Полный текст (1 076 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقت علمه بالبيع؛ سقطت، فإن لم يعلم بالبيع؛ فهو على شفعته، ولو مضى عدة سنين. قال ابن هبيرة: "اتفقوا على أنه إذا كان غائبا؛ فله إذا قدم المطالبة بالشفعة".
وتثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم؛ لأنه حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك فإن تنازل عنها أحد الشركاء؛ أخذ الآخر الكل، أو ترك الكل؛ لأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
стр. 562
كتاب الشركات
باب في أحكام الشراكة وأنواع الشركات
موضوع الشركات ينبغي التعرف على أحكامه لكثرة التعامل به؛ إذ لا يزال الاشتراك في التجارة وغيرها مستمرًا بين الناس، وهو من باب التعاون على تحصيل المصالح بتنمية الأموال واستثمارها وتبادل الخبرات.
فالشركة في التجارة وغيرها مما جاءت بجوازه نصوص الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، والخلطاء هم الشركاء، ومعنى: ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ : يظلم بعضهم بعضا، فدلت الآية الكريمة على جواز الشركة، والمنع من ظلم الشريك لشريكه.
والدليل من السنة على جواز الشركة قوله ﷺ : قال الله تعالى: "أنا ثالث الشريكين"؛ أي: معهما بالحفظ والرعاية والإمداد وإنزال البركة في تجارتهما؛ "ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه؛ خرجت من بينهما"؛ أي: نزعت البركة من تجارتهما؛
стр. 563
ففي الحديث مشروعية الشركة والحث عليها مع عدم الخيانة؛ لأن فيها التعاون، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وينبغي اختيار من ماله من حلال للمشاركة، وتجنب من ماله من الحرام أو من المختلط بالحلال والحرام.
وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم.
والشركة تنقسم إلى قسمين:
شركة أملاك، وشركة عقود.
فشركة الأملاك هي اشتراك في استحقاق؛ كالاشتراك في تملك عقار أو تملك مصنع أو تملك سيارات أو غير ذلك.
وشركة العقود هي الاشتراك في التصرف؛ كالاشتراك في البيع أو الشراء أو التأجير أو غير ذلك، وهي إما اشتراك في مال وعمل أو اشتراك في عمل بدون مال. وهو خمسة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الاشتراك في المال والعمل، وهذا النوع يسمى شركة العنان.
النوع الثاني: اشتراك في مال من جانب وعمل من جانب آخر، وهذا ما يسمى بالمضاربة.
النوع الثالث: اشتراك في التحمل بالذمم دون مال، وهذا ما يسمى بشركة الوجوه.
стр. 564
النوع الرابع: اشتراك فيما يكسبان بأبدانهما، وهذا ما يسمى بشركة الأبدان.
النوع الخامس: اشتراك في كل ما تقدم؛ بأن يفوض أحدهما إلى الآخر كل تصرف مالي وبدني، فيشمل شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان، ويسمى هذا النوع بشركة المفاوضة.
هذا مجمل أنواع الشركات، ولنبينها بالتفصيل واحدة واحدة؛ لداعي الحاجة إلى بيانها، فنقول:
стр. 565
باب في أحكام شركة العنان
وهي بكسر العين، سميت بذلك لتساوي الشريكين في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فكان عنانا فرسيهما سواء، وذلك أن كل واحد من الشريكين يساوي الآخر في تقديمه ماله وعمله في الشركة.
فحقيقة شركة العنان: أن يشترك شخصان فأكثر بماليهما؛ بحيث يصيران مالاً واحدًا يعملان فيه بيديهما، أو يعمل فيه أحدهما ويكون له من الربح أكثر من نصيب الآخر.
وشركة العنان بهذا الاعتبار المذكور جائزة بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر ﵀، وإنما اختلف في بعض شروطها.
وينفذ تصرف كل من الشريكين في مال الشركة بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه؛ لأن لفظ يغني عن الإذن من كل منهما للآخر.
واتفقوا على أنه يجوز أن يكون رأس مال الشركة من النقدين المضروبين؛ لأن الناس يشتركون بهما من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
стр. 566
واختلفوا في كون رأس المال في شركة العنان من العروض، فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن قيمة أحد المالين قد تزيد قبل بيعه ولا تزيد قيمة المال الآخر، فيشارك أحدهما الآخر في نماء ماله. والقول الثاني جواز ذلك، وهو الصحيح؛ لأن مقصود الشركة تصرفهما في المالين جميعا، وكون ربح المالين بينهما، وهو حاصل في العروض كحصوله في النقود.
ويشترط لصحة شركة العنان: أن يشترطا لكل من الشريكين جزءًا من الربح مشاعا معلوما كالثلث والربع؛ لأن الربح مشترك بينهما؛ فلا يتميز نصيب كل منهما إلا بالاشتراط والتحديد، فلو كان نصيب كل منهما من الربح مجهولاً، أو شرط لأحدهما ربح شيء معين من المال، أو ربح وقت معين، أو ربح سفرة معينة؛ لم يصح في جميع هذه الصور؛ لأنه قد يربح المعين وحده، وقد لا يربح، وقد لا يحصل غير الدراهم المعينة، وذلك يفضي إلى النزاع وضياع تعب أحدهما دون الآخر، وذلك مما تنهى عنه الشريعة السمحة؛ لأنها جاءت بدفع الغرر والضرر.
стр. 567
باب في أحكام شركة المضاربة
شركة المضاربة سميت بذلك أخذًا من الضرب في الأرض، وهو السفر للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يطلبون رزق الله في المتاجر والمكاسب.
ومعنى المضاربة شرعا: دفع مال معلوم لمن يتجر به ببعض ربحه.
وهذا النوع من التعامل جائز بالإجماع، وكان موجودًا في عصر النبي ﷺ ، وأقره، وروى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة رضي الله عن الجميع.
والحكمة تقتضي جواز المضاربة بالمال؛ لأن الناس بحاجة إليها؛ لأن الدراهم والدنانير لا تنمو إلا بالتقليب والتجارة.
قال العلامة ابن القيم: "المضارب أمين وأجير ووكيل وشريك، فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح، ويشترط لصحة المضاربة تقدير نصيب العامل؛ لأنه يستحقه بالشرط".
وقال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على
стр. 568
رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوما جزءًا من أجزاء، فلو سمى له كل الربح أو دراهم معلومة أو جزءًا مجهولاً؛ فسدت" انتهى.
وتعيين مقدار نصيب العامل من الربح يرجع إليهما: فلو قال رب المال للعامل: اتجر به والربح بيننا؛ صال لكل منهما نصف الربح؛ لأنه إضافة إليهما إضافة واحدة لا مرجح لأحدهما على الآخر فيها، فاقتضى ذلك التسوية في الاستحقاق؛ كما لو قال: هذه الدار بيني وبينك؛ فإنها تكون بينهما نصفين وإن قال رب المال للعامل: اتجر به ولي ثلاثة أرباع ربحه أو ثلثه، أو قال له: اتجر به ولك ثلاثة أرباع ربحه أو ثلثه؛ صح ذلك؛ لأنه متى علم نصيب أحدهما؛ أخذه، والباقي للآخر؛ لأن الربح مستحق لهما، فإذا قدر نصيب أحدهما منه؛ فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ، وإن اختلفا لمن الجزء المشروط؛ فهو للعامل، قليلاً كان أو كثيرا؛ لأنه يستحقه بالعمل، وهو يقل ويكثر؛ فقد يشترط له جزء قليل لسهولة العمل، وقد يشترط له جزء كثير لصعوبة العمل، وقد يختلف التقدير لاختلاف العاملين في الحذق وعدمه، وإنما تقدر حصة العامل بالشرط؛ بخلاف رب المال؛ فإنه يستحقه بماله لا بالشرط.
وإذا فسدت المضاربة؛ فربحها يكون لرب المال؛ لأنه نماء ماله، ويكون للعامل أجره مثله؛ لأنه إنما يستحق بالشرط، وقد فسد الشرط تبعا لفساد المضاربة.
стр. 569
وتصح المضاربة مؤقتة بوقت محدد؛ بأن يقول رب المال: ضاربتك على هذه الدراهم لمدة سنة.
وتصح المضاربة معلقة بشرط؛ كأن يقول صاحب المال: إذا جاء شهر كذا؛ فضارب بهذا المال، أو يقول: إذا قضت مالي من زيد؛ فهو معك مضاربة؛ لأن المضاربة إذن في التصرف، فيجوز تعليقه على شرط مستقبل.
ولا يجوز للعامل أن يأخذ من شخص آخر إذا كان ذلك يضر بالمضارب الأول إلا بإذنه، وذلك كأن يكون المال الثاني كثيراً يستوعب وقت العامل فيشغله عن التجارة بمال الأول، أو يكون مال المضارب الأول كثيرًا يستوعب وقته ومتى اشتغل عنه بغيره تعطلت بعض تصرفاته فيه، فإن أذن الأول أو لم يكن عليه ضرر؛ جاز للعامل أن يضارب لآخر.
وإن ضارب العامل لآخر مع ضرر الأول بدون إذنه؛ فإن العامل يرد حصته من ربحه في مضاربته مع الثاني في شركته مع المضارب الأول، فيدفع لرب المضاربة الثانية نصيبه من الربح، ويؤخذ نصيب العامل، ويضم لربح المضاربة الأولى، ويقسم بينه وبين صاحبها على ما شرطاه؛ لأن منفعة العامل المبذولة في المضاربة الثانية قد استحقت في المضاربة الأولى.
ولا ينفق العامل من مال المضاربة لا لسفر ولا لغيره> إلا إذا اشترط على صاحب المال ذلك؛ لأنه يعمل في المال بجزء من ربحه؛ فلا يستحق زيادة عليه إلا بشرط؛ إلا أن يكون هناك عادة في مثل هذا فيعمل بها.
стр. 570
ولا يقسم الربح في المضاربة قبل إنهاء العقد بينهما إلا بتراضيهما؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، ولا يؤمن أن يقع خسارة في بعض المعاملة، فتجبر من الربح، وإذا قسم الربح مع بقاء عقد المضاربة؛ لم يبق رصيد يجبر منه الخسران؛ فالربح وقاية لرأس المال، لا يستحق العامل منه شيئا إلا بعد كمال رأس المال.
والعامل أمين يجب عليه أن يتقي الله فيما ولي عليه، ويُقبل قوله فيما يدعيه من تلف أو خسران، ويصدَّق فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه لا للمضاربة أو اشتراه للمضاربة لا لنفسه؛ لأنه مؤتمن على ذلك، والله أعلم.
стр. 571
باب في شركة الوجوه والأبدان والمفاوضة
أولا: شركات الوجوه
شركة الوجوه هي: أن يشترك اثنان فأكثر فيما يشتريان بذمتيهما، وما ربحا فهو بينهما على ما شرطاه، سميت بذلك لأنها ليس لها رأس مال، وإنما تبذل فيها الذمم والجاه وثقة التجار بهما، فيشتريان ويبيعان بذلك، ويقتسمان ما يحصل لهما من ربح على حسب الشرط لقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم".
وهذا النوع من الشركة يشبه العنان، فأعطى حكمها.
وكل واحد من الشريكين وكيل عن صاحبه وكفيل عنه بالثمن لأن مثل هذا النوع من الشركة على الوكالة والكفالة.
ومقدار ما يملكه كل واحد منهما من هذه الشركة على حسب الشرط؛ من مناصفة، أو أقل، أو أكثر.
ويحتمل كل واحد من الخسارة على قدر ما يملك في الشركة، فمن له نصف الشركة؛ فعليه نصف الخسارة ... وهكذا.
стр. 572
ويستحق كل من الشركاء من الربح على حسب الشرط من نصف أو ربع أو ثلث؛ لأن أحدهما قد يكون أوثق وأرغب عند التجار وأبصر بطرق التجارة من الشخص الآخر، ولأن عمل كل منهما قد يختلف عن عمل الآخر، فيتطلع إلى زيادة نصيبه في مقابل ذلك، فيرجع إلى الشرط الجاري بينهما في ذلك.
ولكل واحد من الشركاء في شركة الوجوه من الصلاحيات مثل ما للشركاء في شركة العنان.
ثانيا: شركة الأبدان
شركة الأبدان هي: أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبان بأبدانهما، سيمت بذلك لأن الشركاء بذلوا أبدانهم في الأعمال لتحصيل المكاسب، واشتركوا فيما يحصلون عليه من كسب.
ودليل جواز هذا النوع من الشركة: ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد في نصيب يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء" قال أحمد: "أشرك بينهم النبي ﷺ ، فدل هذا الحديث على صحة الشركة في مكاسب الأبدان".
وإذا تم الاتفاق بينهم على ذلك؛ فما تقبله أحدهم من عمل؛ لزم
стр. 573
بقية الشركاء فعله، فيطالب كل واحد بما تقبله شريكه من أعمال، لأن هذا هو مقتضاها.
وتصح شركة الأبدان ولو اختلفت صنائع المشتركين؛ كخياط مع حداد ... وهكذا، ولكل واحد من الشركاء أن يطالب بأجرة العمل الذي تقبله هو أو صاحبه، ويجوز للمستأجر من أحدهم دفع الأجرة إلى أي منهم؛ فهو مشترك بينهم.
وتصح شركة الأبدان في تملك المباحات؛ كالاحتطاب، وجمع الثمار المأخوذة من الجبال، واستخراج المعادن.
وإن مرض أحد شركاء الأبدان؛ فالكسب الذي تحصل عليه الآخر بينهما؛ لأن سعدًا وعمارًا وابن مسعود اشتركوا، فجاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران، وشرك بينهم النبي ﷺ .
وإن طالب الصحيح المريض بأن يقم مقامه من يعمل؛ لزمه ذلك؛ لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر على أحدهما العمل بنفسه؛ لزمه أن يقيم مقامه من يعمل بدلاً عنه؛ لتوفية العقد حقَّه، فإن امتنع العاجز عن العمل من إقامة من يعمل بدله بعد مطالبته بذلك؛ فلشريكه أن يفسخ عقد الشركة.
وإن اشترك أصحاب دواب أو سيارات على أن يحملوا عليها بالأجرة، وما حصلوا عليه فهو بينهم، صح ذلك؛ لأنه نوع من الاكتساب، ويصح أيضا دفع دابة أو سيارة لمن يعمل عليها، وما تحصل من كسب؛
стр. 574
فهو بينهما، وإن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن الآخر آلة ومن الثالث العمل على أن ما تحصل فهو بينهم؛ صح ذلك
وتصح شركة الدلالين بينهم إذا كانوا يقومون بالنداء على بيع السلع وعرضها وإحضار الزبون، وما تحصل؛ فهو بينهم.
ثالثا: شركة المفاوضة
وشركة المفاوضة هي: أن يفوض كل من الشركاء إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة؛ فهي الجمع بين شركة العنان والمضارب والوجوه والأبدان، أو يشتركون في كل ما يثبت لهم وعليهم.
ويصح هذا النوع من الشركة؛ لأنه يجمع أنواعا يصح كل منها منفردًا فيصح إذا جمع مع غيره.
والربح يوزع في هذه الشركة على ما شرطوا، ويتحملون من الخسارة على قدر ملك كل واحد منهم من الشركة بالحساب.
وهكذا شريعة الإسلام وسعت دائرة الاكتساب في حدود المباح، فأباحت للإنسان أن يكتسب منفردًا ومشتركا مع غيره، وعاملت الناس حسب شروطهم ما لم تكن شروطا جائرة محرمة؛ مما به يعلم صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان.
نسأل الله أن يرزقنا التمسك بها والسير على نهجها؛ إنه سميع مجيب.
стр. 575
كتاب المساقاة والمزارعة والإجارة
باب في أحكام لبمزارعة والمساقاة
المساقاة والمزارعة من جملة الأعمال التي بزوالها الناس من قديم الزمان؛ لحاجتهم إليهما؛ فقد يكون في ملك الإنسان شجر لا يستطيع القيام عليه واستثماره، أو تكون له أرض زراعية لا يستطيع العمل عليها واستغلالها، وعند آخر القدرة على العمل وليس في ملكه شجر ولا أرض، ومن ثم أبيحت المزارعة والمساقاة لمصلحة الطرفين، وهكذا كل التعامل الشرعي قائم على العدل وتحقيق المصالح ودفع المفاسد.
فالمساقاة عرفها الفقهاء بأنها: دفع شجر مغروس أو شجر غير مغروس مع أرض إلى من يغرسه فيها ويقوم بسقيه وما يحتاج إليه حتى يثمر، ويكون للعامل جزء مشاع من ثمر ذلك الشجر والباقي لمالكه.
والمزارعة: دفع أرض لمن يزرعها، أو دفع أرض وحب لمن يزرعه فيها ويقوم عليه، بجزء مشاع منه، والباقي لمالك الأرض.
وقد يكون الجزء المشروط في المساقاة والمزارعة لمالك الأرض أو الشجر والباقي للعامل.
стр. 576
والدليل على جواز المساقاة والمزارعة: حديث ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع"، متفق عليه، وروى مسلم: "أن النبي ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها"؛ أي: نصفه، وروى الإمام أحمد:: "أن النبي ﷺ دفع إلى أهل خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف"، فدل هذا الحديث على صحة المساقاة.
قال الإمام ابن القيم: "وفي قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع؛ فإنه ﷺ عامل أهل خيبر، واستمر على ذلك إلى حين وفاته، ولم ينسخ البتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس من باب المؤاجرة، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء" انتهى.
وقال الموفق بن قدامة: "وهذا عمل به الخلفاء الراشدون مدة خلافتهم، واشتهر ذلك، فلم ينكر، فكان إجماعا"، قال: "ولا يجوز التعويل على ما خالف الحديث والإجماع، وكثير من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر؛ ففي تجويزها دفع الحاجتين
стр. 577
وتحصيل لمصلحة الفئتين" انتهى.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أنه يشترط لصحة المساقاة أن يكون الشجر المسقى عليه له ثمر يؤكل؛ فلا على شجر لا ثمر له، أو له ثمر لا يؤكل؛ لأن ذلك غير منصوص عليه.
ومن شروط صحة المساقاة: تقدير نصيب العامل أو المالك بجزء معلوم مشاع من الثمرة؛ كالثلث والربع، سواء قل الجزء المشروط أو كثر، فلو شرطا كل الثمرة لأحدهما؛ لم يصح؛ لاختصاص أحدهما بالغلة، أو شرطا آصعا وعلومة من الثمرة؛ كعشرة آصع، أو عشرين صاعا؛ لم يصح؛ لأنه قد لا يحصل إلا ذلك، فيختص به من شرط له دون الآخر، وكذا لو شرط له في المساقاة دراهم معينة؛ لم تصح؛ لأنه قد لا يحصل من الغلة ما يساويها، وكذا لو شرط لأحدهما ثمرة شجرة معينة أو أشجار معينة؛ لم تصح المساقاة؛ لأنه قد لا يحصل من الشجر غير تلك المعينة، فيختص بالغلة أحدهما دون الآخر، أو لا تحمل تلك الشجرة أو الأشجار المعينة، فينحرم المشروط له من الغلة، ويحصل الغرر والضرر.
والصحيح الذي عليه الجمهور أن المساقاة عقد لازم لا يجوز فسخها إلا برضى الآخر.
ولا بد من تحديد مدتها، ولو طالت، مع بقاء الشجر.
ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة؛ من حرث، وسقي، وإزالة ما يضر الشجر والثمرة من الأغصان، وتلقيح النخل، وتجفيف
стр. 578
الثمر، وإصلاح مجارى الماء، وتوزيعه على الشجر.
وعلى صاحب الشجر ما يحفظ الأصل وهو الشجر؛ كحفر البئر، وبناء الحيطان، وتوفير الماء في البئر ... ونحو ذلك، وعلى المالك كذلك تحصيل المواد التي تقوي الأشجار كالسماد ونحوه.
وليس دفع الحب مع الأرض شرطا في صحة المزارعة، فلو دفع إليه الأرض فقط ليزرعها العامل ببذر من عنده، صح ذلك؛ كما هو قول جماعة من الصحابة، وعليه عمل الناس، ولأن الدليل الذي استفيد منه حكم المزارعة هو حديث معاملة النبي ﷺ لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها، ولم يرد في هذا الحديث أن البذر على المسلمين.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "والذين اشترطوا البذر من رب الأرض قاسوها على المضاربة، وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة وأقوال الصحابة؛ فهو من أفسد القياس؛ فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقسمان الربح؛ فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب كما يذهب نفع الأرض؛ فإلحاقه بالأصل الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي" انتهى.
والمزارعة مشتقة من الزرع، وتسمى مخابرة ومواكرة، والعامل فيها يسمى مزارعا ومخابرًا ومواكرًا.
والدليل على جوازها من السنة المطهرة الصحيحة كما سبق، والحاجة داعية إلى جوازها؛ لأن من الناس من يملك أرضا زراعية ولا يستطيع العمل فيها، ومن الناس من ستطيع العمل في الزراعة ولا يملك
стр. 579
أرضا زراعية؛ فاقتضت الحكمة التشريعية جواز المزارعة؛ لينتفع الطرفان: هذا بأرضه، وهذا بعمله، وليحصل التعاون على تحصيل المصلحة ودفع المضرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: "المزارعة أصل من الإجارة؛ لاشتراكهما في المغنم والمغرم".
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "هي أبعد عن الظلم والضرر من الإجارة؛ فإن أحدهما غانم ولا بد [يعني: في الإجارة] .
وأما المزارعة؛ فإن حصل الزرع؛ اشتركا فيه، وإلا اشتركا في الحرمان".
ويشترط لصحة المزارعة: بيان مقدار ما للعامل أو لصاحب الأرض من الغلة، وأن يكون جزءًا مشاعا منها؛ كثلث ما يخرج من الأرض أو ربعه ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، وإذا عرف نصيب أحدهما؛ فالباقي يكون للآخر؛ لأن الغلة لهما، فإذا عين نصيب أحدهما؛ تبين نصيب الآخر، ولو شرط لأحدهما آصعا معلومة كعشرة آصع أو زرع ناحية معينة من الأرض والباقي للآخر؛ لم تصح، أو اشترط صاحب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسمان الباقي؛ لم تصح المزارعة؛ لأنه قد لا يهرج من الأرض إلا ذلك، فيختص به دون الآخر، ولحديث رافع بن خديج ﵁؛ قال: "كراء الأرض بالذهب والفضة لا يأس به، كان الناس يؤاجرون على عهد
стр. 580
رسول الله ﷺ على الماذيانات وأقبل الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه"؛ يعني: النبي ﷺ ، وذلك لما فيه من الضرر المؤوي إلى التشاجر وأكل أموال الناس بالباطل.
فدل الحديث على تحريم المزارعة على ما يفضي إلى الضرر والجهالة ويوجب المشاجرة بين الناس.
قال ابن المنذر: " قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل، وهي التي كانوا يعتادونها"، قال: "كنا نكري الأرض على أن لنا هذا ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه" انتهى.
стр. 581
باب في أحكام الإجارة
هذا العقد يتكرر في حياة الناس في مختلف مصالحهم وتعاملهم اليومي والشهري والسنوين فهو جدير بالتعرف على أحكام؛ إذ ما من تعامل يجري بين الناس في مختلف الأمكنة والأزمان؛ إلا وهو محكوم بشرعية الإسلام وفق ضوابط شرعية ترعى المصالح وترفع المضار.
والإجارة مشتقة من الأجر، وهو العوض، قال تعالى: ﴿َوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ .
وهي شرعا: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة الذمة مدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.
وهذا التعريف مشتمل على غالب شروط صحة الإجارة وأنواعها:
فقولهم: "عقد على منفعة": يخرج به العقد على الرقبة؛ فلا يسمى إجارة، وإنما يسمى بيعا.
وقولهم: "مباحة": يخرج به العقد على المنفعة المحرمة؛ كالزنى.
стр. 582
وقولهم: "معلومة": يخرج به المنفعة المجهولة؛ فلا يصح العقد عليها.
وقولهم: " من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلومة": يؤخذ منه أن الإجارة على نوعين:
النوع الأول: أن يكون الإجارة على منفعة عين معينة أو عين موصوفة.
مثال المعينة: آجرتك هذه الدار. ومثال الوصوفة: آجرتك بعيرًا صفته كذا للحمل أو الركوب.
النوع الثاني: أن يكون الإجارة على أداء عمل معلوم؛ كأن يحمله إلى موضع كذا، أو يبني له جدارًا.
قولهم: "مدة معلومة"؛ أي: يشترط أن يكون الإجارة على المنفعة لمدة محدودة؛ كيوم أو شهر.
وقولهم: "بعوض معلوم"؛ معناه: أنه لا بد أن يكون مقدار الإجارة معلوما.
وبهذا يتضح أن مجمل شروط صحة الإجارة بنوعها: أن يكون عقد الإجارة على المنفعة لا على العين، وأن تكون المنفعة مباحة، وأن تكون معلوم، وإذا كانت الإجارة على عين غير معينة؛ فلابد أن تكون مما ينضبط بالوصف، وأن تكون مدة الإجارة معلومة، وأن يكون العوض في الإجارة معلوما أيضا.
والإجارة الصحيحة جائزة في الكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، وقال تعالى: ﴿َوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ .
стр. 583
وقد استأجر النبي ﷺ رجلاً يدله الطريق في سفره للهجرة.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جوازها.
والحاجة تدعو إليها؛ لأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان.
ويصح استئجار الآدمي لعمل معلوم؛ خياطة ثوب، وبناء جدار، أو ليدله على طريق؛ كما ثبت في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ في حديث الهجرة: "أن النبي ﷺ استأجر هو وأبو بكر ﵁ عبد الله ابن أريقط الليثي، وكان هاديا خرٍّيتا"، والخريت هو الماهر بالدلالة.
ولا يجوز تأجير الدور والدكاكين والمحت للمعاصي؛ كبيع الخمر، وبيع المواد المحرمة؛ كبيع الدخان والتصوير؛ لأن ذلك إعانة على المعصية.
ويجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره لآخر يقوم مقامه في استيفاء المنفعة؛ لأنها مملوكة له، فجاز له أن يستوفيها بنفسه وبنائبه، لكن بشرط أن يكون المستأجر الثاني مثل المستأجر الأول في استيفاء المنفعة أو دونه، لا أكثر منه شررًا؛ كما لو استأجر دارًا للسكنى؛ جاز أن يؤجرها لغيره للسكنى أو دونها، ولا يجوز أن يؤجرها لمن يجعل فيها مصنعا أو معملاً.
لا تصح الإجارة على أعمال العبادة والقربة، كالحج، والأذان؛
стр. 584
لأن هذه الأعمال يتقرب بها إلى الله، وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك ويجوز أخذ رزق من بيت المال على الأعمال التي يتعدى نفعها؛ كالحج والأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه والقضاء والفتيا؛ لأن ذلك ليس معاوضة، وإنما هو إعانة الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يخل بالإخلاص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والفقهاء متفقون على الفرق بين الاستئجار على القرب وربين رزق أهلها؛ فرزق المقاتلة والقضاة والمؤذنين والأئمة جائز بلا نزاع، وأما الاستئجار؛ فلا يجوز عند أكثرهم".
وقال أيضا: "وما يؤخذ من بيت المال؛ فليس عوضا وأجرة، بل رزقا للإعانة على الطاعة، فمن عمل منهم لله؛ أثيب، وما يأخذه رزق للإعانة على الطاعة".
ما يلزم كلاً من المؤجر والمستأجر:
فيلزم المؤجر بذل كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع بالمؤجَّر؛ كإصلاح السيارة المؤجرة وتهيئتها للحمل والسير، وعمارة الدار المؤجرة وإصلاح ما فسد من عمارتها وتهيئة مرافقها للانتفاع.
وعلى المستأجر عندما ينتهي أن يزيل ما حصل بفعله.
والإجارة عقد لازم من الطرفين أالمؤجر والمستأجر لأنها
стр. 585
نوع من البيع، فأعطيت حكمه، فليس لأحد الطرفين فسخها إلا برضى الآخر؛ إلا إذا ظهر عيب لم يعلم به المستأجر حال العقد؛ فله الفسخ.
ويلزم المؤجٍّر أن يسلم العين المؤجرة للمستأجر، ويمكَّنه من الانتفاع بها، فإن أجَّره شيئا ومنعه من الانتفاع به كل المدة أو بعضها؛ فلا شيء له من الأجرة، أو لا يستحقها كاملة؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة، لم يستحق شيئا، وإذا مكن المستأجر من الانتفاع، لكنه تركه كل المدة أو بعضها؛ فعليه جميع الأجرة؛ لأن الإجارة عقد لازم، فيترتب مقتضاها، وهو ملك المؤجر الأجر وملك المستأجر المنافع.
وينفسخ عقد الإجارة بأمور:
أولاً: إذا تلفت العين المؤجرة: كما لو أجره دوابه فماتت، أو استأجر دارًا فانهدمت، أو أكترى أرضا لزرع فانقطع ماؤها.
ثانيا: وتنفسخ الإجارة أيضا بزوال الغرض الذي عقدت من أجله؛ كما لو استأجر طبيبا ليداويه فبرئ؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه.
ومن استؤجر لعمل شيء فمرض؛ أقيم مقامه من ماله من يعمله نيابة عنه؛ إلا إذا اشترط مباشرته العمل بنفسه؛ لأن المقصود قد لا يحصل بعلم غيره؛ فلا يلزم حينئذ المستأجر قبول عمل غيره، لكن بخير حينئذ المستأجر بين الصبر والانتظار حتى يبرأ الأجبر وبين الفسخ لتعذر وصوله إلى حقه.
والأجير على قسمين:
خاص ومشترك، فالأجير الخاص هو: من
стр. 586
استؤجر مدة معلومة يستحق نفعه في جمعها لا يشاركه فيها أحد. والمشترك هو: من قد نفعه بالعمل ولا يختص به واحد بل يتقبل أعمالاً لجماعة في وقت واحد.
فالأجير الخاص لا يضمن ما جنت يده خطأ؛ كما لو انكسرت الآلة التي يعمل بها؛ لأنه نائب عن المالك، لم يضمن؛ كالوكيل، وإن تعدى أو فرط؛ ضمن ما تلف.
أما الأجير المشترك؛ فإنه يضمن ما تلف بفعله؛ لأنه لا يستحق إلا بالعمل؛ فعمله مضمون عليه، وما تولد عن المضمون فهو مضمون.
وتجب أجرة الأجير بالعقد، ولا يملك المطالبة بها إلا بعدما يسلم العمل الذي في ذمته، أو استيفاء المنفعة، أو تسليم العين المؤجرة ومضي المدة مع عدم المانع؛ لأن الأجير إنما يوفي أجره إذا قضى عمله أم ما في حكمه، ولأن الأجرة عوض؛ فلا تستحق إلا بتسلم المعوض.
هذا، ويجب على الأجير إتقان العمل وإتمامه، ويحرم عليه الغش في العمل والخيانة فيه، كما علي أيضا مواصلة العمل في المدة التي استؤجر فيها، ولا يفوت شيئا منها بغير عمل، وأن يتقي الله أداء ما عليه.
ويجب على المستأجر إعطاء أجرته كاملة عندما ينهي عمله؛ لقوله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وعن أبي هريرة
стр. 587
رضي الله عنه عن النبي ﷺ ، قال: " قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه العمل، ولم يعطه أجره"، رواه البخاري وغيره.
فعمل الأجير أمانة في ذمته، يجب عليه مراعاتها بإتقان العمل وإتمامه والنصح فيه، وأجر الأجير دين في ذمة المستأجر، وحق واجب عليه، يجب عليه أداؤه من غير مماطلة ولا نقص. والله تعالي أعلم
стр. 588
أبواب
باب في أحكام السبق
المسابقة: هي المجاراة بين حيوان وغيره، وكذا المسابقة بالسهام.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ، قال النبي ﷺ : "ألا إن القوة الرمي"، وقال تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق﴾ ؛ أي: نترامى بالسهام، أو نتجارى على الأقدام.
وعن أبي هريرة مرفوعا: "لا سبق إلا خف أو نصل أو حافر"، رواه الخمسة؛ فالحديث دليل على جواز السباق على جعل
стр. 589
وقد حكى الإجماع على جوازه في الجملة غير واحد من أهل العلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "السباق بالخيل والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله مما يعين على الجهاد في سبيل الله".
وقال أيضا: " السبق والصراع ونحوهما طاعة إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ السبق [أي: العوض عليه] أخذ بالحق، ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة، ويكره لعبه بأرجوحة".
وقال الشيخ: "وما ألهى وشغل عما أمر الله به؛ فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه؛ كالبيع، والتجارة، وأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب مما لا يستعان به في حق شرعي؛ فكله حرام" انتهى.
وقد اعتنى العلماء بهذا الباب، وسموه باب الفروسية، وصنفوا فيه المصنفات المشهورة.
والفروسية أربعة أنواع:
أحدهما: ركوب الخيل والكر والفر بها.
والثاني: الرمي بالقوس والآلات المستعملة في كل زمان بحسبه.
والثالث: المطاعنة بالرماح.
الرابع: المداورة بالسيوف.
ومن استكمل الأنواع الأربعة؛ استكمل الفروسية.
стр. 590
ويجوز السباق على الأقدام وسائر الحيوانات والمراكب.
قال الإمام القرطبي ﵀: "لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة؛ لما في ذلك من التدرب على الحرب" انتهى.
وقد سابق النبي ﷺ عائشة ﵂، وصارع ركانة فصرعه، وسابق سلمة بن الأكوع رجلً من الأنصار بين يدي رسول الله ﷺ .
ولا تجوز المسابقة على عوض؛ إلا في المسابقة على الإبل والخيل والسهام؛ لقوله ﷺ : "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"، رواه الخمسة عن أبي هريرة.
أي: لا يجوز أخذ الجعل على السبق إلا إذا كانت المسابقة على الإبل أو الخيل أو السهام؛ لأن تلك من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها.
ومفهوم الحديث: أنه يجوز أخذ العوض عن المسابقة فيما سواها، وقيل: إن الحديث يحتمل أن يراد به أن أحق ما بذل فيه السبق هذه الثلاثة؛ لكمال نفعها وعموم مصلحتها، فيدخل فيها كل مغالبة جائزة ينفع بها في الدين؛ لقصة ركانة وأبي بكر.
стр. 591
وقال الإمام ابن القيم: "الرهان على ما فيه ظهور الإسلام ودلالته وبراهينه من أحق الحق وأولى بالجواز من الرهان على النضال وسبق الخيل" انتهى.
ويشترط لصحة المسابقة خمسة شروط:
الشرط الأول: تعيين المركوبين في المسابقة بالرؤية.
الشرط الثاني: اتحاد المركوبين في النوع، وتعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حذقهم ومهارتهم في الرمي.
الشرط الثالث: تحديد المسافة؛ ليعلم السابق والمصيب، وذلك بأن يكون لابتدائها ونهايتها حد لا يختلفان فيه؛ لأن الغرض الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية.
والشرط الرابع: أن يكون العوض معلوما مباحا.
والشرط الخامس: الخروج عن شيه القمار؛ بأن يكون العوض من غير المتسابقين، أو من أحدهما فقط.
فإن كان العوض من المتسابقين؛ فهو محل خلاف: هل يجوز، أو لا يجوز إلا بمحلل وهو الدخيل الذي يكون شريكا في الربح بريئا من الخسران، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عدم اشتراط المحلل، وقال: "عدم المحلل أولى وأقرب إلى العدل من كون السبق من أحدهما، وأبلغ في حصول مقصود
стр. 592
كل منهما، وهو بيان عجز الآخر، وأكل المال بهذا أكل حق ... " إلى أن قال: " وما علمت من الصحابة من اشترط المحلل، وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب، وعنه تلقاه الناس" انتهى.
ومما سبق يتبين أن المسباقة المباحة على نوعين:
النوع الأول: ما يترتب عليه مصلحة شرعية؛ كالتدرب على الجهاد، والتدرب على مسائل العلم.
النوع الثاني: ما كان المقصود منه اللعب الذي لا مضرة فيه.
فالنوع الأول هو الذي يجوز أخذ العوض عليه بشروطه السابقة.
والنوع الثاني مباح؛ بشرط: أن لا يشغل عن واجب أو يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة.
وهذا النوع لا يجوز أخذ العوض عليه.
وقد توسع الناس اليوم في هذا النوع الأخير، وأنفذوا فيه من الأوقات والأموال، وهو مما لا فائدة للمسلمين فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 593
باب في أحكام العارية
قد عرف الفقهاء ﵏ العارية بأنها: إباحة نفع عين يباح الاتنفاع بها وتبقى بعد استيفاء المنفعة ليردها إلى مالكها.
فخرج بهذا التعريف: ما لا يباح الانتفاع به؛ فلا تحل إعارته.
وخرج به أيضا: ما لا يمكن الانتفاع به إلا مع تلف عينه؛ كالأطعمة والأشربة.
والعارية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ؛ أي: المتاع يتعاطاه الناس بينهم.
فذم الذين يمنعون ممن يحتاج إلى استعارته.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى وجوب الإعارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا كان المالك غنيا.
واستعار النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة، واستعار ﷺ من
стр. 594
صفوان بن أمية أدراعا.
وبذل العارية للمحتاج إليها قربة بها المعير ثوابا جزيلاً؛ لأنها تدخل في عموم التعاون على البر والتقوى.
ويشترط لصحة الإعارة أربعة شروط:
أحدها: أهلية المعير للتبرع؛ لأن الإعارة فيها نوع من التبرع؛ فلا تصح من غير ولا مجنون وسفيه.
الشرط الثاني: أهلية المستعير للتبرع له؛ بأن يصح منه القبول.
الشرط الثالث: كون نفع العين المعارة مباحا؛ فلا تباح إعارة عبد مسلم لكافر ولا صيد ونحوه لمحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
الشرط الرابع: كون العين المعارة مما يمكن الانتفاع به مع بقائه كما سبق.
وللمعير استرجاع العارية متى شاء إلا إذا ترتب على ذلك الإضرار بالمستعسر؛ كما لو أذن له بشغله بشيء يتضرر المستعير إذا استرجعت العارية؛ كما لو أعاره سفينة لحمل متاعه؛ فليس له الرجوع ما دامت في البحر، وكما لو أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه؛ فليس له الرجوع في الحائط ما دام عليه أطراف الخشب.
ويجب على المستعير: المحافظة على العارية أشد مما يحافظ على ماله؛ ليردها سليمة إلى صاحبها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
стр. 595
تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ ؛ فدلت الآية على وجوب رد الأمانات، ومنها العارية.
وقال ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقال ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك".
فدلت هذه النصوص على وجوب المحافظة على ما يؤتمن عليه الإنسان، وعلى وجوب رده إلى صاحبه سالما، وتدخل في هذا العموم العارية؛ لأن المستعير مؤتمن عليها، ومطلوبة منه، وهو إنما أبيح له الانتفاع بها في حدود ما جرى به العرف؛ فلا يجوز له أن يسرف في استمالها إسرافا يؤدي إلى تلفها، ولا أن يستعملها فيما لا يصلح استعمالها فيه؛ لأن صاحبها لم يأذن له بذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الأِحْسَانُ﴾ .
فإن استعملها في غير ما استعيرت له فتلفت؛ وجب عليه ضمانها؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، رواه الخمسة، وصححه الحاكم؛ فدل على وجوب رد قبضه المرء وهو ملك لغير، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه.
وإن تلفت في انتفاع بها بالمعروف؛ لم يضمنها المستعير؛ لأن المعير قد أذن في هذا الاستعمال، وما ترتب على المأذون؛ فهو غير مضمون.
стр. 596
ولا يجوز للمستعير أن العين المعارة؛ لأن من أبيح له شيء؛ لم يجز له أن يبيحه لغيره، ولأن في ذلك تعريضا لها للتلف.
وهذا؛ وقد اختلف العلماء في ضمان المستعير للعارية إذا تلفت في يده في غير ما استعيرت له، فذهب جماعة إلى وجوب ضمانها عليه سواء تعدى أو لم يتعد؛ لعموم قولهصلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وذلك مثل ما لو ماتت الدابة أو احترق الثوب أو سرقت العين المعارة، وذهب جماعة آخرون إلى عدم ضمانها إذا لم يتعد؛ لأنها لا تضمن إلا بالتعدي عليها، ولعل هذا القول هو الراجح؛ لأن المستعير قبضها بإذن مالكها، فكانت أمانة عنده كالوديعة.
على أنه يجب على المستعير المحافظة على العارية والاهتمام بها والمسارعة إلى ردها إلى صاحبها إذا انتهت مهمته منها، وأن لا يتساهل بشأنها، أو يعرضها للتلف؛ لأنها أمانة عنده، ولأن صاحبها أحسن إليه، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلَّا الأِحْسَانُ﴾ .
стр. 597
باب في أحكام الغصب
الغصب لغة: أخذ الشيء ظلما، ومعناه في اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق.
والغصب محرم بإجماع المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، والغصب من أعظم أكل المال بالباطل، ولقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، وقال ﷺ : "لا يحل مال امروء مسلم إلا بطيب نفسه".
والمال المغصوب قد يكون عقارًا وقد يكون منقولا؛ لقوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلما؛ طوقه سبع أرضين".
فيلزم الغاصب أن يتوب إلى الله ، ويرد المغصوب إلى صاحبه، ويطلب منه العفو؛ قال ﷺ : "من كانت عنده لأخيه مظلمة، فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم" يعني: يوم
стр. 598
القامة"، إن كانت له حسنات؛ أخذ من سيئات المظلوم، فطرحت عليه، وطرح في النار"، أو كما قال ﷺ .
فإن كان المغصوب باقيا؛ رده بحاله، وإن كان تالفا رد بدله.
قال الإمام الموفق: "أجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير" انتهى.
وكذلك يلزمه رد المغصوب بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة؛ لأنها نماء المغصوب؛ فهي لمالكه كالأصل.
وإن كان الغاصب قد بنى في الأرض المغصوبة أو غرس فيها؛ لزمه قلع البناء والغراس إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق"، رواه الترمذي وغيره وحسنه.
وإن كان ذلك يؤثر على الأرض؛ لزمه غرامة نقصها، ويلزمه أيضا إزالة آثار الغراس والبناء المتبقية، حتى يسلم الأرض لمالكها سليمة.
ويلزمه أيضا دفع أجرتها منذ أن غصبها إلى أن سلمها؛ أي: أجرة مثلها؛ لأنه منع صاحبها من الانتفاع بها في هذه المدة بغير حق.
وإن غصب شيئا وحسبه حتى رخص سعره؛ ضمن نقصه على الصحيح.
стр. 599
وإن خلط المغصوب مع غيره مما يتميز كحنطة بشعير؛ لزم الغاصب تخليصه ورده، وإن خلطه بما لا يتميز كما لو خلط بمثلها؛ لزمه رد مثله كيلاً أو وزنا من غير المخلوط، وإن خلطه بدونه أو أحسن منه أو خلطه بغير جنسه مما لا يتميز؛ بيع المخلوط، وأعطي كل منهما قدر حصته من الثمن، وإن نقص المغصوب في هذه الصورة عن قيمته منفردًا؛ ضمن الغاصب نقصه.
ومما ذكروه في هذا الباب قولهم: "والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان"، ومعناه: أن الأيدي التي ينتقل إليها المغصوب عن طريق الغاصب كلها تضمن المغصوب إذا تلف فيها، وهذه الأيدي عشر:
يد المشتري وما في معناه، ويد المستأجر، ويد القابض تملكا بلا عوض كيد المتهب، ويد القابض لمصلحة الدافع كالوكيل، ويد المستعير، ويد الغاصب، ويد المتصرف في المال كالمضارب، ويد المتزوج للمغصوبة، ويد القابض تعويضا بغير بيع، ويد المتلف للمغصوب نيابة عن غاصبه.
وفي كل هذه الصور: إذا علن الثاني بحقيقة الحال، وأن الدافع إليه غاصب؛ فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على ما يعلمه غير مأذون فيه من مالكه، وإن لم يعلم بحقيقة الحال؛ فالضمان على الغاصب الأول.
وإذا كان المغصوب مما جرت العادة بتأجيره؛ لزم الغاصب أجره مثله مدة بقائه بيده؛ لأن المنافع مال منقول، فوجب ضمانها كضمان العين.
стр. 600
وكل تصرفات الغاصب الحكمية باطلة؛ لعدم إذن المالك.
وإن غصب شيئا، وجهل صاحبه، ولم يتمكن من رده إليه؛ سلمه إلى الحاكم الذي يضعه في موضعه الصحيح، أو تصدق به عن صاحبه، وإذا تصدق به؛ صار ثوابه لصاحبه، وتخلص منه الغاصب.
وليس اغتصاب الأموال مقصورًا على الاستيلاء عليها بالقوة، بل ذلك يشمل الاستيلاء عليها بطريق الخصومة الباطلة والأيمان الفاجرة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ فالأمر شديد والحساب عسير.
وقال النبي ﷺ : "من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين"، وقال ﷺ : "من قضيت له بحق أخيه؛ فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار".
следующие страницы →