Полный текст (1 076 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مرفقيه، وفي حديث آخر: "غسل يديه حتى أشرع في العضد"، مما يدل على دخول المرفقين في المغسول.
والثالث: مسح الرأس كله، ومنه الأذنان؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ، وقال ﷺ : "الأذنان من الرأس"، رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما؛ فلا يجزء مسح بعض الرأس.
والرابع: غسل الرجلين مع الكعبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، و "إلى" بمعنى "مع"، وذلك للأحاديث الواردة في صفة الوضوء؛ فإنها تدل على دخول الكعبين في المغسول.
والخامس: الترتيب؛ بأن يغسل الوجه أولاً، ثم اليدين، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل رجليه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، والنبي ﷺ رتب الوضوء على هذه الكيفية، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة به"، رواه أبو داود وغيره.
السادس: الموالاة، وهي أن يكون غسل الأعضاء المذكورة
стр. 37
متواليا، بحيث لا يفصل بين غسل عضو وغسل العضو الذي قبله، بل يتابع غسل الأعضاء الواحد تلو الآخر حسب الإمكان.
هذه فروض الوضوء التي لا بد منها فيه على وفق ما ذكره الله في كتابه.
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية في ابتداء الوضوء؛ هل هي واجبة أو سنة؟ فهي عند الجميع مشروعة، ولا ينبغي تركها، وصفتها أن يقول: بسم الله وإن زاد: الرحمن الرحيم؛ فلا بأس.
والحكمة والله أعلم في اختصاص هذه الأعضاء الأربعة بالوضوء؛ لأنها أسرع ما يتحرك من البدن؛ لاكتساب الذنوب، فكان تطهير ظاهرها تنبيه على تطهير باطنها، وقد أخبر النبي ﷺ أن المسلم كلما غسل عضوًا منها؛ حط عنه كل خطيئة أصابها بذلك العضو، وأنها تخرج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ز
ثم أرشد ﷺ بعد غسل هذه الأعضاء إلى تجديد الإيمان بالشهادتين؛ إشارة إلى الجمع بين الطهارتين الحسية والمعنوية.
فالحسية تكون بالماء على الصفة التي بينها الله في كتابه مع غسل هذه الأعضاء، والمعنوية تكون بالشهادتين اللتين تطهران من الشرك.
وقد قال تعالى في آخر آية الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
стр. 38
وهكذا أيها المسلم شرع الله لك الوضوء؛ ليطهرك به من خطاياك، وليتم به نعمته عليك.
وتأمل افتتاح آية الوضوء بهذا النداء الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ فقد وجه سبحانه الخطاب إلى من يتصف بالإيمان؛ لأنه هو الذي يصغى لأوامر الله، وينتفع بها، ولهذا قال النبي ﷺ : "ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
وما زاد عما ذكر في صفة الوضوء؛ فهو مستحب: من فعله؛ فله زيادة أجر، ومن تركه؛ فلا حرج عليه، ومن سمى الفقهاء تلك الأفعال: سنن الوضوء؛ أي: مستحباته؛ فسنن الوضوء هي:
أولاً: السواك، وتقدم بيان فضيلته وكيفيته، ومحله عند المضمضة؛ ليحصل به والمضمضة تنظيف الفم لاستقبال العبادة والتهيؤ لتلاوة القرآن ومناجاة الله .
ثانياً: غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء قبل غسل الوجه؛ لورود الأحاديث به، ولأن اليدين آله نقل الماء إلى الأعضاء؛ ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء.
ثالثا: البداءة بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه؛ لورود البداءة بهما في الأحاديث، ويبالغ فيها إن كان غير صائم،
стр. 39
ومعنى المبالغة في المضمضة: إدارة الماء في جميع فمه، وفي الاستنشاق: جذب الماء إلى أقصى أنقه.
رابعا: ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يبلغ داخلها، وتخليل أصابع اليدين والرجلين.
خامسا: التيامن، وهو البدء باليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى.
سادسا: الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في عسل الوجه واليدين والرجلين.
هذه شروط الوضوء وفروضه وسننه، يجدر بك أن تتعلمها وتحرص على تطبيقها في كل وضوء، ليكون وضوؤك مستكملاً للصفة المشروعة، لتحوز على الثواب.
ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 40
باب في بيان صفة الضوء
بعد أن عرفت شرائط الوضوء وفرائضه وسننه على ما سبق بيانه، كأنك تطلعت إلى بيان صفة الوضوء التي تطبق فيها تلك الأحكام، وهي صفة الوضوء الكامل المشتمل على الفروض والسنن المستوحاة من نصوص الشرع؛ لتعمل على تطبيقها إن شاء الله؛ فصفة الوضوء:
أن ينوي الوضوء لما يشرع له الوضوء من صلاة ونحوها.
ثم يقول: بسم الله.
ثم يغسل كفيه ثلاث مرات.
ثم يتمضمض ثلاث مرات، ويستنشق ثلاث مرات، وينثر الماء من أنفه بيساره.
ويغسل وجهه ثلاث مرات، وحد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن،
стр. 41
واللحيان عظمان في أسفل الوجه: أحدهما من جهة اليمين، والثاني من جهة اليسار، والذقن مجمعهما، وشعر اللحية من الوجه؛ فيجب غسله، ولو طال، فإن كانت اللحية خفيفة الشعر؛ وجب غسل باطنها وظاهرا، وإن كانت كثيفة "أي: ساترة للجلد"؛ وجب غسل ظاهرا، ويستحب تخليل باطنها كما تقدم، وحد الوجه عرضا من الأذن إلى الأذن، والأذنان من الرأس؛ فيمسحان مع كما تقدم.
ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاث مرات، وحد اليد هنا: من رؤوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد، ولا بد أن يزيل ما علق باليدين قبل الغسل من عجين وطين وصبغ كثيف على الأظافر حتى يتبلغ بماء الوضوء.
ثم يمسح كل رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جدير غير البلل الباقي من غسل يديه، وصفة مسح الرأس أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه، ويمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه، ويمسح ظاهرهما بإبهاميه.
ثم يغسل رجليه ثلاث مرات مع الكعبين، والكعبان: هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
стр. 42
ومن كان مقطوع اليد أو الرجل؛ فإنه يغسل ما بقى من الذراع أو الرجل، فإن قطع من مفصل المرفق؛ غسل راس العضد، وإن قطع من الكعب؛ غسل طرف الساق؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بامر؛ فأتوا منه ما استطعتم"، فإذا غسل بقية المفروض؛ فقد أتى بما استطاع.
ثم بعد الفراغ من الوضوء على الصفة التي ذكرنا، يرفع بصره إلى السماء، ويقول ما ورد عن النبي ﷺ من الأدعية في هذه الحالة، ومن ذلك: "أشهد لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، واستغفرك وأتوب إليك".
والمناسبة في الإتيان بهذا الذكر والدعاء بعد الوضوء: أنه لما كان الوضوء طهارة للظاهر؛ ناسب ذكر طهارة الباطن؛ بالتوحيد والتوبة، وهما أعظم المطهرات، فإذا اجتمع له الطهوران؛ طهور الظاهر بالوضوء،
стр. 43
وطهور الباطن بالتوحيد والتوبة؛ صلح للدخول على الله، والوقوف بين يديه، ومناجاته.
ولا بأس أن ينشف المتوضئ أعضاءه من ماء الوضوء بمسحه بخرقة ونحوها.
ثم اعلم أيها المسلم: أنه يجب إسباغ الوضوء، وهو إتمامه باستكمال الأعضاء وتعميم كل عضو بالماء، ولا يترك منه شيئا لم يصبه الماء:
فقد رأي النبي ﷺ رجلاً ترك موضع ظفر على قدمه؛ فقال له: "ارجع؛ فأحسن وضوءك".
وعن بعض أزواج النبي ﷺ ؛ أنه رأى رجلاً يصلي وفي بعض قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء؛ فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وقال ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" أو تبقى فيهما بقية لا يعمها الماء؛ فيعذبان بالنار بسبب ذلك.
стр. 44
وقال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله؛ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين".
ثم اعلم أيها المسلم: أنه ليس معنى إسباغ الوضوء كثرة صب الماء، بل معناه تعميم العضو بجريان الماء عليه كله، وأما كثرة صب الماء؛ فهذا إسراف منهي عنه، بل قد يكثر صب الماء ولا يتطهر الطهارة الواجبة، وإذا حصل إسباغ الوضوء مع تقليل الماء؛ فهذا هو المشروع:
فقد ثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.
ونهى ﷺ عن الإسراف في الماء؛ فقد مر ﷺ بسعد وهو يتوضأ؛ فقال: "ما هذا السرف؟ "، فقال: أفي الوضوء إسراف؟! فقال: "نعم، ولو كنت على نهر جار" رواه أحمد وابن ماجه، وله شواهد، والسرف ضد القصد.
стр. 45
واخبر ﷺ أنه يكون في أمته من يتعدى في الطهور، وقال: "إن للوضوء شيطانا يقال له: الولهان؛ فاتقوا وسواس الماء".
والسرف في صب الماء مع أنه يضيع الماء من غير فائدة يوقع في مفاسد أخرى:
منها: أنه قد يعتمد على كثرة الماء؛ فلا يتعاهد وصول الماء إلى أعضائه؛ فربما تبقى بقية لم يصبها الماء، ولا يدري عنها، فيبقى وضوؤه ناقصا، فيصلي بغير طهارة.
ومنها: الخوف عليه من الغلو في العبادة؛ فإن الوضوء عبادة، والعبادة إذا دخلها الغلو؛ فسدت.
ومنها: أنه قد يحدث له الوسواس في الطهارة بسبب الإسراف في صب الماء.
والخير كله في الاقتداء بالرسول ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
فعليك أيها المسلم بالحرص على يكون وضوؤك وجميع عباداتك على الوجه المشروع؛ من غير إفراط ولا تفريط؛ فكلا طرفي الأمور ذميم، وخير الأمور أوسطها،
стр. 46
والمتساهل في العبادة ينتقصها، والغالي فيها يزيد عليها ما ليس منها، والمستن فيها بسنة الرسولصلى الله عليه وسلم هو الذي يوفيها حقها.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا؛ فنضل.
стр. 47
باب في أحكام المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل
إن ديننا دين يسر لا دين مشقة وحرج، يضع لكل حالة ما يناسبها من الأحكام مما به تتحقق المصلحة وتنتفي المشقة، ومن ذلك ما شرعه الله في حالة الوضوء، إذا كان على شيء من أعضاء المتوضئ حائل يشق نزعه ويحتاج إلى بقائه: إما لوقاية الرجلين كالخفين ونحوهما، أو لوقاية الرأس كالعمامة، وإما لوقاية جرح ونحوه كالجبيرة ونحوها؛ فإن الشارع رخص للمتوضئ أن يمسح على هذه الحوائل، ويكتفي بذلك عن نزعها وغسل ما تحتها؛ تخفيفا منه سبحانه تعالى على عباده، ودفعا للحرج عنهم.
فأما مسح الخفين أو ما يقوم مقامهما من الجوربين والاكتفاء به عن غسل الرجلين؛ فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة في مسحه ﷺ في الحضر والسفر، وأمره بذلك، وترخيصه فيه.
قال الحسن: "حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح
стр. 48
على الخفين".
وقال النووي: "روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة".
وقال الإمام أحمد: "ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي ﷺ ".
وقال ابن المبارك وغيره: "ليس في المسح على الخفين بن الصحابة اختلاف، هو جائز".
ونقل ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه، واتفق عليه أهل السنة والجماعة؛ بخلاف المبتدعة الذين لا يرون جوازه.
وحكم المسح على الخفين: أنه رخصة، فعله أفضل من نزع الخفين وغسل الرجلين؛ أخذاً برخصة الله ، وقد كان النبي ﷺ لا يتكلف ضد حالة التي عليه قدماء، بل إن كانتا في الخفين؛ مسح على الخفين، وغن كانتا مكشوفتين؛ غسل القدمين؛ فلا يشرع لبس الخف ليمسح عليه.
стр. 49
ومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة، وبالنسبة لمسافر سفرًا يبيح له القصر ثلاثة أيام بلياليها؛ لما رواه مسلم؛ أن النبي ﷺ قال: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة".
وابتداء المدة في الحالتين يكون من الحدث بعد اللبس؛ لأن الحدث هو الموجب للوضوء، ولأن جواز المسح يبتدئ من الحدث، فيكون ابتداء المدة من أول جواز المسح، ومن العلماء من يرى أن ابتداء المدة يكون من المسح بعد الحدث.
شروط المسح على الخفين ونحوهما:
١ يشترط للمسح على الخفين وما يقوم مقامها من الجوارب ونحوها أن يكون الإنسان حال لبسهما على طهارة من الحدث؛ لما في الصحيحين وغيرهما؛ أن النبي ﷺ قال لمن أراد نزع خفيه وهو يتوضأ: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين"، وحديث: "أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلنا هما على طهر"، وهذا واضح الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس للخفين، فلو كنا حال لبسهما محدثا؛ لم يجز المسح عليهما.
стр. 50
٢ ويشترط أن يكون الخف ونحوه مباحا، فإن كان مغصوبا أو حريراً بالنسبة للرجل؛ لم يجز المسح عليه؛ لأن المحرم لا تستباح به الرخصة.
٣ ويشترط أن يكون الخف ونحوه ساتراً للرجل؛ فلا يمسح عليه إذا لم يكن ضافيا مغطيا لما يجب غسله؛ بأن كان نازلاً عن الكعب أو كان ضافيا لكنه لا يستر الرجل؛ لصفائه أو خفته؛ كجورب غير صفيق؛ فلا يمسح على ذلك كله؛ لعدم ستره.
ويمسح على ما تقوم مقام الخفين؛ فيجوز المسح على الجورب الصفيق الذي يستر الرجل من صوف أو غيره؛ لأن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين، رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي، ويستمر المسح عليه إلى تمام المدة؛ دون ما يلبس فوقه من خف أو نعل ونحوه، ولا تأثير لتكرار خلعه ولبسه إذا كان قد بدأ المسح على الجورب.
ويجوز المسح على العمامة بشرطين:
أحدهما: تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه من الرأس.
الشرط الثاني: أن تكون العمامة محنكة، وهي التي يدار منها تحت الحنك دور فاكثر، أو تكون ذات ذؤابة، وهي التي يرخى طرفها من
стр. 51
الخلف؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ المسح على العمامة بأحاديث أخرجها غير واحد من الأئمة، وقال عمر: "من لم يطهره المسح على العمامة؛ فلا طهره الله".
وإنما يجوز المسح على الخفين والعمامة في الطهارة من الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر؛ فلا يمسح على شيء من ذلك فيه، بل يجب غسل ما تحتهما.
ويمسح على الجبيرة، وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر، ويمسح على الضماد الذي يكون على الجرح، وكذلك يمسح على اللصوق الذي يجعل على القروح، كل هذه الأشياء يمسح عليها؛ بشرط أن تكون على قدر الحاجة؛ بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب منه مما لا بد منن وضعها عليه لتؤدي مهمتها، فإن تجاوزت قدر الحاجة؛ لزمه نزع ما زاد عن الحاجة.
ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحدث الأصغر والأكبر، وليس للمسح عليها وقت محدد، بل يمسح عليها إلى نزعها أو برء ما تحتها؛ لأن مسحها لأجل الضرورة إليها، فيقتدر بقدر الضرورة.
والدليل على مسح الجبيرة حديث جابر ﵁ قال: "خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ؛ أخبر بذلك، فقال "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؛ فإنما شفاء
стр. 52
العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها"، رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن السكن.
محل المسح من هذه الحوائل:
يمسح ظاهر الخف والجورب، ويمسح أكثر العمامة، ويختص ذلك بدوائرها، ويمسح على جميع الجبيرة.
وصفة المسح على الخفين أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه ثم يمرهما إلى ساقه، يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى، والرجل اليسرى باليد اليسرى، ويفرج أصابعه إذا مسح، ولا يكرر المسح.
وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 53
باب في بيان نواقض الوضوء
عرفت مما سبق كيف يتم الوضوء بشروطه وفروضه وسننه كما بينه النبي ﷺ فكنت بحاجة إلى معرفة ما يفسد هذا الوضوء وينقضه؛ لئلا تستمر على وضوء قد بطل مفعوله، فتؤدي به عبادة لا تصح منك.
فاعلم أيها المسلم: أن للوضوء مفسدات لا يبقى مع واحد منها له تأثير، فيحتاج إلى استئنافه من جديد عند إرادته مزاولة عمل من الأعمال التي يشرع لها الوضوء، وهذه المفسدات تسمى نواقض وتسمى مبطلات، والمعنى واحد، وهذه المفسدات أو النواقض أو المبطلات أمور عينها الشارع، وهي علل تؤثر في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها كالبول والغائط وسائر الخارج من السبيلين، وغما أسباب للأحداث؛ بحث إذا وقعت؛ تكون مظنة لحصول
стр. 54
الأحداث؛ كزوال العقل، أو تغطيته بالنوم والإغماء والجنون؛ فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه، فأقيمت المظنة مقام الحدث.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
١ الخارج من سبيل؛ أي: من مخرج البول والغائط والخارج من السبيل إما أن يكون بولاً أو منيا أو مذيا أو دم استحاضة أو غائطا أو ريحا.
فإن كان الخارج بولاً أو غائطا؛ فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع، قال تعالى في موجبات الوضوء: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط﴾ .
وإن كان منيا أو مذيا؛ فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره.
وكذا ينقض خروج دم الاستحاضة، وهو دم فساد، لا دم حيض؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش؛ أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "فتوضئي وصلي؛ فإنما هو دم عرق"، رواه أبو داود والدارقطني، وقال: "إسناده كلهم ثقات".
وكذا ينقص الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وبالإجماع، قال ﷺ : "ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"،
стр. 55
وقال ﷺ فيمن شك هل خرج منه ريح أولا: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم والقيء والرعاف؛ فموضع خلاف بين أهل العلم؛ هل ينقض الوضوء أولا ينقضه؟ على قولين، والراجح أنه لا ينقض، لكن خروجا من الخلاف؛ لكان أحسن.
٢ من النواقض زوال العقل أو تغطيته، وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه، وتغطيته تكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما، فمن زال عقله أو غطي بنوم ونحوه؛ انتقض وضؤه؛ لأن ذلك مظنة خروج الحدث، وهو لا يحسن به؛ إلا يسير النوم؛ فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة ﵃ كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة، وإنما ينقضه النوم المستغرق؛ جمعا بين الأدلة.
٣ من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لصحة الحديث فيه عن رسول الله ﷺ وصراحتة.
стр. 56
قال الإمام أحمد ﵀: "فيه حديثان صحيحان عن رسول الله ﷺ ".
وأما أكل اللحم من غير الإبل؛ فلا ينقض الوضوء.
وهناك أشياء قد اختلف العلماء فيها؛ هل تنقض الوضوء أو لا؟:
وهي: مس الذكر، ومس المرأة بشهوة، وتغسيل الميت، والردة عن الإسلام، فمن العلماء من قال: لأن كل واحد من هذه الأشياء ينقض الوضوء، ومنهم من قال: لا ينقض، والمسألة محل نظر واجتهاد، لكن لو توضأ من هذه الأشياء خروجا من الخلاف؛ لكان أحسن.
هذا، وقد بقيت مسألة مهمة تتعلق بهذا الموضوع، وهي: من تيقن الطهارة، شك في حصول ناقض من نواقضها؛ ماذا يفعل؟.
لقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؛ فلا يخرج من المسجد، حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
فدل هذا الحديث الشريف وما جاء بمعناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها؛ أنه يبقى على الطهارة؛ لأنها الأصل، ولأنها متيقنة، وحصول الناقض مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك.
стр. 57
وهذه قاعدة عظيمة عامة في جميع الأشياء؛ أنها تبقى على أصولها حتى يتيقن خلافها، وكذلك العكس، فإذا يتقن الحدث وشك في الطهارة؛ فإنه يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث؛ فلا يرفع بالشك.
أخي المسلم، عليك بالمحافظة على الطهارة للصلاة والاهتمام بها، لأنها لا تصح صلاة بدون طهور، كما يجب عليك أن تحذر من الوسواس وتسلط الشيطان عليك؛ بحيث يخيل إليك انتقاض طهارتك ويلبس عليك؛ فاستعذ بالله من شره، ولا تلتفت إلى وساوسه، واسأل أهل العلم عما أشكل عليك من أمور الطهارة؛ لتكون على بصيرة من أمرك، واهتم أيضا بطهارة ثيابك من النجاسة؛ لتكون صلاتك صحيحة وعبادتك مستقيمة؛ فإن الله : ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ .
وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 58
باب في أحكام الغسل
عرفت مما سبق أحكام الطهارة من الحدث الأصغر ونواقضها؛ فكنت بحاجة إلى أن تعرف أحكام الطهارة من الحدث الأكبر؛ جنابة كان أو حيضا أو نفاسا، وهذه الطهارة تسمى بالغسل بضم الغين، وهو استعمال الماء في جميع البدن على صفة مخصوصة يأتي بيانها.
والدليل على وجوبه: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ .
وقد ذكروا أن الغسل من الجنابة كان معمولاً به في الجاهلية، وهو من بقايا دين إبراهيم ﵊ فيهم.
وموجبات الغسل ستة أشياء، إذا حصل واحد منها؛ وجب على المسلم الاغتسال:
أحدها: خروج المني من مخرجه من الذكر أو الأنثى، ولا يخلو: إما أن يخرج في حال اليقظة، أو حال النوم، فإن خرج
стр. 59
في حال اليقظة، أو حال النوم، فإن خرج في حال اليقظة؛ اشترط وجود اللذة بخروجه، فإن خرج بدون لذة؛ لم يوجب الغسل؛ كالذي يخرج بسبب مرض أو عدم إمساك، وإن خرج في حال النوم، وهو ما يسمى بالاحتلام؛ وجب الغسل مطلقا؛ لفقد إدراكه؛ فقد لا يشعر باللذة؛ فالنائم إذا استيقظ ووجد أثر المني؛ وجب عليه الغسل، وإن احتلم، ولم يخرج منه مني، ولم يجد له أثراً؛ لم يجب عليه الغسل.
الثاني: من موجبات الغسل إيلاج الذكر في الفرج، ولو لم يحصل إنزال؛ للحديث الذي رواه مسلم وغيره عن النبي ﷺ : "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل"، فيجب الغسل على الواطئ والموطوءة بالإيلاج، ولو لم يحصل إنزال؛ لهذا الحديث، ولإجماع أهل العلم على ذلك.
الثالث: من موجبات الغسل عند طائفة من العلماء: إسلام الكافر، فإذا اسلم الكافر؛ وجب عليه الغسل؛ لأن النبي ﷺ أمر بعض الذين أسلموا أن يغتسلوا، ويرى كثير من أهل العلم أن اغتسال الكافر إذا أسلم مستحب،
стр. 60
وليس بواجب؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر به كل من أسلم، فيحمل الأمر به على الاستحباب؛ جمعا بين الأدلة، والله أعلم.
الرابع: من موجبات الغسل: الموت، فيجب تغسيل الميت؛ غير الشهيد في المعركة؛ فإنه لا يغسل، وتفاصيل ذلك تأتي في أحكام الجنائز أن شاء الله.
الخامس والسادس: من موجبات الغسل الحيض والنفاس؛ لقوله ﷺ : "وإذا ذهبت حيضتك؛ فاغتسلي وصلي"، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْن﴾ ؛ يعني: الحيض بتطهرن بالاغتسال بعد انتهاء الحيض.
وصفة الغسل الكامل:
أن ينوي بقلبه.
ثم يمسي ويغسل يديه ثلاثا ويغسل فرجه.
ثم يتوضأ وضوءًا كاملاً.
ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات، يروي أصول شعره.
ثم يعم بدنه بالغسل، ويدلك بدنه بيديه؛ ليصل الماء إليه.
والمرأة الحائض أو النفساء تنقض رأسها للغسل من الحيض والنفاس، وأما الجنابة؛ فلا تنقضه حين تغتسل لها؛ لمشقة التكرار، وكلن؛ يجب عليها أن تروي أصول شعرها بالماء.
ويجب على المغتسل رجلاً كان أو امرأة أن يتفقد أصول شعره
стр. 61
ومغابن بدنه وما تحت حلقه وإبطيه وسرته وطي ركبتيه، وإن كان لابسا ساعة أو خاتما؛ فإنه يحركهما ليصل الماء إلى ما تحتهما.
وهكذا يجب أن يهتم بإسباغ الغسل؛ بحيث لا يبقى من بدنه شيء لا يصل إليه الماء، وقال ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر"، رواه أبو داود والترمذي.
ولا ينبغي له أن يسرف في صب الماء؛ فالمشروع تقليل الماء مع الإسباغ؛ فقد كان ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع؛ فينبغي الاقتداء به في تقليل الماء وعدم الإسراف.
كما يجب على المغتسل أن يستتر؛ فلا يجوز أن يغتسل عريانا بين الناس؛ لحديث: "إن الله حيي يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر"، رواه أبو داود والنسائي.
والغسل من الحدث الأكبر أمانة من جملة الأمانات التي بين العبد وبين ربه، يجب عليه أن يحافظ عليه، وأن يهتم بأحكامه؛ ليؤديه على الوجه المشروع،
стр. 62
وما أشكل عليه من أحكامه وموجباته؛ سأل عنه، ولا يمنعه الحياء من ذل؛ فإن الله لا يستحي من الحق، فالحياء الذي يمنع صاحبه من السؤال عن أمور دينه حياء مذموم، وهو جبن من الشيطان؛ ليثبط به الإنسان عن استكمال دينه ومعرفة ما يلزمه من أحكامه.
وأمر الطهارة عظيم، والتفريط في شأنها خطير؛ لأنها تترتب عليها صحة الصلاة التي هي عمود الإسلام.
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين البصيرة في دينه والإخلاص له في القول والعمل.
стр. 63
باب في أحكام التيمم
إن الله قد شرع التطهر للصلاة من الحدثين الأصغر والأكبر بالماء الذي أنزله الله لنا طهورًا، وهذا واجب لابد منه مع الإمكان، لكن قد تعرض حالات يكون الماء فيها معدوما، أو في حكم المعدوم، أو موجودًا، لكن يتعذر استعماله لعذر من الأعذار الشرعية، وهنا قد جعل الله ما ينوب عنه، وهو التيمم بالتراب؛ تيسيرًا على الخلف، ورفعا للحرج.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
стр. 64
والتيمم في اللغة: القصد. والتيمم في الشرع: هو مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص.
وكما هو ثابت في القرآن الكريم؛ فهو ثابت بسنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة، وهو فضيلة لهذه الأمة المحمدية، اختصها الله به، ولم يجعله طهورًا لغيرها؛ توسعة عليها، وإحسانا منه إليها.
ففي "الصحيحين" وغيرهما: قال ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصل"، وفي لفظ: "فعنده مسجده وطهوره".
فالتيمم بدل طهارة الماء عند العجز عنه شرعا، يفعل بالتطهر به كل ما يفعل بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك، فإن الله جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، قال ﵊: "وجعلت تربتها" يعني: الأرض "لنا طهورًا ... ".
وينوب التيمم عن الماء في أحوال هي:
أولاً: إذا عدم الماء: لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ، سواء عدمه في الحضر أو السفر، وطلبه، ولم يجده.
стр. 65
ثانيا: إذا كان معه ماء يحتاجه لشرب وطبخ، فلو تطهر منه؛ لأضر حاجته؛ بحيث يخاف العطش على نفسه، أو عطش غيره من آدمي أو بهيمة محترمين.
ثالثا: إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرض أو تأخر برء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ الآية.
رابعا: إذا عجز عن استعمال الماء، لمرض لا يستطيع معه الحركة، وليس عنده من يوضئه، وخاف خروج الوقت.
خامسا: إذا خاف بردًا باستعمال الماء ولم يجد ما يسخنه به؛ تيمم وصلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ ؛ ففي تلك الأحوال يتيمم ويصلي.
وإن وجد ماء يكفي بعض طهره؛ استعمله فيما يمكنه من أعضائه أو بدنه، وتيمم عن الباقي الذي قصر عنه الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .
وإن كان به جرح يتضرر بغسله أو مسحه بالماء؛ تيمم له، وغسل الباقي لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ .
وإن كان جرحه لا يتضرر بالمسح؛ مسح الضماد الذي فوقه بالماء، وكفاه المسح عن التيمم.
стр. 66
ويجوز التيمم بما على وجه الأرض من تراب وسبخه ورمل وغيره، هذا هو الصحيح من قولي العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ، وكان ﷺ وأصحابه إذا أدركتهم الصلاة؛ تيمموا بالأرض التي يصلون عليها، ترابا أو غيره، ولم يكونوا يحملون معهم التراب.
وصفة التيمم:
أن يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ويمسح كفيه براحتيه، ويعمم الوجه والكفين بالمسح، وإن مسح بضربتين إحداهما يمسح بها وجهه والثانية يمسح بها بدنه؛ جاز، لكن الصفة الأولى هي الواردة عن النبي ﷺ .
ويبطل التيمم عن حدث أصغر بمبطلات الوضوء وعن حدث أكبر بموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس؛ لأن البدل له حكم المبدل، ويبطل التيمم أيضا بوجود الماء إن كان التيمم لعدمه، وبزوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ونحوه.
ومن عدم الماء والتراب أو وصل إلى حال لا يستطيع مع لمس البشرة بماء ولا تراب؛ فإنه يصلي على حسب حاله؛ بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن الله لا يكلف نفسا غلا وسعها، ولا يعيد هذه الصلاة؛ لأنه أتى بما أمر به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقوله ﷺ :
стр. 67
"إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم".
هذه جملة من أحكام التيمم سقناها لك، فإن أشكل عليك شيء منها أو من غيرها؛ فعليك أن تسأل أهل العلم، ولا تتساهل في أمر دينك، لا سيما أمر الصلاة التي هي عمود الإسلام؛ فإن الأمر مهم جدًا.
وفقنا الله جميعا للصواب والسداد في القول والعمل، وان يكون عملنا خالا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب الدعاء.
стр. 68
باب في أحكام إزالة النجاسة
فكما أنه مطلوب من المسلم أن يكون طاهراً من الحدث إذا أراد الصلاة؛ فكذلك مطلوب منه البدن والثوب والبقعة من النجاسة، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، وأمر النبي ﷺ المرأة بغسل دم الحيض من ثوبها.
لما كان الأمر كذلك؛ تطلب منا أن نلقي الضوء على هذا الموضوع، وهو موضوع إزالة النجاسة، عارضين لأهم أحكامه، رجاء أن ينتفع بذلك من يقرؤه من إخواننا المسلمين، ولقد كان الفقهاء ﵏ يعقدون لهذا الموضوع بابا خاصا، يسمونه: باب إزالة النجاسة؛ أي: تطهير موارد النجاسة، أي: تطهير موارد النجاسة، التي تطرأ على محل طاهر من الثياب والأواني والفرش والبقاع ونحوها.
والأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء؛ فهو الأصل في
стр. 69
التطهير؛ لأن الله وصفه بذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ .
والنجاسة التي تجب إزالتها:
إما أن تكون على وجه الأرض وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور: فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة؛ بمعنى أنها تغمر بالماء بصبه عليها مرة واحدة؛ لأمره ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول، فإذا زالت بصب الماء عليها أو بماء المطر النازل أو الجاري عليها؛ كفى ذلك في تطهيرها.
وإن كانت النجاسة على غير الأرض وما اتصل بها:
فإن كانت من كلب أو خنزير وما تولد منهما؛ فتطهيرها بسبع غسلات، إحداهن بالتراب؛ بأن يجعل التراب مع إحدى الغسلات؛ لقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعا أولاهن بالتراب"، رواه مسلم وغيره، وهذا الحكم عام في الإناء وغيره؛ كالثياب والفرش.
стр. 70
وإن كانت نجاسة غير كلب أو خنزير؛ كالبول والغائط والدم ونحوها؛ فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر، حتى تزول؛ فلا يبقى لها عين ولا لون.
فالمغسولات على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يمكن عصره؛ مثل الثوب؛ فلا بد من عصره.
النوع الثاني: ما لا يمكن عصره، ويمكن تقليبه؛ كالجلود ونحوها؛ فلا بد من تقليبه.
النوع الثالث: ما لا يمكن عصره ولا تقليبه؛ فلا بد من دقه وتثقيله؛ بأن يضع عليه شيئا ثقيلاً، حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
وإن خفي موضع نجاسة في بدون أو ثوب أو بقعة صغيرة كمصلى صغير؛ وجب غسل ما احتمل وجود النجاسة فيه، حتى يجزم بزوالها، وإن لم يدر في أي جهة منه؛ غسله جميعه.
ويكفي في تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام رشه بالماء؛ لحديث أم قيس؛ أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله. متفق عليه.
وإن كان يأكل الطعام لشهوة واختيار؛ فبوله مثل بول الكبير، وكذا
стр. 71
بول الأنثى الصغير مثل بول الكبيرة، وفي جميع هذه الأحوال يغسل كغسل سائر النجاسات.
فالنجاسات على ثلاثة أنواع:
نجاسة مغلظة، وهي نجاسة الكلب ونحوه.
ونجاسة مخففة، وهي نجاسة الغلام الذي لا يأكل الطعام.
ونجاسة بين ذلك، وهي بقية النجاسات.
ويجب أن نعرف ما هو طاهر وما هو نجس من أرواث وأبوال الحيوانات: فما كان يحل أكل لحمه منها؛ فبوله وروثه طاهر؛ كالإبل والبقر والغنم ونحوها؛ لأن النبي ﷺ أمر العرنين أن يلحقوا بإبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها. متفق عليه. فدل عليه طهارة بولها؛ لأن النجس لايباح التداوي به وشربه، فإن قيل: إنما أبيح للضرورة؛ قلنا: لم يأمرهم النبي ﷺ بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة. وفي "الصحيح": أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها وهي لا شك تبول فيها.
стр. 72
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل في الأرواث الطهارة؛ إلا ما استثنى ... " انتهى.
وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر، وهو بقية طعامه وشرابه.
وسؤر الهرة طاهر؛ لحديث أبي قتادة في الهرة؛ قال "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، رواه الترمذي وغيره وصححه، شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة ولعدم التحرز منها؛ ففي ذلك رفع للحرج والمشقة.
وألحق بعض العلماء بالهرة ماكان دونها في الخلقة من طير وغيره؛ فسؤره طاهر كسؤر الهرة؛ بجامع الطواف.
وماعدا وما ألحق بها لا يؤكل لحمه؛ فروثه وبوله وسؤره نجس.
стр. 73
أيها المسلم،:
عليك أن تهتم بالطهارة ظاهراً وباطنا: باطنا بالتوحيد والإخلاص لله في القول والعمل، وظاهراً بالطهارة من الحدث والأنجاس؛ فإن ديننا دين الطهارة والنظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية؛ فالمسلم طاهر نزيه ملازم للطهارة، وقال ﷺ : "الطهور شطر الإيمان ... ".
فعليك يا عبد الله بالاهتمام بالطهارة، والابتعاد عن الأنجاس؛ فقد أخبر رسول الله ﷺ أن عامة عذاب القبر من البول حينما لا يتحرز منه الإنسان، فإذا أصابك نجاسة؛ فبادر إلى تطهيرها ما أمكنك؛ لتبقى طاهراً، لا سيما عندما تريد الصلاة؛ فتفقد حالك من الطهارة، وعندما تريد الدخول في المسجد؛ فانظر في نعليك، فإن وجدت فيهما أذى، فامسحهما ونقهما ولا تدخل بهما أو تدخلهما في المسجد وفيهما نجاسة.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.
стр. 74
باب في أحكام الحيض والنفاس
أولاً: الحيض وأحكامه:
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ .
والحيض هو دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه؛ لا فتقاره إلى الغذاء؛ إذ لو شاركها في غذائها؛ لضعفت قواها، فجعل الله له هذا الغذاء؛ لذلك قل أن تحيض الحامل، فإذا ولدت؛ قلبه الله لبنا يدر من ثدييها؛ ليتغذى به ولدها، ولذلك قل أن تحض المرضع، فإذا خلت المرأة من الحمل ورضاع؛ بقي لا مصرف له؛ ليستقر في مكان من رحمها، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يزيد عن ذلك أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع.
стр. 75
وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة:
من هذه الأحكام: أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، قال ﵊ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة"، فلو صامت الحائض أوصلت حال حيضها؛ لم يصح لها صوم ولا صلاة؛ لأن النبي ﷺ نهاها عن ذلك، والنهي يقتضي عدم الصحة، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله.
فإذا طهرت من حيضها؛ فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم، قالت عائشة ﵂: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ؛ فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، متفق عليه.
ومن أحكام الحائض: أنها يجوز لها أن تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد، ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل:
следующие страницы →