها إلى غيرها وحال عليها الحول.
ومن وجبت عليه الزكاة، ثم مات قبل إخراجها؛ وجب إخراجها من تركته، فلا تسقط بالموت؛ لقوله ﷺ : "فدين الله أحق بالوفاء"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فيخرجهما الوارث أو غيره من تركة الميت؛ لأنها حق واجب؛ فلا تسقط بالموت، وهي دين في ذمة الميت، يجب إبراؤه منها.
стр. 316
باب في زكاة بهيمة الأنعام
اعلم أن من جملة الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة: بهيمة الأنعام، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، بل هي في طليعة الأموال الزكوية؛ فقد دلت على وجوب الزكاة فيها الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ، وكتبه في شأنها وكتب خلفاؤه معروفة مشهورة في بيان فرائضها وبعث السعاة لجبايتها من قبائل العرب حول المدينة على امتداد الساحة الإسلامية.
فتجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم بشرطين:
الشرط الأول: أن تتخذ لدر ونسل لا للعمل؛ لأنها حينئذ تكثر منافعها ويطيب نماؤها بالكبر والنسل؛ فاحتملت المواساة.
الشرط الثاني: أن تكون سائمة أي: راعية؛ لقوله ﷺ : "في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون"، رواه أحمد وأبو داود والنسائي،
стр. 317
والسوم: الرعي؛ فلا تجب الزكاة في دواب تعلف بعلف اشتراه لها أو جمعه من الكلأ أو غيره، هذا إذا كانت تعلف الحول كله أو أكثره.
أولاً: زكاة الإبل.
وإذا توفرت الشروط؛ وجب في كل خمس من الإبل شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه؛ كما دل على ذلك السنة والإجماع.
فإذا بلغت خمسا وعشرين؛ ففيها بنت مخاض، وهي ما تم لها سنة ودخلت في السنة الثانية، سميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب قد مخضت؛ أي: حملت، وليس كونها ماخضا شرطا، وإنما هذا تعريف لها بغالب أحوالها، فإن عدمها أجزأ عنها ابن لبون؛ لحديث أنس: "فإن لم يكن فيها بنت مخاض؛ ففيها ابن لبون ذكر"، رواه أبو داود، ويأتي بيان معنى ابن اللبون.
"وإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين؛ ففيها بنت لبون" أنثى، وكما دل على ذلك الإجماع، وبنت اللبون هي ما تم لها سنتان، لهذا سميت بذلك؛ لأن أمها تكون في الغالب قد وضعت حملها، فكانت ذات لبن، وليس هذا شرطان لكنه تعريف لها بالغالب.
стр. 318
فإذا بلغت الإبل ستا وأربعين؛ وجب فيها حقه، وهي ماتم لها ثلاث سنين، سميت بذلك لأنها بهذا السن استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها وتركب.
فإذا بلغت الإبل إحدى وستين؛ وجب فيها جذعة، وهي ما تم لها أربع سنين، سميت بذلك لأنها إذا بلغت هذا السن تجذع؛ أي: يسقط سنها. والدليل على وجوب الجذعة في هذا المقدار من الإبل ما في "الصحيح" من قول الرسول ﷺ : "فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين؛ ففيها جذعة"، وقد أجمع العلماء على ذلك.
فإذا بلغ مجموع الإبل ستا وسبعين؛ وجب فيها بنتا لبون اثنتان للحديث الصحيح، وفيه: "فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين؛ ففيها بنتا لبون".
فإذا بلغت الإبل إحدى وتسعين؛ وجب فيها حقتان؛ للحديث الصحيح الذي جاء فيه: "فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة؛ ففيها حقتان طروقتا الفحل"، وللإجماع على ذلك.
فإذا زاد مجموع الإبل عن مئة وعشرين بواحدة؛ وجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لحديث الصدقات الذي كتبه النبي ﷺ ، ولفظه: "فإذا زادت على عشرين ومئة"؛ ففي كل خمس حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، ثم يجب على كل أربعين بنت لبون وعن كل خمسين حقة".
стр. 319
ثانيا: زكاة البقر.
وأما البقر؛ فتجب فيها الزكاة بالنص والإجماع؛ ففي "الصحيحين" عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها؛ إلا جاء يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها"
فيجب فيها إذا بلغت ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة ودخل في السنة الثانية، سمي بذلك لأنه يتبع أمه في السرح.
ولا شيء فيما دون الثلاثين: لحديث معاذ؛ قال: "أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين".
فإذا بلغ مجموع البقر أربعين؛ وجب فيها بقرة مسنة، وهي ما تم لها سنتان؛ لحديث معاذ؛ قال: "وأمرني رسول الله ﷺ أن آخذ من كل
стр. 320
ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة"، رواه الخمسة، وصححه ابن حبان والحاكم.
فإذا زاد مجموع البقر على أربعين؛ وجب في كل ثلاثين منها تبيع، وفي كل أربعين مسنة. والمسنة هي التي قد صارت ثنية، سميت مسنة لزيادة سنها، ويقال لها: ثنية.
ثالثاً: زكاة الغنم.
الأصل في وجوب الزكاة في الغنم السنة والإجماع؛ ففي الصحيح عن أنس أن أبا بكر كتب له: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله ... " إلى أن قال: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة ... " الحديث.
فإذا بلغ مجموع الغنم أربعين ضأنا كانت أو معزًا؛ ففيها شاة واحدة، وهي جذع ضأن أو ثني معز؛ لحديث سويد بن غفلة؛ قال: "أتانا مصدق رسول الله ﷺ ، وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، وجذع الضأن ما تم له ستة أشهر، وثني المعز ما تم له سنة".
следующие страницы →