← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بول الأنثى الصغير مثل بول الكبيرة، وفي جميع هذه الأحوال يغسل كغسل سائر النجاسات. فالنجاسات على ثلاثة أنواع: نجاسة مغلظة، وهي نجاسة الكلب ونحوه. ونجاسة مخففة، وهي نجاسة الغلام الذي لا يأكل الطعام. ونجاسة بين ذلك، وهي بقية النجاسات. ويجب أن نعرف ما هو طاهر وما هو نجس من أرواث وأبوال الحيوانات: فما كان يحل أكل لحمه منها؛ فبوله وروثه طاهر؛ كالإبل والبقر والغنم ونحوها؛ لأن النبي ﷺ أمر العرنين أن يلحقوا بإبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها. متفق عليه. فدل عليه طهارة بولها؛ لأن النجس لايباح التداوي به وشربه، فإن قيل: إنما أبيح للضرورة؛ قلنا: لم يأمرهم النبي ﷺ بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة. وفي "الصحيح": أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها وهي لا شك تبول فيها.

стр. 72

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل في الأرواث الطهارة؛ إلا ما استثنى ... " انتهى. وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر، وهو بقية طعامه وشرابه. وسؤر الهرة طاهر؛ لحديث أبي قتادة في الهرة؛ قال "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، رواه الترمذي وغيره وصححه، شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة ولعدم التحرز منها؛ ففي ذلك رفع للحرج والمشقة. وألحق بعض العلماء بالهرة ماكان دونها في الخلقة من طير وغيره؛ فسؤره طاهر كسؤر الهرة؛ بجامع الطواف. وماعدا وما ألحق بها لا يؤكل لحمه؛ فروثه وبوله وسؤره نجس.

стр. 73

أيها المسلم،: عليك أن تهتم بالطهارة ظاهراً وباطنا: باطنا بالتوحيد والإخلاص لله في القول والعمل، وظاهراً بالطهارة من الحدث والأنجاس؛ فإن ديننا دين الطهارة والنظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية؛ فالمسلم طاهر نزيه ملازم للطهارة، وقال ﷺ : "الطهور شطر الإيمان ... ". فعليك يا عبد الله بالاهتمام بالطهارة، والابتعاد عن الأنجاس؛ فقد أخبر رسول الله ﷺ أن عامة عذاب القبر من البول حينما لا يتحرز منه الإنسان، فإذا أصابك نجاسة؛ فبادر إلى تطهيرها ما أمكنك؛ لتبقى طاهراً، لا سيما عندما تريد الصلاة؛ فتفقد حالك من الطهارة، وعندما تريد الدخول في المسجد؛ فانظر في نعليك، فإن وجدت فيهما أذى، فامسحهما ونقهما ولا تدخل بهما أو تدخلهما في المسجد وفيهما نجاسة. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.

стр. 74

باب في أحكام الحيض والنفاس أولاً: الحيض وأحكامه: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . والحيض هو دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه؛ لا فتقاره إلى الغذاء؛ إذ لو شاركها في غذائها؛ لضعفت قواها، فجعل الله له هذا الغذاء؛ لذلك قل أن تحيض الحامل، فإذا ولدت؛ قلبه الله لبنا يدر من ثدييها؛ ليتغذى به ولدها، ولذلك قل أن تحض المرضع، فإذا خلت المرأة من الحمل ورضاع؛ بقي لا مصرف له؛ ليستقر في مكان من رحمها، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يزيد عن ذلك أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع.

стр. 75

وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة: من هذه الأحكام: أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، قال ﵊ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة"، فلو صامت الحائض أوصلت حال حيضها؛ لم يصح لها صوم ولا صلاة؛ لأن النبي ﷺ نهاها عن ذلك، والنهي يقتضي عدم الصحة، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله. فإذا طهرت من حيضها؛ فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم، قالت عائشة ﵂: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ؛ فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، متفق عليه. ومن أحكام الحائض: أنها يجوز لها أن تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد، ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل:

стр. 76

قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾ ،ومعنى الاعتزال: ترك الوطء. وقال النبي ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، رواه الجماعة إلا البخاري، وفي لفظ: "إلا الجماع". ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج؛ كالقبلة واللمس ونحو ذلك. ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهى حائض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِن﴾ ؛ أي طاهرات من غير جماع، وقد أمر النبي ﷺ من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إن أراد. والطهر هو انقطاع الدم، فإذا انقطع دمها؛ فقد طهرت، وانتهت فترة حيضها؛ فيجب عليها الاغتسال، ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض، وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة؛ لم تلتفت إليها؛ لقول أم عطية ﵂: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الصفرة شيئا"، رواه البخاري

стр. 77

وغيره، وله حكم الرفع؛ لأنه تقرير منه ﷺ . تنبيه هام: إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس؛ لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر؛ لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة؛ لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" "٢٢/ ٤٣٤": "ولهذا كان جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار؛ صلت الظهر والعصر جميعا، وإذا طهرت في آخر الليل؛ صلت المغرب والعشاء جميعا؛ كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ابن عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار؛ فوقت الظهر باق، فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل؛ فوقت المغرب باق في حال الغدر، فتصليها قبل العشاء" انتهى. وأما إذا دخل عليها وقت صلاة، ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي؛

стр. 78

فالقول الراجح أنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت أول وقتها ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في "مجموع الفتاوي" "٢٣/ ٣٣٥" في هذه المسألة: "والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك؛ أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيراً جائزاً؛ فهي غير مفرطة، وأما النائم أو الناسي؛ وإن كان غير مفرط أيضا؛ فإن ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر" انتهى. ثانيا: الاستحاضة وأحكامها: الاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف من عرق يسمى العاذل. والمستحاضة أمرها مشكل؛ لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة، فإذا كان الدم ينزل منها باستمرار أو غالب الوقت؛ فما الذي تعتبره منه حيضا وما الذي تعتبره استحاضة لا تترك من أجله الصوم والصلاة؟ فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات.

стр. 79

وبناء على ذلك؛ فإن المستحاضة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة لديها قبل إصابتها بالاستحاضة؛ بأن كانت قبل الاستحاضة تحيض خمسة أيام أو ثمانية أيام مثلاً في أول الشهر أو وسطه، فتعرف عددها ووقتها؛ فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر لها أحكام الحيض، فإذا انتهت عادتها؛ اغتسلت وصلت، واعتبرت الدم الباقي دم استحاضة؛ لقوله ﷺ لأم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي"، رواه مسلم، ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك؛ فدعي الصلاة"، متفق عليه. الحالة الثانية: إذا لم يكن لها عادة معروفة، لكن دمها متميز، بعضه يحمل صفة الحيض؛ بأن يكون أسودًا أو ثخينا أو له رائحة، وبقيته لا تحمل صفة الحيض؛ بأن يكون أحمر ليس له رائحة لا ثخينا؛

стр. 80

ففي هذه الحالة تعتبر الدم الذي يحمل صفة الحيض حيضا، فتجلس، وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر ما عاداه استحاضة، تغتسل عند نهاية الذي يحمل صفة الحيض، وتصلي وتصوم، وتعتبر طاهرًا؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا كان دم الحيض؛ فإنه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئي وصلي"، رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، ففيه أن المستحاضة تعتبر صفة الدم، فتميز بها بين الحيض وغيره. الحالة الثالثة: إذا لم يكن لها عادة تعرفها ولا صفة تميز بها الحيض من غيره؛ فإنها تجلس غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، لأن هذه عادة غالب النساء؛ لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقأت؛ فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.

стр. 81

والحاصل مما سبق: أن المعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة ترد إلى العمل بالتمييز، والفاقدة لهما تحيض ستا أو سبعا، وفي هذا جمع بين السنن الثلاث الواردة عن النبي ﷺ في المستحاضة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العلامات التي قيل بها ست: إما العادة؛ فإن العادة أقوى العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره، وإما التمييز لأن الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر، وأما اعتبار غالب عادة النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب؛ فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار"، ثم ذكر بقية العلامات التي قيل بها. وقال في "النهاية": "وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة، وإلغاء ما سوى ذلك" انتهى.

стр. 82

ما يلزم المستحاضة في حال الحكم بطهارتها: ١ يجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة حسبما سبق بيانه. ٢ تغسل فرجها لإزالة ماعليه من الخارج عند كل صلاة، وتجعل في المخرج قطنا ونحوه يمنع الخارج، وتشد عليه ما يمسكه من السقوط، ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة. لقوله ﷺ في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام إقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة"، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: "حديث حسن"، وقال ﷺ : "انعت لك الكرسف، تحشين به المكان"، والكرسف القطن، ويمكن استعمال الحفائظ الطبية الموجودة الآن. ثالثا: النفاس وأحكامه: والنفاس كالحيض فيما يحل؛ كالاستمتاع منها بما دون الفرج،

стр. 83

وفيما يحرم؛ كالوطأ في الفرج ومنع الصوم والصلاة والطلاق والطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد، وفي وجوب الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحيض، ويجب عليها أن بقضي الصيام دون الصلاة؛ فلا تقضيها كالحائض. والنفاس دم ترخية الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل، وأكثر مدته عند الجمهور أربعون يوما. قال الترمذي "أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما؛ إلا أن ترى الطهر قبل ذلك؛ فتغتسل وتصلي" اه. فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين؛ فقد انتهى نفاسها، فتغتسل وتصلي وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان، بأن كان فيه تخطيط، وصار معها دم بعده؛ فلها أحكام النفساء، والمدة التي يتبين فيها خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبا، وأقلها واحد وثمانون يوما، وإن ألقت علقة أو مضغة؛ لم يتبين فيها تخطيط إنسان؛ لم تعتبر ما ينزل بعدها من الدم نفاسا؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام، وليست لها أحكام النفساء.

стр. 84

تنبيه هام: وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أن البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج، فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم فترة ولا تقطعه؛ فلا بأس بتناولها، وإن كانت تقطع الحيض قطعا مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز؛ إلا بإذن الزوج؛ لأن هذا يترتب عليه قطع النسل. هذه جمل من أحكام الحيض، مررنا عليها مرًّا سريعا، وتفاصيلها تحتاج إلى وقت طويل، لكن يجب على من أشكل عليه شيء منها أو من غيرها أن يسأل العلماء، فيسجد عندهم إن شاء الله ما يزيل إشكاله، وبالله التوفيق.

стр. 85

كتاب الصلاة باب في وجوب الصلوات الخمس الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها، وقد تضمنت هذه الصلاة كثيرًا من أنواع العبادة؛ من ذكر الله، وتلاوة لكتابه، وقيام بين يدي الله، وركوع، وسجود، ودعاء، وتسبيح، وتكبير، وهي رأس العبادات البدنية، ولم تخل منها شريعة رسول من رسل الله. وقد فرضها الله على نبيه محمدصلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ليلة المعراج في السماء؛ بخلاف سائر الشرائع؛ فدل ذلك على عظمتها وتأكد وجوبها ومكانتها عند الله.

стр. 86

وقد جاء في فضلها ووجوبها على الأعيان أحاديث كثيرة، وفرضيتها معلومة من دين الإسلام بالضرورة، فمن جحدها؛ فقد ارتد عن دين الإسلام، يستتاب، فإن تاب، وإلا؛ قتل بإجماع المسلمين. والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي: ادع لهم. ومعناها في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. سميت بذلك لاشتمالها على الدعاء؛ فالمصلي لا ينفك عن دعاء عبادة أو ثناء أو طلب؛ فلذلك سميت صلاة، وقد فرضت ليلة الإسراء قبل الهجرة خمس صلوات في اليوم والليلة بدخول أوقاتها على كل مسلم مكلف. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ؛ أي: مفروضا في الأوقات التي بينها رسول الله بقوله وبفعله. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ؛ في مواضع كثيرة من كتابه الكريم. وقال تعالى ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .

стр. 87

وقال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ، فمن أتى عليه وقتها وهو بالغ عاقل؛ وجبت عليه؛ إلا حائضا ونفساء؛ فلا تجب عليهما، ولا يقضيانها إذا طهرتا إجماعا، ومن كان زائل العقل بنوم أو إغماء ونحوه؛ وجب عليه القضاء حين يصحوا. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها"، رواه مسلم. ويلزم ولي الصغير أن يأمر بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وغن كانت لا تجب عليهن ولكن؛ ليهتم بها، ويتمرن عليها، وليكتب له ولوليه الأجر إذا صلى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ، وقوله لما رفعت إليه امرأة صبيا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أحر"، فيعلمه وليه الصلاة والطهارة لها. ويجب على الولي أن يضرب الصغير إذا تهاون بالصلاة وقد بلغ عشر سنين، لقوله: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.

стр. 88

ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ؛ أي: مفروضة في أوقات معينة، لا يجوز تأخيرها عنها؛ إلا لمن يريد جمعها مع ما بعدها جمع تأخير، إذا كانت مما يجمع، وكان يباح لهم الجمع، وأما تأخير صلاة الليل إلى النهار أو صلاة النهار إلى الليل أو الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس؛ فلا يجوز بحال من الأحوال؛ لا لجنابة، ولا نجاسة، ولا غير ذلك، بل يصليها في وقتها على حسب حاله. وبعض الجهال قد يكون في حالة علاج في المستشفى على سرير يستطيع النزول منه، أو لا يستطيع تغيير ثيابه التي عليها نجاسة، أو ليس عنده تراب يتيمم به، أو لا يجد من يناوله إياه؛ فيؤخر الصلاة عن وقتها، ويقول: أصليها فيما بعد إذا زال العذر، وهذا خطأ عظيم، وتضييع للصلاة، أوقعه فيه الجهل وعدم السؤال؛ فالواجب على مثل هذا أن يصلي على حسب حاله في الوقت، وتجزئه صلاته في هذه الحالة، ولو صلى بدون تيمم أو بثياب نجسة، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ، حتى ولو صلى إلى غير القبلة إذا كان لا يستطيع استقبال القبلة؛ فصلاته صحيحة.

стр. 89

ومن ترك الصلاة تهاونا أو كسلاً من غير جحد لوجوبها؛ كفر على الصحيح من قولي العلماء، بل هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة كحديث: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة"، رواه مسلم، وغيره من الأدلة. وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها ليفتضح حتى يصلي، ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته، حتى يتوب ويقيم الصلاة؛ لأن الصلاة عمود الدين، وهي الفارقة بين المسلم والكافر؛ فمهما عمل العبد من الأعمال؛ فإنه لا ينفعه ما دام مضيعا للصلاة. نسأل الله العافية.

стр. 90

باب في أحكام الأذان والإقامة لما كانت الصلوات الخمس مؤقتة بأوقات معنية لا يجوز فعلها قبل دخول تلك الأوقات، وكان الكثير من الناس لا يعرف دخول الوقت، أو قد يكون مشغولاً لا ينتبه لدخوله؛ شرع الله الأذان للصلاة؛ إعلاما بدخول وقتها. وقد شرع الأذان في السنة الأولى للهجرة النبوية، وسبب مشروعيته أنه لما عسر معرفة الأوقات عليهم؛ تشاوروا في نصب علامة لها؛ فأُرِى عبد الله بن زيد هذا الأذان في المنام، وأقره الوحي، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ .

стр. 91

وكل من الأذان والإقامة لهما ألفاظ مخصوصة من الذكر، وهو كلام جامع لعقيدة الإيمان؛ فأولهما التكبير، وهو إجلال الله ، ثم إثبات الوحدانية لله ، وإثبات الرسالة لنبينا محمد بالشهادتين، ثم الدعاء إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام، والدعاء إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، ثم يختمه بتكبير الله وإجلاله وكلمة الإخلاص التي هي من أفضل الذكر وأجله، والتي لو وزنت بالسماوات وعامرهن غير الله والأرضين السبع وعامرهن؛ لرجحت بهن لعظمها وفضلها. وقد جاءت أحاديث في فضل الأذان وأن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة. والأذان والإقامة فرض كفاية ما يلزم جميع المسلمين لإقامته، فإذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، وهما من شعائر الإسلام الظاهرة، وهما مشروعان في حق الرجال حضراً وسفراً للصلوات الخمس، يقاتل أهل بلد تركوهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة؛ فلا يجوز تعطيلهما. والصفات المعتبرة في المؤذن: أن يكون صيتا؛ لأنه أبلغ في الإعلام، أمنيا؛ لأنه مؤتمن يعتبر أذانه في دخول وقت الصلاة والصيام والإفطار،

стр. 92

ويكون عالما بالوقت؛ ليؤذن في أوله. والأذان خمس عشرة جملة، كما كان بلال يؤذن به بحضرة رسول الله دائما، ويستحب أن يتمهل بألفاظ الأذان من غير تمطيط ولا مد مفرط، ويقف على كل جملة منه، ويستحب أن يستقبل القبلة حال الأذان، ويجعل إصبعيه في أذنيه؛ لأنه أرفع للصوت، ويلتفت يمينا عند قوله: "حي على الصلاة"، وشمالاً عند قوله: "حي إلى الفلاح"، ويقول بعد "حي على الفلاح الثانية" من أذان الفجر خاصة: "الصلاة خير من النوم"، مرتين؛ لأمره بذلك؛ لأنه وقت ينام الناس فيه غالبا، ولا يجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بأذكار أخرى قبله ولا بعده، يرفع بها صوته؛ لأن ذلك من البدع المحدثة؛ فكل ما يفعل غير الأذان الثابت عن رسول الله؛ فهو بدعة محرمة؛ كالتسبيح، والنشيد، والدعاء، والصلاة والسلام على الرسول جهراً قبل الأذان أو بعده، كل ذلك محدث مبتدع، يحرم فعله، ويجب إنكاره على من فعله. والإقامة إحدى عشرة جملة، يحدرها أي: يسرع فيها لإنهاء إعلام الحاضرين؛ فلا داعي للترسل فيها، ويستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، ولا يقيم إلا بإذن الإمام؛ لأن الإقامة منوط وقتها بنظر الإمام؛ فلا تقام إلا بإشارته، ولا بجزيء الأذان قبل الوقت؛ لأنه شرع الإعلام بدخوله؛ فلا يحصل به المقصود، ولأن فيه تغريراً لمن يسمعه؛ إلا أذان الفجر؛ فيجوز تقديمه قبل الصبح؛ ليتأهب الناس لصلاة الفجر، لكن ينبغي أن يؤذن آذانا

стр. 93

آخر عند طلوع الفجر؛ ليعرف الناس دخول الوقت وحلول الصلاة والصيام. ويسن لمن سمع المؤذن إجابته؛ بأن يقول مثل ما يقول، ويقول عند حي على الصلاة وحي على الفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم يقول بعدما يفرغ المؤذن: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته"، ويحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر أو نية رجوع، وإذا شرع المؤذن في الأذان والإنسان جالس؛ فلا ينبغي له أن يقوم، بل يصبر حتى فرغ؛ لئلا يتشبه بالشيطان. وينبغي للمسلم إذا سمع الأذان أن يتوجه إلى المسجد ويترك سائر الأعمال الدنيوية. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ الآيات. والإقامة إحدى عشرة جملة، يحدرها – أي: يسرع فيها – لأنها لإعلام الحاضرين، فلا داعي للترسل فيها، ويستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، ولا يقيم إلا بإذن الإمام، لأن الإقامة منوط وقتها بنظر الإمام، فلا تقام إلا بإشارته

стр. 94

باب في شروط الصلاة الشرط لغة: العلامة. وشرعا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وشروط الصلاة ما تتوقف صحتها عليها مع الإمكان. وللصلاة شرائط لا تصح إلا بها، إذا عدمت أو بعضها؛ لم تصح الصلاة، ومنها: أولا دخول وقتها قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ؛ أي: مفروضا في محددة؛ فالتوقيت هو التحديد، وقد وقت الله الصلاة؛ بمعنى أنه سبحانه حدد لها وقتا من الزمان، وقد أجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا مخصوصةً محدودة لا يجزىء قبلها. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رصي الله عنه: "الصلاة لها وقت شرطه الله لا تصح إلا به".

стр. 95

فالصلاة تجب بدخول وقتها؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ، وقد أجمع العلماء على فضيلة الإتيان في أول وقتها في الجملة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وفي الصحيحين أنه سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ، ومن المحافظة عليها: الإتيان بها أول وقتها. والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة، لكل صلاة منها وقت مناسب اختاره الله لها، يتناسب مع أحوال العباد، بحيث يؤدون هذه الصلوات في هذه الأوقات، ولا تحبسهم عن أعمالهم الأخرى، بل تعينهم عليها، وتكفر عنهم خطاياهم التي يصيبونها؛ فقد شبهها النبي بالنهر الجاري، الذي يغتسل منه الإنسان خمس مرات، فلا يبقى من درنه شيء.

стр. 96

وهذه المواقيت كما يلي: ١ صلاة الظهر: ويبدأ وقتها بزوال الشمس؛ أي: ميلها إلى المغرب عن خط المسامتة، وهو الدلوك المذكور في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس﴾ ، ويعرف الزوال بحدوث الظل في جانب المشرق بعد انعدامه من جانب المغرب، ويمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشي مثله في الطول، ثم ينتهي بذلك؛ لقوله: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله" رواه مسلم. ويستحب تعجيلها في أول الوقت؛ إلا في شدة الحر؛ فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر الحر؛ لقوله: "إذا اشتد الحر؛ فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". ٢ صلاة العصر: يبدأ وقتها في نهاية وقت الظهر؛ أي: من مصير ظل كل شيء مثله، ويمتد إلى اصفرار الشمس على الصحيح من قولي العلماء. ويسن تعجيلها في أول الوقت، وهي الصلاة الوسطى التي نص الله عليها لفضلها، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ، وقد ثبت في الأحاديث أنها صلاة العصر.

стр. 97

٣ وصلاة المغرب: يبدأ وقتها بغروب الشمس؛ أي: غروب قرصها جمعية؛ بحيث لا يرى منه شيء لا من سهل ولا من جبل، ويعرف غروب الشمس أيضا بإقبال ظلمة الليل من المشرق لقوله: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم" ثم يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، والشفق: بياض تخالطه حمرة، ثم تذهب الحمرة ويبقى بياض خالص ثم يغيب، فيستدل بغيبوبة البياض على مغيب الحمرة. ويسن تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها؛ لما روى الترمذي وصححه عن سلمة؛ أن النبي كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب؛ قال: "وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم". ٤ وصلاة العشاء: يبدأ وقتها بانتهاء وقت المغرب؛ أي: بمغيب الشفق الأحمر، ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني، وينقسم إلى قسمين: وقت اختيار يمتد إلى ثلث الليل، ووقت اضطرار من ثلث الليل إلى طلوع الفجر الثاني.

стр. 98

وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت المختار "إلى ثلث الليل " أفضل إن سهل فإن شق على المأمومين؛ فالمستحب تعجيلها في أول وقتها؛ دفعا للمشقة. ويكره النوم قبل صلاة العشاء؛ لئلا يستغرق النائم فتفوته، ويكره الحديث بعدها، وهو التحادث مع الناس؛ لأنن ذلك يمنعه من المبادرة بالنوم حتى يستيقظ مبكرًا؛ فينبغي النوم بعد صلاة العشاء مباشرة؛ ليقوم في آخر الليل، فيتهجد، ويصلي الفجر بنشاط؛ لأن النبي كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وهذا إذا كان سهره بعد العشاء من غير فائدة، أما إذا كان لغرض صحيح وحاجة مفيدة؛ فلا بأس. ٥ وصلاة الفجر يبدأ وقتها بطلوع الفجر الثاني، ويمتد إلى طلوع الشمس، ويستحب تعجيلها إذا تحقق طلوع الفجر. هذه مواقيت الصلوات الخمس التي فرضها الله فيها؛ فعليك بالتقيد بها؛ بحيث لا تصليها قبل وقتها، ولا تؤخرها عنه؛ فقال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ؛ أي: الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ،ض

стр. 99

ومعنى أضاعوها: أخروها عن وقتها؛ فالذي يؤخر الصلاة عن وقتها سماه الله ساهيا عنها ومضيعا لها، وتوعده بالويل والغي، وهو واد في جهنم، من نسيها أو نم عنها؛ تجب عليه المبادرة إلى قضائها؛ قال: "من نسي صلاة أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك". فتجب المبادرة لقضاء الصلاة الفائتة على الفور، ولا ينتظر إلى دخول وقت الصلاة التي تشابهها كما يظن بعض العوام، ولا يؤخرها إلى خروج وقت النهي، بل يصليها في الحال. ثانيا: ستر العورة ومن شروط الصلاة ستر العورة، وهي ما يجب تغطيته، ويقبح ظهوره، ويستحي منه، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ أي: عند كل صلاة، وقال النبي: "لا يقبل الله صلاة الحائض" أي: بالغ "؛ إلا بخمار"، رواه أبو داود والترمذي وحسنه. قال ابن عبد البر: "أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا؛ فلا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة الناس، وفي الخلوة على الصحيح، قال النبي: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك". قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "فإن

стр. 100

استطعت ألا يراها أحد؛ فلا يرينها". قال: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحى منه"، رواه أبو داود وغيره. وقد سمى الله كشف العورة فاحشة في قوله عن الكفار: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويزعمون أن ذلك من الدين؛ فكشف العورة والنظر إليها يجر إلى شر خطير، ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة وهدم الأخلاق؛ كما هو مشاهد في المجتمعات المتحللة التي ضاعت كرامتها وهدمت أخلاقياتها؛ فانتشرت فيها الرذيلة، وعدمت فيها الفضيلة. فستر العورة إبقاء على الفضيلة والأخلاق، ولهذا يحرص الشيطان على إغراء بني آدم بكشف عوراتهم، وقد حذرنا اله منه في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ فكشف العورات مكيدة شيطانية قد وقع فيها كثير من المجتمعات البشرية اليوم، وربما يسمون ذلك رقيا وتفننا؛ فتكونت نوادي العراة، وتفشي السفور في النساء، فعرضت أجسادها أمام الرجال؛ بلا حياء ولا خجل.

стр. 101

أيها المسلم، إنه يجب ستر العورة بما لا يصف بشرتها، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ؛ فمواراة العورة باللباس الساتر أمر مطلوب وواجب، وحد عورة الرجل الذكر من السرة إلى الركبة؛ لحديث على ﵁: "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت"، رواه أبوه داود وابن ماجه، وفي الحديث الآخر "غط فخذك، فإن الفخذ عورة"، رواه مالك وأحمد والترمذي وحسنه، ومع هذا كله؛ نرى مع الأسف الشديد كثيرًا من الرجال عندما يزاولون الألعاب يكشفون أفخاذهم ولا يغطون إلا العورة المغلطة، وهذه مخالفة صريحة لهذه النصوص؛ فالواجب عليهم التنبه لذلك، والتقيد بأحكام دينهم، وعدم الالتفات لما يخالفها. والمرأة كلها عورة؛ لقوله: "والمرأة عورة"، صححه الترمذي، ولحديث أم سلمة: أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟، قال: "إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها"، رواه أبو داود، ولأبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشه: "لا يقبل الله

стр. 102

صلاة حائض إلا بخمار"، قال الترمذي: "والعمل عليه عند أهل العلم؛ أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف؛ لا تجوز صلاتها ". هذه الأحاديث، مع قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ ، وقول عائشة: "كنا مع النبي محرمات، فإذا مر بنا الرجال؛ سدلت إحدانا خمارها على وجهها، فإذا جاوزونا؛ كشفناه ". هذه النصوص وما جاء بمعناها من الكتاب والسنة، وهي كثيرة شهيرة، تدل على أن المرأة كلها عورة أمام الرجال الأجانب، لا يجوز أن يظهر من بدنها شيء بحضرتهم في الصلاة وغيرها، أما إذا صلت في مكان خال من الرجال الأجانب؛ فإنها تكشف وجهها في الصلاة؛ فهو ليس بعورة في الصلاة، لكنه عورة عند الرجال غبر المحارم؛ فلا يجوز نظرهم إليه.

стр. 103

وإنه لمن المؤسف المحزن ما وصل إليه كثير من نساء العصر المسلمات من تهتك وتساهل في الستر، وتسابق إلى إبراز مفاتنهن، واتخاذ اللباس الذي لا يستر؛ تقليدًا لنساء الكفرة والمرتدين؛ فلا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم. إن الله تعالى قد أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذ الزينة؛ وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ فأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة فقط، مما يدل على أن المسلم ينبغي له أن يلبس أحسن ثيابه وأجملها في الصلاة للوقوف بين يدي الله تبارك تعالى؛ فيكون المصلي في هذا الموقف على أكمل هيئة ظاهرًا وباطنا. ثالثا: اجتناب النجاسة ومما يشترط للصلاة اجتناب النجاسة؛ بأن يبتعد عنها المصلي، ويخلو منها تماما في بدنه وثوبه وبقعته التي يقف عليها للصلاة. والنجاسة قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة؛ كالميتة، والدم، والخمر، والبول، والغائط: لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ؛ قال ابن سيرين: "اغسلها بالماء "، وقال: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، وأمر المرأة أن تغسل ثوبها إذ أصابه دم الحيض وتصلي

стр. 104

فيه؛ وأمر بدلك النعلين ثم الصلاة فيهما، وأمر بصب الماء على البول الذي حصل في المسجد ... وغير ذلك من الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة؛ فلا تصح صلاة مع وجود النجاسة في بدن المصلي أو ثوبه أو البقعة التي يصلي عليها، وكذلك إذا كان حاملاً لشيء فيه نجاسة. ومن رأى عليه نجاسة بعد الصلاة ولا يدري متى حدثت؛ فصلاته صحيحة، وكذا لو كان عالما بها قبل الصلاة، لكن نسي أن يزيلها؛ فصلاته صحيحة على القول الراجح. وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة وأمكنة إزالتها من غير عمل كثير؛ كخلع النعل والعمامة ونحوهما؛ أزالهما وبنى، وإن لم يتمكن من إزالتها؛ بطلت الصلاة. ولا تصح الصلاة في المقبرة؛ غير صلاة الجنازة؛ لقوله: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي،

стр. 105

وقال: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها"، رواه الجماعة إلا البخاري، وقال ﵊: "فلا تتخذوا القبور مساجد". وليس العلة في النهي عن الصلاة في المقابر أو عندها خشية النجاسة، وإنما هي خشية تعظيمها واتخاذها أوثانا؛ فالعلة سد الذريعة عن عبادة المقبورين، وتستثني صلاة الجنازة؛ فيجوز فعلها في المقبرة؛ لفعل النبي، وذلك يخصص النهي، وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه؛ لأن النهي يشمل المقبرة وفنائها الذي حولها.

стр. 106

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسجد المبني على القبر: "لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر؛ غير: إما بتسوية القبر، أو نبشه إن كان جديدًا وأن كان القبر قبل المسجد؛ فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر". ولا تصح الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى قبر؛ لقوله: "تصلوا إلى القبور". ولا تصح الصلاة في الحشوش، وهي المراحيض المعدة لقضاء الحاجة؛ فيمنع من الصلاة في داخل الحش؛ لكونه معدًا للنجاسه، ولأن الشارع منع من ذكر الله فيها؛ والصلاة أولى بالمنع، ولأن الحشوش تحضرها الشياطين. ولا تصح الصلاة في الحمام وهو المحل المعد للاغتسال؛ لأنه محل كشف العورات، ومأوى للشياطين، والمنع يشمل كل ما يغلق عله باب الحمام؛ فلا تجوز الصلاة فيه

стр. 107

ولا تصح الصلاة في أعطان الإبل، وهي المواطن التي تقيم فيها وتأوي إليها. قال الشيخ تقي الدين: "نهى عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مأوى الشياطين، وكما نهى عن الصلاة في الحما؛ لأنه مأوى الشياطين؛ فإن مأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه". وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير، قال الإمام ابن القيم: "وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهية الصلاة في الحمام: إما لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأما محل الصور؛ فمظنه الشرك، وغالب شرك الأمم كان من وجهة الصور والقبور" اهـ. أيها المسلم، عليك بالعناية بصلاتك؛ فتطهر من النجاسة قبل دخولك فيها، وتجنب المواضع المنهي عن الصلاة فيها؛ لتكون صلاتك صحيحة على وفق ما شرعه الله، ولا تتهاون بشيء من أحكامها أو تتساهل فيه؛ فإن صلاتك عمود دينك، متى استقامت؛ استقام لدين، ومتى اختلت؛ اختل الدين. وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والاستقامة. رابعا: استقبال القبلة ومن شروط الصلاة استقبال القبلة، وهي الكعبة المشرفة،

стр. 108

سميت قبلة لإقبال الناس عليها، ولأن المصلي يقابلها، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ . فمن قرب من الكعبة، وكان يراها؛ وجب عليه استقبال نفس الكعبة بجميع بدنه؛ لأنه قادر على التوجه إلى عينها قطعا، فلم يجز له العدول عنها، ومن كان قريبا منها، لكن يراها؛ لوجود حائل بينه وبينها؛ اجتهد في إصابتها، والتوجه إليها ما أمكنه، ومن كان بعيدًا عن الكعبة في أي وجهة من جهات الأرض؛ فإنه يستقبل في صلاته الجهة التي فيها الكعبة، ولا يضر التيامن ولا التياسر اليسيران؛ لحديث: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ صححه الترمذي، وروى عن غير واحد من الصحابة، وهذا بالنسبة لأهل المدينة وما وافق قبلتها مما سامتها، ولسائر البلدان مثل ذلك؛ فالذي في المشرق مثلاً تكون قبلته بين الجنوب والشمال والذي في المغرب كذلك. فلا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ ؛ أي: في بر أو جو أو بحر أو مشرق أو مغرب؛

стр. 109

إلا العاجز عن استقبال الكعبة: كالمربوط أو المصلوب غير القبلة إذا كان موثقا لا يقدر عليه؛ فإنه يصلي حسب استطاعته، ولو لم يستقبل القبلة؛ لأن هذا الشرط يسقط عنه للعجز بإجماع أهل العلم، وكذا في حال اشتداد الحرب، والهارب من سيل أو نار أو سبع أو عدو، والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة؛ فكل هؤلاء يصلون حسب حالهم، ولو إلى غير القبلة، وتصح صلاتهم؛ لأنه شرط عجز عنه؛ فسقط، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقال النبي: "وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم" وورد في الحديث المتفق عليه؛ أنهم عند اشتداد الخوف يصلون مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ويستدل على القبلة بأشياء كثيرة؛ منها: الإخبار، فإذا أخبره بالقبلة مكلف ثقة عدل؛ عمل بخبره، إذا كان المخبر متيقنا القبلة؛ وكذا إذا وجد محاريب إسلامية؛ عمل بها، واستدل بها على القبلة؛ لأن دوام التوجه إلى جهة تلك المحاريب يدل على صحة اتجاهها، وكذلك يستدل على القبلة بالنجوم، قال الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .

стр. 110

خامسا: النية ومن شروط الصلاة النية، وهي لغة: القصد، وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى. ومحلها القلب؛ فلا يحتاج إلى التلفظ بها، بل هو بدعة، لم يفعله رسول الله ولا أصحابه؛ فينوي بقلبه الصلاة التي يريدها؛ كالظهر والعصر؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وينوي مع تكبيرة الإحرام؛ لتكون النية مقارنة للعبادة، وإن تقدمت بزمن يسير في الوقت؛ فلا بأس. ويشترك أن تستمر النية في جميع الصلاة، فإن قطعها في أثناء الصلاة؛ بطلت الصلاة ويجوز لمن أحرم في صلاة فريضة وهو مأموم أو منفرد أن يقلب صلاته نافلة إذا كان ذلك لغرض صحيح؛ مثل أن يحرم منفردًا، فيريد الصلاة مع الجماعة. واعلم أن بعض الناس قد أحدثوا في النية بدعة وتشددًا ما أنزل الله بهما من سلطان، وذلك بأن يقول أحدهم: نويت أن أصلي فرض كذا عدد كذا من الركعات أداء لله خلف هذه الإمام ... ونحو ذلك من الألفاظ، وهذا شيء لم يفعله رسول الله، فلم ينقل عنه أنه تلفظ بالنية لا سرًا ولا جهرًا، ولا أمر بذلك.
следующие страницы →