← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11811

الملخص الفقهي

صالح الفوزان

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

والمحصن الذي يجب رجمه إذا زنى هو من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط من هذه الشروط المذكورة في أحد الزوجين؛ فلا إحصان. والشروط تتلخص في الآتي ١ أن يحصل منه الوطء في القبل ٢ أن يكون الوطء في نكاح صحيح. ٣ حصول الكمال في كل منهما؛ بأن يكون بالغا حرًّا عاقلاً. وخص الثيب بالرجم لكونه تزوج فعلم ما يقع به العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من جميع الوجوه، وكملت في حقه النعمة، ومن كملت في حقه النعمة؛ فجنايته أفحش؛ فهو أحق بزيادة العقوبة. وإذا زنى المكلف الحر غير المحصن؛ جلد مئة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وخفف عنه عقوبة المحصن، وهي القتل، وصار إلى الجلد؛ لما حصل له من العذر، فيحقن دمه، ويزجر عن الزنى بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، وهو ضرب الجلد، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: لا ترحموهما بترك إقامة الحد عليهما، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ ؛ فإن الإيمان يقتضي الصلابة في الدين، والاجتهاد في إقامة أحكامه. وثبت مع الجلد تغريبه عاما بسنة رسول الله ﷺ ؛ لما روى

стр. 947

الترمذي وغيره: "أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب"، وقال ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام". وإذا كان الزاني مملوكا؛ جلد خمسين جلدة؛ لقوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ ، ولا فرق بين الذكر والأنثى، والعذاب المذكور في القرآن الكريم وهو الجلد، والرجم وإن كان قد ذكر في القرآن؛ فإنه نسخ لفظه وتلاوته وبقي حكمة. ولا تغريب على الرقيق؛ لأن في ذلك إضرار بسيده، ولأن السنة لم يرد فيها تغريب المملوك إذا زنى؛ فقد قال ﷺ في الأمة إذا لم تحصن: "إذا زنت؛ فاجلدوها، ثم إن زنت؛ فاجلدوها"، ولم يذكر تغريبها. ولا يجب الحد إلا إذا خلا الوطء من الشبهة؛ لقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"؛ فلا حد على من وطئ امرأة

стр. 948

يظنها زوجته، أو وطئها بعقد باطل اعتقد صحته، أو وطئ في نكاح مختلف فيه، أو كان يجهل تحريم الزنى وهو قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن دار الإسلام، أو كانت المرأة مكرهة على الزنى. قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تبدأ بالشبهات...." انتهى. وهذا من يسر هذه الشريعة؛ لأن الشبهة تدل على عدم تعمده للجريمة، والله تعالى: يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . ومن شروط وجوب إقامة الحد على الزاني: ثبوت وقوع الزنى منه، ولا يثبت إلا بأحد أمرين. الأمر الأول: أن يقر به أربع مرات، وذلك لحديث ماعز بن مالك ﵁؛ فإنه اعترف عند النبي ﷺ أربع مرات: الأولى، ثم الثانية، ورده حتى أكمل أربع مرات، فلو كان ما دونها يكفي؛ لأقام الحد عليه به. ويشترط لصحة الإقرار بالزنى أن يصرح بحقيقة الوطء، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يقام عليه الحد، فلو لم يصرح بذكر حقيقة الزنى؛ لم يحد؛ لاحتمال أنه أراد غيره مما لا يوجب الحد من الاستمتاع المحرم، وقد قال النبي ﷺ لماعز ﵁ حينما أقر عنده: "لعلك

стр. 949

قبلت، أو غمزت؟ " قال: لا. وكرر معه ﷺ الاستيضاح، حتى زالت كل الاحتمالات. ولو رجع عن إقراره قبل إقامة الحد عليه؛ لم يقم عليه، وذلك لما ثبت من تقريره ﷺ ماعزًا وغيره مرة بعد مرة لعله يرجع، ولقوله ﷺ لما هرب: "فهلا تركتموه، لعله يتوب فيتوب الله عليه". الأمر الثاني: أن يشهد به عليه أربعة شهود؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ . ويشترط لصحة شهادتهم عليه شروط: الأول: أن يشهدوا عليه في مجلس واحد. الثاني: أن يشهدوا عليه بزنى واحد؛ أي: واقعة واحدة. الثالث: أن يصفوا الزنى بما يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم؛ لأن الزنى قد يعبر به ما لا يوجب الحد؛ فلا بد من تصريحهم به لتنتفي الشبهة. الرابع: أن يكونوا رجالاً عدولاً؛ فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا شهادة الفساق. الخامس: أن لا يكون فيهم من به مانع من عمى أو غيره.

стр. 950

فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ وجب إقامة حد القذف عليهم؛ لأنهم قذفة، والله تعالى: يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ . وثبوت الزنى بالبينة المذكورة أو الإقرار متفق عليه بين العلماء، وقد اختلفوا هل يثبت بأمر ثالث، وهو الحبل، كما لو حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد: فقال بعضهم: لا يثبت بذلك حد؛ لأنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة. وقال بعضهم: بل تحد بذلك إن لم تدَّع شبهة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بالأصول الشرعية، ومذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها". وقال ابن القيم: "وحكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ اعتماد على القرينة الظاهرة". وكما يجب الحد بالزنى إذا توفرت شروط إقامته، كذلك يجب الحد باللواط، وهو فعل الفاحشة في الدبر، وهو جريمة خبيثة، وشذوذ قبيح مخالف للفطرة السليمة. قال الله تعالى: في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ، وتحريمه معلوم بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 951

وقد وصف الله اللوطية بأنهم يمارسون فاحشة لم يسبقهم إليها أحد في العالمين؛ فهم شذاذ في العالم، ووصفهم بأنهم عادون ومسرفون ومجرمون، وأحل بهم عقوبة لم ينزلها بغيرهم؛ لقبح جريمتهم؛ حيث خسف بهم الأرض، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وقد لعن رسول الله ﷺ الفاعل والمفعول به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الصحيح الذي عليه الصحابة أنه يقتل الاثنان: الأعلى والأسفل، إن كانا محصنين أو غير محصنين". قال: "ولم يختلف الصحابة في قتله، وبعضهم يرى أنه يرفع على أعلى جدار في القرية، ويلقى، ويتبع بالحجارة". وقال الموفق: "ولأنه "أي: قتل اللوطي" إجماع الصحابة؛ فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته". وقال ابن رجب: "الصحيح قتله، سواء كان محصنا أو غير محصن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ، وعن أحمد: "حده الرجم؛ بكرًا كان أو ثيبا"، وهو قول مالك وغيره، وأحد قولي الشافعي؛ لقوله ﷺ : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛

стр. 952

فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، رواه أبو داود، وفي رواية: "فارجموا الأعلى والأسفل". ومن اللوطية إتيان الرجل زوجته في دبرها؛ قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ؛ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: "يعني: الفرج". قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ ؛ يقول: في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك؛ فقد اعتدى". ومثل هذا يجب أن يعاقب عقوبة رادعة، فإن استمر على فعل هذه الجريمة؛ وجب على زوجته طلب مفارقته والابتعاد عنه؛ لأنه نذل سافل، لا يصلح لها البقاء معه على هذه الحال.

стр. 953

باب في حد القذف عرف الفقهاء ﵏ القذف بأنه الرمي بزنى أو لواط، وهو في الأصل الرمي بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنى واللواط. وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ،. هذه عقوبة القاذف العاجلة في الدنيا: الجلد ورد شهادته، واعتباره فاسقا ناقصا سافلاً إذا لم يثبت ما قال. وأما عقوبته في الآخرة؛ فقد بينها الله تعالى: بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يومئذ يوفيهم الله يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ . وقال النبي ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات"، وعد منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات. وقد أوجب الله الحد الرادع على القاذف، فإذا قذف المكلف المختار محصنا بزنى أو لواط؛ فإنه يجلد ثمانين جلدة؛ لقوله تعالى:

стр. 954

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . ومعنى الآية الكريمة: أن الذين يقذفون بالزنى المحصنات الحرائر العفائف العاقلات، ثم لم يأت هؤلاء القذفة بأربعة شهداء على ما رموهن به؛ فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا فرق بين كون المقذوف ذكرًا أو أنثى، وإنما خص النساء بالذكر؛ لخصوص الواقعة، ولأن قذف النساء أشنع وأغلب وإنما استحق القاذف هذه العقوبة صيانة لأغراض المسلمين عن التدنيس، ولأجل كف الألسن عن هذه الألفاظ الذرة التي تلطخ أغراض الأبرياء، وصيانة للمجتمع الإسلامي عن شيوع الفاحشة فيه. والمحصن الذي يجب الحد بقذفه هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله. قال ابن رشد: "اتفقوا على أن من شروط المقذوف أن يجتمع فيه خمسة أوصاف: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف؛ لم يجب الحد". وحد القذف حق للمقذوف؛ يسقط بعفوه، ولا يقام إلا بطلبه، فإذا عفا المقذوف عن القاذف؛ سقط الحد عنه، ولكنه يعزَّر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم المتوعَّد عليه باللعن والعذاب الأليم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يحدُّ القاذف إلا بالطلب إجماعا" انتهى.

стр. 955

ومن قذف غائبا؛ لم يحد حتى يحضر المقذوف ويطالب، أو تثبت مطالبته بذلك في غيبته. وألفاظ القذف تنقسم إلى قسمين: ألفاظ صريحة لا تحتمل غير القذف؛ فلا يقبل منه تفسيره بغير القذف. وألفاظ كنايات تحتمل القذف وغيره، فإذا فسرها بغير القذف؛ قبل منه. فالألفاظ الصريحة؛ مثل قوله: يا زاني، يا لوطي، يا عاهر، وكنايته مثل: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة، فإذا قال القاذف: أردت بالقحبة أنها تتصنع للفجور، أو قال: أردت بالفاجرة أنها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعته فيه، وأردت بالخبيثة أنها خبيثة الطبع؛ قبل منه هذا التفسير، ولم يجب عليه حد؛ لأن لفظه يحتمل، والحدود تدرأ بالشبهات. وإذا قذف جماعة لا يتصور منهم الزنى أو قذف أهل بلد؛ لم يحد، وإنما يعزر بذلك؛ لأنه مقطوع بكذبة؛ فلا عار عليهم بذلك، وإنما يعزَّر لأجل تجنب هذه الألفاظ القبيحة والشتائم البذيئة، وذلك معصية يجب تأديبه عليها، ولو لم يطالبه أحد منهم. ومن قذف نبيا من الأنبياء؛ كفر؛ لأن ذلك ردة عن الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقذف نساء النبي ﷺ كقذفه؛ أي: كقذف النبي ﷺ في الحكم بردة القاذف".

стр. 956

وقال شيخ في القاذف إذا تاب قبل علم المقذوف هل تصح توبته: "الأشبه أنه يختلف باختلاف الناس، وقال أكثر العلماء: إن علم به المقذوف؛ لم تصح توبته، وإلا؛ صحت، ودعا له، واستغفر...." انتهى. ومن هذا يتبين لنا خطر اللسان، وما يترتب على ألفاظه من مؤاخذات، وقد قال النبي ﷺ : "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، ويزن ألفاظه، ويسدد أقواله؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ .

стр. 957

باب في حد المسكر المسكر: اسم فاعل من أسكر الشراب فهو مسكر، إذا جعل صاحبه سكران، والسكران خلاف الصاحي، والسكر في الاصطلاح هو اختلاط العقل. والخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . والخمر: كل ما خامر العقل، أي: غطاه من أي مادة كان. وفي "الصحيحين" وغيرهما: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، "كل شراب أسكر؛ فهو حرام"؛ فكل شراب

стр. 958

أسكر كثيرة؛ فقليله حرام، وهو خمر، من أي شيء كان، سواء كان من عصير العنب أو من غيره. قال عمر بن الخطاب ﵁: "الخمر ما خامر العقل"؛ فكل شيء يستر العقل يسمى خمرًا؛ لأنها سميت بذلك؛ لمخامرتها للعقل؛ أي: سترها له. وهذا قول جمهور أهل اللغة. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀: "والحشيشة نجسة في الأصح، وهي حرام، سواء سكر منها أم لم يسكر، والمسكر منها حرام باتفاق المسلمين، وضررها من بعض الوجوه أعظم من ضرر الخمر، وظهورها في المئة السادسة" انتهى كلامه. وهذه الحشيشة وسائر المخدرات من أعظم ما يفتك اليوم بشباب المسلمين، وهي أعظم سلاح يصدره الأعداء ضدنا، ويروجها المفسدون في الأرض من اليهود وعملائهم؛ ليفتكوا بالمسلمين، ويفسدوا شبابهم، ويعطلوهم عن الاتجاه للعمل لمجتمعاتهم والجهاد لدينهم وصد عدوان المعتدين على شعوبهم وبلادهم، حتى أصبح كثير من شباب المسلمين مخدرين، عالة على مجتمعهم، أو يعيشون رهن السجون، كل ذلك من آثار رواج تلك المخدرات والمسكرات في بلاد المسلمين؛ فلا حول ولا

стр. 959

قوة إلا بالله العلي العظيم. والخمر حرام بأي حال، لا يجوز شربه، لا لذة ولا لتداو ولا لعطش ولا غيره: أما تحريم التداوي بالخمر؛ فلقوله ﷺ : "إنه ليس بدواء، ولكنه داء"، رواه مسلم. وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". أما تحريم شربه لدفع العطش؛ فلأنه لا يحصل به ري، بل فيه من الحرارة ما يزيد العطش. وإذا شرب المسلم خمرًا أو شرب ما خلط به كالكولونيا ونحوها من الأطياب التي فيها كحول تسكر، متى شرب المسلم شيئا من ذلك مختارًا عالما أن كثيره يسكر فإنه يجب أن يقام عليه الحد؛ لقوله ﷺ : "من شرب الخمر؛ فاجلدوه" رواه أبو داود وغيره. ومقدار حد الخمر ثمانون جلدة؛ لأن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: "اجعله كأخف الحدود ثمانين. فضرب عمر ثمانين، وكتب إلى خالد

стр. 960

وأبي عبيدة في الشام". رواه الدارقطني وغيره. وكان هذا بمحضر المهاجرين والأنصار ﵃ فلم ينكره أحد منهم. قال الإمام ابن القيم ﵀: "الحق أن عمر حد الخمر بحد القذف، وأقره الصحابة". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "حد الشرب ثابت بالسنة وإجماع المسلمين أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر وكانوا لا يرتدعون بدونها". وقال: "الصحيح أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولا محرمة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام؛ كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه...." انتهى. ويثبت حد الخمر بإقرار الشارب أو بشهادة عدلين. واختلف العلماء: هل يثبت حد الخمر على من وجدت فيه رائحتها على قولين: فقيل: لا يحد بل يعزر، وقيل يقام عليه الحد إذا لم يدع شبهة، وهو رواية عن أحمد وقول مالك واختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀.

стр. 961

قال شيخ الإسلام: "من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة به أو إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة". وقال ابن القيم ﵀: "حكم عمر وابن مسعود بوجوب الحد برائحة الخمر في الرجل أو غيره، ولم يعلم لهما مخالف" انتهى. وخطر الخمر عظيم، وهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالمسلمين، ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ . والخمر أم الخبائث، وقد لعن النبي ﷺ فيها عشرة؛ حيث قال: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها وحاملها، والمحمولة إليه". فيجب على المسلمين أن يقفوا في مقاومتها موقف الحزم والشجاعة؛ بحسم مادتها، وعقوبة من يتعاطاها أو يروجها بالعقوبة

стр. 962

الرادعة؛ فإنها تجر إلى كل شر، وتوقع في كل رذيلة، وتثبط عن كل خير، كفى الله المسلمين شرها وخطرها. وقد ورد في الحديث: أن قوما في آخر الزمان يستحلونها، وقد يسمونها بغير اسمها، ويشربونها؛ فيجب على المسلمين أن يكونوا حذرين متيقظين لأولئك الأشرار.

стр. 963

باب في أحكام التعزير التعزير لغة: المنع، ويطلق التعزير ويراد به النصرة؛ لأنه يمنع المعادي من الإيذاء، قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ؛ يعني: النبي ﷺ ؛ ويقال عزرته بمعنى أدبته؛ فهو من الأضداد. ومعنى التعزير في الاصطلاح الفقهي: التأديب، سمي بذلك لأنه يمنع مما لا يجوز فعله، ولأنه طريق إلى التوقير؛ لأن المعزَّر إذا امتنع بسببه من فعل ما لا ينبغي؛ حصل له الوقار. وحكم التعزير في الإسلام: أنه واجب في فعل كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ من فعل المحرمات، وترك الواجبات. ويفعله ولي الأمر إذا رأى المصلحة فيه، ويتركه إذا رأى المصلحة في تركه، ولا يحتاج في إقامة التعزير إلى مطالبة، فيعزَّر المعتدي ولو لم يطلب المعتدى عليه، ومرجعه إلى اجتهاد الحاكم؛ حيث كانت الجرائم تتفاوت في الشدة والضعف والكثرة والقلة.

стр. 964

والصحيح أنه ليس فيه حد معين، لكن إذا كانت المعصية في عقوبتها مقدر من الشارع كالزنى والسرقة؛ فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر. وقد يصل التعزير إلى القتل إذا اقتضته المصلحة؛ مثل قتل الجاسوس، وقتل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير كتاب الله وسنة نبيه.... وغير ذلك مما لا يندفع إلا بالقتل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذا أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين؛ فقد أمر بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مئة، وأبو بكر وعمر أمرا بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مئة مئة وضرب عمر صبيعا ضربا كثيرًا". وقال الشيخ: "إذا كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل؛ قتل، وحينئذ؛ فمن تكرر منه جنس الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على الفساد؛ فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيقتل". ولا حد لأقل التعزير؛ لتفاوت الجرائم بالشدة والضعف واختلاف الأحوال والأزمان؛ فجعلت العقوبات على بعض الجرائم راجعة إلى اجتهاد الحاكم بحسب الحاجة والمصلحة، ولا تخرج عما أمر الله به ونهى عنه، وكما يكون التعزير بالضرب يكون الحبس والصفع والتوبيخ والعزل عن الولاية ونحو ذلك ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:

стр. 965

"وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه؛ كيا ظالم! يامعتدي! وبإقامته من المجلس". والذين أجازوا الزيادة في التعزير على عشرة أسواط أجابوا عن قوله ﷺ : "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط؛ إلا في حد من حدود الله"، متفق عليه، بأن المراد بالحد هنا المعصية، لا العقوبات المقدرة في الشرع، بل المراد المحرمات، وحدود الله محارمه، فيعزر بحسب المصلحة على قدر الجريمة. ولا يجوز أن يكون التعزير بقطع عضو أو بجرح المعزَّر أو حلق لحيته؛ لما في ذلك من المثلة التشويه؛ كما لا يجوز أن يعزَّر بحرام؛ كسقيه خمرًا. ومن عرف بأذية الناس وأذى مالهم بعينه، حبس حتى يموت أو يتوب. قال الإمام ابن القيم ﵀: "يحبس وجوبا، ذكره غير واحد من الفقهاء، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف؛ لأنه من نصيحة المسلمين وكف الأذى عنهم". وقال: "العمل في السلطنة بالسياسة هو الحزم؛ فلا يخلو منه إمام؛ ما لم يخالف الشرع، فإذا ظهرت أمارات العدل، وتبين وجهه بأي طريق؛ فثم شرع الله؛ فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع،

стр. 966

بل موافقة لما جاء به، بل جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم، وإنما هي شرع حق؛ فقد حبس ﷺ في التهمة، وعاقب في التهمة لما ظهرت آثار الريبة، فمن أطلق كلاً منهم وخلى سبيله، أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض؛ فقوله مخالف للسياسة الشرعية، بل يعاقبون أهل التهم، ولا يقبلون الدعوى التي تكذبها العادة والعرف". وقال الشيخ تقي الدين ﵀ في أهل الشعوذة: "يعزر الذي يمسك الحية ويدخل النار ونحوه". ويعزر من ينتقص مسلما بأنه مسلماني، ومن قال لذمي: يا حاج! أو سمى من زار القبور والمشاهد حاجّا ... ونحو ذلك. وإذا ظهر كذب المدعي بما يؤذي به المدعى عليه؛ عزر، ويلزمه ما غرم بسببه ظلما؛ لتسببه في ظلمه يغير حق.

стр. 967

باب في حد السرقة قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقال النبي ﷺ : "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً". وأجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة. والسارق عنصر فاسد في المجتمع، إذا ترك؛ سرى فساده في جسم الأمة؛ فلا بد من حسمه بتطبيق الحد المناسب لردعه، ومن ثم شرع الله قطع يده، تلك اليد الظالمة التي امتدت إلى ما لا يجوز لها الامتداد إليه، تلك اليد التي تهدم ولا تبني، تأخذ ولا تعطي. والسرقة هي: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، إذا كان هذا الآخذ ملتزما لأحكام الإسلام، وكان المال المأخوذ بلغ النصاب، وقد أخذه من حرز مثله، وكان مالك المال المأخوذ معصوما، ولا شبهة للآخذ منه. فلا بد أن يستجمع السارق والمسروق منه والمال المسروق

стр. 968

وكيفية السرقة أوصافا محددة تضمنها هذا التعريف متى اختل وصف منها؛ انتفى القطع، وهذه الأوصاف هي: أن يكون الأخذ على وجه الخفية، فإن لم يكن على وجه الخفية؛ فلا قطع؛ كما لو انتهب المال على وجه الغلبة والقهر على مرأى من الناس، أو اغتصبه؛ لأن صاحب المال حينئذ يمكنه طلب النجدة والأخذ على يد الغاشم والغاصب. قال الإمام ابن القيم: "إنما قطع السارق دون المنتهب والمغتصب؛ لأنه لا يمكن التحرز منه؛ فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، فلو لم يشرع قطعه؛ لشرق الناس بعضهم بعضا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة" انتهى. وقال صاحب "الإفصاح": "اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب على عظم جنايتهم وآثامهم لا قطع على واحد منهم، ويسوع كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة الرادعة". ومن الأوصاف التي توجب القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترما؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له؛ كآلة اللهو والخمر والخنزير والميتة، وما كان مالاً، لكنه غير محترم، لكون مالكه كافرًا حربيا؛ فلا قطع فيه؛ لأن الكافر الحربي حلال الدم والمال. ومن الأوصاف التي يجب توافرها في القطع في السرقة: أن يكون

стр. 969

المسروق نصابا، وهو ثلاثة دراهم إسلامية، أو أربع دينار إسلامي، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى، أو أقيام العروض المسروقة في كل زمان بحسبه؛ لقوله ﷺ : "لا تقطع اليد إلا في ربع دينا فصاعدا"، رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم. وفي تخصيص القطع بهذا القدر حكمة ظاهرة؛ فإن هذا القدر يكفي المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبا؛ فانظر كيف تقطع اليد في سرقة ربع دينار مع أن ديتها لو جنى عليها خمس مئة دينار؛ لأنها لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت، ولهذا لما اعترض بعض الملاحدة وهو المعري بقوله: يدُ بخمس مئين عسجد وُدِيَت ... ما بالُها قُطعت في رُبُع دينار أجابه بعض العلماء بقوله: عزُ الأمانة أغلاها وأرخصها......ذُلَّ الخيانةُ فافهم حكمة الباري ومن الأوصاف التي يجب توافرها للقطع في السرقة: أن يأخذ المسروق من حرزه، وحرز المال: ما العادة حفظه فيه؛ لأن الحرز معناه الحفظ، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه؛ فالأموال الثمينة حرزها في الدور والدكاكين والأبنية الحصينة وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وما دون ذلك حرزن بحسبه على

стр. 970

عادة البلد، فإن سرقه من غير حرز، كما لو وجد بابا مفتوحا، أو حرزًا معتوكا، فأخذه منه؛ فلا قطع عليه ولا بد أن تنتفي الشبهة عن السارق فيما أخذ، فإن كان له شبهة يظنها تسوِّغ له الأخذ؛ لم يقطع؛ لقوله ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"؛ فلا قطع عليه بسرقته من مال أبيه ولا بسرقته من مال ولده؛ لأن نفقة كل منهما تجب من مال الآخر، وذلك شبهة تدرأ عنه الحد، وهكذا كل من له استحقاق في مال؛ فأخذ منه؛ فلا قطع عليه، لكن يحرم عليه هذا الفعل، ويؤدب عليه، ويرد ما أخذ. ولا بد من توافر ما سبق من الصفات من ثبوت السرقة: إما بشهادة عدلين يصفان كيفية السرقة وحرزها وقدر المسروق وجنسه؛ لتزول الاحتمالات والشبهات، وإما بإقرار السارق مرتين على نفسه بالسرقة؛ لما روى أبو داود؛ أنه ﷺ أتى بلص قد اعترف، فقال له: "ما أخالك سرقت" قال: بلى. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا؛؛ فأمر به، فقطع. ولا بد في إقراره أن يصف السرقة؛ ليندفع احتمال أنه يظن القطع فيما لا قطع فيه، وليعلم توافر شروط أو عدم توافرها. ولا بد أن يطالب المسروق منه بماله، فلو لم يطالب؛ لم يجب القطع لأن المال يباح بإباحة صاحبه وبذله له، فإذا لم يطالب؛ احتمل أنه سمح به له، وذلك شبهة تدرأ الحد.

стр. 971

وإذا وجب القطع لتكامل شروطه؛ قطعت يده اليمنى؛ لقراءة ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ ، ومحل القطع من مفصل الكف؛ لأن اليد آلة السرقة، فعوقب بإعدام آلتها، واقتصر القطع على الكف؛ لأن اليد إذا أطلقت؛ انصرفت إليه، وبعد قطعها يعمل لها ما يحسم الدم ويندمل به الجرح من أنواع العلاج المناسبة في كل زمان بحسبه.

стр. 972

باب في حد قطاع الطريق الله سبحانه يريد للمسلمين أن يسيروا في أرضه آمنين؛ لتبادل مصالحهم، وتنمية أموالهم، وصلة الرحم فيما بينهم، وتعاونهم على البر والتقوى، ولا سيما السفر إلى بيته العتيق؛ لأداء شعيرة الحج والعمرة. فمن أراد أن يعوق سيرهم، أو يسد طريقهم، أو يخوفهم في أسفارهم؛ فقد شرع له حدًا رادعا، يزيل هذا العائق، ويميط الأذى عن الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . والمراد بالمحاربين الذين يسعون في الأرض فسادًا: قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة. ويشترط لتطبيق الحد عليهم أن يبلغ ما أخذوه نصاب السرقة،

стр. 973

وأن يأخذوه من حرز؛ بأن يأخذوا المال من يد صاحبه وهو في القابلة، وأن يثبت قطعهم للطريق بإقرارهم أو بشهادة عدلين. وحدهم يختلف باختلاف جرائمهم: فمن قتل منهم وأخذ المال؛ قتل حتما وصلب حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء؛ كما حكاه ابن المنذر. ومن قتل ولم يأخذ المال؛ قتل حتما ولم يصلب. ومن أخذ المال، ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، وحسمت عن النزيف، ثم خلي. ومن أخاف السبيل فقط، ولم يقتل، ولم يأخذ مالاً؛ نفي من الأرض؛ بأن يشرد؛ فلا يترك يأوي بلد، بل يطارد. فتختلف عقوبتهم باختلاف جرائمهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، فهذه الآية نزلت في قطاع الطريق عند أكثر السلف، وهي الأصل في حكمهم. قال ابن عباس ﵄: "إذا قتلوا وأخذوا المال؛ قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت لأيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً؛ نفوا من الأرض"، رواه الشافعي. ولو قتل بعضهم؛ ثبت حكم القتل عليهم جميعا، وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم؛ قتلوا جميعا وصلبوا.

стр. 974

ومن تاب منهم قبل القدرة عليه؛ سقط عنه ما كان واجبا لله تعالى من نفي عن البلد وقطع يد ورجل وتحتم قتل، وأخذ بما للآدميين من الحقوق من نفس وطرف ومال؛ إلا أن يعفى له عنها من مستحقيها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اتفقوا على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك؛ لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته، وإن تابوا، وإن كانوا صادقين في التوبة". فاستثناء التوبة قبل القدرة عليهم فقط؛ فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد؛ للعموم والمفهوم والتفصيل، ولئلا يتخذ ذريعة إلى تعطيل حدود الله؛ ‘ذ لا يعجز عليه الحد أن يظهر التوبة ليتخلص من العقوبة. ومن صال على نفسه من يريد قتله، أو صال على حرمته كأمه وبنته وأخته وزوجته من يريد هتك أعراضهن، أو صال على ماله من يريد أخذه أو إتلافه؛ فله الدفع عن ذلك، سواء كان الصائل آدميا أو بهيمة، فيدفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه؛ لأنه لو منع من الدفع؛ لأدى ذلك إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله، ولأنه لو لم يجز ذلك؛ لتسلط الناس بعضهم على بعض، وإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل؛ فله قتله، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره،

стр. 975

وإن قتل المصول عليه؛ فهو شهيد؛ لقوله ﷺ : "من أريد ماله بغير حق، فقاتل، فقتل؛ فهو شهيد". وروى مسلم وغيره من أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت أن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار". وهذا الدفع عن النفس غيره وعن حرمته عليه إذا لم يؤد إلى الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . ويلزمه الدفع عن نفي غيره وعن حرمة غيره؛ لقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، ومعنى نصرته إذا كان ظالما منعه من الظلم. وإذا دخل لص في منزل إنسان؛ فحكمه حكم الصائل؛ بأن يدفعه بالأسهل فالأسهل. ومن نظر في بيت رجل من خصاص باب أو نافذة أو من فوق سطح؛ فله دفعه ومنعه من ذلك، ولو أصاب عينه ففقأها؛ فهي هدر، وكذا لو طعنه بعود، فأتلف عينه؛ فهي هدر؛ لحديث: "من اطلع في بيت،

стр. 976

ففقئت عينه؛ فلا دية ولا قصاص". وهذا لحرمة المسلم وحرمة ماله وعرضه وكرامته عند الله. وهذا هو عدل الإسلام، وحفاظه على سلامة المجتمع، وانتظام مصالحه؛ لتعمر البلاد، ويأمن العباد، وتنتظم المواصلات بين الأقطار، فيسير الناس فيها ليالي وأياما آمنين. ولا صلاح للبشرية إلا بتطبيق هذا التشريع الحكيم؛ فقد عجزت أنظمة الأرض كلها وقواها المادية أن تحقق للناس شيئا من الأمن المنشود بدون تطبيق هذه الشريعة، وصدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .

стр. 977

باب في قتال أهل البغي قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ فأوجب تعالى في هذه الآية الكريمة على المؤمنين قتال الباغين إذا لم يقبلوا الصلح. وقال النبي ﷺ : "من أتاكم، وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه"، رواه مسلم. وقال ﷺ : "من خرج على أمتي وهم جميع؛ فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان"، رواه مسلم أيضا. وأجمع الصحابة على قتال الباغي. والبغي في الأصل معناه: الجور والظلم والعدول عن الحق. فأهل البغي هم: أهل الجور والظلم والعدول عن الحق ومخالفة ما عليه

стр. 978

أئمة المسلمين، ذلك أنه لابد للمسلمين من جماعة وإمام؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ، وقال النبي ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد"، وهذا من الضروريات؛ لأن بالناس حاجة إلى ذلك؛ لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر المسلمين من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا الدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا باجتماع الجماعة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، وقد أجبه الشارع في الاجتماع القليل العارض؛ تنبيها بذلك على أنواع الاجتماع". وقال ﵀: "من المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، ولو تولى من الظلمة؛ فهو خير لهم من عدمهم؛ كما يقال: سنة من إمام جائر خير من ليلة بلا إمارة...." انتهى. فإذا خرج على الإمام قوم لهم شوكة ومنعة بتأويل مشتبه، يريدون خلعه أو مخالفته وشق عصا الطاعة وتفريق الكلمة؛ فهم بغاة

стр. 979

ظلمة؛ فيجب على الإمام أن يراسلهم فيسألهم عما ينقمون عليه، فإن ذكروا مظلمة؛ أزالها، وإن ادعوا شبهة؛ كشفها؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . والإصلاح إنما يكون بذلك، فإن كان ما ينقمون منه مما لا يحل فعله؛ أزاله، وإن كان حلالاً، لكن التبس عليهم، فاعتقدوا أنه مخالف للحق؛ بيَّن لهم دليله، وأظهر لهم وجهه، فإن فاؤوا ورجعوا إلى الحق والتزموا الطاعة؛ تركهم، وإن لم يرجعوا؛ قاتلهم وجوبا، وعلى رعيته معونته؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ فيجب قتالهم حتى يندفع شرهم، وتطفأ فتنتهم. ويتجنب في قتالهم الأمور التالية: أولاً: يحرم قتالهم بما يعم؛ كالقذائف المدمرة. ثانيا: يحرم قتل ذريتهم ومدبرهم وجريحهم ومن ترك القتال منهم. ثالثا: من أسر منهم؛ حبس حتى تخمد الفتنة. رابعا: لا تغنم أموالهم؛ لأنها كأموال غيرهم من المسلمين، لا يجوز اغتنامها؛ لبقاء ملكهم عليها، وبعد انقضاء القتال وخمود الفتنة من وجد منهم ماله بيد غيره؛ أخذه، وما تلف منه حال الحرب؛ فهو هدر، ومن قتل من الفريقين في الحرب غير مضمون. قال الزهري: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أنه لا يقاد لأحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن؛ إلا ماوجد بعينه" انتهى.

стр. 980

وقال في "الإفصاح": "اتفقوا على أن ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي؛ فلا ضمان فيه، وما يتلفه أهل البغي كذلك". وإن اقتتلت طائفتان من المسلمين، ولم تكن واحدة منهما في طاعة الإمام، بل لعصبية بينهما، أو طلب رئاسة؛ فهما ظالمتان؛ لأن كلاً منهما باغية على الأخرى؛ حيث لا ميزة لواحدة منهما؛ فتضمن كل واحدة منهما ما أتلفه على الأخرى، وإن كانت إحداهما تقاتل بأمر الإمام؛ فهي محقة، والأخرى باغية كما سبق. وإن أظهر قوم رأي الخوارج؛ كتكفير مرتكبي الكبيرة، واستحلال دماء المسلمين، وسب الصحابة، فإنهم يكونون خوارج بغاة فسقة، فإن أضافوا إلى ذلك الخروج على قبضة إمام المسلمين؛ وجب قتالهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الخوارج: "أهل السنة متفقون على أنهم مبتدعة، وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة، بل قد اتفق الصحابة على قتالهم، ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل، وهل يقاتلون من أئمة الجور؟ نقل عن بعض أهل العلم أنهم يقاتلون، وكذلك من نقض العهد من أهل الذمة، وهو قول الجمهور، وقالوا: يغزى مع كل أمير برّاً كان أو فاجرًا إذا كان الغزو الذي يفعله جائزًا، فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد أو الخوارج قتالاً مشروعا؛ قوتل معه، وإن كان قتالاً غير جائز؛ لم يقاتل معه" انتهى كلامه.

стр. 981

وإن لم يخرج هؤلاء الذي أظهروا رأي الخوارج عن قبضة الإمام، ولم يشقوا عصا الطاعة؛ لم يقاتلوا، وأجريت عليهم أحكام الإسلام، لكن يجب تعزيرهم، والإنكار عليهم، وعدم تمكينهم من إظهار رأيهم ونشر بدعتهم بين المسلمين. هذا على القول بعدم تكفيرهم؛ كما عليه الجمهور، وأما من يرى كفر الخوارج؛ فإنه يجب عنده قتالهم بكل حال.

стр. 982

باب في أحكام الردة المرتد في اللغة: هو الراجع، يقال: ارتد فهو مرتد: إذا رجع، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ ؛ أي: لا ترجعوا. والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعا بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل. والمرتد له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة: أما حكمه في الدنيا؛ فقد بينه الرسول ﷺ بقوله: "من بدَّل دينه فاقتلوه"، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله. وأما حكمه في الآخرة؛ فقد بينه الله تعالى: بقوله ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان

стр. 983

جادّاً أو هازلاً أو مستهزئا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . أما المكره إذا نطق بسبب الإكراه؛ فإنه لا يرتد؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ . ونواقض الإسلام التي تحصل بها الردة كثيرة: من أعظمها الشرك بالله تعالى: فمن أشرك بالله تعالى؛ بأن دعا غير الله من الموتى والأولياء والصالحين؛ أو ذبح لقبورهم، أو أنذر لها، أو طلب الغوث والمدد من الموتى؛ كما يفعل عباد القبور اليوم؛ فقد ارتد عن دين الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعا. وكذلك من جحد بعض الرسل أو بعض الكتب الإلهية؛ فقد ارتد؛ لأنه مكذب لله، جاحدًا لرسول من رسله أو كتاب من كتبه. وكذلك جحد الملائكة أو جحد البعث بعد الموت؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب للكتاب والسنة والإجماع. وكذلك من سب الله تعالى أو سب نبيا من أنبيائه؛ فقد كفر.

стр. 984

وكذلك من ادعى النبوة، أو صدَّق من يدعيها بعد النبي محمد ﷺ ؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . ومن جحد تحريم الزنى، أو جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم الخنزير والخمر، أو حرم شيئا مجمعا على حله؛ مما لا خلاف في حله؛ كالمذكاة من بهيمة الأنعام؛ فقد كفر. وكذلك من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس الواردة في قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". ومن استهزأ بالدين، أو امتهن القرآن الكريم، أو زعم أن القرآن نقص منه شيء، أو كتم منه شيء؛ فلا خلاف في كفره". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض". وقال: "ومن سخر بوعد الله أو بوعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر إجماعا".

стр. 985

وقال: "من سب الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط؛ فلا شك في كفره" انتهى كلامه ﵀. ومن حكم القوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية؛ يرى أنها أصلح للناس من الشريعة الإسلامية، أو اعتنق فكرة الشيوعية أو القومية بديلاً عن الإسلام؛ فلا شك في ردته. وأنواع الردة كثيرة؛ مثل من ادعى علم الغيب، ومثل من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو يصحح ما هم عليه، ومثل من يعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غير النبي ﷺ أحسن من حكمه، ومثل من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ، ومن استهزأ بشيء من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه، وكذلك ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد ﷺ ؛ كغلاة الصوفية، ومن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به؛ كل هذه الأمور من أسباب الردة ومن نواقض الإسلام. قال الشيخ محمد عبد الوهاب ﵀: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف؛ إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعا؛ فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه". هذه نماذج من نواقض الإسلام، وهي أكثر مما ذكر بكثير؛ فعليك
следующие страницы →