Полный текст (1 076 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
العلم أنها على العاقلة"، وقال الموفق: "لا نعلم خلافا أنها على العاقلة"، وكذا دية ما يجري مجرى الخطأ؛ كانقلاب النائم على إنسان فيقتله، وحفر البئر تعديا فيقع فيها إنسان فيموت.
وما ترتب على الفعل المأذون به شرعا من تلف؛ فهو غير مضمون؛ كما لو أدب الرجل ولده أو زوجته، أو أدب سلطان أحدًا من رعيته، ولم يسرف واحد من هؤلاء في التأديب، ومات المؤدَّب، لم يجب شيء على المؤدب؛ لأنه فعل ما له فعله شرعا، ولم يتعدَّ فيه، فإن أسرف في التأديب فزاد فوق المعتاد، فتلف المؤدَّب؛ ضمنه لتعديه بالإسراف.
وإن كان التأديب لامرأة حامل، فأسقطت حملها بسببه وجب على المؤدب ضمان الحمل بغرة عبد أو أمة؛ لما في "الصحيحين": "أنه ﷺ في قضى إملاص المرأة بعبد أو أمة"، وهو قول أكثر أهل العلم.
ومن أوقع حاملاً فأسقطت جنينها بسبب ذلك؛ كما لو طلبها سلطان، أو استعدى عليها رجل بالشرط؛ وجب ضمان الجنين على من أفزعها؛ لهلاكه بسببه؛ لما روي عن عمر ﵁: "أنه بعث إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر؟، فبينما هي
стр. 912
في الطريق؛ إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا فصاح صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ليس عليك شيء. فقال علي: إن كانوا قالوا في هواك؛ فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها فألقته".
ومن أمر شخصا مكلفا أن ينزل بئرًا أو يصعد شجرة ونحوها، ففعل، وهلك بسبب نزوله أو صعوده؛ لم يضمنه الآمر؛ لأنه لم يجن ولم يتعد عليه في ذلك.
فإن كان المأمور غير مكلف؛ ضمنه الآمر؛ لأنه تسبب في إتلافه.
ولو استأجر شخصا لنزول البئر وصعود الشجرة فمات بسبب ذلك؛ لم يضمنه المستأجر؛ لأنه لم يجن ولم يتعد.
ومن دعا من يحفر له بئرًا بداره، فمات بهدمه لم يلقه عليه أحد؛ فهو هدر؛ لعدم التعدي عليه.
ومن ذلك ندرك مدى اهتمام الإسلام بحفظ الأرواح وحقن دماء الأبرياء.
لكن في وقتنا هذا كثر التهاون بهذه المسؤولية على أيدي أولئك الذين يتهورون في قيادة السيارات، فيعرضون أرواحهم وأرواح غيرهم للهلاك وكم هلك بسبب ذلك من الأرواح البريئة المحرمة فقد تذهب الجماعة بأسرها أو العائلة بأكملها على يد طائش متهور لا يقدر المسؤولية ولا ينظر في العواقب، وقد يكون السبب في ذلك آباء هؤلاء الأطفال
стр. 913
المتهورين، حين يشترون لهم السيارات الفارهة، ويسلمونها لهم؛ ليزهقوا بها الأرواح البريئة؛ إنهم بذلك يسلمونهم سلاحا فتاكا يعبثون به ويحصدون به الأنفس ويروِّعون به الآمنين.
فيجب على هؤلاء أن يتقوا الله في أولادهم وفي أرواح المسلمين، ويجب على ولاة الأمور وفقهم الله أن يأخذوا على يد الجميع بما يضمن سلامة الجميع واستتباب الأمن؛ فإن الله يزع بالسلطان ملا يزع بالقرآن.
стр. 914
باب في مقادير الديات
مقادير ديات النفس تختلف باعتبار الإسلام والحرية والذكورة والأنوثة وكون الشخص المقتول موجودًا للعيان أو حملاً في البطن.
وأكثرها مقدار دية الحر المسلم، حيث تبلغ ألف مثقال من الذهب، أو اثنى عشر ألف درهم من الدراهم الإسلامية التي كل عشرة منها سبعة مثاقيل، أو مئة من الإبل، أو مئتي بقرة، أو ألفي شاة؛ لحديث أبي داود عن جابر ﵁: "فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة وعلى أهل الشاء ألقي شاة".
وعن عكرمة عن ابن عباس: "أن رجلاً قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثنى عشر ألف درهم"، رواه أبو داود وابن ماجه.
وفي كتاب عمرو بن حزم: "على أهل الذهب ألف دينار"، رواه النسائي وغيره.
وقد اختلف أهل العلم؛ هل هذه المذكورات أصول للدية؛
стр. 915
بحيث إذا دفع من تلزمه واحدًا منها؛ يلزم الولي قبوله، سواء كان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أم لا؛ لأنه أتى بأصل في قضاء الواجب عليه. هذا قول جماعة من أهل العلم.
والقول الثاني أن الأصل هو الإبل فقط، وهو قول جمهور العلماء لقوله ﷺ : "في النفس المؤمنة مئة من الإبل"، وقوله ﷺ : "ألا إن في قتيل عمد الخطأ مئة من الإبل".
ولأبي داود أن عمر قام خطيبان فقال: "ألا إن الإبل قد غلت؛ فقوِّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر الفا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة".
ولأن النبي ﷺ غلظ في الإبل دية العمد، وخفف بها دية الخطأ، وأجمع على ذلك أهل العلم؛ فهي الأصل.
وهذا القول هو الراجح، وعليه؛ فيكون ما عدا الإبل من الأصناف المذكورة يكون معتبرًا بها من باب التقويم.
وتغلظ الدية في قتل العمد وشبهه، فتجعل المئة من الإبل أرباعا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة؛ لما روى الزهري عن السائب بن يزيد؛ قال: "كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعا: خمسا وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين حقة، وخمسا وعشرين لبون،
стр. 916
وخمسا وعشرين بنت مخاض"، فإن جاء بالإبل على هذا النمط؛ لزم ولي الجناية أخذها، وإن شاء دفع قيمتها حسب ما تساوي هذه الأصناف في كل عصر بحسبه.
وتكون الدية في الخطأ مخففة؛ بحيث تجعل المئة من الإبل خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض، هذه الأصناف أو قيمتها حسب ما تساوي في كل عصر بحسبه.
وبنت المخاض ما تم لها سنة، وبنت اللبون ما تم لها سنتان، والحقة ما تم لها ثلاث سنوات، والجذعة ما تم لها أربع سنين.
ودية الحر الكتابي سواء كان ذميا أو مستأمنا أو معاهدًا نصف دية المسلم؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين"، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
ودية المجوسي الذمي أو المعاهد أو المستأمن ودية الوثني المعاهد أو المستأمن: ثمان مئة درهم إسلامي؛ لما روى ابن عدي عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا: "دية المجوسي ثمان مئة درهم"،
стр. 917
وهو قول أكثر أهل العلم.
ونساء أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان على النصف من دية ذكرانهم؛ كما أن دية نساء المسلمين على النصف من دية ذكرانهم.
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وفي كتاب عمرو بن حزم:: "دية المرأة على النصف من دية الرجل".
قال العلامة ابن القيم ﵀: "لما كانت المرأة نقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العلم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين؛ لم تكن قيمتها مع ذلك متساوية، وهي الدية؛ فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال؛ فاقتصت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته؛ لتفاوت ما بينهما".
ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب دون ثلث الدية؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته"، أخرجه النسائي، وقال سعيد بن المسيب: "إنه السنة".
стр. 918
وقال الإمام ابن القيم: "وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي وجماعة، وقالوا: هي على النصف في القليل والكثير، ولكن السنة أولى، والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه؛ أن ما دونه قليل، فجبرت مصيبة المرأة فيه بمساواتها للرجل، ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية؛ لقلة ديته، وهي الغرة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين ... " انتهى.
ودية القن قيمته، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، بالغة ما بلغت، وهذا مجمع عليه إذا كانت قيمتة دون دية الحر، فإن بلغت دية الحر فأكثر؛ فذهب أحمد في المشهور عنه ومالك والشافعي وأبو يوسف إلى أن فيه قيمته بالغة ما بلغت.
ويجب في الجنين ذكرًا كان أو أنثى إذا سقط ميتا بسبب جناية على أمه عمدًا أو خطأ غرة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل؛ لحديث أبي هريرة ﵁؛ قال: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة"، متفق عليه.
وتورث الغرة عنه، كأنه سقط حيا؛ لأنها دية له، وهو مذهب الجمهور، وتقدر الغرة بخمس من الإبل؛ أي: بعشر دية أمه.
стр. 919
باب في ديات الأعضاء والمنافع
أولا: دية الأعضاء
قال بعض العلماء: في الآدمي خمسة وأربعون عضوًا، وهذه الأعضاء منها ما في الإنسان منه شيء واحد، ومنها ما في الإنسان منه اثنان فأكثر:
فإذا تلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف وللسان والذكر؛ ففيه دية تلك النفس التي قطع منها على التفصيل السابق، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا أو ذميا أو غيره؛ لأن في إتلاف هذا العضو الذي لم يخلق الله في الإنسان منه إلا شيئا واحدًا إذهاب منفعة الجنس؛ فهو كإذهاب النفس، فوجبت فيه دية النفس، وهذا محل وفاق، وفي حدي عمرو بن حزم أنه ﷺ قال: "وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية"، رواه أحمد والنسائي واللفظ له، وصححه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
وما في الإنسان منه شيئان؛ كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين "وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان"، وثديي المرأة وثندوتي الرجل واليدين والرجلين والأنثيين؛ في إتلاف الاثنين مما ذكر الدية
стр. 920
كاملة، وفي إتلاف أحدهما نصفها؛ لأن فيهما منفعة وجمالاً، وليس في البدن غيرهما من جنسهما.
قال الموفق: "لا نعلم فيه مخالفا".
وفي كتاب عمرو بن حزم؛ أن رسول الله ﷺ كتب له: "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية".
قال ابن عبد البر ﵀: "كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه متفق عليه؛ إلا قليلاً".
وما في الإنسان منه ثلاثة أشياء: إذا أتلفها جميعا؛ ففيها دية كاملة، وفي الواحد منها ثلث الدية، وذلك كالأنف؛ فإنه يشمل ثلاثة أشياء هي:
المنخران والحاجز بينهما، فتوزع الدية عليها كما توزع الأصابع.
وما في الإنسان منه أربعة أشياء ففيها جميعا إذا أتلفت دية كاملة، وفي الواحد منها ربع الدية، وذلك كالأجفان الأربعة؛ لأن فيها جمالاً ظاهرا ونفعا كاملاً؛ حيث تُكِنُّ العين، وتحفظها من الحر والبرد، فوجبت فيها الدية، وفي بعضها بقدرة.
وفي أصابع اليدين الدية كاملة، وكذا أصابع الرجلين دية كاملة إذا قطعت جميعا، وفي كل أصبع عشر الدية؛ لحديث ابن عباس مرفوعا:
стр. 921
"دية أصابع الدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع"، رواه الترمذي وصححه، وللبخاري عنه مرفوعا: "هذه وهذه سواء [يعني: الخنصر والإبهام] "، فدل الحديثان على وجوب الدية في أصابع اليدين والرجلين، وأن في كل أصبع عشرها.
وفي كل أنملة من أصابع اليدين والرجلين ثلث عشر الدية؛ لأن في كل إصبع ثلاثة مفاصل، فتقسم دية الإصبع على عددها، كما قسمت دية اليد على الأصابع بالسوية، والإبهام فيه مفصلان، في كل مفصل منهما نصف عشر الدية لما سبق.
وفي كل سن نصف عشر الدية "خمس من الإبل"؛ لحديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي السن خمس من الإبل"، رواه النسائي.
قال الموفق: "لا نعلم خلافا في أن دية الأسنان خمس خمس في كل".
ثانيا: دية المنافع
وأما المنافع؛ فالمراد بها منافع تلك الأعضاء المذكورة؛ كالسمع، والبصر، والشم، والكلام، والمشي؛ فكل عضو له منفعة خاصة.
ومن ذلك الحواس الأربع، وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق؛ ففي كل حاسة منها إذا ذهبت بسبب الجناية دية كاملة.
стр. 922
قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية".
وقال الموفق: "لا خلاف في وجوب الدية بذهاب السمع".
وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المشام الدية".
ولقضاء عمر ﵁ في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وتجب الدية كاملة في إذهاب كل من الكلام والعقل والمشي والأكل والنكاح وعدم استمساك البول والغائط؛ لأن في كل واحدة من هذه منفعة كبيرة، ليس في البدن مثلها.
ويجب في كل واحد من الشعور الأربعة الدية كاملة، وهي شعر الرأس وشعر اللحية وشعر الحاجبين وأهداب العينين، وفي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الهدب الواجب ربع الدية؛ لأن الدية تتوزع عليها بعددها.
ومن هنا نعلم ما للحية في الإسلام من احترام وقيمة، حيث أوجب في إتلافها دية كاملة، وذلك لعظيم منفعتها وجمالها ووقارها، وقد أمر النبي ﷺ بتوفيرها وإكرامها، ونهى عن حلقها وقصها والتعدي عليها؛ فتبا لقوم حاربوها واعتدوا عليها بحلقها وإزالتها من وجوههم تشبها بالنساء
стр. 923
وتشبها بالكفار والمنافقين وتحولاً من الرجولة والشهامة إلى الميوعة ... وهكذا.
يُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
فيجب على هؤلاء أن يراجعوا رشدهم، ويحكموا عقولهم، ويطيعوا رسوله ﷺ ويوفروا لحاهم التي خلقها الله جمالاً لهم وعلامة على رجولتهم.
стр. 924
باب في أحكام الشجاج وكسر العظامد
...
باب في أحكام الشجاج وكسر العظام
الشجاج: جمع شجة، وهي الجرح في الرأس والوجه خاصة، سميت بذلك من الشج، وهو لغة: القطع لأنها تقطع الجلد، فإن كان القطع في غير الرأس والوجه؛ سمي جرحا لا شجة.
وتنقسم الشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب إلى عشرة أقسام، كل قسم له اسم خاص وحكم خاص:
الأولى: الحارصة، وهي التي تحرص الجلد؛ أي: تشقه قليلاً ولا تدميه، وتسمى القاشرة؛ أي: لأنها تقشر الجلد.
الثانية: البازلة، وهي التي يسيل منها الدم قليلاً، وتسمى الدامعة؛ تشبيها بخروج الدمع من العين.
الثالثة: الباضعة، وهي التي تبضع اللحم؛ أي: تشقه بعد الجلد.
الرابعة: المتلاحمة، وهي الغائصة في اللحم، ولذلك اشتقت منه.
الخامسة: السمحاق، وهي التي تنفذ من اللحم، ولا يبقى بينها وبين العظم سوى جلدة رقيقة تسمى السمحاق، سميت الجارحة الواصلة إليها باسمها.
стр. 925
وهذه الخمس المذكورة من الشجاج ليس في ديتها مبلغ مقدر من الشارع، فيقدر فيها حكومة، يجتهد الحاكم في تقديرها.
السادسة: الموضحة، وهي التي توضح العظم وتبرزه، وديتها خمسة أبعرة؛ لحديث عمرو بن حزم: "وفي الموضحة خمس من الإبل".
السابعة: الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه؛ أي: تكسره، ويجب فيها عشر من الإبل، ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ﵁، ولم يعرف له مخالف في عصره من الصحابة.
الثامنة: المنقلة، وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل العظام بحيث تحتاج إلى جمع لتلتئم، ويجب فيها خمس عشرة من الإبل؛ لحديث عمرو بن حزم الذي كتبه له النبيصلى الله عليه وسلم؛ قال: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل".
التاسعة: المأمونة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ؛ أي: جلدة الدماغ.
العاشرة: الدامغة، وهي التي تخرق تلك الجلدة.
ويجب في كل واحدة من هاتين الشجتين المأمومة والدامغة ثلث الدية؛ لحديث عمرو بن حزم: "وفي المأمومة ثلث الدية"، والدامغة أبلغ منها؛ فهي أولى منها، والغالب أن صاحبها لا يسلم، ولذلك لم يرد بخصوصها تقدير.
стр. 926
وفي الجراحة الجائفة ثلث الدية؛ لما في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية".
قال الإمام الموفق: "وهو قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي".
والمراد بالجائفة: الجراحة التي تصل إلى باطن جوف بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة.
وأما ما يجب في كسر العظام:
فيجب في الضلع إذا جبر بعد كسره كما كان بعير، ويجب في كل واحدة من الترقوتين بغير؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "في الضلع جمل، وفي الرقوة جمل"، والترقوة هي العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان.
وإن انجبر الضلع أو الترقوة بدون استقامة؛ وجب في ذلك حكومة.
ويجب في كسر الذراع، وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، إذا جبر مستقيما: بعيران، كما يجب ذلك أيضا في كسر الفخذ
стр. 927
وكسر الساق وكسر الزند؛ لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب: "أن عمرو بن العاص ﵁ كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر؟، فكتب إليه عمر: أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان؛ ففيهما أربعة من الإبل". ولم يظهر له مخالف من الصحابة.
وهذا ما ورد فيه التقدير من الجراح والكسور، وما عداه من الجرح وكسر العظام كخرز الصلب وعظم العانة؛ ففيه حكومة.
والحكومة معناها: أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، يقوم وهي به قد برئت؛ فما نقص من القيمة؛ فللمجني عليه مثل نسبته من الدية.
مثال ذلك: لو قدر أن قيمته لو كان عبدًا سليما ستون، وقيمته بالجناية خمسون؛ ففيه سدس ديته؛ لأن الناقص بالتقويم واحد من ستة، وهو سدس قيمته، فيكون للمجني عليه سدس ديته.
قال الموفق ﵀: "الصحيح أنع لا تقدير في غير الخمس: الضلع والترقوتين والزندين؛ لأن التقدير إنما ثبت بالتوقيف، ومقتضى الدليل وجوب الحكومة في هذه العظام الباطنة كلها، يعني: سوى هذه الخمس لقضاء عمر ... " انتهى.
قال الفقهاء ﵏: فإن كانت الجراحة التي تقدر فيها الحكومة في محل له مقدر في الشرع، وذلك كالشجة التي هي دون الموضحة؛ فلا يجوز أن يبلغ بحكومتها أرش الموضحة؛ لأن الجراحة لو
стр. 928
كانت موضحة؛ لم تزد غرامتها على خمس من الإبل؛ فما دونها من باب أولى.
وإذا برئ المجني عليه، وعاد كما كان؛ لم تنقصه الجناية شيئا؛ فإنه يقوم وقت جريان الدم؛ لأنه لا بد في هذه الحالة من نقصه؛ للخوف عليه، ولتأثير الجناية عليه حينئذ.
стр. 929
باب في كفارة القتل
...
باب في كغارة القتل
الكفارة سميت بذلك اشتقاقا من الكفر، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب وتغطية.
والدليل على وجوب كفارة القتل الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ .
وروى أبو داود والنسائي؛ أن النبي ﷺ قال في القاتل: "أعتقوا عنه؛ يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار".
وإنما تجب الكفارة في القتل الخطأ وشبه العمد، وأما القتل العمد العدوان؛ فلا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ، ولم يذكر فيه كفارة.
стр. 930
وروي أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي ﷺ عليه القود، ولم يوجب كفارة، وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين عمدًا، فوداهما النبي ﷺ ، ولم يوجب عليه كفارة، ولأن الكفارة وجبت في الخطأ لتمحو إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط؛ فلا تلزم في موضع عظم الإثم فيه؛ بحيث لا يرتفع بها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا كفارة في قتل العمد، ولا في اليمين الغموس، وليس ذلك تخفيفا عن مرتكبها".
وذكر موفق الدين بن قدامة وغيرة: "أن القتل الخطأ لا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ لأنه كقتل المجنون، لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة؛ فلذلك وجبت الكفار فيها ... " انتهى.
ومعناه: أن الحكمة في تشريع الكفارة في القتل الخطأ ترجع إلى أمرين:
الأمر الأول: أن الخطأ لا يخلو من تفريط من القاتل.
الأمر الثاني: النظر إلى حرمة النفس الذاهبة به.
وأما العمد؛ فلا تجب فيه الكفارة؛ لأن إثمه لا يرفع بالكفارة؛ لعظمه وشدته، لكن القاتل عمدًا إذا تاب إلى الله تعالى، ومكن من نفسه؛ ليقتص منه؛ فإن ذلك يخفف عنه الإثم، فيسقط عنه حق الله بالتوبة، وحق الأولياء بالقصاص أو العفو عنه، ويبقى حق القتيل يرضيه الله بما
стр. 931
شاء، هذا معنى ما قرره العلامة ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي".
فمن قتل نفسا محرمة، ولو كان مملوكه، أو كان كافرًا معاهدًا أو مستأمنا، مولودًا أو جنينا بأن ضرب بطن حامل فألقت جنينا ميتا، ومن قتل واحدًا من هؤلاء؛ وجبت عليه الكفارة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
وسواء انفرد بقتل النفس أو شارك في ذلك غيره، وسواء كان القتل بمباشرة أو تسبب؛ كمن حفر بئرًا متعديا في حفرها، أو نصيب سكينا ... ونحوها ذلك من كل فعل نتج عنه وفاة شخص.
قال الموفق: "يلزم كل واحد من شركائه كفارة، هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي" انتهى.
وتجب الكفارة على القاتل، سواء كان كبيًرا أو صغيرًا أو مجنونا، وسواء كان حرا أو عبدا؛ لعموم الآية.
والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد؛ فصيام شهرين
стр. 932
متتابعين، ولا يجرئ إطعام فيها، فإذا لم يستطع الصوم؛ بقي في ذمته، ولا يجزئ عنه الإطعام؛ لأنه تعالى لم يذكره، والأبدال في الكفارات تتوقف على النص دون القياس.
ويكفر العبد بالصوم؛ لأنه لا مال هل يعتق منه.
وإن كان القاتل مجنونا أو صغيرًا؛ كفر عنه وليه بعتق؛ لعدم إمكان الصوم منهما، ولا تدخله النيابة، وقد وجبت الكفارة على كل منهما؛ لأنه حق مالي يتعلق بالقتل أشبه الدية، ولأنها عبادة مالية أشبهت الزكاة.
وتتعدد الكفارة بتعدد القتل كتعدد الدية بتعدد القتل، فلو قتل عدة أشخاص؛ وجبت عليه عدة كفارات بعددهم.
وإن كان القتل مباحا كقتل الباغي والمرتد والزاني المحصن والمقتول قصاصا أو حدًا أو لأجل الدفاع عن النفس؛ فلا كفارة في تلك كله؛ لعدم حرمة المقتول.
تنبيه
أداء كفارة القتل مما يتساهل فيه بعض الناس اليوم، خصوصا في حوادث السيارات التي تذهب فيها أنفس كثيرة؛ فقد يستثقل من تحمل المسؤولية في ذلك الصيام، ولا سيما إذا تعددت عليه الكفارات؛ فلا يصوم، وتبقى ذمته مشغولة، كما أن هناك ظاهرة أخرى، وهي أن عاقلة القاتل لا تتحمل دية الخطأ، وإن تحمل أحد منهم شيئا منها؛ فإنه يظنه من باب التبرع، ولذلك
стр. 933
نرى بعض من حصل منهم القتل الخطأ يسألون الناس سداد الدية، وهذا تعطيل لحكم شرعي عظيم، أدى إلى جهل الكثير به، وربما يكون بعض المتسولين باسم تلك الغرامة متحيلاً، فيجب الأخذ على يده وردعه عن أكل المال بالباطل والتحيل بواسطة حمل بعضهم صور صكوك غير شرعية ولا حقيقة، وقد يكون مضى عليها حين طويل من الدهر.
стр. 934
باب في أحكام القسامة
القسامة لغة: اسم مصدر، من قولهم: أقسم إقساما وقسامة؛ أي: حلف حلفا، والمراد بها هنا الأيمان؛ أي: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
وتشرع القسامة في القتيل إذا وجد ولم يعلم قاتله واتهم به شخص.
والدليل عليها السنة والإجماع.
ففي "الصحيحين" عن سهل بن أبي حثمة؛ أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه، فأتى يهود، فقال: أنتم قتلتموه. فقالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". وفي رواية: "تأتون بالبينة؟ ". قالوا: ما لنا بينة. فقال: "أتحلفون؟ ". قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟! فقال: "تبرئكم يهود بخمسين يمينا". فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟، فوداه بمئة من الإبل.
стр. 935
فدل ذلك على مشروعية القسامة، وأنها أصل من أصول الشرع، مستقل بنفسه، وقاعدة من قواعد الأحكام، فتخصص بها الأدلة العامة.
وأما شروط القسامة:
فمن أهمها: وجود اللوث، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله من أجله؛ فللأولياء حينئذ أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن اللوث لا يختص بالعدواة، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى؛ كتفرق جماعة عن قتيل، وشهادة من لا يثنب القتل بشهادتهم ... ونحو ذلك.
قال أحمد: "أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان قم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على ذلك: "فذكر أمورًا أربعة: اللطخ: وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة، والسبب البين كالتفرق عن قتيل، والعداوة، وكون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب".
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وهذا من أحسن الاستشهاد؛ فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدق المدعى، فيجوز له أن
стр. 936
يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم بل يجب عليه أن يثبت له حق القصاص أو الدية، ومع علمه أنه لم ير ولم يشهد ... " انتهى.
لكن لا ينبغي للأولياء أن يحلفوا إلا بعد الاستيثاق من غلبة الظن، وينبغي للحاكم أن يعظم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة من العقوبة.
ومن شروط القسامة: أن يكون المدعى عليه القتل فيها مكلفا؛ فلا يصح الدعوى فيها على صغير ول مجنون.
ومن شروطها: إمكان القتل من المدعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل؛ لعبده عن مكان الحادث وقت وقوعه؛ لم تسمع الدعوى عليه.
وصفة القسمة: أنها إذا توفرت شروط إقامتها؛ يبدأ بالمدعين، فيحلفون خمسين يمينا توزع عليهم على قدر إرثهم من القتيل: أن فلانا هو الذي قتله، ويكون ذلك بحضور المدعى عليه. فإن أبى الورثة أن يحلفوا، أو امتنعوا من تكميل الخمسين يمينا؛ فإنه يحلف المدعى عليه خمسين يمينا إذا رضي المدعون بأيمانه، فإذا حلف برئ، وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه؛ فدى الإمام القتيل من بيت المال؛ لأن الأنصار لما امتنعوا من قبول أيمان اليهود؛ فدى النبي ﷺ القتيل من بيت المال، ولأنه يبق سيبل لإثبات الدم على المدعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعموم هدرًا بلا مبرر لإهداره.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك يثبت في القسامة إذا توفرت شروطها وحلف أولياء القتيل خمسين يمينا، والصحيح أنها إذا توفرت شروط القصاص بعد توفر شروط القسامة وتمامها إنما يثبت بها القصاص على المدعى عليه؛ لقوله النبي ﷺ : "يحلف خمسون منكم على رجل
стр. 937
منهم، فيدفع إليكم برمته"، وفي لفظ لمسلم: "ويسلم إليكم"، فتقوم القسامة مقام البينة.
قال العلامة ابن القيم ﵀ عن ثبوت الحكم بالقسامة: "وليس إعطاء بمجرد الدعوى، وإنما هو بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه، فوق تغليب الشاهدين، وهو اللوث والعداوة الظاهرة والقرينة الظاهرة؛ فقوى الشارع هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء المقتول الذين يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه، وقوله ﷺ : "ولو يعطى أناس بدعواهم" لا يعارض القسامة بوجه؛ فإنما نفى الإعطاء بدعوى مجردة ... " انتهى.
قال الفقهاء ﵏: ومن مات في زحمة جمعة أو طواف؛ فإنه تدفع ديته من بيت المال؛ لما روي عن عمر وعلي: "أنه قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر، فقال: بينتكم على قاتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين! لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال"
стр. 938
كتاب الحدود والتعزيرات
باب في أحكام الحدود
الحدود: جمع حد، وهو لغة المنع.
وحدود الله تعالى: محارمه التي منع من ارتكابها وانتهاكها.
والحدود في الاصطلاح الشرعي: عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها.
والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الحدود صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم؛ كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض ... " انتهى.
والحكمة في تشريع الحدود: أنها شرعت زواجر للنفوس ونكالاً وتطهيرًا، فهي عقوبة مقدرة لحق الله تعالى، ثم لأجل مصلحة المجتمع؛ فالله تعالى أوجبها على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع البشرية؛ فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فلا تتم سياسة الملك إلا بزواجر عقوبات لأصحاب الجرائم، منها ينزجر العاصي ويطمئن المطيع وتتحقق العدالة في الأرض ويأمن الناس على أرواحهم
стр. 939
وأعراضهم وأموالهم، كما هو المشاهد في المجتمعات التي تقيم حدود الله؛ فإنه يتحقق فيها من الأمن والاستقرار وطيب العيش ما لا ينكره؛ بخلاف المجتمعات التي عطلت حدود الله، وزعمت أنها وحشية، وأنها لا تليق بالحضارة المعاصرة، فحرمت مجتمعاتها من هذه العدالة الإلهية، ومن نعمة الأمن والاستقرار، وإن كانت تملك من الأسلحة والأجهزة الدقيقة ما تملك؛ فإن ذلك لا يغني عنها شيئا، حتى تقيم حدود الله التي شرعها لمصالح عباده؛ فإن المجتمعات البشرية لا تحكم بالحديد والآلة فقط، وإنما تحكم بشريعة الله وحدوده، وإنما الحديد والأجهزة آلة لتنفيذ الحدود الشرعية، إذا أحسن استعمالها، وكيف هؤلاء المنحرفون حدود الله التي هي هدى ورحمة للعالمين؟! كيف يسمونها وحشية ولا يسمون عمل المجرم المعتدي وحشية وهو يروع الآمنين ويجني على الأبرياء ويخلخل أمن المجتمع؟! إن هذا هو الوحشية، وإن الذي عليه أظلم منه وأشد منه وحشية، ولكن إذا انتكست العقول وفسدت الفطر فإنها ترى الحق باطلاً والباطل حقا؛ كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
وهذا؛ ولا يجوز تطبيق الحد على الجاني؛ إلا إذا توفرت شروط تطبيقه، وهي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون مرتكب الجريمة بالغا عاقلاً؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم
стр. 940
حتى يستيقظ"، رواه أهل السنن وغيرهم، فإذا كانت العبد لا تجب على هؤلاء؛ فالحد أولى بالسقوط؛ لعدم التكليف، ولأنه يدرأ بالشبهة.
الشرط الثاني: أن يكون مرتكب الجريمة عالما بالتحريم؛ فلا حد على من يجهل التحريم؛ لقول عمر وعثمان وعلي ﵃: "لا حد إلا على من علمه"، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة، وقال الموفق ابن قدامة: "هو قول أهل العلم".
فإذا توفرت هذه الشروط في مرتكب الجريمة التي يترتب عليها الحد الشرعي؛ فإنه يقيمه عليه الإمام أو نائبه؛ لأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود، ثم خلفاؤه من بعده كانوا يقيمونها، وقد وكل النبي ﷺ من يقيم الحد نيابة عنه؛ حيث قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها"، وأمر ﷺ برجم ماعز ولم يحضره، وقال في سارق: "اذهبوا به فاقطعوه" ... ولأن الحد يحتاج إلى اجتهاد، ولا يؤمن فيه
стр. 941
الحيف، فوجب أن يتولاه الإمام أو نائبه؛ ضمانا للعدالة في تطبيقه، سواء كانت الحدود لحق الله تعالى كحد الزنى أو كانت لحق الآدمي كحد القذف.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀: "الحدود التي ليست لقوم معينين تسمى حدود الله وحقوق الله؛ مثل قطاع الطريق والسراق والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات، يجب على الولاة البحث عنها وإقامتها من غير دعوى أحد بها، وتقام الشهادة من غير دعوى أحد بها، وتجب إقامتها على الشريف والوضيع والقوي والضعف...." انتهى.
ولا يجوز إقامة الحد في المسجد، وإنما تقام خارجه؛ لحديث حكيم ابن حزام: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يستفاد بالمسجد، وأن تنشد الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" ... والمراد الأشعار غير النزيهة.
وتحرم الشفاعة في الحد بعد أن يبلغ السلطان لأجل إسقاطه وعدم إقامته، ويحرم على أولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك؛ لقوله ﷺ : "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله في
стр. 942
أمره"، وقال ﷺ في الذي أراد أن يعفو عن السارق: "فهلا قبل أن تأتيني به".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يحل تعطيله [أي: الحد] لا بشفاعة ولا هدية ولا غيرها، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته؛ فعليه لعنه الله".
وقال ﵀: "ولا يجوز أن يؤخذ من السارق والزاني والشارب وقاطع الطريق ونحوه مال يعطل به الحد لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل الحد وأكل السحت وترك الواجب وفعل المحرم، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب ونحو ذلك لتعطيل الحد سحت خبيث، وهو أكثر ما يوجد من إفساد أمور المسلمين، وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط قدره وانحلال أمره ... " انتهى كلامه ﵀.
стр. 943
فالجرائم لا يحسمها ويقي المجتمع من شرها إلا إقامة الحدود الشرعية على مرتكبيها، وأما أخذ الغرامة المالية منهم وسجنهم وما أشبه ذلك من العقوبات الوضعية؛ فهو ضياع وظلم وزيادة شر.
قال فقهاؤنا ﵏: إن الجنايات التي تجب فيها الحدود خمس؛ هي: الزنى، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر، والقذف، وما عدا ذلك؛ يجب فيه التعزير؛ كما يأتي بيانه إن شاء الله.
وقالوا: أشد الجلد في الجدود جلد الزنى، ثم جلد القذف، ثم جلد الشرب، ثم جلد التعزير؛ لأن الله تعالى خص الزنى بمزيد تأكيد؛ لقوله: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ، وما دونه أخف منه في العدد؛ فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.
وقالوا: من مات في حد؛ فهو هدر، ولا شيء علة من حده؛ لأنه أتى به على الوجه المشروع بأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ .
أما لو تعدى الوجه المشروع في إقامة الحد، ثم تلف المحدود؛ فإنه يضمنه بديته؛ لأنه تلف بعدوانه، فأشبه ما لو ضربه في غير الحد.
قال الموفق ﵀: "بغير خلاف نعلمه".
стр. 944
باب في حد الزنى
قال الفقهاء ﵏: ويجب في إقامة حد الزنى حضور إمام أو نائبه، وحضور طائفة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
والزنى من أعظم الجرائم، وهو يتفاوت في الشناعة الإثم والقبح؛ فالزنى بذات زوج والزنى بذات المحرم والزنى بحليلة الجار من أعظم أنواعه.
ولما كان الزنى من أعظم الجرائم وكبار المعاصي؛ لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل بسببه التعارف والتناصر على حق، وفيه هلاك الحرث والنسل، لما كان يشتمل على هذه الآثار القبيحة؛ رتب الله عليه هذا الحد الصارم، وهو رجم الزانى بالحجارة حتى يموت أو جلده وتغريبه عن بلده؛ ليحصل بذلك الردع عن ارتكابه، إضافة إلى ما ينشأ عنه من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، ولذلك نهى عنه الشارع أشد النهي، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ، ورتب على ارتكابه تلك العقوبة المؤلمة.
стр. 945
وقد عرف الفقهاء ﵏ الزنى بأنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر.
وقال ابن رشد: "هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وهذا متفق عليه في الجملة من علماء الإسلام، وإن كانوا اختلفوا فيما هو شبهة يدرأ الحد أو لا ... " انتهى.
فإذا كان الزاني محصنا مكلفا؛ رجم بالحجارة حتى يموت، رجلاً كان أو امرأة، في قول أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج.
والرجم مع ذلك ثابت بسنة رسول الله ﷺ القولية والفعلية المتواترة.
وكان الرجم مذكورًا في القرآن الكريم، ثم نسخ لفظه وبقى حكمه، وذلك في قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا؛ فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ .
ومع ثبوت الرجم بالقرآن المنسوخ لفظة دون حكمة، وبالسنة المتواترة والإجماع؛ فقد تجرأ الخوارج ومن في حكمهم من بعض الكتاب المعاصرين إلى إنكار الرجم؛ تبعا لأهوائهم، وتخطيا للأدلة الشرعية وإجماع المسلمين.
стр. 946
والمحصن الذي يجب رجمه إذا زنى هو من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط من هذه الشروط المذكورة في أحد الزوجين؛ فلا إحصان.
والشروط تتلخص في الآتي
١ أن يحصل منه الوطء في القبل
٢ أن يكون الوطء في نكاح صحيح.
٣ حصول الكمال في كل منهما؛ بأن يكون بالغا حرًّا عاقلاً.
وخص الثيب بالرجم لكونه تزوج فعلم ما يقع به العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من جميع الوجوه، وكملت في حقه النعمة، ومن كملت في حقه النعمة؛ فجنايته أفحش؛ فهو أحق بزيادة العقوبة.
وإذا زنى المكلف الحر غير المحصن؛ جلد مئة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وخفف عنه عقوبة المحصن، وهي القتل، وصار إلى الجلد؛ لما حصل له من العذر، فيحقن دمه، ويزجر عن الزنى بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، وهو ضرب الجلد، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: لا ترحموهما بترك إقامة الحد عليهما، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ ؛ فإن الإيمان يقتضي الصلابة في الدين، والاجتهاد في إقامة أحكامه.
وثبت مع الجلد تغريبه عاما بسنة رسول الله ﷺ ؛ لما روى
стр. 947
الترمذي وغيره: "أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب"، وقال ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام".
وإذا كان الزاني مملوكا؛ جلد خمسين جلدة؛ لقوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ ، ولا فرق بين الذكر والأنثى، والعذاب المذكور في القرآن الكريم وهو الجلد، والرجم وإن كان قد ذكر في القرآن؛ فإنه نسخ لفظه وتلاوته وبقي حكمة.
ولا تغريب على الرقيق؛ لأن في ذلك إضرار بسيده، ولأن السنة لم يرد فيها تغريب المملوك إذا زنى؛ فقد قال ﷺ في الأمة إذا لم تحصن: "إذا زنت؛ فاجلدوها، ثم إن زنت؛ فاجلدوها"، ولم يذكر تغريبها.
ولا يجب الحد إلا إذا خلا الوطء من الشبهة؛ لقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"؛ فلا حد على من وطئ امرأة
стр. 948
يظنها زوجته، أو وطئها بعقد باطل اعتقد صحته، أو وطئ في نكاح مختلف فيه، أو كان يجهل تحريم الزنى وهو قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن دار الإسلام، أو كانت المرأة مكرهة على الزنى.
قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تبدأ بالشبهات...." انتهى.
وهذا من يسر هذه الشريعة؛ لأن الشبهة تدل على عدم تعمده للجريمة، والله تعالى: يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ .
ومن شروط وجوب إقامة الحد على الزاني: ثبوت وقوع الزنى منه، ولا يثبت إلا بأحد أمرين.
الأمر الأول: أن يقر به أربع مرات، وذلك لحديث ماعز بن مالك ﵁؛ فإنه اعترف عند النبي ﷺ أربع مرات: الأولى، ثم الثانية، ورده حتى أكمل أربع مرات، فلو كان ما دونها يكفي؛ لأقام الحد عليه به.
ويشترط لصحة الإقرار بالزنى أن يصرح بحقيقة الوطء، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يقام عليه الحد، فلو لم يصرح بذكر حقيقة الزنى؛ لم يحد؛ لاحتمال أنه أراد غيره مما لا يوجب الحد من الاستمتاع المحرم، وقد قال النبي ﷺ لماعز ﵁ حينما أقر عنده: "لعلك
стр. 949
قبلت، أو غمزت؟ " قال: لا. وكرر معه ﷺ الاستيضاح، حتى زالت كل الاحتمالات.
ولو رجع عن إقراره قبل إقامة الحد عليه؛ لم يقم عليه، وذلك لما ثبت من تقريره ﷺ ماعزًا وغيره مرة بعد مرة لعله يرجع، ولقوله ﷺ لما هرب: "فهلا تركتموه، لعله يتوب فيتوب الله عليه".
الأمر الثاني: أن يشهد به عليه أربعة شهود؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ .
ويشترط لصحة شهادتهم عليه شروط:
الأول: أن يشهدوا عليه في مجلس واحد.
الثاني: أن يشهدوا عليه بزنى واحد؛ أي: واقعة واحدة.
الثالث: أن يصفوا الزنى بما يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم؛ لأن الزنى قد يعبر به ما لا يوجب الحد؛ فلا بد من تصريحهم به لتنتفي الشبهة.
الرابع: أن يكونوا رجالاً عدولاً؛ فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا شهادة الفساق.
الخامس: أن لا يكون فيهم من به مانع من عمى أو غيره.
стр. 950
فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ وجب إقامة حد القذف عليهم؛ لأنهم قذفة، والله تعالى: يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ .
وثبوت الزنى بالبينة المذكورة أو الإقرار متفق عليه بين العلماء، وقد اختلفوا هل يثبت بأمر ثالث، وهو الحبل، كما لو حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد: فقال بعضهم: لا يثبت بذلك حد؛ لأنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة. وقال بعضهم: بل تحد بذلك إن لم تدَّع شبهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بالأصول الشرعية، ومذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها".
وقال ابن القيم: "وحكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ اعتماد على القرينة الظاهرة".
وكما يجب الحد بالزنى إذا توفرت شروط إقامته، كذلك يجب الحد باللواط، وهو فعل الفاحشة في الدبر، وهو جريمة خبيثة، وشذوذ قبيح مخالف للفطرة السليمة.
قال الله تعالى: في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ، وتحريمه معلوم بالكتاب والسنة والإجماع.
следующие страницы →