Полный текст (1 076 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
باب في أحكام الوكالة
الوكالة بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله؛ أي: فوضته إليه، واصطلاحا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْض﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ .
ووكل ﷺ عروة بن الجعد في شراء الشاة، وأبا رافع تزجه ﷺ ميمونة، وكان يبعث عماله الزكاة.
стр. 527
ذكر الموفق وغيره إجماع الأمة على جواز الوكالة في الجملة، والحاجة داعية إليها، إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
ما تنعقد به الوكالة:
تنعقد الوكالة بكل قول يدل على الإذن؛ ك: افعل كذا، أو أذنت لك في فعل كذا.
ويصح القبول على الفور وعلى الترخي بكل قول أو فعل يدل على القبول؛ لأن قبول وكلائه ﵊ كان متراخيا عن توكيله إياهم.
وتصح الوكالة مؤقتة ومعلقة بشرط؛ كأن يقول: أنت وكيلي شهرًا، وكقوله: إذا تمت إجازة داري؛ فبعها.
ويعتبر تعيين الوكيل؛ فلا تنعقد بقوله: وكلت أحد هذين، أو بتوكيل من لا يعرفه.
ما يصح التوكيل فيه:
يصح التوكيل في كل ما تدخله النيابة من حقوق الآدميين من العقود والفسوخ؛ فالعقود مثل البيع والشراء والإجارة والقرض والمضاربة، والفسوخ كالطلاق والخلع والعتق والإقالة، وتصح الوكالة في كل ما تدخله النيابه من حقوق الله من العبادات؛
стр. 528
كتفريق الصدقة، وإخراج الزكاة، والنذر، والكفارة، والحج، والعمرة؛ لورود الأدلة بذلك.
وأما ما لا تدخله النيابة من حقوق الله تعالى؛ فلا يصح التوكيل فيه، هو العبادات البدنية؛ كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث؛ لأن ذلك يتعلق ببدن من هو عليه.
وتصح الوكالة في إثبات الحدود واستيفائها؛ لقوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها"، متفق عليه.
وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه؛ إلا في مسائل، وهي:
الأولى: إذا أجاز له الموكل ذلك؛ بأن يقول: وكل إذا شئت، أو يقول: اصنع ما شئت.
الثانية: إذا كان العمل الموكل فيه لا يتولاه مثله؛ لكونه من أشراف الناس المترفعين عن مثل ذلك العمل.
الثالثة: إذا عجز عن العمل الذي وكل فيه.
الرابعة: إذا كان لا يحسن العمل الذي وكل فيه.
وفي هذه الأحوال لا يجوز له أن يوكل إلا أمينا؛ لأنه لم يؤذن له في توكيل من ليس بأمين.
والوكالة عقد جائز من الطرفين؛ لأنها من جهة الموكل إذن،
стр. 529
ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم؛ فلكل واحد منهما فسخها في أي وقت شاء.
مبطلات الوكالة:
تبطل الوكالة بفسخ أحدهما أو موته أو جنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفيا؛ انتفت صحتها، وتبطل بعزل الموكل للوكيل، وتبطل بالحجر على السفيه وكيلاً كان أو موكلاً؛ لزوال أهلية التصرف.
ما يجوز فيه التوكيل والتوكل:
ومن له التصرف في شيء؛ فله التوكيل والتوكل فيه، ومن لا يصح تصرفه بنفسه؛ فنائبه أولى.
ومن وكل في بيع أو شراء؛ لم بيع ولم يشتر من نفسه؛ لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره، ولأنه تلحقه تهمة، وكذا لا يصح بيعه وشراؤه من ولده ووالده وزوجته وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم كتهمته في حق نفسه.
ما يتعلق بالموكل وما يتعلق بالوكيل من التصرفات:
يتعلق بالموكل حقوق العقد من تسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك، والوكيل في البيع يسلم المبيع ولا يستلم الثمن بغير إذن الموكل أو قرينة تدل على الإذن؛ كما لو باعه في محل يضيع فيه الثمن لو لم
стр. 530
يقبضه، والوكيل في الشراء يسلم الثمن؛ لأنه من تتمته وحقوقه، والوكيل في الخصومة لا يقبض، والوكيل في القبض يخاصم؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها.
ما يلزم الوكيل ضمانه وما لا يلزمه:
الوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده من غير تفريط ولا تعد، فإن فرط أو تعدى أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر؛ ضمن.
ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه من بيع وإجارة أنه قبض الثمن والأجرة وتلفا بيده، ويقبل قوله في الثمن والأجرة، والله أعلم.
стр. 531
باب في أحكام الحجر
إن الإسلام جاء لحفظ الأموال وحفظ حقوق الناس، ولذلك شرع الحجر على من يستحقه؛ حفاظا على أموال الناس وحقوقهم..
والحجر لغة: المنع، ومنه سمي الحرام حجرًا؛ لأنه ممنوع منه، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ ؛ أي: حراما محرما.
وسمي أيضا العقل حجرًا، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ، أي: عقل؛ لأن العقل يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته.
ومعنى الحجر في الشرع: منع إنسان من تصرفه في ماله.
ودليله من القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ، فدلت الآيتان على الحجر على السفيه واليتيم في ماله؛ لئلا يفسده ويضيعه، وأنه لا يدفع إليه إلا بعد تحقيق رشده فيه.
стр. 532
وقد حجر النبي ﷺ على بعض الصحابة لأجل قضاء ما عليه من الديون.
والحجر نوعان:
النوع الأول: حجر على الإنسان لأجل حظ غيره؛ كالحجر على المفلس لحظ الغرماء، والحجر على المريض بالوصية بما زاد على ثلث لحظ الورثة.
النوع الثاني: حجر على الإنسان لأجل مصلحته هو؛ لئلا يضيع ماله ويفسده؛ كالحجر على الصغير والسفيه والمجنون؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم﴾ ، قيل: المراد الأولاد والنساء، فلا يعطيهم ماله تبذيرًا، وقيل: المراد السفهاء والصغار والمجانين، لا يعطون أموالهم، لئلا يفسدوها، وأضافها إلى المخاطبين؛ لأنهم الناظرون عليها والحافظون لها.
النوع الأول: على الإنسان لحظ غيره:
والمراد هنا الحجر على المفلس هو من عليه دين حال لا يتسع له ماله الموجود، فيمنع من التصرف في ماله؛ لئلا يضر بأصحاب الديون.
أما المدين المعسر الذي على وفاء شيء من دينه؛ فإنه لا يطالب به، ويجب إنظاره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة﴾ .
стр. 533
وفي فضل إنظار المعسر يقول النبي ﷺ : "من سره أن يظله الله في ظله؛ فلييسر على معسر". وأفضل من الإنظار إبراء المعسر من دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُم﴾ .
أما من له قدرة على وفاء دينه؛ فإنه لا يجوز الحجر عليه؛ لعدم الحاجة إلى ذلك، لكن يؤمر بوفاء ديونه إذا طالب الغرماء بذلك؛ لقوله ﷺ : "مطل الغني ظلم"؛ أي: مطل القادر على وفاء دينه ظلم؛ لأنه منع أداء ما وجب عليه أداؤه من حقوق الناس، فإن امتنع من تسديد ديونه؛ فإنه يسجن.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀: "ومن كان قادرًا على وفاء دينه، وامتنع؛ أجبر على وفائه بالضرب والحبس، نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم"، قال: "ولا أعلم فيه نزاعا" انتهى.
وقد قال النبي ﷺ : "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وعرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه، فالمماطل بقضاء ما عليه من الحق يستحق العقوبة بالحبس والتعزير، ويكرر عليه
стр. 534
ذلك حتى يوفي ما عليه، فإن أصر على المماطلة؛ فإن الحاكم يتدخل فيبيع ماله ويسدد منه ديونه؛ لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع، ولأجل إزالة الضرر عن الدائنين، وقد قال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار".
ومما مر يتضح أن المدين له حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الدين مؤجلاً عليه؛ فهذا لا يطالب بالدين حتى يحل، ولا يلزمه أداؤه قبل حلوله، وإذا كان ما لديه من المال أقل مما عليه من الدين المؤجل؛ فإنه لا يحجر عليه من أجل ذلك، ولا يمنع من التصرف في ماله.
الحالة الثانية: أن يكون الدين حالا؛ فللمدين حينئذ حالتان:
الأولى: أن يكون ماله أكثر من الدين الذي عليه؛ فهذا لا يحجر عليه في ماله، ولكن يؤمر برفاء الدين إذا طالب بذلك دائنه، فإن امتنع؛ حبس وعزر حتى يوفي دينه، فإن صبر على الحبس والتعزير، وامتنع من تسديد الدين؛ فإن الحاكم يتدخل ويوفي دينه من ماله ويبيع ما يحتاج إلى بيع من أجل ذلك.
الثانية: أن يكون ماله أقل مما عليه من الدين الحال؛ فهذا يحجر عليه التصرف في ماله إذا طالب غرماؤه بذلك؛ لئلا يضربهم؛ لحديث كعب بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع ماله"، رواه الدارقطني والحاكم وصححه. وقال ابن الصلاح: "إنه حديث ثابت".
стр. 535
وإذا حجر عليه في هذه الحالة؛ فإنه يعلن عنه، وظهر للناس أنه محجور عليه؛ لئلا يغتروا به ويتعاملوا معه، فتضيع أموالهم.
ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:
الحكم الأول: أنه يتعلق حق الغرماء بماله الموجود قبل الحجر، وبماله الحادث بعد الحجر؛ بإرث أو أرش جناية أو هبة أو وصية أو غير ذلك، فيلحقه الحجر كالموجود قبل الحجر؛ فلا ينفذ تصرف المحجور عليه في ماله بعد الحجر بأي نوع من أنواع التصرف، ولا يصح إقراره لأحد على شيء من ماله؛ لأن حقوق الغرماء متعلقة بأعيانه، فلم يقبل الإقرار عليه، وحتى قبل الحجر عليه يحرم عليه التصرف في ماله تصرفا يضر بغرمائه.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "إذا استغرقت الديون ماله؛ لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون، سواء حجر عليه الحاكم أولم يحجر عليه، هذا مذهب مالك واختيار شيخنا [يريد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀] ، قال: "وهو الصحيح، وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلق بماله، ولهذا يحجر الحاكم عليه، ولولا تعلق حق الغرماء بماله؛ لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت، وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطريق المفضية إلى إضاعتها" انتهى كلامه ﵀.
стр. 536
الحكم الثاني: أن من وجد عين ماله الذي باعه عليه أو أقرضه إياه أو أجره إياه قبل الحجر عليه؛ فله أن يرجع به ويسحبه من عند المفلس؛ لقوله ﷺ : "من أدرك متعاه عند إنسان أفلس؛ فهو أحق به"، متفق عليه.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أنه يشترط لرجوع من وجد ماله عند المفلس المحجور عليه ستة شروط:
الشرط الأول: كون المفلس حيا إلى أن يأخذ ماله منه؛ لما رواه أبو داود؛ أنه ﷺ قال: "فإن مات؛ فصاحب المتاع أسوة الغرماء".
الشرط الثاني: بقاء ثمنها كله في ذمة المفلس، فإن قبض صاحب المتاع شيئا من ثمنه؛ لم يستحق الرجوع به.
الشرط الثالث: بقاء العين كلها في ملك المفلس، فإن وجد بعضها فقط؛ لم يرجع به؛ لأنه لم يجد عين ماله، وإنما وجد بعضها.
الشرط الرابع: تكون السلعة بحالها، لم يتغيّر شيء من صفاتها.
الشرط الخامس: كون السلعة لم يتعلق بها حق الغير؛ بأن لا يكون المفلس قد رهنها ونحو ذلك.
الشرط السادس: كون السلعة لم تزد زيادة متصلة كالسمن، فإذا توافرت هذه الشروط؛ جاز لصاحب السلعة أن يسحبها إذا ظهر إفلاس من هي عنده؛ للحديث السابق.
стр. 537
الحكم الثالث: انقطاع المطالبة عنه بعد الحجر عليه إلى أن ينفك عنه الحجر، فمن باعه أو أقرضه شيئا خلال هذه الفترة؛ طالبه به بعد فك الحجر عنه.
الحكم الرابع: أن الحاكم يبيع ماله، ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه الحالَّة؛ لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه، وفي تأخير ذلك مطل وظلم لهم، ويترك الحاكم للمفلس ما يحتاج إليه من مسكن ومؤنة ونحو ذلك.
أما الدين المؤجل؛ فلا يحل بالإفلاس، ولا يزاحم الديون الحالة؛ لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط؛ كسائر حقوقه، ويبقى في ذمة المفلس، ثم بعد توزيع ماله على أصحاب الديون الحالة، فإن سددها ولم يبق منها شيء؛ انفك عنه الحجر بلا حكم الحاكم؛ لزوال موجبه، وإن بقى عليه شيء من ديونه الحالة؛ فإنه لا ينفك عنه الحجر؛ إلا بحكم الحاكم؛ لأنه هو الذي حكم بالحجر عليه؛ فهو الذي يحكم بفك الحجر عنه.
النوع الثاني من أنواع الحجر:
وهو الحجر على الإنسان لحظ نفسه بحفظ ماله وتوفيره له؛ لأن هذا الدين دين الرحمة، الذي لم يترك شيئا فيه مصلحة إلا حث على تعاطيه، ولا شيئا فيه مضرة، إلا حذر منه، ومن ذلك أنه أفسح المجال للإنسان الذي فيه أهلية للتصرف ومزاولة التجارة في حدود المباح الكسب
стр. 538
الطيب؛ لما في ذلك من المصلحة التي تعود على الفرد والجماعة، أما إذا كان الإنسان غير مؤهل لطلب الكسب ومزاولة التجارة؛ لصغر سنه أو سفهه أو فقدان عقله؛ فإن الإسلام يمنعه من التصرف، ويقيم وصيا يحفظ له ماله وينميه، حتى يزول عنه المانع ثم يسلم ماله موفورًا إليه.
قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ .
ذلكم هو ما يسمى بالحجر على الإنسان لحظ نفسه؛ لأن المصلحة في ذلك تعود عليه.
وهذا النوع من الحجر يعم الذمة والمال؛ فلا يتصرف من انطبق عليه في ماله ببيع ولا تبرع ولا غيرهما، ولا يتحمل في ذمته دينا أو ضمانا أو كفالة ونحوها؛ لأن ذلك يفضي إلى ضياع أموال الناس.
ولا يصح تصرف غير السفهاء معهم؛ بأن يعطيهم ماله بيعا أو قرضا أو وديعة أو عارية، ومن فعل ذلك؛ فإنه يسترد ما أعطاهم إن وجده باقيا بعينه، فإن تلف في أيديهم أو أتلفوه؛ فإنه يذهب هدرًا، لا يلزمهم ضمانه؛ لأنه فرط بتسليطهم عليه وتقديمه إليهم برضاه واختياره.
أما لو تعدى المحجور عليه "لصغر ونحوه" على نفس أو مال بجناية؛ فإنه يضمن، ويتحمل ما ترتب على جنايته من غرامة، لأن المجني
стр. 539
عليه لم يفرض ولم يأذن لهم بذلك، والقاعدة الفقهية تقول: إن ضمان الإتلاف يستوي في الأهل وغيره.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "يضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال، وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها، لو لم يضمنوا جنايات أيهديهم؛ لأتلف بعضهم أموال بعض، وداعي الخطأ وعدم القصد".
ويزول الحجر عن الصغير بأمرين:
الأمر الأول: بلوغه سن الرشد.
ويعرف ذلك بعلامات:
الأولى: إنزاله المني يقظة أو مناما، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ، والحلم هو أن يرى الطفل في منامه ما ينزل به المني الدافق.
الثانية: إنبات الشعر الخشن حول قبله.
الثالثة: بلوغه خمس عشرة سنه، قال عبد الله بن عمر ﵄: "عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"، متفق عليه، ومعنى أجازني؛ أي: أمضاني للخروج للقتال، فدل على أن بلوغ خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغا، وفي رواية في تعليل منعه في
стр. 540
العرضة الأولى: " قال: ولم يرني بلغت".
الرابعة: وتزيد الجارية على الذكر علامة رابعة تدل على بلوغها، وهي الحيض؛ لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، رواه الترمذي وحسنه.
الأمر الثاني من البلوغ: الرشد، وهو الصلاح في المال؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ .
ويعرف رشده بأن يمتحن، فيمنح شيئا من التصرف، فإذا تصرف مرارًا، فلم يغبن غبنا فاحشا، ولم يبذل ماله في حرام أو فيما لا فائدة فيه؛ فهذا دليل على رشده.
ويزول الحجر عن المجنون بأمرين:
الأول: زوال الجنون ورجوع العقل إليه.
والثاني: أن يكون رشيدًا كما سبق في حق الصغير إذا بلغ.
ويزول عن السفيه: بزوال السفه واتصافه بالرشد في تصرفاته المالية.
ويتولى مال كل من هؤلاء الثلاثة الصبي والمجنون والسفيه حال الحجر أبوه إذا كان عدلاً رشيد؛ لكمال شفقته، ثم من بعد الأب وصية؛ لأنه نائبة، فأشبه وكيله في حال الحياة.
стр. 541
ويجب على من يتولى أموالهم ممَّن ذكر أن يتصرف لهم بالأحظ لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بما فيه مصلحة وتنمية له، والآية الكريمة وإن كانت نصت على مال اليتيم؛ فإنها تتناول مال السفيه بالقياس على مال اليتيم.
وعلى ولي مال اليتيم ونحوه المحافظة عليه، وعدم إهماله والمخاطرة به أو أكله ظلما، قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ .
وقد وعظ الله أولياء اليتامى بأن يتذكروا حالة أولادهم لو كانوا تحت ولاية غيرهم؛ فكما يحبون أن يحسن إلى أولادهم؛ فليحسنوا هم إلى أولاد غيرهم من اليتامى إذا كانوا تحت ولا يتهم، قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ .
ولما كان هؤلاء لا يستطيعون حفظ أموالهم وتصريفها بما ينميها لهم؛ أقام الله عليهم أولياء يتولون عنهم ذلك، وينظرون في مصالحهم، وأعطى هؤلاء الأولياء توجيهات يسيرون عليها حال ولا يتهم على هؤلاء، فنهى الأولياء عم إعطاء القصار أموالهم وتمكينهم منها؛ لئلا يفسدوها أويضيعوها.
قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاما﴾ .
стр. 542
قال الحافظ بن كثير ﵀: "ينهى الله عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما؛ أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ومن هنا يؤخذ الحجر على السفهاء" انتهى.
وكما نهى الله عن تمكين هؤلاء القصار من أموالهم، وجعلها تحت ولاية أهل النظر والإصلاح؛ فإنه يحذر هؤلاء الأولياء من التصرف فيها؛ إلا بما يصلحها وينميها، فيقول سبحانه تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ؛ أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بما فيه غبطة ومصلحة لليتيم.
عن ابن عباس ﵄؛ قال: "لما أنزل الله تعالى قوله ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ؛ انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿َيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ "؛ قال: "فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم".
ومن الإحسان في أموال اليتامى: إشغالها في الاتجار طلبا للربح والنمو، فلوليه الاتجار به، وله دفعه لمن يتجر به مضاربة؛ لأن عائشة
стр. 543
رضي الله عنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر ﵃، وقال عمر ﵁: "اتجروا بأموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة".
كما أن ولي اليتيم ينفق عليه من ماله بالمعروف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ويستحب إكرام اليتيم وإدخال السرور عليه ودفع الإهانة عنه؛ فجبر قلبه من أعظم مصالحه" انتهى.
ولولي اليتيم شراء الأضحية له من ماله إذا كان اليتيم موسرًا؛ لأنه يوم سرور وفرح، ولوليه أيضا تعليمه بالآخرة من ماله؛ لأن ذلك من مصالحه.
وإذا كان ولي اليتيم فقيرًا؛ فله أن يأكل من مال اليتيم قدر أجرته لقاء ما يقدمه من خدمة لماله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي: ومن كان محتاجا إلى النفقة وهو يحفظ مال اليتيم ويتعاهده؛ ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ منه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
قال الإمام ابن كثير: "نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه، وعن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية
стр. 544
في والي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه".
قال الفقهاء: له أن يأخذ أقل الأمرين أجره مثله أو قدر حاجته، روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال؛ أآكل من ماله؟ قال: " كل بالمعروف غير مسرف "، أما ما زاد عن هذا الحد الذي رخص الله فيه؛ فلا يجوز أكله من مال اليتيم؛ فقد توعد الله عليه بأشد الوعيد، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ؛ أي: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ .
قال الإمام ابن كثير: "أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب؛ فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا
стр. 545
السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
ثم إنه سبحانه أمر بدفع أموال اليتامى إليهم عندما يزول عنهم اليتم ويتأهلون للتصرف فيها على السداد موفرة كاملة، قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُم﴾ ، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ ؛ أي: وكفى بالله محاسبا وشاهدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم لأموالهم هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة.
стр. 546
أبواب
باب في أحكام الصلح
الصلح في اللغة: قطع المنازعة، ومعناه في الشرع: أنه معاقده يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
وهو من أكبر العقود فائدة، ولذلك حسن فيه استعمال شيء من الكذب إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
والدليل على مشروعية الصلح: الكتاب، والسنة، والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ، وقال ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ . وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ .
قال النبي ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحا أحل
стр. 547
حراما أو حرم حلالاً"، صححه الترمذي، وكان ﷺ يقوم بالإصلاح بين الناس.
والصلح الجائز هو الذي أمر الله به ورسوله، وهو ما يقصد به رضى الله تعالى ثم رضى الخصمين.
ولا بد أن يكون من يقوم بالإصلاح بين الناس عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدًا للعدل، ودرجة المصلح بين الناس أفضل من درجة الصائم القائم، أما إذا خلا الصلح من العدل؛ صار ظلما وهضما للحق، كأن يصلح بين قادر ظالم وضعيف مظلوم بما يرضى به القادر ويمكنه من الظلم ويهضم به حق الضعيف ولا يمكنه من أخذ حقه، والصلح إنما يكون في حقوق المخلوقين التي لبعضهم على بعض مما يقبل الإسقام والمعاوضة، أما حقوق الله تعالى؛ كالحدود والزكاة؛ مدخل للصلح فيها؛ لآن الصلح فيها هو أداؤها كاملة.
والصلح بين الناس يتناول خمسة أنواع:
النوع الأول: الصلح بين المسلمين أهل الحرب.
النوع الثاني: صلح بين أهل العدل وأهل البغي من المسلمين.
стр. 548
النوع الثالث: صلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما.
النوع الرابع: إصلاح بين متخاصمين في غير المال.
النوع الخامس: إصلاح بين متخاصمين في الأموال، وهو المراد هنا.
وهذا النوع من الصلح ينقسم إلى قسمين:
الأول: صلح عن إقرار.
والثاني: صلح عن إنكار.
١والصلح عن الإقرار نوعان:
نوع يقع على جنس الحق، ونوع يقع على غير جنسه.
فالذي يقع على جنسه مثل ما إذا أقر له بدين معلوم أو بعين مالية في يده، فصالحه على أخذ بعض الدين وإسقاط بقيته، أو على هبة بعض العين وأخذ البعض الآخر.
وهذا النوع من الصلح يصح إذا لم يكن مشروطا في الإقرار، كأن يقول من عليه الحق: أقر لك بشرط أن تعطيني أو تعوضني كذا، أو يقول صاحب الحق: أبرأتك أو وهبتك بشرط أن تعطيني كذا، فإن هذا الصلح مشروطا على نحو ما ذكرنا؛ لم لأن صاحب الحق له المطالبة بجميع الحق.
ويشترط لصحة هذا النوع من الصلح أيضا: أن لا يمنعه حقه بدونه؛ لأن ذلك أكل لمال الغير بالباطل، وهو محرم، ولأن من عليه الحق يجب دفعه لصاحبه بدون قيد ولا شرط.
ويشترط أيضا لهذا النوع من الصلح: أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه؛ لم يصح؛ كما لو كان
стр. 549
وليا لمال يتيم أو مجنون؛ لأن هذا تبرع، وهو لا يملكه.
والحاصل؛ أنه يجوز المصالحة عن الحق الثابت بشيء من جنسه، شريطة أن لا يمتنع من عليه الحق من أدائه بدون هذا الصلح، وشريطة أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه، فإذا توفر ذلك؛ جازت هذه المصالحة؛ لأنها تكون حينئذ من باب التبرع، والإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه؛ كما لا يمنع من استيفائه كله، ولأن النبي ﷺ كَلَّمَ غرماء جابر ﵁ ليضعوا عنه.
النوع الثاني من نوعي الصلح عن الإقرار: أن يصالح عن الحق بغير جنسه؛ كما لو اعترف له بدين أو عين، ثم تصالحا على أن يأخذ عن ذلك عوضا من غير جنسه، فإن صالحه عن نقد بنقد آخر من جنسه؛ فهذا صرف تجري عليه أحكام الصرف، وإن صالح عن النقد بغير نقد؛ اعتبر ذلك بيعا تجري عليه أحكام البيع، وإن صالح عنه بمنفعة كسكنى داره؛ اعتبر ذلك إجارة تجري عليها أحكام الأجرة، وإن صالحه عن غير النقد بمال آخر؛ فهو بيع.
٢ الصلح عن إنكار، ومعناه: أن يدعي شخص على آخر بعين
стр. 550
له عنده، أو بدين في ذمته له، فيسكت المدعى عليه وهو يجهل المدعى به، ثم يصالح المدعى عن دعواه بمال حال أو مؤجل، فيصح في هذه الحالة في قول أكثر أهل العلم؛ لقوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحا حرم حلالاً، أو أحل حراما"، رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح"، وصححه الحاكم.
وقد كتب بهذا الحديث عمر إلى أبي موسى ﵄، فصلح الاحتجاج به لهذه الاعتبارات.
وفائدة هذا النوع من الصلح للمدعى عليه: أنه يفتدي به نفسه من الدعوى واليمين، وفائدته للمدعي إراحته من تكليف إقامة البينة وتفادي تأخير حقه الذي يدعيه.
والصلح عن الإنكار يكون في حق حكم البيع؛ لأنه يعتقدة عوضا عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده، فكأن المدعي عليه اشتراه منه، فتدخله أحكام البيع من جهته؛ كالرد بالعيب، والأخذ بالشفعة إذا كان مما تدخله الشفعة.
وحكم هذا الصلح في حق المدعي عليه: أنه إبراء عن الدعوى؛ لأنه دفع المال افتداء ليمينه وإزالة للضرر عنه وقطعا للخصومة وصيانة لنفسه عن التبذل والمخاصمات؛ لأن ذوي النفوس الشريفة يأنفون من ذلك،
стр. 551
ويصعب عليهم، فيدفعون المال للإبراء من ذلك، فلو وجد فيما صالح به عيبا؛ لم يستحق رده به، ولا يؤخذ بالشفعة؛ لأنه لا يعتقده عوضا عن شيء، وإن كذب أحد المتصالحين في الصلح عن الإنكار؛ كأن يكذب المدعي، فيدعي شيئا يعلم أنه ليس له، أو يكذب المنكر في إنكاره ما ادعي به عليه، وهو يعلم أنه عليه، ويعلم بكذب المنكر في إنكاره، إذا حصل شيء من هذا الكذب من جانب المدعي أو المنكر؛ فالصلح باطل في حق الكاذب منهما باطنا؛ لأنه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، وغير معتقد أنه محق في تصرفه؛ فما أخذه بموجب هذا الصلح حرام عليه؛ لأنه أخذه ظلما وعدمانا، لا عوضا عن حق يعلمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، وإن كان هذا الصلح فيما يظهر للناس صحيح؛ لأنهم لا يعلمون باطن الحال، ولكن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئا عند من لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فعلى المسلم أن يبتعد عن مثل هذا التصرف السيئ والاحتيال الباطل.
ومن مسائل الصلح عن الإنكار: أنه صالح عن المنكر أجنبي بغير أذنه؛ صح الصلح في ذلك؛ لأن الأجنبي يقصد بذلك إبراء المدعي عليه وقطع الخصومة عنه؛ فهو كما لو عنه دينه، لكن لا يطالبه بشيء مما دفع؛ لأنه لا يستحق الرجوع عليه به؛ لأنه متبرع.
ويصح الصلح عن الحق المجهول، سواء كان لكل منهما على الآخر أو كان لأحدهما، إذا كان هذا المجهول يتعذر علمه؛ كحساب
стр. 552
بينهما مضى عليه زمن طويل، ولا علم لكل منهما عما عليه لصاحبه؛ لقول ﷺ لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: "استهما، وتواخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه"، رواه أبو داود وغيره.
ولأنه إسقاط حق، فصح في المجهول للحاجة، ولئلا يفضي إلى ضياع المال أو بقاء شغل الذمة، وأمره ﷺ بتحليل كل منهما لصاحبه يدل على أخذ الحيطة لبراءة الذمة وعلى عظم حق المخلوق.
ويصح الصلح عن القصاص بالدية المحددة شرعا أو قل أو كثر، ولأن المال غير متعين؛ فلا يقع العوض في مقابلته.
ولا يصح الصلح عن الحدود؛ لأنها شرعت للزجر، ولأنها حق لله تعالى وحق للمجتمع؛ فالصلح عنها يبطلها، ويحرم المجتمع من فائدتها، ويفسح المجال للمفسدين والعابثين.
стр. 553
باب في أحكام الجوار والطرقات
تناول الفقهاء أحكام الجوار وأحكام الطرقات؛ لما لهذا الموضوع من الأهمية البالغة:
فقد تعرض مشاكل بين الجيران يجب حلها وحسمه؛ لئلا تفضي إلى النزاع والعداوة، وحلها يكون بطرق:
منها: إجراء الصلح بينهم بما يحقق العدل والمصلحة.
ومن ذلك: لو احتاج الجار إلى إجراء الماء مع أرض جاره أو سطحه وتصالحا على ذلك بعوض؛ جاز هذا الصلح؛ لدعاء الحاجة إلى ذلك، ثم إن كان هذا العوض في مقبل الانتفاع مع بقاء ملك صاحب الأرض أو السطح عليه؛ فهذا العقد يعتبر إجازة، وإن كان مع زوال الملك؛ اعتبر بيعا.
وإذا احتاج إلى ممر في ملك جاره، وبذله له عن طريق البيع أو عن طريق الصلح؛ جاز هذا؛ لدعاء الحاجة إليه،
стр. 554
ولا ينبغي للمالك أن يستغل حاجة جاره فيرهقه ببذل العوض أو يمتنع من استخدام هذا الممر فيحرج جاره ويحول بينه وبين مصلحته، وإذا امتد غصن من شجرته في هواء جاره أو في قرار ملكه؛ وجب على مالك الغصن إزالته: إما بقطعه أو ليه إلى ناحية أخرى؛ ليخلي ملك الغير، فإن أبي مالك الغصن أن يعمل شيئا من ذلك؛ فلصاحب الهواء أو القرار أن ضرره بأحد هذه الإجراءات؛ لأنه بمنزلة الصائل، فيدفعه بأسهل ما يمكن، وإن تصالحا على بقاء الغصن؛ جاز ذلك، سواء كان بعوض على الصحيح، أو على أن ثمرته بينهما.
حكم العرق إذا حصل في أرض الجار حكم الغصن على ما مر بيانه.
ولا يجوز أن يحدث الإنسان في ملكه ما يضر بجاره؛ كحمام أو مخبز.
أو مطبخ أو مقهى يتعدى ضرره، أو مصنع يقلق جاره حركاته وأصواته، أو فتح نوافذ تطل على بيت جاره.
وإذا كان بينه وبين جاره جدار مشترك؛ حرم أن يتصرف فيه بفتح طاق أو غرز وتد إلا بإذنه، ولا يجوز له وضع الخشب على الجدار المشترك أو الخاص بالجار إلا عند الضرورة، وإذا لم يمكنه التسقيف إلا به، وكان الجدار يتحمل وضع الخشب؛ فحينئذ يمكن من وضع الخشب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشيه على جداره"، ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم"، متفق
стр. 555
عليه، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب في جداره، ويجبره الحاكم إذا امتنع؛ لأنه حق ثابت لجاره بحكم الجوار.
هذا بعض ما يتعلق بالجوار من أحكام.
أما ما يتعلق في الطرقات:
فلا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم، بل يجب إفساح الطريق، وإماطة الأذى عنه؛ لأن ذلك من الإيمان؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق الطريق؛ كأن يبني فوق الطرق سقفا يمنع مرور الركبان والأحمال، أو يبني دكة للجلوس عليها.
لا يجوز له أن يتخذ موقفا لدابته أو سيارته بطريق المارة؛ لأن ذلك يضيق الطريق، أو يسبب الحوادث.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يجوز لأحد أن يخرج شيئا في طريق المسلمين من أجزاء البناء، حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط؛ إلا أن يدخل رب الحائط منه في حده بقدر غلظه ... " انتهى.
ويمنع في الطريق الغرس والبناء والحفر ووضع الحطب والذبح فيها وطرح القمامة والرماد وغير ذلك مما فيه ضرر على المارة.
стр. 556
ويجب على المسئولين عن تنظيم البلد من رجال البلديات منع هذه الأشياء ومعاقبة المخالفين بما يردعهم، وقد كثر التساهل في هذا الأمر المهم، فصار كثير من الناس يحتجزون الطرقات لمصالحهم الخاصة، يوقفون فيه سياراتهم، ويضعون فيها الأحجار والحديد والإسمنت لبناياتهم، ويحفرون فيها الحفر، وغير ذلك، والبعض الآخر من الناس يلقي الأذى في الأسواق من الفضلات والنجاسات والقمامات، غير مبالين بمضارة المسلمين، وهذا كله مما حرمه الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ، وقال النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".... إلى غير ذلك من الأحاديث التي تحث على احترام حقوق المسلمين والامتناع من أذيتهم، ومن أعظم أذية المسلمين مضايقتهم في طرقاتهم وإلقاء العراقيل فيها.
стр. 557
باب في أحكام الشفعة
تعريف الشفعة لغة: الشفعة بإسكان الفاء مأخوذة من الشفع، وهو الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة بضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا.
والشفعة ثابتة بالسنة الصحيحة، شرعها الله تعالى: سدّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة.
قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀: "ومن محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد إتيانها بالشفعة؛ فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب؛ رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وبالشفعة تارة، فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه؛ كان شريكه أحق به من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكانت من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد".
стр. 558
ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع، ومضاد له.
وكانت الشفعة معروفة عند العرب في الجاهلية، كان الرجل إذا أراد بيع منزل أو حائطه؛ أتاه الجار والشريك والصاحب إليه فيما باعه، فيشفعه، ويجعله أولى رجل به، فسميت الشفعة، وسمي طالبها شافعا.
والشفعة في عرف الفقهاء: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي، فيأخذ الشفيع نصيب شريكه البائع بثمنه الذي استقر عليه العقد في الباطن.
فيجب على المشتري أن يسلم الشقص المشفوع فيه إلى الشافع بالثمن الذي تراضيا عليه في الباطن؛ لما روى أحمد والبخاري عن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة".
ففي الحديث دليل على إثبات الشفعة للشريك، وأنها لا تجب إلا في الأرض والعقار دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان ونحوها.
وقال ﷺ : "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه"، فدل الحديث على أنه لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه.
قال ابن القيم: "حرم على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه،
стр. 559
فإن باع ولم يؤذنه؛ فهو أحق به، وإن أذن في البيع وقال: لا غرض لي فيه؛ لم يكن له الطلب بعد البيع، وهذا مقتضى حكم الشرع، ولا معارض له بوجه، وهو الصواب المقطوع به" انتهى.
وهذا الذي قاله بن القيم من أن الشفعة تسقط بإسقاط صاحبها لها قبل البيع هو أحد القولين في المسألة، والقول الثاني وهو قول الجمهور: أنها لا تسقط بذلك، ولا يكون مجرد الإذن بالبيع مبطلاً لها، والله أعلم.
والشفعة حق شرعي، يجب احترامه، ويحرم التحيل لإسقاطه؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا تحيل لإسقاطها؛ لحقه الضرر، وكان تعديا على حقه المشروع، قال الإمام أحمد ﵀: "لا يجوز شيء من الحيل في إبطالها ولا إبطال حق مسلم"، وقد قال ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل".
ومن الحيل التي تفعل لإسقاط الشفعة أن يظهر أنه وهب نصيبه لآخر، وهو في الحقيقة قد باعه عليه، ومن الحيل لإسقاط الشفعة أن يرفع الثمن في الظاهر حتى لا يتمكن الشريك من دفعه.
стр. 560
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة؛ فهو باطل، ولا تغير حقائق العقود بتغير العبارة" انتهى.
وموضوع الشفعة هو الأرض التي لم تجر قسمتها، ويتبعها ما فيها من غراس وبناء، فإن جرت قسمة الأرض، لكن بقى مرافق مشتركة بين الجيران؛ كالطريق والماء ونحو ذلك؛ فالشفعة باقية في أصح قولي العلماء؛ لمفهوم قوله ﷺ : "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة"؛ إذ مفهومه أنه إذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق أن الشفعة باقية.
قال ابن القيم: "وهو أصح الأقوال في شفعة الجوار، ومذهب أهل البصرة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختيار الشيخ" انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: "تثبت شفعة الجوار مع الشركة في حق من حقوق الملك من طريق وماء ونحو ذلك، نص عليه أحمد، واختاره ابن عقيل وأبو محمد وغيرهم، وقال الحارثي: "هذا الذي يتعين المصير إليه، وفيه جمع بين الأحاديث، وذلك أن الجوار لا يكون مقتضيا للشفعة إلا مع اتحاد الطريق ونحوه. لأن شرعية الشفعة لدفع الضرر، والضرر إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريق ونحوه" انتهى.
والشفعة إنما تثبت بالمطالبة بها فور علمه بالبيع، فإن لم يطلبها
стр. 561
وقت علمه بالبيع؛ سقطت، فإن لم يعلم بالبيع؛ فهو على شفعته، ولو مضى عدة سنين. قال ابن هبيرة: "اتفقوا على أنه إذا كان غائبا؛ فله إذا قدم المطالبة بالشفعة".
وتثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم؛ لأنه حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك فإن تنازل عنها أحد الشركاء؛ أخذ الآخر الكل، أو ترك الكل؛ لأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
стр. 562
كتاب الشركات
باب في أحكام الشراكة وأنواع الشركات
موضوع الشركات ينبغي التعرف على أحكامه لكثرة التعامل به؛ إذ لا يزال الاشتراك في التجارة وغيرها مستمرًا بين الناس، وهو من باب التعاون على تحصيل المصالح بتنمية الأموال واستثمارها وتبادل الخبرات.
فالشركة في التجارة وغيرها مما جاءت بجوازه نصوص الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، والخلطاء هم الشركاء، ومعنى: ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ : يظلم بعضهم بعضا، فدلت الآية الكريمة على جواز الشركة، والمنع من ظلم الشريك لشريكه.
والدليل من السنة على جواز الشركة قوله ﷺ : قال الله تعالى: "أنا ثالث الشريكين"؛ أي: معهما بالحفظ والرعاية والإمداد وإنزال البركة في تجارتهما؛ "ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه؛ خرجت من بينهما"؛ أي: نزعت البركة من تجارتهما؛
стр. 563
ففي الحديث مشروعية الشركة والحث عليها مع عدم الخيانة؛ لأن فيها التعاون، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وينبغي اختيار من ماله من حلال للمشاركة، وتجنب من ماله من الحرام أو من المختلط بالحلال والحرام.
وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم.
والشركة تنقسم إلى قسمين:
شركة أملاك، وشركة عقود.
فشركة الأملاك هي اشتراك في استحقاق؛ كالاشتراك في تملك عقار أو تملك مصنع أو تملك سيارات أو غير ذلك.
وشركة العقود هي الاشتراك في التصرف؛ كالاشتراك في البيع أو الشراء أو التأجير أو غير ذلك، وهي إما اشتراك في مال وعمل أو اشتراك في عمل بدون مال. وهو خمسة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الاشتراك في المال والعمل، وهذا النوع يسمى شركة العنان.
النوع الثاني: اشتراك في مال من جانب وعمل من جانب آخر، وهذا ما يسمى بالمضاربة.
النوع الثالث: اشتراك في التحمل بالذمم دون مال، وهذا ما يسمى بشركة الوجوه.
стр. 564
النوع الرابع: اشتراك فيما يكسبان بأبدانهما، وهذا ما يسمى بشركة الأبدان.
النوع الخامس: اشتراك في كل ما تقدم؛ بأن يفوض أحدهما إلى الآخر كل تصرف مالي وبدني، فيشمل شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان، ويسمى هذا النوع بشركة المفاوضة.
هذا مجمل أنواع الشركات، ولنبينها بالتفصيل واحدة واحدة؛ لداعي الحاجة إلى بيانها، فنقول:
стр. 565
باب في أحكام شركة العنان
وهي بكسر العين، سميت بذلك لتساوي الشريكين في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فكان عنانا فرسيهما سواء، وذلك أن كل واحد من الشريكين يساوي الآخر في تقديمه ماله وعمله في الشركة.
فحقيقة شركة العنان: أن يشترك شخصان فأكثر بماليهما؛ بحيث يصيران مالاً واحدًا يعملان فيه بيديهما، أو يعمل فيه أحدهما ويكون له من الربح أكثر من نصيب الآخر.
وشركة العنان بهذا الاعتبار المذكور جائزة بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر ﵀، وإنما اختلف في بعض شروطها.
وينفذ تصرف كل من الشريكين في مال الشركة بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه؛ لأن لفظ يغني عن الإذن من كل منهما للآخر.
واتفقوا على أنه يجوز أن يكون رأس مال الشركة من النقدين المضروبين؛ لأن الناس يشتركون بهما من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
следующие страницы →