Полный текст (1 076 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ومن أحكام الجمعة: أن من دخل المسجد والإمام يخطب؛ لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما؛ لقوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام؛ فليصل ركعتين"، متفق عليه، زاد مسلم: "وليتجوز فيهما"؛ أي: يسرع. فإن جلس؛ قام فأتى بهما؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل الذي جلس قبل أن يصليهما؛ فقال له: "قم فاركع ركعتين".
ومن أحكام صلاة الجمعة أنه لا يجوز الكلام والإمام يخطب:
لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
قال بعض المفسرين: "إنها نزلت في الخطبة، وسميت قرآنا؛ لاشتمالها على القرآن"، وحتى على القول الآخر بأن الآية نزلت في الصلاة؛ فإنها تشمل بعمومها الخطبة.
وقال ﷺ : "من قال صه؛ فقد لغا، فلا جمعة له"، رواه أحمد
وفي الحديث الآخر: "من تكلم؛ فهو كالحمار يحمل أسفارًا،
стр. 247
والذي يقول له: أنصت؛ ليست له جمعة"، والمراد له كاملة.
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب؛ فقد لغوت"؛ أي: قلت اللغو، واللغو الإثم، فإذا كان الذي يقول للمتكلم: أنصت وهو في الأصل يأمر بمعروف، قد لغا، وهو منهي عن ذلك؛ فغير ذلك من الكلام من باب أولى.
ويجوز للإمام أن يكلم بعض المأمومين حال الخطبة، ويجوز لغيره أن يكلمه لمصلحة؛ لأن النبي ﷺ كلم سائلاً، وكلمه هو، وتكرر ذلك في عدة وقائع كلم فيها رسول الله ﷺ بعض الصحابة وكلموه حال الخطبة فيما فيه مصلحة وتعلم، ولأن ذلك لا يشغل عن سماع الخطبة.
ولا يجوز لمن يستمع الخطبة أن يتصدق على السائل وقت الخطبة، لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله؛ فلا يعينه على ما لا يجوز، وهو الكلام حال الخطبة.
وتسن الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب، ولا يرفع صوته بها؛ لئلا يشغل غيره بها.
стр. 248
ويسن أن يؤمّن على دعاء الخطيب بلا رفع صوت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ورفع الصوت قدام الخطيب مكروه أو محرم اتفاقا، ولا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها" اه.
ويلاحظ أن هذا الذي نبه عليه الشيخ لا يزال موجودًا في بعض الأمصار؛ من رفع الصوت بالصلاة على الرسول أو غير ذلك من الأدعية حال الخطبة أو قبلها أو بين الخطبتين، وربما أن بعض الخطباء يأمر الحاضرين بذلك، وهذا جهل وابتداع لا يجوز فعله.
ومن دخل والإمام يخطب فإنه لا يسلِّم، بل ينتهي إلى الصف بسكينة، ويصلي ركعتين خفيفتين كما سبق، ويجلس لاستماع الخطبة، ولا يصافح من بجانبه. ولا يجوز له العبث حال الخطبة بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك؛ لقوله ﷺ : "من مس الحصا؛ فقد لغا ومن لغا؛ فلا جمعة له"، صححه الترمذي، ولأن العبث يمنع الخشوع.
وكذلك لا ينبغي له أن يتلفت يمينا وشمالاً، ويشتغل بالنظر إلى الناس، أو غير ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن الاستماع للخطبة، ولكن ليتجه
стр. 249
إلى الخطيب كما كان الصحابة ﵃ يتجهون إلى النبي ﷺ حال الخطبة.
وإذا عطس؛ فإنه يحمد الله سرًا بينه وبين نفسه.
ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وإذا جلس الإمام بين الخطبتين لمصلحة، لكن لا ينبغي التحدث بأمور الدنيا.
وبالجملة، فخطبتا الجمعة لهما أهمية عظيمة في الإسلام؛ لما تشتملان عليه من تلاوة القرآن وذكر أحاديث الرسول ﷺ ، وتضمنها التوجيهات النافعة والموعظة الحسنة والتذكير بأيام الله؛ فيجب الاهتمام بهما من قبل الخطيب ومن قبل المستمعين؛ فليست خطبة الجمعة مجرد حديث عادي كالأحاديث التي تلقى في النوادي والاحتفالات والاجتماعات العادية.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن بعض المستمعين لخطبتي الجمعة يرفع صوته بالتعوذ عندما يسمع شيئا من الوعيد في الخطبة، أو يرفع صوته بالسؤال والدعاء عندما يسمع شيئا من ذكر الثواب أو الجنة، وهذا شيء لا يجوز، وهو داخل في الكلام المنهي عنه حال الخطبة.
وقد دلت النصوص على أن الكلام حال الخطبة يفسد الأجر، وأن المتكلم لا جمعة له، وأنه كالحمار يحمل أسفارًا؛ فيجب الحذر من ذلك والتحذير منه.
وقد ذكر العلماء ﵏ أن صلاة الجمعة فرض مستقل، ليست بدلاً من الظهر.
стр. 250
قال عمر ﵁: "صلاة الجمعة ركعتين، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ".
وذلك لأنها تخالف صلاة الظهر في أحكام كثيرة، وهي أفضل من صلاة الظهر، وآكد منها؛ لأنه ورد على تركها زيادة تهديد، ولأن لها شروطا وخصائص ليست لصلاة الظهر، ولا تجزئ عنها صلاة الظهر ممن وجبت عليه ما لم يخرج وقتها؛ فصلاة الظهر حينئذ تكون بدلاً عنها.
وصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ذكر حر مكلف مستوطن:
روى أو داود بسنده عن طارق بن شهاب مرفوعا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"، إسناده ثقات، وصححه غير واحد.
وروى الدارقطني بسنده عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة يوم الجمعة؛ إلا مريضا، أو مسافرًا، أو صبيا، أو مملوكا".
стр. 251
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل قوم مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا، تقام فيه الجمعة إذا كان مبنيا بما جرت به عادتهم من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك؛ فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، وإنما الأصل أن يكونوا مستوطنين، ليسوا كأهل الخيام والحلل، الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا" انتهى.
ولا تجب الجمعة على مسافر سفر قصر؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر.
ومن خرج إلى البر في نزهة أو غيرها، ولم يكن حوله مسجد تقام فيه الجمعة؛ فلا جمعة عليه، ويصلي ظهرًا.
ولا تجب على امرأة.
قال ابن المنذر وغيره: "أجمعوا أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة؛ أن ذلك يجزئ عنهن، وكذلك إذا حضرها المسافر؛ أجزأته، وكذلك المريض؛ لأن إسقاطها عن هؤلاء للتخفيف عنهم، ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة في يومها بعد زوال الشمس حتى يصليها، وقبل الزوال يكره السفر إن لم يكن سيصليها في طريقه".
стр. 252
ويشترط لصحة الجمعة:
١ دخول الوقت؛ لأنها صلاة مفروضة؛ فاشترط لها دخول الوقت كبقية الصلوات؛ فلا تصح قبل وقتها ولا بعده؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ، وأداؤها بعد الزوال أفضل وأحوط؛ لأنه الوقت الذي كان يصليها فيه رسول الله ﷺ في أكثر أوقاته، وأداؤها قبل الزوال محل خلاف بين العلماء، وآخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر؛ فلا خلاف.
٢ أن يكون المصلون مستوطنين بمساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به؛ فلا تصح من أهل الخيام وبيوت الشعر الذي ينتجعون في الغالب مواطن القطر وينقلون بيوتهم؛ فقد كانت العرب حول المدينة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بصلاة الجمعة.
ومن أدرك مع الإمام من صلاة الجمعة ركعة؛ أتمها جمعة؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: "ومن أدرك ركعة من الجمعة؛ فقد أدرك الصلاة"، رواه البيهقي، وأصله في "الصحيحين".
وإن أدرك أقل من ركعة؛ بأن رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية قبل دخوله معه؛ فاتته صلاة الجمعة، فيدخل معه بنية الظهر، فإذا سلم الإمام؛ أتمها ظهرًا.
стр. 253
٣ ويشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين؛ لمواظبة النبي ﷺ عليهما، وقال ابن عمر: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس"، متفق عليه.
ومن شروط صحتهما: حمد الله، والشهادتان والصلاة على رسوله، والوصية بتقوى الله، والموعظة وقراءة شيء من القرآن، ولو آية، بخلاف ما عليه خطب المعاصرين اليوم، من خلوها من هذه الشروط أو غالبها.
قال الإمام ابن القيم: "ومن تأمل خطب النبي ﷺ وخطب أصحابه؛ وجدها كافية ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقهن وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛ فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم.
ثم طال العهد، وخفى نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا
стр. 254
الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها".
هذا ما قاله الإمام ابن القيم في طابع الخطب في عصره، وقد زاد الأمر على ما وصف حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليل الفائدة.
فبعض الخطباء أو كثير منهم يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي، يرتجل فيه ما حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة، ويطيل الخطبة تطويلاً مملاً حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة أو بعضها، ولا يتقيد بمواصفاتها الشرعية، فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير والتأثر والإفادة.
وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها، وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام، وقد لا يفهما غالب الحضور؛ لأنها أرفع من مستواهم، فيدخلون فيها المواضيع الصحفية والأوضاع السياسية وسرد المجريات التي لا يستفيد منها الحاضرون.
فيا أيها الخطباء! عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ ، ركزوا مواضيعها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام، ضمنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة، عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر، أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم الذي به حياة القلوب ونور البصائر.
стр. 255
إنه ليس المقصود وجود خطبتين فقط، بل المقصود أثرهما في المجتمع، كما قل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت؛ لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا بما يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير، وذم الدنيا والتحذير منها مما تواصى به منكروا الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، والدعوة إلى الله، والتذكير بآلائه"، وقال: "ولا تحصل الخطبة باختصار يفوت به المقصود، وقد كان النبي ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم" اه.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أنه يسن في خطبتي الجمعة أن يخطب على منبر؛ لفعله ﷺ ، ولأن ذلك أبلغ في الوعظ حينما يشاهد الحضور الخطيب أمامهم.
قال النووي ﵀: "واتخاذه سنة مجمع عليها".
ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا اقبل عليهم؛ لقول جابر: "وكان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر؛ سلم"، رواه ابن ماجه وله شواهد.
стр. 256
ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن؛ لقول ابن عمر: "كان رسوله الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" رواه أبو داود.
ومن سنن خطبتي الجمعة: أن يجلس بينهما؛ لحديث أبن عمر: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس"، متفق عليه.
ومن سننهما: أن يخطب قائما؛ لفعل الرسول ﷺ ، ولقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ ، وعمل المسلمين عليه.
ويسن أن يعتمد على عصا ونحوه.
ويسن أن يقصد تلقاء وجهه؛ لفعله ﷺ ، ولأن التفاته إلى أحد جانبيه إعراض عن الآخر ومخالفة للسنة؛ لأنه ﷺ كان يقصد تلقاء وجهه في الخطبة، ويستقبله الحاضرون بوجوههم؛ لقول ابن مسعود ﵁: "كان إذا استوى على المنبر؛ استقبلناه بوجوهنا"، رواه الترمذي.
ويسن أن يقصر الخطبة تقصيرًا معتدلاً؛ بحيث لا يملوا وتنفر نفوسهم، ولا يقصرها تقصيرًا مخلاً؛ فلا يستفيدون منها؛ فقد روى الإمام مسلم عن عمار مرفوعا: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة"، ومعنى قوله: "مئنة من فقه"؛ أي: علامة على فقهه
стр. 257
ويسن أن يرفع صوته بها؛ لأنه ﷺ كان إذا خطب؛ علا صوته، واشتد غضبه، لأن ذلك أوقع في النفوس، وأبلغ في الوعظ، وأن يلقيها بعبارات واضحة قوية مؤثرة وبعبارات جزلة.
ويسن أن يدعو للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ويدعو لإمام المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والتوفيق، وكان الدعاء لولاة الأمور في الخطبة معروفا عند المسلمين، وعليه عملهم؛ لأن الدعاء لولاة أمور المسلمين بالتوفيق والصلاح من منهج أهل السنة والجماعة، وتركه من منهج المبتدعة، قال الإمام أحمد: "لو كان لنا دعوة مستجابة؛ لدعونا بها للسلطان"، ولأن في صلاحه صلاح المسلمين.
وقد تركت هذه السنة حتى صار الناس يستغربون الدعاء لولاة الأمور ويسيئون الظن بمن يفعله.
ويسن إذا فرغ من الخطبتين أن تقام الصلاة مباشرة، وأن يشرع في الصلاة من غير فصل طويل.
وصلاة الجمعة ركعتين بالإجماع يجهر فيها بالقراءة، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بسورة الجمعة بعد الفاتحة، ويقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة المنافقين؛ لأنهصلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما؛ كما رواه مسلم عن ابن عباس، أو يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، وفي الثانية ب ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
стр. 258
الْغَاشِيَةِ﴾ ؛ فقد صح أنه ﷺ كان يقرأ أحيانا بالجمعة والمنافقين، وأحيانا ب ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ ، ولا يقسم سورة واحدة من هذه السور بين الركعتين؛ أن ذلك خلاف السنة.
والحكمة في الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة كون ذلك أبلغ في تحصيل المقصود.
стр. 259
باب في أحكام صلاة العيدين
صلاة العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان المشركون يتخذون أعيادًا زمانية ومكانية، فأبطلها الإسلام، وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى، شكرًا لله تعالى على أداء هاتين العبادتين العظيمتين: صوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وقد صح عن النبي ﷺ ؛ أنه لما قدم المدينة، وكان لأهلها يومان يلبون فيهما؛ قال ﷺ : "قد أبدكم الله بهما خيرًا منهما؛ يوم النحر، ويوم الفطر".
فلا تجوز الزيادة على هذين العيدين بإحداث أعياد أخرى كأعياد الموالد وغيرها؛ لأن ذلك زيادة على ما شرعة الله، واتباع في الدين، ومخالفة لسنة سيد المرسلين، وتشبه بالكافرين، سواء سميت أعيادًا
стр. 260
أو ذكريات أو أياما أو أسابيع أو أعواما، كل ذلك ليس من الإسلام، بل هو من فعل الجاهلية، وتقليد للأمم الكفرية من الدول الغربية وغيرها، وقد قال ﷺ : "من تشبه بقوم؛ فهو منهم"، وقال ﷺ : "إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
نسأل الله أن يرينا الحق حقّا ويرزقنا إتباعه، أن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وسمى العيد عيدًا لأنه يعود ويتكرر كل عام، ولأنه يعود بالفرح والسرور، ويعود الله فيه بالإحسان على عباده على إثر أدائهم لطاعته بالصيام والحج.
والدليل على مشروعية صلاة العيد: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ، وكان النبي ﷺ والخلفاء من بعده يداومون عليها.
وقد أمر النبي ﷺ بها حتى النساء، فيسن للمرأة حضورها غير متطيبة ولا لابسة لثياب زينة أو شهرة؛ لقوله ﵊:
стр. 261
"وليخرجن تفلات، ويعتزلن الرجال، ويعتزل الحيض المصلى"، قالت أم عطية ﵂: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم؛ يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته".
والخروج لصلاة العيد وأداء صلاة العيد على هذا النمط المشهود من الجميع فيه إظهار لشعار الإسلام؛ فهي من أعلام الدين الظاهرة، وأول صلاة صلاها النبي ﷺ للعيد يوم الفطر من السنة الثانية من الهجرة. ولم يزل ﷺ يواظب عليها حتى فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه، واستمر عليها المسلمون خلف من سلف، فلو تركها أهل بلد من استكمال شروطها فيهم؛ قاتلهم الإمام؛ لأنها من أعلام الدين الظاهر؛ كالأذان.
وينبغي أن يؤدى صلاة العيد في صحراء قريبة من البلد؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي العيدين في المصلى الذي على باب المدينة؛ فعن أبي سعيد: "كان النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى"، متفق عليه،
стр. 262
ولم ينقل أنه صلاها في المسجد لغير عذر، ولن الخروج إلى الصحراء أوقع لهيبة المسلمين والإسلام، وأظهر لشعائر الدين، ولا مشقة في ذلك؛ لعدم تكرره؛ بخلاف الجمعة؛ إلا في مكة المشرفة؛ فإنها تصلى في المسجد الحرام.
ويبدأ وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح؛ لأنه الوقت الذي كان النبي ﷺ يصليها فيه، ويمتد وقتها إلى زوال الشمس.
فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال؛ صلوا من الغد قضاء؛ لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار؛ قالوا: "غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي ﷺ أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدًا لعيدهم" رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه، وصححه جماعة من الحفاظ، فلو كانت تؤدى بعد الزوال؛ لما أخرها النبي ﷺ إلى الغد، ولأن صلاة العيد شرع لها الاجتماع العام؛ فلا بد أن يسبقها وقت يتمكن الناس من التهيؤ لها.
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر؛ لما روى الشافعي مرسلاً؛ أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الأضحى، وأخر الفطر، وذكر الناس. وليتسع وقت التضحية بتقديم
стр. 263
الصلاة في الأضحى، وليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر قبل صلاة الفطر.
ويسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات، وأن لا يطعم يوم النحر حتى يصلى؛ لقول بريدة: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي"، رواه أحمد وغيره.
قال الشيخ تقي الدين: "لما قدم الله الصلاة على النحر في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، وقدم التزكي على الصلاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ؛ كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر، وأن الذبح بعد الصلاة في عيد النحر.
ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد؛ ليتمكن من الدنو من الإمام، وتحصل له فضيلة انتظار الصلاة، فيكثر ثوابه.
ويسن أن يتجمل المسلم لصلاة العيد بلبس أحسن الثياب؛ لحديث جابر: "كانت للنبي ﷺ حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة"، رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وعن ابن عمر أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه، رواه البيهقي بإسناد جيد.
стр. 264
ويشترط لصلاة العيد الاستيطان؛ بأن يكون الذين يقيمونها مستوطنين في مساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به؛ كما في صلاة الجمعة؛ فلا تقام صلاة العيد إلا حيث يسوغ إقامة صلاة الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في حجته، ولم يصلها، وكذلك خلفاؤه من بعده.
وصلاة العيد ركعتان قبل الخطبة؛ لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة"، متفق عليه، وقد استفاضت السنة بذلك وعليه عامة أهل العلم، قال الترمذي: "والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ أن صلاة العيدين قبل الخطبة".
وحكمة تأخير الخطبة عن صلاة العيد وتقديمها على صلاة الجمعة: أن خطبة الجمعة شرط للصلاة، والشرط مقدم على المشروط؛ بخلاف خطبة العيد؛ فإنها سنة.
وصلاة العيدين ركعتان بإجماع المسلمين، وفي "الصحيحين" وغيرهما عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، وقال عمر: "صلاة الفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى"، رواه أحمد وغيره.
стр. 265
ولا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة؛ لما روى مسلم عن جابر: "صليت مع النبي ﷺ العيد مرة ولا مرتين، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ بغير أذان ولا إقامة".
ويكبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ست تكبيرات؛ فتكبيرة الإحرام ركن، لابد منها، لا تنعقد الصلاة بدونها، وغيرها من التكبيرات سنة، ثم يستفتح بعدها؛ لأن الاستفتاح في أول الصلاة، ثم يأتي بالتكبيرات الزوائد الست، ثم يتعوذ عقب التكبيرة السادسة؛ لأن التعوذ للقراءة، فيكون عندها، ثم يقرأ.
ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات غير تكبيرة الانتقال؛ لما روى أحمد عن عمروا بن شعيب عن أبيه عن جده؛: "أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة؛ سبعا في الأولى، وخمسا في الآخرة"، وإسناده حسن.
وروى غير ذلك في عدد التكبيرات: قال الإمام أحمد ﵀: "اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير، وكله جائز".
ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأنه ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير.
стр. 266
ويسن أن يقول بين كل تكبيرتين: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرًا، لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد؟ قال: "يحمد الله، ويثني عليه، ويصلى على النبي ﷺ ".
ورواه البيهقي بإسناده عن ابن مسعود قولاً وفعلاً.
وقال حذيفة: "صدق أبو عبد الرحمن".
وإن أتى بذكر غير هذا فلا بأس؛ لأنه ليس فيه ذكر معين.
قال ابن القيم: "كان يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات" اهـ.
وإن شك في عدد التكبيرات؛ بنى على اليقين، وهو الأقل.
وإن نسى التكبير الزائد حتى شرع في القراءة؛ سقط؛ لأنه سنة فات محلها.
وكذا إذا أدرك المأموم الإمام بعدما شرع في القراءة؛ لم يأت بالتكبيرات الزوائد، أو أدركه راكعا، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير.
وصلاة العيد ركعتان، يجهر الإمام فيهما بالقراءة؛ لقول ابن عمر: "كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء"، رواه الدارقطني،
стр. 267
وقد أجمع العلماء على ذلكن ونقله الخلف عن السلف، واستمر عمل المسلمين عليه.
ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، ويقرأ في الركعة الثانية بالغاشية؛ لقول سمرة: "إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ "، رواه أحمد.
أو يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾
стр. 268
أو نحو ذلك مما جاء في الأثر؛ كان حسنا، وكان قراءته في المجامع الكبار بالسور المشتملة على التوحيد والأمر والنهي والمبدأ والمعاد وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم وما حل بهم من الهلاك والشقاء ومن آمن بهم وصدقهم ما لهم من النجاة والعافية" انتهى.
فإذا سلم من الصلاة؛ خطب خطبتين، يجلس بينهما؛ لما روى عبيد الله بن عبيد الله بن عتبة؛ قال: "السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس"، رواه الشافعي، ولابن ماجه عن جابر: "خطب قائما، ثم قعد قعدة، ثم قام"، وفي الصحيح وغيره: "بدأ بالصلاة ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته" الحديث، ولمسلم: " ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم".
стр. 269
ويحثهم في خطبة عيد الفطر على إخراج صدقة الفطر، ويبين لهم أحكامها؛ من حيث مقدارها، ووقت إخراجها، ونوع المخرج فيها. ويرغبهم في خطبة عيد الأضحى في ذبح الأضحية، ويبين لهم أحكامها؛ لأن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها.
وهكذا ينبغي للخطباء أن يركزوا في خطبهم على المناسبات؛ فيبينوا للناس ما يحتاجوه إلى بيانه في كل وقت بحسبه بعد الوصية بتقوى الله والوعظ والتذكير، لا سيما في المجامع العظيمة والمناسبات الكريمة؛ فإنه ينبغي أن تضمن الخطبة ما يفيد المستمع ويذكر الغافل ويعلم الجاهل.
وينبغي حضور النساء لصلاة العيد؛ كما سبق بيانه، وينبغي أن توجه إليهن موعظة خاصة ضمن خطبة العيد؛ لأنه ﷺ لما رأى أنه لم يسمع النساء؛ أتاهن، فوعظهن، وحثهن على الصدقة، وهكذا ينبغي أن يكون للنساء نصيب من موضوع خطبة العيد؛ لحاجتهن إلى ذلك وإقتداء بالنبي ﷺ .
ومن أحكام صلاة العيد: أنه يكره التنفل قبلها وبعدها في
стр. 270
موضعها، حتى يفارق المصلي؛ لقول ابن عباس ﵄: "خرج النبي ﷺ يوم عيد؛ فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما"، متفق عليه، ولئلا يتوهم أن لها راتبة قبلها أو بعدها.
قال الإمام أحمد: "أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها".
وقال الزهراني: "لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، وكان ابن مسعود وحذيفة ينهيان الناس عن الصلاة قبلها".
فإذا رجع إلى منزله؛ فلا بأس أن يصلي فيه؛ لما روى أحمد وغيره: "أن النبي ﷺ كان إذا رجع إلى منزله؛ صلى ركعتين".
ويسن لمن فاتته صلاة العيد أو فاته بعضها قضاؤها على صفتها؛ بأن يصليها ركعتين؛ بتكبيراتها الزوائد؛ لأن القضاء يحكي الأداء، ولعموم قوله ﷺ : "فما أدركتم؛ فصلوا؛ وما فاتكم؛ فأتموا"، فإذا فاتته ركعة مع الإمام؛ أضاف إليها أخرى، وإن جاء والإمام يخطب؛ جلس لاستماع الخطبة، فإذا انتهت؛ صلاها قضاء، ولا بأس بقضائها متفردًا أو مع جماعة.
ويسن في العيدين التكبير المطلق، وهو الذي لا يتقيد بوقت يرفع به صوته؛ إلا الأنثى؛ فلا تجهر به، فيكبر في ليلتي العيدين، وفي كل
стр. 271
عشر ذي الحجة لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ، ويجهر به في البيوت والأسواق والمساجد وفي كل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى، ويجهر به في الخروج إلى المصلى؛ لما أخرجه الدارقطني وغيره عن ابن عمر: "أنه إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير، حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي الإمام"، وفي "الصحيح": "كنا يؤمر بإخراج الحيض، فيكبرن بتكبيرهم"، ولمسلم: "يكبرن مع الناس"؛ فهو مستحب لما فيه من إظهار شعائر الإسلام.
والتكبير في عيد الفطر آكد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ؛ فهو في هذا العيد آكد؛ لأن الله أمر به.
ويزيد عيد الأضحى بمشروعية التكبير المقيد فيه، وهو التكبير الذي شرع عقب كل صلاة فريضة في جماعة، فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يكبر ويكبرون، لما رواه الدارقطني وابن أبي شيبة وغيرهما من حديث جابر: "أنه كان ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة؛ يقول: الله أكبر ... " الحديث.
стр. 272
ويبتدأ التكبير المقيد بأدبار الصلوات في حق غير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عسر آخر أيام التشريق، وأما المحرم؛ فيبتدئ التكبير المقيد في حقه من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية.
روى الدارقطني عن جابر: "كان النبي ﷺ يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات"، وفي لفظ: "وكان إذا صلى الصلح من غداة عرفة؛ أقبل على أصحابه فيقول: مكانكم، ويقول: الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات﴾ ، وهي أيام التشريق.
وقال الإمام النووي: "هو الراجح وعليه العمل في الأمصار".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أصح الأقوال في التكبير الذي عليه الجمهور من السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة؛ لما في "السنن": "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله"،
стр. 273
وكون المحرم يبتدئ التكبير المقيد من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأن التلبية تقطع برمي جمرة العقبة، ووقت رمي جمرة العقبة المسنون ضحى يوم النحر، فكان المحرم فيه كالمحل، فلو رمى جمرة العقبة قبل الفجر؛ فلا يبتدئ التكبير إلا بعد صلاة الظهر أيضا؛ عملاً على الغالب" انتهى.
وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا؛ بأن يقول لغيره: تقبل الله منا ومنك.
فال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قدر روى عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره" اه.
والمقصود من التهنئة التودد وإظهار السرور.
وقال الإمام أحمد: "لا أبتدئ به، فإن ابتدأني أحد؛ أجبته".
وذلك لأن وجوب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة؛ فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضا مما نهي عنه، ولا بأس بالمصافحة في التهنئة.
стр. 274
باب في أحكام صلاة الكسوف
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
صلاة الكسوف سنة مؤكدة باتفاق العلماء، ودليلها السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
والكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ .
ولما كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ؛ خرج إلى المسجد مسرعا فزعا، يجر رداءه فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله، يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله، فأمر بالصلاة عند حصوله والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك من الأعمال الصالحة، حتى ينكشف ما بالناس؛
стр. 275
ففي الكسوف تنبيه للناس وتخويف لهم ليرجعوا إلى الله ويراقبوه.
وكانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف إنما يحصل عند ولادة عظيم أو موت عظيم، فأبطل رسول الله ﷺ ذلك الاعتقاد، وبيّن الحكمة الإلهية في حصول الكسوف:
فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود الأنصار؛ قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، فقال الناس: انكسف الشمس لموت إبراهيم. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة".
وفي حديث آخر في "الصحيحين": "فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي".
وفي "صحيح البخاري" عن أبي موسى؛ قال: "هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره".
فالله تعالى يجري على هاتين الآيتين العظيمتين الشمس والقمر والكسوف والخسوف ليعتبر العباد ويعلموا أنهما مخلوقان يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما من المخلوقات؛ ليدل عباده بذلك على قدرته
стр. 276
التامة واستحقاقه وحده للعبادة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ووقت صلاة الكسوف: من ابتداء الكسوف إلى التجلي؛ لقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك؛ فصلوا" متفق عليه، وفي حديث آخر: "وإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى ينجلي"، رواه مسلم.
ولا تقضي صلاة الكسوف بعد التجلي؛ لفوات محلها، فإن تجلى الكسوف قبل أن يعلموا به؛ لم يصلوا له.
وصفة صلاة الكسوف: أن يصلي ركعتين يجهر فيهما بالقراءة على الصحيح من قولي العلماء، ويقرا في الركعة الأولى الفاتحة وسورة طويلة كسورة البقرة أو قدرها، ثم يركع ركوعا طويلاً، ثم يرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"؛ بعد اعتداله كغيرها من الصلوات، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى بقد سورة آل عمران، ثم يركع فيطيل الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبا مباركا فيه، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعده"، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين، ثم يصلي
стр. 277
الركعة الثانية كالأولى بركوعين طويلين وسجودين طويلين مثلما فعل في الركعة الأولى، ثم يتشهد ويسلم
هذه صفة صلاة الكسوف؛ كما فعلها رسول الله ﷺ ، وكما روى ذلك عنه من طرق، بعضها في "الصحيحين"؛ منها ماروت عائشة ﵂: "أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ، فقام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، فركع ركوعا طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف"، متفق عليه.
ويسن أن تصلى في جماعة؛ لفعل النبي ﷺ ، ويجوز أن تصلى فرادى كسائر النوافل، لكن فعلها جماعة أفضل.
ويسن أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة الكسوف، ويحذرهم من الغفلة والاغترار، ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار؛ ففي "الصحيح" عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ انصرف، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا
стр. 278
رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وصلوا، وتصدقوا ... " الحديث.
فإن انتهت الصلاة قبل أن ينجلي الكسوف؛ ذكر الله ودعاه حتى ينجلي، ولا يعيد الصلاة، وإن انجلى الكسوف وهو في الصلاة؛ أتمها خفيفة، ولا يقطعها؛ لقوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ؛ فالصلاة تكون وقت الكسوف؛ لقوله: "حتى ينجلي"، وقوله: "حتى ينكشف ما بكم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى؛ بحسب ما يكسف منه؛ فقد تكسف كلها، وقد يكسف نصفها أو ثلثها، فإذا عظم الكسوف؛ طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة، وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلكن وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ بما ذكرنا، وشرع تخفيفها لزوال السبب، وكذا إذا علم أنه لا يطول، وإن خف قبل الصلاة؛ ضرع فيها وأوجز، وعليه جماهير أهل العلم؛ لأنها شرعت لعلة، وقد زالت، وإن تجلى قبلها؛ لم يصل ... " انتهى.
стр. 279
باب في أحكام صلاة الاستسقاء
الاستسقاء هنا هو طلب السقي من الله تعالى؛ فالنفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها، وهو الله وحده، وكان ذلك معروفا في الأمم الماضية، وهو من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ، واستسقى خاتم الأنبياء نبينا محمد ﷺ لأمته مرات متعددة وعلى كيفيات متنوعة، وأجمع المسلمون على مشروعيته.
ويشرع الاستسقاء إذا أجدبت الأرض أي: أمحلت وانحبس المطر وأضر ذلك بهم؛ فلا مناص لهم أن يتضرعوا إلى ربهم ويستسقوه ويستغيثوه بأنواع من التضرع: تارة بالصلاة جماعة أو فرادى؛ وتارة بالدعاء في خطبة الجمعة؛ يدعو الخطيب والمسلمون يؤمنون على دعائه، وتارة بالدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات بلا صلاة ولا خطبة؛ فكل ذلك وارد عن النبي ﷺ .
وحكم صلاة الاستسقاء أنها سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد: "خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى
стр. 280
ركعتين جهر فيهما بالقراءة"، متفق عليه، ولغيره من الأحاديث.
وصفة صلاة الاستسقاء في موضعها وأحكامها كصلاة العيد؛ فيستحب فعلها في المصلى كصلاة العيد، وأحكامها كأحكام صلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة، وفي كونها تصلى قبل الخطبة، وفي التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى والثانية قبل القراءة؛ كما سبق بيانه في صلاة العيد.
قال ابن عباس ﵄: "صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد". قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم وغيره.
ويقرأ في الركعة الأولى بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، وفي الثانية بسورة الغاشية.
ويصليها أهل البلد في الصحراء؛ لأنه ﷺ لم يصلها إلا في الصحراء، ولأن ذلك أبلغ في إظهار الافتقار إلى الله تعالى.
وإذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء؛ فإنه ينبغي أن يتقدم ذلك تذكير الناس بما يلين قلوبهم من ذكر ثواب الله وعقابه، ويأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم؛ بردها إلى مستحقيها؛ لأن
стр. 281
المعاصي سبب لمنع القطر وانقطاع البركات، والتوبة والاستغفار سبب لإجابة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، ويأمرهم بالصدقة على الفقراء والمساكين، لأن ذلك سبب للرحمة، ثم يعين لهم يوما يخرجون فيه ليتهيؤوا ويستعدوا لهذه المناسبة الكريمة بما يليق بها من الصفة المسنونة، ثم يخرجون في الموعد إلى المصلى بتواضع وتذلل وإظهار للافتقار إلى الله تعالى، ولقول ابن عباس ﵄: "خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعا متخشعا متضرعا"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وينبغي أن لا يتأخر أحد من المسلمين يستطيع الخروج، حتى الصبيان والنساء اللاتي لا تخشى الفتنة بخروجهن، فيصلي بهم الإمام ركعتين كما سبق، ثم يخطب خطبة واحدة، وبعض العلماء يرى أنه يخطب خطبتين، والأمر واسع، ولكن الاقتصار على خطبة واحدة أرجح من حيث الدليل، وكذلك كون الخطبة بعد صلاة الاستسقاء هو أكثر أحواله ﷺ ، واستمر عمل المسلمين عليهن وورد أنه ﷺ خطب قبل الصلاة وقال به
стр. 282
بعض العلماء، والأول أرجح، والله أعلم.
وينبغي أن يكثر في خطبة الاستسقاء من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به؛ لأن ذلك سبب لنزول الغيث، ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى، ويرفع يديه؛ لأن النبي ﷺ كان يرفع يديه في دعائه بالاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه، ويصلي على النبي ﷺ ؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة، ويدعوا بالدعاء الوارد عن النبيصلى الله عليه وسلم في هذا الموطن؛ إقتداء به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .
ويسن أن يستقبل القبلة في آخر الدعاء، ويحول رداءه؛ فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين، وكذلك ما شابه الرداء من اللباس كالعباءة ونحوها؛ لما في "الصحيحين"؛ "أن النبي ﷺ حول الناس إلى ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ... ".
والحكمة من ذلك والله أعلم: التفاؤل بتحويل الحال عما هي
стр. 283
عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث، ويحول الناس أرديتهم لما روى الإمام أحمد: "وحول الناس معه أرديتهم"، ولأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، ثم إن سقى الله المسلمين، وإلا؛ أعادوا الاستسقاء ثانيا وثالثا؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
وإذا نزل المطر يسن أن يقف في أوله ليصيبه منه، ويقول: "اللهم صيبا نافعا، ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته".
وإذا زادت المياه وخيف منها الضرر؛ سن أن يقول: "اللهم حوالينا ولا علينا، الله على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر"؛ لأنه ﷺ كان يقول ذلك، متفق عليه، والله أعلم.
стр. 284
باب في أحكام الجنائز
إن شريعتنا ولله الحمد كاملة شاملة لمصالح الإنسان في حياته وبعد مماته، ومن ذلك ما شرعه الله من أحكام الجنائز؛ من حين المرض والاحتضار إلى دفن الميت في قبره؛ من عيادة المريض، وتلقينه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وما يتبع ذلك من قضاء ديونه، وتنفذ وصاياه، وتوزيع تركته، والولاية على أولاده الصغار.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وكان هديه ﷺ في الجنائز أكمل الهدي، مخالفا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده؛ من عيادة، وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن الأحوال وأفضلها، فيقفون صفوفا على جنازته، يحمدون لله، ويثنون عليهن ويصلون على نبيه محمد ﷺ ، ويسألون للميت المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم يقفون على قبره؛ يسألون له التثبيت، ثم زيارة قبره،
стр. 285
والدعاء له؛ كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهل الميت وأقاربه وغير ذلك" اهـ.
ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له بالتوبة من المعاصي، ورد المظالم إلى أصحابها، والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل هجوم الموت على غرة.
قال النبي ﷺ : "أكثروا من ذكر هادم اللذات"، رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهادم اللذات، بالذال: هو الموت.
وروى الترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعا: "استحيوا من الله حق الحياء". قالوا: إنا نستحي يانبي الله والحمد لله. قال: "ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة؛ ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء".
أولا: أحكام المريض والمحتضر.
وإذا أصيب الإنسان بمرض؛ فعليه أن يصبر ويحتسب ولا يجزع
следующие страницы →