← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وسئل: بماذا يحسن رأي الناس في الإنسان؟ قال: بأن يكون لقاؤه لهم لقاءً جميلًا، ومعاملته إياهم معاملة حسنة. وقال: ومدة الإخوان أن لا تكون لرجاء منفعة، أو لدفع مضرة، ولكن لصلاح فيه، وطباع له. وقال: أفضل ما في الإنسان من الخير العقل، وأجدر الأشياء أن لا يندم عليه صاحبه، العمل الصالح، وأضل ما يحتاج إليه في تدبير الأمور الاجتهاد، وأظلم الظلمات الجهل، وأوثق الإسار الحرص. وقال: من أفضل البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند المقدرة. وقال: من لم يعرف عيب نفسه، فلا قدر لنفسه عنده. وقال: الفصل بين العاقل والجاهل: أن العاقل منطقه له، والجاهل منطقه عليه. وقال: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بثلاثة أقوام: السلطان، والعلماء، والإخوان. فإن من استخف بالسلطان أفسد عليه عيشه، ومن استخف بالعلماء أفسد عليه دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد عليه مروءته. وقال: الاستخفاف بالموت أحد فضائل النفس. وقال: المرء حقيق له أن يطلب الحكمة ويثبتها في نفسه أولا، بألا يجزع من المصائب التي تعم الأخيار، ولا يأخذه الكبر فيما يبلغه من الشرف، ولا يعير أحدا بما هو فيه، ولا يغيره الغنى والسلطان، وأن يعدل بين نيته وقوله حتى لا يتفاوت، وتكون سنته ما لا عيب فيه، ودينه ما لا يختلف فيه، وحجته ما لا ينتقض. وقال: أنفع الأمور للناس القناعة والرضى. وأضرها الشره والسخط. وإنما يكون كل السرور بالقناعة، وكل الحزن بالشره والسخط. ويحكى عنه فيما كتبه: أن أصل الضلال والهلكة, لأهله, أن يعد ما في العالم من

стр. 352

الخير من عطية الله ومواهبه. ولا يعد ما فيه من الشر والفساد من عمل الشيطان ومكايده. ومن افترى على أخيه فرية لم يخلص من تبعتها حتى يجازى بها. فكيف يخلص من أعظم الفرية على الله أن يجعله سببا للشرور وهو معدن الخير؟ وقال: الخير والشر واصلان إلى أهلهما لا محالة، فطوبى١ لمن جرى وصول الخير إليه وعلى يديه، والويل لمن جرى وصول الشر إليه وعلى يديه. وقال: الإخاء الدائم الذي لا يقطعه شيء اثنان, أحدهما: محبة المرء نفسه في أمر معاده، وتهذيبه إياها في العلم الصحيح والعمل الصالح، والآخر: مودته لأخيه في دين الحق، فإن ذلك مصاحب أخاه في الدنيا بحسده، وفي الآخرة بروحه. وقال: الغضب سلطان الفظاظة، والحرص سلطان الفاقة، وهما منشئا كل سيئة، ومفسدا كل جسد، ومهلكا كل روح. وقال: كل شيء يطاق تغييره إلا الطباع، وكل شيء يقدر على إصلاحه غير الخلق السوء، وكل شيء يستطاع دفعه إلا القضاء. وقال الجهل والحمق للنفس بمنزلة الجوع والعطش للبدن، لأن هذين خلاء النفس، وهذين خلاء البدن. وقال: أحمد الأشياء عند أهل السماء والأرض لسان صادق ناطق بالعدل والحكمة والحق في الجماعة. وقال: أدحض الناس حجة من شهد على نفسه بدحوض حجته. وقال: من كان دينه السلامة والرحمة والكف عن الأذى فدينه دين الله ، وخصمه شاهد له بفلج٢ حجته، ومن كان دينه الإهلاك والفظاظة والأذى فدينه دين الشيطان، وهو بدحوض حجته شاهد على نفسه.

стр. 353

وقال: الملوك تحتمل الأشياء كلها إلا ثلاثة: قدح في الملك، وإفشاء للسر، وتعرض للحرمة. وقال: لا تكن أيها الإنسان كالصبي إذا جاع ضغا١ ولا كالعبد إذا شبع طغى، ولا كالجاهل إذا ملك بغى. وقال: لا تشيرن على عدو ولا صديق إلا بالنصيحة، فأما الصديق فتقضي بذلك من واجبه حقه، وأما العدو فإنه إذا عرف نصيحتك إياه هابك وحسدك، وإن صح عقله استحى منك وراجعك. وقال: يدل على غريزة الجود السماحة عند العسرة، وعلى غريزة الورع الصدق عند الشرة، وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب. وقال من سره مودة الناس له، ومعونتهم إياه، وحسن القول منهم فيه حقيق بأن يكون على مثل ذلك لهم. وقال: لا يستطيع أحد أن يجوز الخير والحكمة، ولا أن يخلص نفسه من المعايب إلا أن يكون له ثلاثة أشياء: وزير، وولي، وصديق. فوزيره عقله، ووليه عفته، وصديقه عمله الصالح. وقال: كل إنسان موكل بإصلاح قدر باع من الأرض، فإنه إذا أصلح قدر ذلك الباع صلحت له أموره كلها، وإذا أضاعه أضاع الجميع، وقدر ذلك نفسه. وقال: لا يمدح بكمال العقل من لا تكمل عفته، ولا بكمال العلم من لا يكمل عقله. وقال: من أفضل أعمال العلماء ثلاثة أشياء: أن يبدلوا العدو صديقا، والجاهل عالما، والفاجر برا. وقال: الصالح من خيره خير لكل أحد، ومن يعد خير كل أحد لنفسه خيرا. وقال: ليس بحكمة ما لم يعاد الجهل، ولا بنور ما لم يمحق الظلمة، ولا بطيب ما لم يدفع النتن، ولا بصدق ما لم يدحض الكذب، ولا بصالح ما لم يخالف الطالح.

стр. 354

الفصل الثالث: أصحاب الهياكل والأشخاص أصحاب الهياكل ... الفصل الثالث: أصحاب الهياكل والأشخاص وهؤلاء من فرق الصابئة. وقد أدركنا مقالتهم المناظرات جملة. ونذكرها ههنا تفصيلا. ١- أصحاب الهياكل: اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى، فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه, فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع، فتعرفوا أولا: بيوتها ومنازلها، وثانيا: مطالعها ومغاربها. وثالثا: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها. فعملوا الخواتيم، وتعلموا العزائم والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى وتختموا بخاتمة المعمول على صورته وهيئته وصنعته، ولبسوا اللباس الخاص به، وتبخروا ببخوره الخاص، ودعوا بدعواته الخاصة به، وسألوا حاجتهم منه: الحاجة التي تستدعي من زحل, من أفعاله وآثاره الخاصة به. فكان يقضي حاجتهم، ويحصل في الأكثر مرامهم. وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه. وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب. وكانوا يسمونها أربابا آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة. ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة، ورب الأرباب. وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى

стр. 355

الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا. فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات. وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا، وتصريفا، وتحريكا، كما نتصرف في أبداننا. ولاشك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه. ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب. وهذه الطلسمات١ المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، والصور كلها من علومهم.

стр. 356

٢- أصحاب الأشخاص: وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقق التقرب إليها بهياكلها. ولكن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في وقت، لأن لها طلوعا وأفولا، وظهورا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها. فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله ، فنعبدهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١. فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل، اعني الجوهر الخاص به، من الحديد وغيره، وصوروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه، وراعوا في ذلك الزمان، والوقت، والساعة، والدرجة، والدقيقة، وجميع الإضافات النجومية، من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب

стр. 357

التي تستدعي منه. فتقربوا إليه في يومه وساعته، وتبخروا بالبخور الخاص به، وتختموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون: إنه كان يقضي حوائجهم بعد رعاية الإضافات كلها. وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان. فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا. وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، وقالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ١.

стр. 358

٣- مناظرات إبراهيم الخليل لأصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، وكسره مذاهبهما: وقد ناظر الخليل ﵇ هؤلاء الفريقين. فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١، وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام، ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال ﵇ لأبيه آزر: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ

стр. 359

وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١ لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام السماوية، فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعا وبصرا، وأن تغني عنك، وتضر وتنفع. وأنت بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها، لأنك خلقت سميعا بصيرا، نافعا، ضارا، والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا والمعمول تصنعا، فيالها من حيرة! إذ صار المصنوع! ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ٢. ثم دعاه إلى الحيفية الحقة. قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ٣ ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ؟ ٤ فلم تقبل حجته القولية: فعدل ﵇ عن القول إلى الكسر للأصنام بالفعل، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥، فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ ٦ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ٧، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ٨، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٩ فافحمهم بالفعل، حيث أحال الفعل على كبيرهم، كما أفحمهم بالقول، حيث أحال الفعل منهم. وكل ذلك على طريق الإلزام عليهم، وإلا فما كان الخليل كاذبا قط. ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله تعالى الحجة على قومه، قال ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ١٠ فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفا له على الروحانيات وهياكلها. وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريرا أن الكمال في الرجال، فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ١١

стр. 360

على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ١، وإلا فما كان الخليل ﵇ كاذبا في هذا القول، ولا مشركا في تلك الإشارة. ثم استدل بالأقول الزوال، والتغير، والانتقال, على أنه لا يصلح أن يكون ربا إلها. فإن الإله القديم لا يتغير، وإذا تغير احتاج إلى مغير, هذا لو اعتقدتموه ربا قديما، وإلها أزليا، ولو اعتقدتموه واسطة، وقبلة، وشفيعا، ووسيلة، فإن الأفول, الزوال, يخرجه أيضا عن حد الكمال. وعن هذا ما استدل عليه بالطلوع, وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول، فإنهم إنما انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما عراهم من التحير بالأفول، فأتاهم الخليل ﵇ من حيث تحيرهم، فاستدل عليهم بما اعترفوا بصحته، وذلك أبلغ في الاحتجاج. ثم لما ﴿رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ ٢، فيا عجبا مما لا يعرف ربا كيف يقول ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، والواصل إلى الغاية والنهاية، كيف يكون في مدارج البداية؟! دع هذا كله خلف قاف٣، وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فإن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج، وعن هذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ ٤، لاعتقاد القوم أن الشمس ملك الفلك، وهو رب الأرباب الذي يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه الآثار، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥. قرر مذهب الحنفاء، وأبطل مذهب الصابئة، وبين أن الفطرة هي الحنيفية، وأن الطهارة فيها، وأن الشهادة بالتوحيد مقصورة عليها وأن النجاة والخلاص متعلقة بها،

стр. 361

وأن الشرائع والأحكام مشارع ومناهج إليها. وأن الأنبياء والرسل مبعوثون لتقريرها وتقديرها. وأن الفاتحة والخاتمة والمبدأ والكمال منوطة بتحصيلها وتحريرها ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١، والصراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، قال الله تعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه سلم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢.

стр. 362

الفصل الرابع: الحرنانية مقالات الحرنانية ... الفصل الرابع: الحرنانية وهم جماعة من الصابئة: ١- مقالات الحرنانية: قالوا: إن الصانع المعبود واحد وكثير. أما واحد، ففي الذات، والأول، والأصل، والأزل. وأما كثير، فلأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين، وهي المدبرات السبعة والأشخاص الأرضية الخيرة، العاملة، الفاضلة. فإنه يظهر بها، ويتشخص بأشخاصها، ولا تبطل وحدته في ذاته. وقالوا: هو أبدع الفلك وجميع ما فيه من الأجرام والكواكب، وجعلها مدبرات هذا العالم، وهم الآباء والعناصر أمهات، والمركبات مواليد. والآباء أحياء ناطقون،

стр. 363

يؤدون الآثار إلى العناصر فتقبلها العناصر في أرحامها، فيحصل من ذلك المواليد. ثم من المواليد قد يتفق شخص مركب من صفوها دون كدرها ويحصل له مزاج كامل الاستعداد، فيتشخص الإله به في العالم. ثم أن طبيعة الكل تحدث في كل إقليم من الأقاليم المسكونة على رأس كل سنة وثلاثين ألف سنة وأربعمائة وخمس وعشرين سنة: زوجين من كل نوع من أجناس الحيوانات، ذكرا أو أنثى، من الإنسان وغيره، فيبقى ذلك النوع تلك المدة. ثم إذا انقضى الدور بتمامه انقطعت الأنواع: نسلها، وتوالدها، فيبتدأ دور آخر، ويحدث قرن آخر من الإنسان، والحيوان، والنبات وكذلك أبد الدهر. قالوا: وهذه هي القيامة الموعودة على لسان الأنبياء ﵈، وإلا فلا دار سوى هذه الدار ﴿مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١. ولا يتصور إحياء الموتى، وبعث من في القبور: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٢. وهم الذين أخبر التنزيل عنهم بهذه المقالة.

стр. 364

٢- نشأة التناسخ والحلول منهم: وإنما نشأ أصل التناسخ والحلول من هؤلاء القوم. فإن التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول. والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها. والأعمال التي نحن فيها إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية. فالراحة، والسرور، والفرح، والدعة التي نجدها هي مرتبة على أعمال البر التي سلفت منا في

стр. 365

الأدوار الماضية، والغم والحزن، والضنك، والكلفة التي نجدها هي مرتبة على أعمال الفجور التي سبقت منا. وكذلك كان في الأول. وكذا يكون في الآخر. والانصرام من كل وجه غير متصور من الحكيم. وأما الحلول فهو التشخص الذي ذكرناه، وربما يكون ذلك بحلول ذاته، وربما يكون بحلول جزء من ذاته، على قدر استعداد مزاج الشخص. وربما قالوا إنما تشخص بالهياكل السماوية كلها، وهو واحد، وإنما يظهر فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه، وتشخصه به. فكأن الهياكل السبعة أعضاؤه السبعة. وكأن أعضاءنا السبعة هياكله السبعة فيها يظهر، فينطق بلساننا، ويبصر بأعيننا، ويسمع بآذاننا، ويقبض ويبسط بأيدينا، ويجيء ويذهب بأرجلنا، ويفعل بجوارحنا.

стр. 366

٣- مزاعم الحرنانية: وزعموا أن الله تعالى أجل من أن يخلق الشرور، والقبائح، والأقذار، والخنافس، والحيات، والعقارب. بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب سعادة، ونحوسة، واجتماعات العناصر صفوة، وكدورة.. فما كان من سعد، وخير وصفو، فهو المقصود من الفطرة، فينسب إلى الباري تعالى. وما كان من نحوسة، وشر، وكدر، فهو الواقع ضرورة، فلا ينسب إليه، بل هي إما اتفاقيات، وضروريات، وإما مستندة إلى أصل الشرور، والاتصال المذموم. والحرانية ينسبون مقالتهم إلى عاذيمون، وهرمس، وأعيانا، وأواذى أربعة من الأنبياء.

стр. 367

ومنهم من ينتسب إلى سولون جد أفلاطون لأمه، ويزعم أنه كان نبيا. وزعموا أن أواذى حرم عليهم البصل، والكراث، والباقلا١. والصابئون كلهم يصلون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة ومن مس الميت، وحرموا أكل الجزور، والخنزير، والكلب، ومن الطير كل ما له مخلب، والحمام. ونهوا عن السكر في الشراب، وعن الاختتان. وأمروا بالتزويج بولي وشهود، ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم حاكم، ولا يجمعون بين إمرأتين. وأما الهياكل التي بناها الصابئة على أسماء الجواهر العقلية الروحانية، وأشكال الكواكب السماوية. فمنها: هيكل العلة الأولى، ودونها هيكل العقل، وهيكل السياسة، وهيكل الصورة، وهيكل النفس. مدورات الشكل. وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع، وهيكل عطارد مثلث في جوفه مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن.

стр. 368

الباب الخامس: الفلاسفة مدخل ... الباب الخامس: الفلاسفة الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف هو: فيلا وسوفا، وفيلا هو المحب، وسوفا: الحكمة، أي هو محب الحكمة. والحكمة قولية، وفعلية: أما الحكمة القولية، وهي العقلية أيضا، فهي كل ما يعقله العاقل بالحد، وما يجري مجراه، مثل الرسم وبالبرهان، وما يجري مجراه، مثل الاستقراء فيعبر عنه بهما. وأما الحكمة الفعلية فكل ما يفعله الحكيم لغاية كمالية. فالأول الأزلي لما كان هو الغاية، والكمال، فلا يفعل فعلا لغاية دون ذاته وإلا فيكون الغاية والكمال هو الحامل، والأول محمول، وذلك محال. فالحكمة في فعله وقعت تبعا لكمال ذاته، وذلك هو الكمال المطلق في الحكمة، وفي فعل غيره من المتوسطات وقعت مقصودا للكمال المطلوب، وكذلك في أفعالنا. ثم إن الفلاسفة اختلفوا في الحكمة القولية العقلية اختلافا لا يحصى كثرة، والمتأخرون منهم خالفوا الأوائل في أكثر المسائل. وكانت مسائل الأولين محصورة في الطبيعيات، والإلهيات، وذلك هو الكلام في الباري تعالى والعالم، ثم زادوا فيها الرياضيات. وقالوا: العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: علم ماهية، وعلم كيف، وعلم كم. فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو العلم الإلهي، والعلم الذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو العلم الطبيعي، والعلم الذي يطلب فيه كميات الأشياء هو العلم الرياضي، سواء كانت

стр. 369

الكميات مجردة عن المادة، أو كانت مخالطة بعد. فأحدث بعدهم أرسطوطاليس الحكيم علم المنطق، وسماه تعليمات، وإنما هو جرده من كلام القدماء، وإلا فلم تخل الحكمة عن قوانين المنطق قط. وربما عدها آلهة العلوم، لا من جملة العلوم، فقال: الموضوع في العلم الإلهي: هو الوجود المطلق. ومسائله: البحث عن أحوال الوجود من حيث هو وجود. والموضوع في العلم الطبيعي: هو الجسم، ومسائله: البحث عن أحوال الجسم من حيث هو جسم. والموضوع في العلم الرياضي، هو الأبعاد والمقادير، وبالجملة: الكمية من حيث إنها مجردة عن المادة، ومسائله: البحث عن أحوال الكمية من حيث هي كمية. والموضوع في العلم المنطقي: هو المعاني التي في ذهن الإنسان من حيث يتأدى بها إلى غيرها من العلوم، ومسائله: البحث عن أحوال تلك المعاني من حيث هي كذلك. قالت الفلاسفة: ولما كانت السعادة هي المطلوبة لذاتها، وإنما يكدح الإنسان لنيلها، والوصول إليها، وهي لا تنال بالحكمة، فالحكمة تطلب إما ليعمل بها، وإما لتعلم فقط، فانقسمت الحكمة إلى قسمين عملي، وعلمي. ثم منهم من قدم العملي على العلمي، ومنهم من أخر، كما سيأتي. فالقسم العملي هو عمل الخير، والقسم العلمي هو علم الحق. قالوا: وهذان القسمان مما يوصل إليه بالعقل الكامل، والرأي الراجح، غير أن الاستعانة في القسم العملي منه بغيره أكثر. والأنبياء ﵈ أيدوا بإمداد روحانية تقريرا للقسم العملي، ولطرف ما من القسم العلمي والحكماء تعرضوا لأمداد عقلية تقريرا للقسم العلمي، ولطرف ما من القسم العملي. فغاية الحكيم هو أن يتجلى لعقله كل الكون، ويتشبه بالإله الحق تعالى وتقدس بغاية الإمكان. وغاية النبي أن يتجلى له نظام الكون، فيقدر على ذلك مصالح العامة حتى يبقى نظام العالم، وتنتظم مصالح العباد، وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب، وتشكيل، وتخييل.

стр. 370

فكل ما ورد به أصحاب الشرائع والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة، إلا من أخذ علمه من مشكاة النبوة، فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم، وحسن الاعتقاد في كمال درجتهم. فمن الفلاسفة: حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلا: ومنهم: حكماء العرب، وهم شرذمة قليلون، لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر، وربما قالوا بالنبوات. ومنهم: حكماء الروم، وهم منقسمون إلى القدماء، الذين هم أساطين الحكمة، وإلى المتأخرين وهم المشاءون، وأصحاب الرواق، وأصحاب أرسطوطاليس، وإلى فلاسفة الإسلام، الذين هم حكماء العجم، وإلا فلم ينقل عن العجم قبل الإسلام مقالة في الفلسفة، إذ حكمهم كلها كانت متلقاة من النبوات إما من الملة القديمة، وإما من سائر الملل. غير أن الصابئة كانوا يخلطون الحكمة بالصبوة: فنحن نذكر مذاهب الحكماء القدماء من الروم، واليونانيين، على الترتيب الذي نقل في كتبهم، ونعقب ذلك بذكر سائر الحكماء إن شاء الله تعالى. فإن الأصل في الفلسفة والمبدأ في الحكمة للروم، وغيرهم كالعيال لهم.

стр. 371

الفصل الأول: الحكماء السبعة رأي تاليس ... الفصل الأول: الحكماء السبعة الذين هم أساطين الحكمة، من الملطية، وساميا، وأثينية، وهي بلادهم. وأما أسماؤهم، فهي تاليس الملطي، وأنكساغورس، وأنكسيمانس، وأنبادقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون. وتبعهم جماعة من الحكماء، مثل فلوطرخيس، وبقراط، وديمقريطيس، والشعراء، والنساك. وإنما يدور كلامهم في الفلسفة على ذكر وحدانية الباري تعالى، وإحاطته علما بالكائنات، كيف هي؟ وفي الإبداع، وتكوين العالم، وأن المبادئ الأول: ما هي؟ وكم هي؟ وأن المعاد: ما هو؟ ومتى هو؟. وربما تكلموا في الباري تعالى بنوع حركة وسكون. وقد أغفل المتأخرون من فلاسفة الإسلام ذكرهم، وذكر مقالاتهم رأسا، إلا نكتة شاذة نادرة، ربما اعترت على أبصارهم وأفكارهم، أشاروا إليها تزييفا. ونحن تتبعناها وتعقبناها نقلا، وألقينا زمام الاختيار إليك في المطالعة، والمناظرة بين كلام الأوائل والأواخر. ١- رأي تاليس: وهو أول من تفلسف١ في ملطية. قال: إن للعالم مبدعا، لا تدرك صفته العقول من جهة هويته، وإنما يدرك من جهة آثاره، وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته، إلا من نحو أفاعيله، وإبداعه، وتكزينه الأشياء. فلسنا ندرك له اسما من نحو ذاته، بل من نحو ذاتنا.

стр. 372

ثم قال: إن القول الذي لا مراد له هو أن المبدع كان ولا شيء مبدع، فأبدع الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات، لأن قبل الإبداع إنما هو فقط، وإذا كان هو فقط فليس يقال حينئذ جهة، وجهة، حتى يكون هو، وصورة، أو حيث وحيث حتى يكون هو، وذو صورة. والوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين. والإبداع هو تأييس١ ما ليس بأيس، وإذا كان هو مؤيس الأيسيات, والتأييس لا من شيء متقادم, فمؤيس الأشياء لا يحتاج إلى أن يكون عنده صورة الأيس بالأيسية، وإلا فقد لزمه إن كانت الصورة عنده أن يكون منفردا عن الصورة التي عنده، فيكون هو وصورة، وقد بينا أنه قبل الإبداع إنما هو فقط. وأيضا: فلو كانت الصورة عنده: أكانت مطابقة للموجود الخارج؟ أم غير مطابقة؟ فإن كانت مطابقة فلتتعدد الصور بعدد الموجودات، ولتكن كلياتها مطابقة للكليات، وجزئياتها مطابقة للجزئيات، ولتغيير بتغيرها كما تكثرت بتكثرها، وكل ذلك محال، لأنه ينافي الوحدة الخالصة. وإن لم تطابق الموجود الخارج فليست إذن صورة عنه، بل إنما هي شيء آخر. قال: لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلها. فانبعث من كل صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأول، فمحل الصور ومنبع الموجودات كلها هو ذات العنصر. وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسي إلا وفي ذات العنصر صورة له ومثال عنه. قال: ومن كمال ذات الأول الحق أنه أبدع مثل هذا العنصر، فما يتصوره العامة في ذاته تعالى أن فيها الصور يعني صور المعلومات فهو مبدعه، ويتعالى الأول الحق بوحدانيته وهويته عن أن يوصف بما يوصف به مبدعه. ومن العجب أنه نقل عنه أن

стр. 373

المبدع الأول هو الماء. قال١: الماء قابل لكل صورة، ومنه أبدع الجواهر كلها من السماء، والأرض، وما بينهما، وهو علة كل مبدع، وعلة كل مركب من العنصر الجسماني. فذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض، ومن إنحلاله تكون الهواء، ومن صفوة الهواء تكونت النار، ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء، ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب. فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه. قال: والماء ذكر والأرض أنثى, وهما يكونان سفلا. والنار ذكر, والهواء أنثى وهما يكونان علوا. وكان يقول: إن هذا العنصر الذي هو أول وهو آخر -أي هو المبدأ وهو الكمال, هو عنصر الجسمانيات والجرميات، لا أنه عنصر الروحانيات البسيطة. ثم إن هذا العنصر له صفو وكدر، فما كان من صفوه فإنه يكون جسما، وما كان من كدره فإنه يكون جرما. فالجرم يدثر، والجسم لا يدثر. والجرم كثيف ظاهر، والجسم لطيف باطن, وفي النشأة الثانية يظهر الجسم ويدثر الجرم، ويكون الجسم اللطيف ظاهرا، والجرم الكثيف دائرا. وكان يقول: إن فوق السماء عوالم مبدعة لا يقدر المنطق أن يصف تلك الأنوار، ولا يقدر العقل أن يقف على إدراك ذلك الحسن والبهاء، وهي مبدعة من عنصر لا يدرك غوره، ولا يبصر نوره، والمنطق والنفس والطبيعة تحته ودونه، وهو الدهر المحض من نحو آخره، لا من نحو أوله، وإليه تشتاق العقول والأنفس، وهو الذي سميناه الديمومة، والسرمد، والبقاء، في حد النشأة الثانية. فظهر بهذه الإشارات أنه إنما أراد بقوله: الماء هو المبدع الأول، أي هو مبدأ التركيبات الجسمانية، لا المبدأ الأول في الموجودات العلوية، لكنه لما اعتقد أن العنصر

стр. 374

الأول هو قابل كل صورة, أي منبع الصور كلها, فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور كلها، ولم يجد عنصرا على هذا النهج مثل الماء، فجعله المبدع الأول في المركبات، وأنشأ منه الأجسام والأجرام السماوية والأرضية. وفي التوراة في السفر الأول منها أن مبدأ الخلق هو جوهر خلقه الله تعالى، ثم نظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ثار من الماء بخار مثل الدخان، فخلق منه السموات، وظهر على وجه الماء زبد مثل زبد البحر، فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال. وكأن تاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية. والذي أثبته من العنصر الأول الذي هو منبع الصور شديد الشبه باللوح المحفوظ المذكور في الكتب الإلهية، إذ فيه جميع أحكام المعلومات، وصور جميع الموجودات، والخبر عن الكائنات. والماء على القول الثاني شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ١.

стр. 375

٢- رأي انكساغورس ٢: وهو أيضا من أهل ملطية. رأي في الوحدانية مثل ما رأى تاليس, وخالفه في

стр. 376

المبدأ الأول. قال إن مبدأ الموجودات هو جسم أول متشابه الأجزاء، وهي أجزاء لطيفة لا يدركها الحس، ولا ينالها العقل، منها كون الكون كله العلوي منه والسفلي، لأن المركبات مسبوقة بالبسائط، والمختلفات أيضا مسبوقة بالمتشابهات. أليست المركبات كلها إنما امتزجت وتركبت من العناصر، وهي بسائط متشابهة الأجزاء؟ وأليس الحيوان والنبات وكل ما يغتذي فإنما يتغذى من أجزاء متشابهة أو غير متشابهة، فتجتمع في المعدة فتصير متشابهة، ثم تجري في العروق والشرايين، فتستحيل أجزاء مختلفة مثل الدم واللحم والعظم. وحكي عنه أيضا أنه وافق سائر الحكماء في المبدأ الأول: إنه العقل الفعال. غير أنه خالفهم في قوله إن الأول الحق تعالى ساكن غير متحرك. وسنشرح القول في السكون والحركة له تعالى، ونبين اصطلاحهم في ذلك. وحكى فرفوريوس عنه أنه قال: إن أصل الأشياء جسم واحد موضوع الكل، لا نهاية له، ولم يبين ما ذلك الجسم أهو من العناصر؟ أم خارج عن ذلك؟ قال: ومنه تخرج جميع الأجسام والقوة الجسمانية والأنواع والأصناف. وهو أول من قال بالكمون والظهور، حيث قدر الأشياء كلها كامنة في الجسم الأول، وإنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم نوعا وصنفا ومقدارا وشكلا وتكاثفا وتخلخلا، كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة، والنخلة الباسقة من النواة الصغيرة، والإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة، والطير من البيض، فكل ذلك ظهور عن كمون، وفعل عن قوة، وصورة عن استعداد مادة. وإنما الإبداع واحد، ولم يكن بشيء آخر سوى ذلك الجسم الأول. وحكي عنه أنه قال كانت الأشياء ساكنة، ثم إن العقل رتبها ترتيبا على أحسن نظام، فوضعها مواضعها من عال ومن سافل ومن متوسط، ثم من متحرك، ومن ساكن، ومن مستقيم في الحركة، ومن دائر، ومن أفلاك متحركة على الدوران،

стр. 377

ومن عناصر متحركة على الاستقامة. وهذه كلها بهذا الترتيب مظهرات لما في الجسم الأول من الموجودات. ويحكى عنه أن المرتب هو الطبيعة، وربما يقول: المرتب هو الباري تعالى. وإذا كان المبدأ الأول عنده ذلك الجسم، فمقتضى مذهبه أن يكون المعاد إلى ذلك الجسم. وإذا كانت النشأة الأولى هي الظهور، فيقتضي أن تكون النشأة الثانية هي الكمون. وذلك قريب من مذهب من يقول بالهيولى الأولى التي حدثت فيها الصور، إلا أنه أثبت جسما غير متناه بالفعل هو متشابه الأجزاء، وأصحاب الهيولى لا يثبتون جسما بالفعل. وقد رد عليه الحكماء المتأخرون في إثباته جسما مطلقا لم يعين له صورة سماوية أو عنصرية، وفي نفيه النهاية عنه، وفي قوله بالكمون والظهور، وفي بيانه سبب الترتيب وتعيينه المرتب. وإنما عقبت مذهبهم برأي تاليس، لأنهما من أهل ملطية، ومقاربان في إثبات العنصر الأول والصور فيه متمثلة، والجسم الأول والموجودات فيه كامنة. وحكى أرسطوطاليس عنه: أن الجسم الذي تكون منه الأشياء غير قابل للكثرة. قال: وأومأ إلى أن الكثرة جاءت من قبل الباري تعالى وتقدس.

стр. 378

٣- رأي أنكسيمانس ١: وهو من الملطيين المعروف بالحكمة، المذكور بالخير عندهم. قال: إن الباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر. هو مبدأ الأشياء ولا بدء له. هو المدرك من خلقه أنه هو فقط، وأنه لا هوية تشبهه، وكل هوية فمبدعة منه, هو الواحد ليس كواحد الأعداد، لأن واحد الأعداد يتكثر، وهو لا يتكثر. وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علمه الأول، والصور عنده بلا نهاية.

стр. 379

قال: ولا يجوز في الباري تعالى إلا أحد قولين: إما أن نقول إنه أبدع ما في علمه، وإما أن نقول إنما أبدع أشياء لا يعلمها، وهذا من قول المستشنع. وإن قلنا أبدع ما في علمه فالصور أزلية بأزليته، وليس تتكثر ذاته بتكثر المعلومات، ولا تتغير بتغيرها. قال: أبدع بوحدانيته صورة العنصر، ثم صورة العقل انبعثت عنها ببدعة الباري تعالى. فرتب العنصر في العقل ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار وأصناف الآثار، وصارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة، كما تحدث الصور في المرآة الصقيلة بلا زمان, ولا ترتيب بعض على بعض، غير أن الهيولى لا تحتمل القبول دفعة واحدة إلا بترتيب وزمان، فحدثت تلك الصور فيها على الترتيب. ولم يزل الأمر كذلك في العالم بعد العالم على قدر طبقات تلك العوالم، حتى قلت أنوار الصور في الهيولى، وقلت الهيولى، وصارت منها هذه الصورة الرذلة الكثيفة، التي لم تقبل نفسا روحانية، ولا نفسا حيوانية، ولا نباتية. وكل ما هو على قبول حياة وحس فهو يعد في آثار تلك الأنوار. وكان يقول: إن هذا العالم، يدثر، ويدخله الفساد والعدم، من أجل أنه سفل تلك العوالم وثفلها، ونسبتها إليه نسبة اللب إلى القشر، والقشر يرمى. قال: وإنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم، وإلا لما ثبت طرفة عين، ويبقي ثباته إلى أن يصفي العقل جزءه الممتزج به، وإلى أن تصفي النفس جزءها المختلط فيه. فإذا صفي الجزآن عنه دثرت أجزاء هذا العالم. فسدت وبقيت مظلمة قد عدمت ذلك القليل من النور فيها، وبقيت الأنفس الدنسة الخبيثة في هذه الظلمة بلا نور ولا سرور، ولا روح ولا راحة، ولا سكون ولا سلوة. ونقل عنه أيضا أن أول الأوائل من المبدعات هو الهواء، ومنه تكون جميع ما تكون في العالم من الأجرام العلوية والسفلية. قال: ما كون من صفو الهواء المحض لطيف روحاني لا يدثر ولا يدخل عليه الفساد, ولا يقبل الدنس والخبث، وما كون من كدر الهواء كثيف جسماني يدثر ويدخله الفساد

стр. 380

ويقبل الدنس والخبث. فما فوق الهواء من العوالم فهو من صفوه، وذلك عالم الروحانيات، وما دون الهواء من العوالم فهو من كدره، وذلك من عالم الجسمانيات، وهو كثير الأوساخ والأوضار، يتشبث به من سكن إليه فيمنعه من أن يرتفع علوا، ويتخلص منه من لم يسكن إليه, فيصعد إلى عالم كثير اللطافة، دائم السرور. ولعله جعل الهواء أول الأوائل لموجودات العالم الجسماني، كما جعل العنصر أول الأوائل لموجودات العالم الروحاني. وهو على مثال مذهب تاليس إذ أثبت العنصر والماء في مقابلته. وهو قد أثبت العنصر والهواء في مقابلته، ونزل العنصر منزلة القلم الأول، والعقل منزلة اللوح القابل لنقش الصور، ورتب الموجودات على ذلك الترتيب. وهو أيضا من مشكاة النبوة اقتبس، وبعبارات القوم التبس.

стр. 381

٤- رأي أنبادقليس ١: وهو من الكبار عند الجماعة، دقيق النظر في العلوم، رقيق الحال في الأعمال. وكان في زمن داود النبي ﵇، مضى إليه وتلقى منه العلم، واختلف إلى لقمان الحكيم، واقتبس منه الحكمة، ثم عاد إلى يونان وأفاد. قال: إن الباري تعالى لم تزل هويته فقط، وهو العلم المحض، وهو الإرادة المحضة، وهو الجود والعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، بل هي: هو، وهو: هذه كلها. مبدع فقط لا أنه أبدع من شيء، ولا أن شيئا كان معه. فأبدع الشيء البسيط الذي هو أول البسائط المعقول، وهو العنصر الأول, ثم كثر الأشياء المبسوطة من ذلك المبدع البسيط الواحد الأول، ثم كون المركبات من المبسوطات.

стр. 382

وهو مبدع الشيء واللاشيء: العقلي، والفكري، والوهمي، أي مبدع المتضادات والمتقابلات المعقولة والخيالية والحسية. وقال: إن الباري تعالى أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة، بل بنوع أنه علة فقط, وهو العلم والإرادة. فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علة لها، فالعلة ولا معلول، وإلا فالمعلول مع العلة معية بالذات، فإن جاز أن يقال إن معلولا مع العلة، فالمعلول حينئذ ليس هو غير العلة، وأن يكون المعلول ليس أولي بكونه معلولا من العلة، ولا العلة بكونها علة أولي من المعلول، فالمعلول إذا تحت العلة وبعدها، والعلة علة العلل كلها، أي علة كل معلول تحتها، فلا محالة أن المعلول لم يكن مع العلة بجهة من الجهات البتة، وإلا فقد بطل اسم العلة والمعلول. فالمعلول الأول هو العنصر، والمعلول الثاني هو بتوسطه العقل، والثالث بتوسطهما النفس، وهذه بسائط ومتوسطات، وما بعدها مركبات. وذكر أن المنطق لا يعبر عما عند العقل, لأن العقل أكبر من المنطق من أجل أنه بسيط والمنطق مركب، والمنطق يتجزأ والعقل يتحد ويحد فيجمع المتجزئآت. فليس للمنطق إذا أن يصف الباري تعالى إلا صفة واحدة، وذلك أنه هو ولا شيء من هذه العوالم بسيط ولا مركب. فإذا كان هو ولاشيء، فقد كان الشيء واللاشيء مبدعين. ثم قال أنبادقليس: العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه وليس هو بسيطا مطلقا أي واحدا بحتا من نحو ذات العلة، فلا معلول إلا وهو مركب تركيبا عقليا أو حسيا، فالعنصر في ذاته مركب من المحبة والغلبة، وعنهما أبدعت الجواهر البسيطة الروحانية، والجواهر المركبة الجسمانية، فصارت المحبة والغلبة صفتين أو صورتين للعنصر، مبدأين لجميع الموجودات، فانطبعت الروحانيات كلها على المحبة الخالصة، والجسمانيات كلها على الغلبة، والمركبات منهما على طبيعتي المحبة والغلبة، والازدواج والتضاد، وبمقدارهما في المركبات تعرف مقادير الروحانيات في الجسمانيات.

стр. 383

قال: ولهذا المعنى ائتلفت المزدوجات بعضها ببعض نوعا بنوع, وصنفا بصنف، واختلفت المتضادات فتنافر بعضها عن بعض نوعا عن نوع, وصنفا عن صنف. فما كان فيها من الائتلاف والمحبة فمن الروحانيات، وما كان فيها من الاختلاف والغلبة فمن الجسمانيات، وقد يجتمعان في نفس واحدة بإضافتين مختلفتين. وربما أضاف المحبة إلى المشتري والزهرة، والغلبة إلى زحل والمريخ، فكأنهما تشخصتا بالسعدين والنحسين. ولكلام أنبادقليس مساق آخر، قال: إن النفس النامية قشر للنفس البهيمية الحيوانية، والنفس الحيوانية قشر للنفس المنطقية، والمنطقية قشر للعقلية، وكل ما هو أسفل فهو قشر لما هو أعلى، والأعلى لبه. وربما يعبر عن القشر واللب بالجسد والروح، فيجعل النفس النامية جسدا للنفس الحيوانية، وهذه روحا لها، وعلى ذلك حتى ينتهي إلى العقل. وقال: لما صور العنصر الأول في العقل ما عنده من الصور المعقولة الروحانية، وصور العقل في النفس ما استفاد من العنصر, صورت النفس الكلية في الطبيعة الكلية ما استفادت من العقل، فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها، ولا هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف. فلما نظر العقل إليها وأبصر الأرواح واللبوب في الأجسام والقشور: ساح عليها من الصور الحسنة الشريفة البهية, وهي صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية حتى يديرها ويتصرف فيها بالتمييز بين القشور واللبوب، فيصعد باللبوب إلى عالمها، فكانت النفوس الجزئية أجزاء للنفس الكلية كأجزاء الشمس المشرقة على منافذ البيت، والطبيعة الكلية معلولة للنفس، وفرق بين الجزء وبين الطبيعة، فالجزء غير المعلول. ثم قال: وخاصية النفس الكلية: المحبة، لأنها لما نظرت إلى العقل وحسنه وبهائه أحبته حب وامق١ عاشق لمعشوقه، فطلبت الاتحاد به وتحركت نحوه.

стр. 384

وخاصية الطبيعة الكلية: الغلبة، لأنها لما توحدت لم يكن لها نظر وبصر تدرك بهما النفس والعقل وتعشقهما، بل انبجست١ منها قوى متضادة: أما في بسائطها فمتضادات الأركان، وأما في مركباتها فمتضادات القوى المزاجية والطبيعية والنباتية والحيوانية. والطبيعية تمردت عليها لبعدها من العلة بكونها معلولة عن كلياتها، وطاوعتها الأجزاء النفسانية مغترة بعالمها الغرار الغدار، فركنت إلى لذات حسية: من مطعم مري، ومشرب هني، وملبس طرى، ومنكح شهي ونسيت ما قد طبعت عليه من ذلك البهاء والحسن والكمال الروحاني النفساني العقلي. فلما رأت النفس الكلية تمردها واغترارها أهبطت إليها جزءا من أجزائها، هو أزكى وألطف وأشرف من هاتين النفسين البهيمية، والنباتية ومن تلك النفوس المغترة بهما، فيكسر النفسين عن تمردهما، ويحبب إلى النفوس المغترة عالمها، ويذكرها بما نسيت، ويعلمها ما جهلت، ويطهرها مما تدنست فيه، ويزكيها عما تنجست به. وذلك الجزء الشريف هو النبي المبعوث في كل دور من الأدوار, فيجري على سنن العقل والعنصر الأول من رعاية المحبة والغلبة، فيتألف بعض النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة. ويشدد على بعضها بالقهر والغلبة. فتارة يدعو باللسان من جهة المحبة لطفا، وتارة يدعو بالسيف من جهة الغلبة عنفا، فيخلص النفوس الجزئية الشريفة التى اغترت بتمويهات النفسين المزاجيتين عن التمويه الباطل، والتسيل الزائل الفائل. وربما يكسو النفسين السافلتين كسوة النفس الشريفة، فتنقلب الصفة الشهوية إلى المحبة، فتغلب محبة الخير والحق والصدق، وتنقلب الصفة الغضبية إلى الغلبة فتغلب الشر والباطل والكذب، فتصعد النفس الجزئية الشريفة إلى عالم الروحانيين بهما جميعا، فتكونان جسدا لها في ذلك العالم، كما كانتا جسدا لها في هذا العالم. وقد قيل إذا كانت الدولة والجد لأحد أحبه أشكاله، فيغلب بمحبتهم له أضداده.

стр. 385

ومما نقل عن أنباد قليس أنه قال: العالم مركب من الأسطقسات١ الأربعة، فإنه ليس وراءها شئ أبسط منها، وان الأشياء كامنة بعضها في بعض. وأبطل الكون والاستحالة والنمو، وقال: الهواء لا يستحيل نارا٢، ولا الماء هواء، ولكن ذلك بتكاثف وتخلخل وبكمون وظهور، وتركب وتحلل. وإنما التركب في المركبات بالمحبة يكون، والتحلل في المتحللات بالغلبة يكون. ومما نقل عنه أيضا: أنه تكلم في الباري تعالى بنوع حركة وسكون، فقال: إنه متحرك بنوع سكون، لأن العقل والعنصر متحركان بنوع سكون، وهو مبدعهما، ولا محالة أن المبدع أكبر، لأنه علة كل متحرك وساكن. وشايعه على هذا الرأي فيثاغورس ومن بعده من الحكماء إلى أفلاطون. وأما زينون الأكبر وديمقريط والشاعريون فصاروا إلى أنه تعالى متحرك. وقد سبق النقل عن أنكساغورس أنه قال هو ساكن لا يتحرك، لأن الحركة لا تكون إلا محدثة. ثم قال: إلا أن يقولوا إن تلك الحركة فوق هذه الحركة، كما أن ذلك السكون فوق هذا السكون. وهؤلاء ما عنوا بالحركة والسكون النقلة عن مكان واللبث في مكان، ولا بالحركة التغيير والاستحالة، ولا بالسكون ثبات الجوهر والدوام على حالة واحدة، فإن الأزلية والقدم تنافي هذه المعاني كلها. ومن يحترز ذلك الاحتراز عن التكثر، فكيف يجازف هذه المجازفة في التغيير؟!

стр. 386

فأما الحركة والسكون في العقل والنفس، فإنما عنوا بهما الفعل والانفعال، وذلك أن العقل لما كان موجودا كاملا بالفعل قالوا: هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلا. والنفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال قالوا: هي متحركة طالبة درجة العقل. ثم قالوا: العقل ساكن بنوع حركة، أي هو في ذاته كامل بالفعل، فاعل يخرج النفس من القوة إلى الفعل. والفعل نوع حركة في سكون، والكمال نوع سكون في حركة، أي هو كامل ومكمل غيره. فعلى هذا المعنى يجوز على قضية مذهبهم إضافة الحركة والسكون إلى الباري تعالى. ومن العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل، حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان، ومستو على مكان، وذلك إشارة إلى السكون، وصار بعض إلى أنه يجيء ويذهب وينزل ويصعد، وذلك عبارة عن الحركة، إلى أنه يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس، حقيق بجلال الحق. ومما نقل عن أنباد قليس في أمر المعاد أنه قال: يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع، والأرواح التي تعلقت بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها، فتتضرع النفس إلى العقل، ويتضرع العقل إلى الباري تعالى، فيسيح الباري تعالى على العقل، ويسيح العقل على النفس، وتسيح النفس على هذا العالم بكل نورها، فتستضئء الأنفس الجزئية، وتشرق الأرض بنور ربها، حتى تعاين الجزئيات كلياتها، فتتخلص من الشبكة، فتتصل بكلياتها، وتستقر في عالمها مسرورة، محبورة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.

стр. 387

٥- رأي فيثاغورس ١: ابن منسارخس من أهل ساميا٢. وكان في زمان سليمان النبي ابن داود ﵉. قد أخذ الحكمة من معدن النبوة. وهو الحكيم الفاضل، ذو الرأي المتين، والعقل الرصين. يدعى أنه شاهد العوالم العلوية بحسه وحدسه، وبلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك، ووصل إلى مقام الملك، وقال: ما سمعت شيئا قط ألذ من حركاتها، ولا رأيت شيئا أبهى من صورها وهيئاتها. قوله في الإلهيات: قال: إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد، ولا يدخل في العدد، ولا يدرك من جهة العقل ولا من جهة النفس، فلا الفكر العقلي يدركه، ولا المنطق النفسي يصفه، فهو فوق الصفات الروحانية، غير مدرك من نحو ذاته، وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله. وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر في صنعته، فينعته ويصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته، فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعته من حيث تلك الآثار، والموجودات في العالم الجسماني قد خصت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث تلك الآثار. ولا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها، وهداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها. فكل يصفه من نحو ذاته، ويقدسه عن خصائص صفاته. ثم قال: الوحدة تنقسم إلى وحدة غير مستفادة من الغير، وهي وحدة الباري تعالى: وحدة الإحاطة بكل شيء وحدة الحكم على كل شيء وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات والكثرة فيها، وإلى وحدة مستفادة من الغير، وذلك وحدة المخلوقات.

стр. 388

وربما يقول: الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر، ووحدة مع الدهر، ووحدة بعد الدهر وقبل الزمان، ووحدة مع الزمان. فالوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري تعالى، والوحدة التي هي مع الدهر هي وحدة العقل الأول، والوحدة التي هي بعد الدهر وقبل الزمان هي وحدة النفس، والوحدة التي هي مع الزمان هي وحدة العناصر والمركبات. وربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول: الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات، وإلى وحدة بالعرض. فالوحدة بالذات ليست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوحدانيات في العدد والمعدود، والوحدة بالعرض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد، وإلى ما هو مبدأ للعدد وهو داخل فيه, فالأول كالواحدية للعقل الفعال، لأنه لا يدخل في العدد والمعدود، والثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له، فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين، وكذلك كل عدد فهو مركب من آحاد لا محالة، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل، وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه، وذلك لأن كل عدد أو معدود لن يخلو قط عن وحدة تلازمه، فإن الاثنين والثلاثة في كونهما أثنين وثلاثة واحدة، وكذلك المعدودات من المركبات والبسائط واحدة إما في الجنس، أو في النوع، أو في الشخص، كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق، والإنسان في أنه إنسان، والشخص المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد، فلم تنفك الوحدة من الموجودات قط. وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها، وإن كانت في ذواتها متكثرة. وإنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه، فكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل. ثم إن لفيثاغورس رأيا في العدد والمعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله، وخالفه فيه من بعده، وهو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة، وتصوره موجودا محققا، وجرد الصورة، وتحققها. وقال: مبدأ الموجودات هو العدد، وهو أول مبدع أبدعه الباري تعالى. فأول العدد هو الواحد، وله اختلاف رأي في أنه هل

стр. 389

يدخل في العدد أم لا كما سبق. وميله الأكثر إلى أنه لا يدخل في العدد، فيبتدئ العدد من اثنين. ويقول: هو منقسم إلى زوج وفرد، فالعدد البسيط الأول اثنان، والزوج البسيط الأول أربعة، وهو المنقسم بمتساويين، ولم يجعل الاثنين زوجا، فإنه لو انقسم لكان إلى واحدين، وكان الواحد داخلا في العدد، ونحن ابتدأنا في العدد من اثنين، والزوج قسم من أقسامه، فكيف يكون نفسه؟ والفرد البسيط الأول ثلاثة. قال: وتتم القسمة بذلك، وما وراءه فهو قسمة القسمة، فالأربعة هي نهاية العدد، وهي الكمال، وعن هذا كان يقسم "بالرباعية" "لا، وحق الرباعية التي هي تدبر أنفسنا التي هي أصل الكلام" وما وراء ذلك فهو زوج الفرد، وزوج الزوج، وزوج الزوج والفرد. ويسمي الخمسة عددا دائرا، فإنها إذا ضربتها في نفسها أبدا عادت الخمسة من الرأس. ويسمي الستة عددا تاما، فإن أجزائها مساوية لجملتها. والسبعة عددا كاملا، فإنها مجموع الزوج والفرد، وهي نهاية أخرى. والثمانية مبتدأة مركبة من زوجين. والتسعة من ثلاثة أفراد، وهي نهاية أخرى. والعشرة من مجموع العدد من الواحد إلى الأربعة، وهي نهاية أخرى. فللعدد أربع نهايات: أربعة، وسبعة، وتسعة، وعشرة. ثم يعود إلى الواحد فيقول: أحد عشر ... ويعد. والتركيبات فيما وراء الأربعة على أنحاء ستة: فالخمسة على مذهب من لا يرى الواحد داخلا في العدد فهي مركبة من عدد وفرد. وعلى مذهب من يرى ذلك فهي مركبة من فرد وزوجين. وكذلك الستة على الأول فمركبة من فردين, أو عدد وزوج. وعلى الثاني فمركبة من ثلاثة أزواج.

стр. 390

والسبعة على الأول فمركبة من فرد وزوج، وعلى الثاني فمركبة من فرد وثلاثة أزواج. والثمانية على الأول فمركبة من زوجين، وعلى الثاني فمركبة من أربعة أزواج. والتسعة على الأول فمركبة من ثلاثة أفراد، وعلى الثاني فمركبة من فرد وأربعة أزواج. والعشرة على الأول فمركبة من عدد وزوجين أو زوج وفردين، وعلى الثاني فما يحسب من الواحد إلى الأربعة، وهو النهاية والكمال. ثم الأعداد الأخرى فقياسها هذا القياس. قال: وهذه هي أصول الموجودات. ثم إنه ركب العدد على المعدود، والمقدار على المقدور، فقال: المعدود الذي فيه اثنينية وهو أصل المعدودات ومبدؤها هو العقل باعتبار أن فيه اعتبارين: اعتبارا من حيث ذاته وأنه ممكن الوجود بذاته، واعتباره من حيث مبدعه, وأنه واجب الوجود به، فقابله الاثنان. والمعدود الذي فيه ثلاثية هو النفس، إذ زاد على الاعتبارين اعتبارا ثالثا. والمعدود الذي فيه أربعية هو الطبيعة، إذ زاد على الثلاثة رابعا. وثم النهاية، أعني نهاية المبادئ، وما بعدها المركبات، فما من موجود مركب إلا وفيه من العناصر والنفس والعقل شئ إما عين أو أثر، حتى ينتهي إلى السبعة فيقدر المعدودات على ذلك وينتهي إلى العشرة، ويعد العقل والنفوس التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها وعقولها المفارقة كالجوهر وتسعة أعراض. وبالجملة إنما يتعرف حال الموجودات من العدد والمقادير الأول، ويقول: الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي الأعداد المقادير، وهي لا تختلف، فعلمه لا يختلف. وربما يقول: المقابل للواحد هو العنصر الأول كما قال أنكسيمانس, ويسميه الهيولي الأولي، وذلك هو الواحد المستفاد, لا الواحد الذي هو كالاحاد, وهو واحد، كل: تصدر عنه كل كثرة، وتستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات، ولا تفارقها
следующие страницы →