← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويحرم على الحر المسلم أن يتزوج الأمة المسلمة؛ لأن المسلمة؛ لأن ذلك يفضي إلى استرقاق أولادة منها؛ إلا إذا خاف على نفسه من الزنى، ولم يقدر على مهر الحرة أو ثمن الأمة، فيجوز له حينئذ تزوج الأمة المسلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم﴾ . ويحرم على العبد أن يتزوج سيدته للإجماع، ولأنه يتنافى كونها سيدته مع كونه زوجها؛ لأن لكل منهما أحكام. ويحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح، ولا يجتمع عقد مع ما هو أضعف منه. والوطء بملك اليمين حكمه حكم الوطء في العقد فيما سبق إلى أمد، فمن حرم وطؤها بعقد كالمعتدة والمحرمة والمطلقة ثلاثا؛ حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأن العقد إذا حرم لكونه طريقا إلى الوطء؛ فلأن يحرم الوطء من باب أولى.

стр. 772

باب في الشروط النكاح المراد بالشروط في النكاح: ما يشرطه أحد الزوجين في العقد على الآخر مما له فيه مصلحة. ومحلها ما كان في العقد أو اتفقا عليه قبله. وهي تنقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد. أولاً: الشروط الصحيحة في النكاح: ومن الصحيح عند الأكثرين إذا شرطت عليه طلاق ضرتها؛ لأن لها في ذلك فائدة، وقال البعض الآخر من العلماء بعدم صحة هذا الشرط؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تشترط طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها، والنهي يقتضي الفساد. ومن الشروط الصحيحة في النكاح: إذا شرطت عليه أن لا يتسرى أو لا يتزوج عليها، فإن وفّى، وإلا فلها الفسخ؛ لحديث: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج".

стр. 773

وكذا لو شرطت عليه أن لا يخرجها من دارها أو بلادها؛ وصح هذا الشرط، ولم يكن له إخراجها إلا بإذنها. وكذا لو شرطت أن لا يفرق بينها وبين أولادها أو أبويها؛ صح هذا الشرط، فإن خالفه؛ فلها القسخ. ولو شرطت زيادة في مهرها، أو كونه من نقد معين؛ صح الشرط، وكان لازما، ويجب عليه الوفاء به، ولها الفسخ بعدمه، وخيارها في ذلك على التراخي، فتفسخ متى شاءت؛ مالم يوجد منها ما يدل على رضاها مع عامها بمخالفته لما شرطته عليه؛ فحينئذ يسقط خيارها. قال عمر بن الخطاب ﵁ للذي قضى عليه بلزوم ما شرطته عليه زوجته فقال الرجل: إذًا تطلقنا. فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط. ولحديث: "المؤمنون على شروطهم". قال العلامة ابن القيم: " يجب الوفاء بهذه الشروط التي هي أحق أن يوفيها، وهو مقتضى الشر والعقل والقياس الصحيح؛ فإن المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به؛ لم يكن العقد عن تراض، وكان إلزاما بما لم يلزمها الله به ورسوله". ثانيا: الشروط الفاسدة في النكاح: والشروط الفاسدة في النكاح نوعان: ١ شروط فاسدة تبطل العقد: وهي أنواع ثلاثة:

стр. 774

الأول: نكاح الشغار: وهو أن يزوجه موليته بشرط أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما، سمي شغارًا من الشغور وهو الخلو من العوض، وقيل: سمي شغارًا من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، شبه قبحه بقبح بول الكلب، وهذا النوع جعل فيه امرأة بدل امرأة، وقد أجمعوا على تحريمه، وهو باطل، يجب التفريق فيه، سواء فيه، سواء كان مصرحا فيه بنفي المهر أو مسكوتا عنه؛ لحديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق"، متفق عليه. وقال الشيخ تقي الدين: "وفصل الخطاب: أن الله حرم نكاح الشغار لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، ونظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوجها لغرضه لا لمصلحتها، وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض رجها بفرج الأخرى؛ لم ينظر في مصلحتها، وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى هذا؛ لو سمى صداقا حيلة والمقصود المشاغرة؛ لم يجز؛ كما نص عليه أحمد؛ لأن مقصوده أن يزوجها بتزوجه الأخرى، والشرع بيِّن أنه لا يقع هذا إلا لغرض الولي لا لمصلحة المرأة، سواء سمي مع ذلك صداق أو لم يسم؛ كما قاله معاوية وغيره، وأحمد جوزه مع الصداق المقصود

стр. 775

دون الحيلة؛ مراعاة لمصلحة المرأة في الصداق" انتهى. فإذا سمي لكل واحدة منهما مهر مستقل كامل، بلا حيلة، مع أخذ موافقة المرأتين؛ صح ذلك؛ لانتفاء الضرر. الثاني: نكال المحلل: وهو أن يتزوجها بشرط أنه متى حللها للأول؛ طلقها، أو نوى التحلل بلا شرط يذكر في العقد، أو اتفقا عليه قبل العقد؛ ففي جميع هذه الأحوال يبطل النكاح؛ لقوله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "هو المحلل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له"، رواه ابن ماجه والحاكم وغيره. ثالثا: إذا علّق عقد النكاح على شرط مستقبل: كأن يقول: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو: إن رضيت أمها؛ فلا ينعقد النكاح مع ذلك؛ لأن النكاح عقد معاوضة، فلم يصح تعليقه على شرط. وكذا لو زوجه إلى مدة؛ كما لو قال: زوجتك وإذا جاء غد؛ فطلقها، أو قال: زوجتها شهرًا أو سنة؛ بطل هذا النكاح المؤقت، وهو نكاح المتعة. قال الشيخ تقي الدين: "الروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أن الله تعالى حرم المتعة بعد إحلالها". وقال القرطبي: "الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم

стр. 776

يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها؛ إلا من لا يلتفت إليه من الروافض". ٢ شروط فاسدة لا تفسد النكاح: لو شرط في عقد النكاح إسقاط حق من حقوق المرأة؛؛ كأن شرط أن لا مهر لها، أو لا نفقة، أو شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها؛ فإنه في هذه الأحوال يفسد الشرط ويصح النكاح؛ لأن ذلك الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد، لا يلزم ذكره، ولا يضر الجهل به. ومن ذلك أنه إذا شرطها مسلمة، فبانت كتابية؛ فالنكاح صحيح، وله خيار الفسخ. ومن ذلك أنه إذا شرطها بكرًا أو جميلة أو ذات نسب، فبانت بخلاف ما اشترط؛ فله الفسخ؛ لفوات شرطه. ومن ذلك أنه إذا تزوج امرأة على أنها حرة، فتبين أنها أمة، فإن كان ممن لا يحل له تزوج الإماء؛ فرق بينهما، وإن كان ممن يحل له ذلك؛ فله الخيار. وكذا لو تزوجت المرأة رجلاً حرّاً، فبان عبداً؛ فلها الخيار، وإن عتقت أمة تحت عبد؛ فلها الخيار؛ لأن بريرة لما عتقت تحت عبد؛ اختارت مفارقته؛ كما رواه البخاري وغيره.

стр. 777

باب في العيوب في النكاح هناك عيوب تثبيت الخيار في النكاح؛ فمنها: أن من وجدت زوجها لا يقدر على الوطء لكونه عنينا أو مقطوع الذكر؛ فلها الفسخ، وإن ادعت أنه عنين، فأقر بذلك؛ أجل سنة، فإن وطىء فيها، وإلا؛ فلها الفسخ. وإن وجد الرجل في زوجته عيبا يمنع الوطء؛ كالرِّتق، ولا يمكن زواله؛ فله الفسخ. وكذا من وجد منهما في الآخر عيبا مشتركا؛ كالباسور، والجنون، والبرص، والجذام، وقرع الرأس، وبخر الفم؛ فله الخيار؛ لما في ذلك من النفرة. قال العلامة ابن القيم: "كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخرة، ولا يحصل به مقصود النكاح؛ يوجب الخيار، وإنه أولى من البيع" انتهى. ولو حدث بأحد الزوجين عيب بعد العقد؛ فللآخر الخيار. ويثبت الخيار لمن لم يرض بالعيب من الزوجين، ولو كان به

стр. 778

عيب مثله أو مغاير له؛ لأنه الإنسان لا يأنف من عيب نفسه، ومن رضي منهما بعيب الآمر؛ بأن قال: رضيت به، أو وجد منه دليل الرضى، مع علمه بالعيب، فلا خيار له بعد ذلك. وحيث يثبت لأحدهما الخيار؛ فإنه لا يتم إلا عند الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر، فيفسخه الحاكم بطلب من له الخيار، أو يأذن لمن له الخيار فيفسخ. وإن تم افسخ قبل الدخول؛ فلا مهر لها؛ لأن الفسخ إن كان منها؛ فقد جاءت الفرقة من قبلها، وإن كان منه؛ فقد دلست عليه العيب، فكان الفسخ بسببها. وإن كان الفسخ بعد الدخول؛ فلها المهر المسمَّى في العقد؛ لأنه وجب بالعقد، واستقر بالدخول؛ فلا يسقط. ولا يصح تزويج الصغيرة والمجنونة والمملوكة بمن فيه عيب يُرَدُّ به النكاح؛ لأن وليهن لا ينظر لهن إلا بما فيه الحظ والمصلحة لهن، وإن لم يعلم وليهن بالعيب؛ فسخ النكاح إذا علم؛ إزالة للضرر عنهن. وإذا رضيت الكبيرة العاقلة مجبوبا أو عنينا؛ لم يمنعها وليها؛ لأن الحق في الوطء لها دون غيرها. وإن رضيت بالتزوج من مجنون ومجذوم وأبرص؛ فلوليها منعها منه؛ لأن في ذلك ضررًا يخشى تعديه إلى الولد، وفيه منغصة على أهلها.

стр. 779

باب في أنكحة الكفار المراد بالكفار: أهل الكتاب وغيرهم كالمجوس والوثنيين. المراد: ما يقَرُّون عليه من أنكحتهم لو أسلموا، أو ترافعوا إلينا حال كفرهم. فنكاح الكفار حكمة حكم نكاح المسلمين في الصحة، ووقوع الطلاق، والظهار، والإيلاء، ووجوب النفقة والقسم. ويحرم عليهم من النساء ما يحرم على المسلمين؛ فقد جاء في القرآن الكريم إضافة المرأة إلى الكافر في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ، و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ فأضاف المرأة إلى الكافر، والإضافة تقتضي زوجية صحيحة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الصواب: أن أنكحتهم المحرّمة في الإسلام حرام مطلقا، إذا لم يسلموا؛ عوقبوا عليها وإن أسلموا؛ عفي لهم عنها؛ لعدم اعتقادهم تحريمها، وأما الصحة والفساد؛ فالصواب أنها صحيحة من وجه فاسدة من وجه، فإن أريد بالصحة إباحة التصرف؛ فإنما يباح لهم بشرط الإسلام، وإن أريد نفوذه وترتب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثا ووقوع الطلاق فيه وثبوت

стр. 780

الإحصان به؛ فصحيح" انتهى. ومن أحكام أنكحة الكفار: أنهم يقرون على فاسدها بشرطين: الشرط الأول: إذا اعتقدوا صحتها في شرعهم، وما لا يعتقدون حله؛ لا يقرون عليه؛ لأنه ليس من دينهم. الشرط الثاني: أن لا يترافعوا إلينا، فإن ترافعوا؛ لم نقرهم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ . فإذا اعتقدوا صحة نكاحهم في شرعهم، ولم يترافعوا إلينا؛ لم نتعرض لهم؛ بدليل أن النبيصلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعترض عليهم في أنكحتهم، مع علمه أنهم يستبيحون محارمهم، وأسلم خلق كثير في زمن النبيصلى الله عليه وسلم، فأقرهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها. وإن أتونا قبل عقد نكاحهم؛ عقدناه على حكم ديننا؛ بإيجاب وقبول وولي وشاهدي عدل منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ . أما إن أتونا بعد عقد النكاح فيما بينهم؛ فإننا لا نتعرض لكيفية صدوره. وكذلك إذا أسلم الزوجان على نكاح؛ فإننا لا نتعرض لكيفية صدوره وتوفر شروطه فيما سبق، لكننا ننظر فيه وقت الترافع أو وقت

стр. 781

إسلامهم، فإن كانت الزوجة تباح في هذا الوقت لعدم الموانع الشرعية؛ أقرا على نكاحهما؛ لأن ابتداء النكاح حينئذ لا مانع منه؛ فلا مانع من استدامته، وإن كانت الزوجة في هذا الوقت الذي ترافعا أو أسلما فيه لا يباح ابتداء العقد له عليها؛ فرق بينهما؛ لأن منع ابتداء العقد يمنع من استدامته، وإن كان المهر الذي سمي لها في حال الكفر صحيحا؛ أخذته؛ لأنه وجب بالعقد، ولا مانع من استيفائها له، وإن كان فاسدًا كالخمر والخنزير فإن كانت قبضته؛ فقد استقر، وليس لها غيره؛ لأنها قبضته بحكم الشرك، فبرئت ذمة من هو عليه منه، ولأن في التعرض له مشقة وتنفير عن الإسلام، فيعفي عنه كما عفي عن غيره من الأعمال الكفرية، إن لم تكن قد قبضت المهر الفاسد؛ فإنه يفرض لها مهر المثل، وإن كانت قد قبضت بعض المهر الفاسد ولم تقبض بقيته؛ فإنه يجب لها قسط الباقي من مهر المثل، وإن لم يسم لها مهر أصلاً؛ فإنه يفرض لها مهر المثل؛ لخلو النكاح من تسمية المهر. وإذا أسلم الزوجان معا بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة؛ فإنهما يبقيان على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دين. وإن أسلم زوج كتابية، ولم تسلم هي؛ بقيا على نكاحهما؛ لأن للمسلم أن يتزوج الكتابية ابتداء؛ فاستدامته لنكاحها من باب أولى. وإن أسلمت كافرة تحت كافر قبل الدخول؛ بطل النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ ، وليس لها شيء من المهر؛ لمجيء الفرقة من قبلها.

стр. 782

وإن أسلم زوج غير كتابية قبل الدخول؛ بطل النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ ، وعليه نصف المهر؛ لمجيء الفرقة من قبله. وإن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين، أو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول؛ وقف الأمر على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر فيها؛ دام النكاح وإن لم يسلم فيها؛ تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أسلم الأول. ومن أسلم وتحته أكثر من أربع واسلمن، أو كن كتابيات؛ اختار منهم أربعا؛ لأن قيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان نسوة، فقال له النبي ﷺ : "اختر منهن أربعا"، وقاله أيضا لغيره، والله أعلم.

стр. 783

باب في الصداق في النكاح الصداق مأخوذ من الصدق؛ لأنه يشعر برغبة الزوج في الزوجة، وهو عوض يسمى في عقد النكاح أو بعده. أما حكمه: فهو واجب، ودليله الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ . ولفعله ﷺ ؛ فلم يكن يخلي النكاح من صداق، وقال: "التمس ولو خاتما من حديد". وأجمع أهل العلم على مشروعيته. أما مقداره: فلا يتقدر أقله ولا أكثره بحد معين؛ فكل ما صح أن يكون ثمنا أو أجرة؛ صح أن يكون صداقا، وإن قل أو أكثر؛ إلا أنه ينبغي الإقتداء بالنبي ﷺ فيه؛ بأن يكون في حدود اربع مئة درهم، وهي صداق بنات النبي ﷺ .

стр. 784

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك؛ لم يكره؛ إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك، فأما إن كان عاجزاً عن ذلك؛ فأما إن كثر، وهو مؤخر في ذمته؛ فينبغي أن يكره؛ لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة" انتهى كلامة. والخلاصة: أن كثرة الصداق لا تكره إذا لم تبلغ حد المباهاة والإسراف، ولم تثقل كاهل الزوج؛ بحيث تحوجه إلى الاستعانة بغيره عن طريق المسألة ونحوها، ولم تشغل ذمته بالدين، وهي ضوابط قيمة تكفل المصلحة وتدفع المضرة. ويتبين من خلال ما سبق أن ما وصل إليه الناس في قضية المهور من المغالاة الباهظة التي لا يراعي فيها جانب الزوج الفقير والتي أصبحت صعبة المرتقى في طريق الزواج؛ أن هذه المغالاة لا شك في كراهتها أو تحريمها، خصوصا وأنه يكون إلى جانبها تكاليف أخرى؛ من شراء الأقمشة الغالية الثمن، والمصاغات الباهظة، والحفلات والولائم المشتملة على الإسراف والتبذير وإهدار الأطعمة واللحوم في غير مصلحة تعود إلى الزوجين؛ لا شك أن كل ذلك من الآصار والأغلال والتقاليد السيئة التي يجب محاربتها والقضاء عليها وتنقية طريق الزواج من عراقيلها. وفي حديث عائشة ﵂ مرفوعا: "أعظم النساء بركة

стр. 785

أيسرهن مؤنة"، رواه أحمد والبيهقي والحاكم وغيرهم. وقال عمر بن الخاب ﵁: "ألا لا تغالوا في صدق النساء؛ فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله؛ كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، اكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول: كلفت فيك علق القربة" أخرجه النسائي وأبو داود. ومنه تعلم أن كثرة الصداق قد تكون سببا في بغض الزوج لزوجته حينما يتذكر ضخامة صداقها، ولهذا كان أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة؛ كما في حديث عائشة؛ فتيسير الصداق يسبب البركة في الزوجة ويزرع لها المحبة في قبل الزوج. والحكمة في مشروعية الصداق: أن فيه معاوضة عن الاستمتاع، وفيه تعزيز لجانب الزوجة وتقدير لمكانتها في حق الزوج. وتستحب تسميته الصداق، وتحديده في العقد؛ لقطع النزاع. ويجوز أن يسمى ويحدد بعد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا﴾ ؛ فدلت الآية على أن فرض الصداق قد يتأخر عن العقد.

стр. 786

وأما نوعية الصداق: فكما يفهم أن كل ما جاز أن يكون ثمنا في بيع أو أجرة في إجارة وقيمة لشيء؛ جاز أن يكون صداقا، سواء كان من عين أو دين معجل أو مؤجل أو منفعة معلومة، وهذا مما يدل على أنه مطلوب تيسير الصداق، وحسب الظروف والأحوال، تيسير الزواج الذي يتعلق به مصالح عظيمة للأفراد والمجتمعات. وهذه بعض المسائل الهامة التي تتعلق بالصداق: أولاً: إن الصداق ملك للمرأة، ليس لوليها منه شيء؛ إلا ما سمحت به له عن طيب نفس، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنّ﴾ ، ولأبيها خاصة أن يأخذ من صداقها، ولو لم تأذن؛ ما لا يضرها ولا تحتاج إليه؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك". ثانيًا: يبدأ تملك المرأة لصداقها من العقد؛ كما في البيع، ويتقرر كاملاً بالوطء، أو الخلوة بها، وبموت أحدهما. ثالثا: إذ أطلقها قبل الدخول أو الخلوة، وقد سمى لها صداقا؛ فلها نصفه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ؛ أي: لكم ولهن، فاقتضى أن النصف له والنصف لها بمجرد الطلاق، وأيهما عقا لصاحبه عن نصيبه منه وهو جائز التصرف؛ صح عفوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح﴾ ، ثم رغَّب في العفو، فقال تعالى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ؛

стр. 787

أي: لا ينس الزوجان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، أو يتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي من بعضهم على بعض والمسامحة فيما لأحدهما على الآخر؛ للوصلة التي قد وقعت بينهما. رابعا: كل ما قبض بسبب النكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فهو من المهر. خامسا: إذا أصدقها مالاً مغصوبا أو محرما؛ صح النكاح، ووجب لها مهر المثل بدل الصداق المحرم. سادسا: إذا عقد النكاح ولم يجعل للمرأة مهراً؛ صح النكاح، ويسمى ذلك بالتفويض، ويقدر لها مهر المثل؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: أو ما لم تفرضوا لهن فريضة، ولحديث ابن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال ﵁: "لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث"، وقال: "قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت"، رواه الترمذي وغيره وصححه.

стр. 788

وقد يكون التفويض لمقدار المهر معناه أن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي، فيصح العقد في هذه الحالة، ويقدر لها مهر المثل، والذي يقدر مهر المثل هو الحاكم، فيقدره بمهر مثلها من نسائها؛ أي: قرابتها ممن يماثلها؛ كأمها وخالتها وعمتها، فيعتبر الحاكم بمن يساويها منهن القربى فالقربى في مال وجمال وعقل وأدب وسن وبكارة وثيوبة ... فإن لم يكن لها أقارب؛ ففيمن يشبهها من نساء بلدها. وإن فارقها قبل الدخول بطلاق؛ فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ، والمر يقتضي الوجوب، وأداء الواجب إحسان. وإن كانت المفارقة بموت أحدهما قبل الدخول؛ تقرر لها مهر المثل، وورثة الآخر؛ لأن ترك تسميته الصداق لا يقدح في صحة النكاح، ولحديث ابن مسعود الذي سبق ذكره. وإذا حصل الدخول أو الخلوة؛ تقرر لها مهر المثل؛ لما روى أحمد وغيره من قضاء الخلفاء الراشدين: "أن من أغلق بابا أو أرخى سترًا؛ فقد وجب المهر". وإن حصلت الفرقة من قبلها قبل الدخول؛ فليس لها شيء؛ كما لو ارتدت أو فسخت النكاح بسبب وجود عيب في الزوج.

стр. 789

سابعاً: للمرأة قبل الدخول منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال؛ لأنها لو سلمت نفسها، ثم أرادت التراجع حتى تقبضه؛ لم يمكنها ذلك، فإن كان الصداق مؤجلاً؛ فليس لها منع نفسها؛ لأنها رضيت بتأخيره، وكذا لو سلمت نفسها، ثم أرادت الامتناع حتى تقبض صداقها؛ فليس لها ذلك.

стр. 790

باب في وليمة العرس أصل الوليمة تمام الشيء واجتماعه، يقال: أَوْلَمَ الرجل: إذا اجتمع عقله وخلقه. ثم نقل هذا المعنى إلى تسمية طعام العرس به؛ لاجتماع الرجل والمرأة بسبب الزواج، ولا يقال لغير طعام العرس وليمة من حيث اللغة وعرف الفقهاء. وهناك أطعمة تصنع لمناسبات كثيرة، لكل منها اسم خاص. وحكم وليمة العرس: أنها سنة باتفاق أهل العلم، وقال بعضهم بوجوبها؛ لأمرهصلى الله عليه وسلم بها، ولوجوب إجابة الدعوة إليها؛ فقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁ عنه حين أخبره أنه تزوج: "أولِم ولو بشاة"، متفق عليه. وأولم النبي ﷺ على زوجاته زينب وصفية وميمونة بنت الحارث.

стр. 791

ووقت إقامة وليمة العرس موسع، يبدأ من عقد النكاح، إلى انتهاء أيام العرس. ومقدار وليمة العرس؛ قال بعض الفقهاء: إنه لا ينقص عن شاة، والأولى الزيادة عليها؛ لمفهوم حديث عبد الرحمن بن عوف: "أولِم ولو بشاة"، هذا مع تيسر ذلك، وإلا؛ فبحسب المقدرة. وقد أولم النبي ﷺ على صفية بحيس، وهو الدقيق والسمن والأقط، يخلط بعضها ببعض، ووضعه على نطع صغير. فدل ذلك على إجزاء الوليمة بغير ذبح الشاة. ولا يجوز الإسراف في وليمة العرس؛ كما يفعل الآن من ذبح الأغنام الكثيرة والإبل، وتكثير الطعام على وجه البذخ والإسراف ثم لا تؤكل، بل يكون مآل تلك الأطعمة واللحوم إلقاؤها في الزبالات وإهدارها؛ فهذا مما تنهى عنه الشريعة، ولا تستسيغه العقول السليمة، ويخشى على فاعله ومن رضي به من العقوبة وزوال النعمة، إضافة إلى ما يصحب تلك الولائم الفخمة من أشر وبطر واجتماعات لا تسلم في الغالب من المنكرات، وقد تقام هذه الولائم في الفنادق، ويحصل فيها من تساهل النساء بالستر والاحتشام واختلاط الرجال بهن ما يخشى من عواقبه الوخيمة، وقد يتخلل تلك الاحتفالات أغان ومزامير، ويجلب لها المطربون الفسقة والمصورون الظلمة الذين يصورون النساء ويصورون العريسين، وتهدر في هذا الحفلات أموال كثيرة من غير فائدة، بل على سبيل

стр. 792

الفساد والإفساد؛ فليتق الله من يعملون هذه الأعمال، وليخشوا من عقوبته، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ... والآيات في هذا كثيرة معلومة. ويجب على من دعي لحضور وليمة العرس أن يجيب الدعوة إذا توفرت فيها هذه الشروط: الشرط الأول: أن تكون هي الوليمة الأولى، فإن تكرر إقامة الولائم لهذه المناسبة؛ لم يجب عليه حضور ما زاد على الأولى؛ لقوله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة"، رواه أبو داود وغيره. وقال الشيخ تقي الدين: "يحرم الأكل والذبح الزائد على المعتاد في بقية الأيام، ولو العادة فعله، أو لتفريح أهله، ويعزر إن عاد". الشرط الثاني: أن يكون الداعي مسلما. الشرط الثالث: أن يكون الداعي من غير العصاة المجاهرين بالمعصية الذين يجب هجرهم

стр. 793

الشرط الرابع: أن يعيّنه الداعي بالدعوة ويخصه؛ بأن لا تكون الدعوة عامة. الشرط الخامس: أن لا يكون في الوليمة منكر؛ كخمر وأغان ومزامير ومطربين؛ كما يحصل في بعض الولائم في هذا الوقت. فإذا توفرت هذه الشروط وجبت إجابة الدعوة؛ لقوله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها ومن لا يجب؛ فقد عصى الله ورسوله"، رواه مسلم. ويسن إعلان النكاح أي: إظهاره وإشاعته؛ لقوله ﷺ : "أعلنوا النكاح"، وفي لفظ: "أظهروا النكاح"، رواه ابن ماجه. ويسن الضرب عليه بالدف؛ لقوله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح"، رواه النسائي وأحمد والترمذي وحسنه.

стр. 794

باب في عشرة النساء يراد بالعِشرة لغة: الاجتماع والمخالطة، فيقال كل جماعة: عشرة ومعشر. والمراد بها هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام لأنه يلزم كلاً من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف؛ فلا يماطله بحقه، ولا يتكره لبذله، ولا يتبعه أذى ومنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقال النبي ﷺ : "خيركم خيركم لأهله"، وقال ﷺ : "لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها"، وقال ﷺ : "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح".

стр. 795

ويسن لكل من الزوجين تحسين الخلق لصاحبه، والرفق به، وتحمل أذاه؛ لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ إلى قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ ؛ قيل: هو كل واحد من الزوجين، وقال النبي ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهن عوان عندكم". وينبغي للزوج إمساك زوجته حتى مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ؛ قال ابن عباس في معنى الآية الكريمة: "ربما رزق منها ولدًا، فجعل الله فيه خيرًا كثيرا"، وفي الحديث الصحيح: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا، رضي منها آخر". وإذا تم العقد؛ لزم تسلم الزوجة التي يوطأ مثلها إذا طلب الزوج تسليمها في بيته؛ إلا إذا شرطت عليه في العقد بقاءها في دارها أو بلدها. وللزوج أن يسافر بها سفرًا لا معصية فيه ولا خطر؛ لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم. لكن غالب الأسفار المتعارف عليها في هذا الزمان هي الأسفار إلى البلاد الخارجية الكافرة وبلاد الإباحية والفساد؛ فلا يجوز السفر إلى هذه البلاد لمجرد النزهة والتفرج؛ لما في ذلك من

стр. 796

الخطر الشديد على الدين والأخلاق، ويجب على المرأة وعلى أوليائها الامتناع من سفرها مع زوجها لهذه البلاد. وما تعورف عليه في هذا الزمان لدى كثير من المترفين من الشباب وذوي الثروة من السفر صبيحة الزواج إلى البلاد الخارجية الكافرة لإمضاء شهر العسل كما يسمونه، وهو في الواقع شهر السم؛ لأنه شهر محرم، يؤدي إلى شرور كثيرة؛ من خلغ الحجاب، والتزيي بزي الكفار، ومشاهدة أفعال الكفار وتقاليدهم السخيفة، وزيارة أمكنة اللهو، حتى ترجع المرأة متأثرة بتلك الأخلاق الرذيلة، زاهدة بأخلاق مجتمعها المسلم؛ فإن هذا السفر حرام شديد التحريم، يجب الأخذ على يد مرتكبيه، ومنعهم منه، ويجب على أولياء المرأة منعها من ذلك السفر، وتخليصها من هذا الزوج المستهتر؛ لأنها أمانة في أعناقهم، ولو رضيت هي به؛ فإنها قاصرة النظر لنفسها، وما جعل الولي قيما عليها إلا لمنعها من مثل ذلك. ويحرم على الزوج وطء زوجته حال حيضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . وللزوج إجبار زوجته على إزالة وسخ، وأخذ ما تعافه النفس من شعر يجوز أخذه وظفر، ومنعها من أكل ما له رائحة كريهة؛ لأن ذلك ينفره عنها. ويجبرها على غسل نجاسة وأداء واجب كالصلوات الخمس، فلو امتنعت عن أدائها؛ ألزمها بذلك وأدبها، فإن صلت، وإلا؛ حرمت عليه الإقامة

стр. 797

معها، وكذا عليه إجبارها على ترك المحرمات واجتنابها؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، وأثنى الله على نبيه إسماعيل ﵇ بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . فالزوج مسؤول عن زوجته، وهو مسترعى عليها، ومسؤول عن رعيته، خصوصا وأنها تربي أولاده، وترأس أسرته، فإذا فسدت أخلاقها، واختل دينها؛ أفسدت عليه أولاده وأهل بيته. فعلى المسلمين أن يتقوا الله في نسائهم، ويتفقدوا تصرفاتهن، وقد قال النبي ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرًا". ويلزم الزوج أن يبت عند زوجته إذا كانت حرة ليلة من أربع ليال إن طلبت منه ذلك؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمعه معها من النساء ثلاث مثلها، ولأن كعب بن سوار قضى بذلك عند عمر بن الخطاب واشتهر ولم ينكر، وهذا رأي بعض الفقهاء، وهذا دليله وتعليله، لكن في هذا الاستدلال والتعليل عند الشيخ تقي الدين نظر؛ حيث يرى أن التزوج

стр. 798

بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة فقط يكون حال الانفراد كحال الاجتماع. والله أعلم. ويلزم الزوج الوطء إذا قدر عليه كل ثلث سنة مرة إذا طلبت الزوجة ذلك؛ لأن الله تعالى قدر ذلك في أربعة أشهر في حق المؤلي؛ فكذلك في حق غيره، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وجوبه بقدر كفاية الزوجة ما لم يضره أو يشغله عن طلب معيشة من غير تقدير بمدة. وإن سافر الزوج فوق نصف سنة، وطلبت الزوجة قدومه؛ لزمه ذلك؛ إلا في سفر حج واجب أو غزو واجب أو كان لا يقدر على القدوم، فإن أبى القدوم من غير عذر يمنعه، وطلبت الزوجة التفريق بينهما؛ فرق بينهما الحاكم بعد مراستله؛ لأنه ترك حقا عليه تتضرر الزوجة بتركه. وقال شيخ تقي الدين: "وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو غير قصد، ولو مع قدرته أو عجزه؛ كالنفقة وأولى". ويحرم على كل من الزوجين التحدث بما يجري بينهما من أمور الاستمتاع؛ فقد روى مسلم أن النبي ﷺ قال: "شر الناس منزلة عند الله يوم القيام الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه، فينشر سرها وتنشر سره"، فدل ذلك على تحريم إفشاء الزوجين بينهما من أمور الاستمتاع من أقول أو فعل. وللزوج منع زوجته من الخروج من منزله لغير حاجة ضرورية؛ فلا

стр. 799

يتركها تذهب حيث شاءت، ويحرم عليها الخروج بلا إذنه لغير ضرورة، ويستحب للزوج أن يأذن لها بالخروج لتمرض محرمها كأخيها وعمها لما في ذلك من صلة الرحم. وليس له أن يمنعها من زيارة أبويها في بيته؛ إلا إذا خاف منهما ضررًا بإفسادها عليه بسبب زيارتهما لها؛ فله منعهما حينئذ من زيارتها. وله منعها من تأجير نفسها والتحاقها بالوظائف؛ لأنه يقوم بكفايتها، ولأن ذلك يفوت عليه حقه عليها، ويعطل تربيتها لأولادها، ويعرضها للخطر الخلقي، خصوصا في هذا الزمان، الذي قل فيه الحياء والاحتشام، وكثر فيه دعاة السوء والإحرام، وصارت النساء تخالط الرجال في المكاتب ومجالات الأعمال، وربما تحصل الخلوة المحرمة؛ فالخطر شديد، والابتعاد عنه واجب أكيد. وله منعها من إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة. ولا يلزم الزوجة طاعة أبويها إذا طلبا منها فراق زوجها، ولا طاعتهما في زيارتها لهما إذا كان زوجها لا يرضى بذلك، بل طاعة زوجها أحق. وقد روى الإمام أحمد وغيره أن عمة حصين أتت النبي ﷺ قال: "أذات زوج أنت؟ ". قالت: نعم. قال: "انظري أين أنت منه؛ فإنما هو جنتك ونارك".

стр. 800

ويجب على الزوج إذا كان له أكثر من زوجة أن يساوي بينهن في القسم بتوزيع بينهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ، وتمييزه لبعضهن عن بعض ميل يدع الأخر كالمعلقة، وعماد القسم: الليل والمبيت؛ لأن يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة، ومن معاشه في الليل كالحارس ونحوه؛ فإنه يقسم بين نسائه في النهار، ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره. ويقسم للحائض والنفساء من زوجاته والمريضة؛ لأن القصد السكن والأنس، وذلك يحصل بمبيه عندها، ولو لم يطأ، وليس له أن يقدم بعضهن على بعض في بداية القسم؛ إلا بالقرعة، أو برضاهن بذلك؛ لأن البداءة بها دون غيرها تفضيل لها، والتسوية بينهن واجبة، وليس له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة أو برضاهن؛ لأنه ﷺ : "كان إذا أراد السفر؛ أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها؛ خرج بها معه".

стр. 801

باب فيما نفقه الزوجة وقسمها المرأة إذا سافرت بلا إذن زوجها أو سافرت بإذنه لحاجتها الخاصة بها؛ فإنه يسقط حقها عليه من قسم ونفقة؛ لأنها إن كان سفرها بغير إذنه؛ فهي عاصية كالناشز، وإن سفرها بإذنه لحاجتها الخاصة؛ فقد تعذر على زوجها الاستمتاع بها لسبب من جهتها. ومن ذلك أنه لو أرادها أن تسافر معه، فأبت ذلك؛ فلا نفقة لها؛ لأنها عاصية بذلك. ومن ذلك أنها إن امتنعت من المبيت معه في فراشه؛ سقط حقها عليه من النفقه والقسم أيضا؛ لأنها بذلك تون عاصية كالناشز. ويحرم على الزوج أن يدخل على زوجة زوجاته في ليلة ليست لها؛ إلا لضرورة، وكذا في نهارها؛ إلا لحاجة. ومن وهبت قسمها لضرتها بإذن الزوج أو وهبته للزوج فجعله لزوجة أخرى؛ ذلك؛ لأن الحق في ذلك لهما، وقد رضيا بتلك الهبة، وقد وهبت سودة ﵂ قسمها لعائشة ﵂، فكان

стр. 802

النبي ﷺ يقسم لها يومين، وإذا الواهبة وطالبت بقسمها؛ قسم لها الزوج في المستقبل. ويجوز للزوجة أن تسامح زوجها عن حقها في القسم والنفقة ليمسكها وتبقى في عصمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ؛ قالت عائشة ﵂: "هي المرأة تكون عند الرجل، لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، تقول: أمسكني ولا تطلقني، وأنت في حل من النفقة علي والقسم"، وسودة حين أسنت وخشيت أن يفارقها رسول الله ﷺ ؛ قالت: "يومي لعائشة ﵂ ". ومن تزوج بكرًا ومعه غيرها؛ أقام عندها سبعا، ثم دار على نسائه بعد السبع، ولا يحتسب عليها تلك السبع، وإن تزوج ثيبا؛ أقام عندها ثلاثا، ثم دار على نسائه، ولا يحتسب عليها تلك الثلاث؛ لحديث أبي قلابة عن أنس ﵁: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب؛ أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب؛ أقام عندها ثلاثا ثم قسم".

стр. 803

قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ . رواه الشيخان. وإن أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعا؛ فعل، وقضى مثلهن للبواقي من ضراتها، ثم بعد ذلك يبتدئ القسم عليهن ليلة ليلة، وذلك لحديث أم سلمة ﵂؛ أن النبي ﷺ لما تزوجها؛ أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت؛ سبعت لك، وإن سبعت لك؛ سبعت لنسائي"، رواه أحمد ومسلم وغيرهما. ومما يتعلق بهذا الموضوع مبحث النشوز، وهو معصية الزوجة لزوجها فيما يجب عليها له، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت وتعالت عما عليها من المعاشرة بالمعروف. ويحرم على الزوجة فعل ذلك من غير مبرر، فإذا ظهر للزوج من زوجته شيء من علامات النشوز، كأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تتثاقل إذا طلبها؛ فإنه عند ذلك يعظها ويخوفها بالله ويذكرها بحقه عليها وما عليها من الإثم إذا خالفته، فإن أصرت على النشوز بعد الوعظ؛ فإنه يهجرها في المضجع بأن يترك مضاجعتها ولا يكلمها مدة ثلاثة أيام، فإن أصرت بعد الهجر؛ فإنه يضربها ضربا غير مبرح "أي: غير شديد"؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ﴾ .

стр. 804

وإذا ادعى كل من الزوجين ظلم الآخر له، وتعذر الإصلاح بينهما؛ فإن الحاكم يبعث حكمين عدلين من أهلهما؛ لأن الأقارب أخبر بالعلل الباطنة وأقرب إلى الأمانة والنظر في المصلحة، وعليهما أن ينويا الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ ، والحكمان يفعلان الأصلح من جميع وتفريق بعوض أو عوض، وما انتهيا إليه؛ عمل به؛ حلا للإشكال. والله أعلم.

стр. 805

كتاب الطلاق باب في أحكام الخلع الخلع: فراق الزوج لزوجته بعوض بألفاظ مخصوصة، سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس؛ لأن كلا من الزوجين لباس للآخر؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ . فمن المعلوم أن الزواج ترابط بين الزوجين وتعاشر بالمعروف، ينتج عنه بناء أسرة جيل؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فإذا لم يتحقق هذا المعنى من الزواج؛ بحيث لم توجد المودة من الطرفين، أو لم توجد من الزوج وحده؛ ساءت العشرة، وتعسر العلاج؛ فإن الزوج مأمور بتسريح الزوجة بإحس ان؛ قال تعالى: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ ، وأما إذا وجدت المحبة من جانب الزوج، ولم توجد من جانب الزوجة؛ بأن كرهت زوجها، أو كرهت خلقه، أو كرهت نقص دينه، أو خافت إثم ابترك حقه؛ فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تطلب فراقه على

стр. 806

عوض يبذله له تفيدي به نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ ؛ أي: إذا علم الزوج أو الزوجة أنهما إذا بقيا على الزوجية لا يؤدي كل واحد منهما الواجب عليه نحو الآخر، فيحصل من جراء ذلك أن يعتدي الزوج على زوجته، أو تخاف المرأة أن تعضي زوجها؛ فلا حرج على الزوجة أن تفتدي نفسها من الزوج بعوض، ولا حرج على الزوج في أخذ ذلك العوض، ويخلي سبيلها. وحكمة ذلك: أن الزوجة تتلخص من زوجها على وجه لا رجعة فيه؛ ففيه حل عادل للاثنين، ويسن للزوج أن يجبيها حينئذ، وإن كان الزوج يحبها؛ استحب لها أن تصبر ولا تفتدي منه. والخلع مباح إذا توفر سببه الذي أشارت إليه الآية الكريمة، وهو خوف الزوجين إذا بقيا على النكاح أن لا يقيما حدود الله، وإذا لم يكن هناك حاجة للخلع؛ فإنه يكره، وعند بعض العلماء أنه في هذه الحال؛ لقوله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة"، رواه الخمسة إلا النسائي. قال الشيخ تقي الدين: "الخلع الذي جاءت به السنة أن تكون المرأة مبغضة للرجل، فتفتدي نفسها منه كالأسير". وإن كان الزوج لا يحبها، ولكنه يمسكها لغرض أن وتفتدي

стр. 807

منه؛ فإنه يكون بذلك ظالم الها، ويحرم عليه أخذ العوض منها، ولا يصح الخلع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ﴾ ؛ أي: لا تضاروهن في العشرة لتترك بعض ما أصدقت أو كله أو تترك حق امن حقوقها التي لها على زوجها؛ إلا إذا كان عضله لها في تلك الحال لكونها غير عفيفة من الزنى، ففعل ذلك ليسترجع منها الصداق الذي أعطاها؛ جاز له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ؛ قال ابن عباس في معنى الآية: "هذا في الرجل تكون له المرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به، فنهى تعالى عن ذلك، ثم قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ؛ يعني: الزنى؛ فله أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، ويضاجرها حتى تتركه له، ويخالعها". والدليل على جواز المخالعة عند حصول السبب المسوغ لها: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فالآية التي أسلفنا تلاوتها، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ . وأما السنة؛ ففي "الصحيح" أن امرأة ثابت بن قيس ﵁ قالت: يا رسول الله! ما أعيب من دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام "أي: كفران العشير المنهي عنه والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له"، فقال لها الرسول ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ "

стр. 808

قالت: نعم، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة" وأمره بفراقها. رواه البخاري. وأما الإجماع؛ فقد قال ابن عبد البر: "لا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا المزني؛ فإنه زعم أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ ". ويشترط لصحة الخلع: بذل عوض ممن يصح تبرعه، وأن يكون صادرًا من زوج يصح طلاقه، وأن لا يعضلها بغير حق حتى تبذله، وأن يكون بلفظ الخلع، أما كان بلفظ الطلاق، أو بلفظ كناية الطلاق مع نيته؛ فهو طلاق، ولا يملك رجعتها، لكن له أن يتزوجها بعقد جديد، ولو لم تنكح زوج اغيره، إذا لم يسبقه من الطلاق ما يصير به ثلاث ا، أما إن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء، ولم ينوه طلاق ا؛ كان فسخ ا، لا ينقص به عدد الطلاق، ورد ذلك عن ابن عباس ﵄، واحتج بقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه﴾ ؛ فذكر تطليقتين، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر تطليقة بعده، فلو كان الخلع طلاق ا؛ لكان رابع، والله أعلم.

стр. 809

باب في أحكام الطلاق الطلاق في اللغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة: إذا سرحت حيث شاءت. ومعناه شرع: حل قيد النكاح أو بعضه. وأما حكمه: فهو يختلف باختلاف الظروف والأحوال: تارة يكون مباح، وتارة يكون مكروه، وتارة يكون مستحب، وتارة يكون واجب ا، وتارة يكون حرام، فتأتي عليه الأحكام الخمسة. فيكون مباح إذا احتاج إليه الزوج؛ لسوء خلق المرأة، والتضرر بها، مع عدم حصول الغرض من الزواج مع البقاء عليه. ويكره الطلاق إذا كان لغير حاجة؛ بأن كانت حال الزوجين مستقيمة، وعند بعض الأئمة يحرم في هذه الحال؛ الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، رواه أبو داود وابن ماجه، ورجاله ثقات. فسماه النبي ﷺ في هذا الحديث حلالاً، مع كونه مبغوض اعند الله، فدل على كراهته في تلك الحال مع إباحته،

стр. 810

ووجه كراهته: أن فيه إزالة للنكاح المشتمل على المصالح المطلوبة شرع. ويستحب الطلاق في حال الحاجة إليه بحيث يكون في البقاء على الزوجية ضرر على الزوجة؛ كما في حال الشقاق بينها وبين الزوج، وفي حال كراهتها له؛ فإن في بقاء النكاح مع هذه الحال ضررًا على الزوجة، والنبي ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار". ويجب الطلاق على الزوج إذا كانت الزوجة غير مستقيمة في دينها؛ كما إذا كانت تترك الصلاة أو تؤخرها عن وقتها، ولم يستطع تقويمها، أو كانت غير نزيهة في عرضها؛ فيجب عليه طلاقها في تلك الحال على أصح القولين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا كانت تزني؛ لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، وإلا؛ كان ديوث ". وكذا إذا كان الزوج غير مستقيم في دينه؛ وجب على الزوجة طلب الطلاق منه، أو مفارقته بخلع وفدية، ولا معه وهو مضيع لدينه. وكذا يجب على الزوج الطلاق إذا آلى من زوجته؛ بأن حلف على ترك وطئها، ومضت عليه أربعة أشهر، وأبى أن يطأها ويكفر عن يمينه، بل استمر على الامتناع عن وطئها؛ فإنه حينئذ يجب عليه طلاقها، ويجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
следующие страницы →