← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فأما الحركة والسكون في العقل والنفس، فإنما عنوا بهما الفعل والانفعال، وذلك أن العقل لما كان موجودا كاملا بالفعل قالوا: هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلا. والنفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال قالوا: هي متحركة طالبة درجة العقل. ثم قالوا: العقل ساكن بنوع حركة، أي هو في ذاته كامل بالفعل، فاعل يخرج النفس من القوة إلى الفعل. والفعل نوع حركة في سكون، والكمال نوع سكون في حركة، أي هو كامل ومكمل غيره. فعلى هذا المعنى يجوز على قضية مذهبهم إضافة الحركة والسكون إلى الباري تعالى. ومن العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل، حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان، ومستو على مكان، وذلك إشارة إلى السكون، وصار بعض إلى أنه يجيء ويذهب وينزل ويصعد، وذلك عبارة عن الحركة، إلى أنه يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس، حقيق بجلال الحق. ومما نقل عن أنباد قليس في أمر المعاد أنه قال: يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع، والأرواح التي تعلقت بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها، فتتضرع النفس إلى العقل، ويتضرع العقل إلى الباري تعالى، فيسيح الباري تعالى على العقل، ويسيح العقل على النفس، وتسيح النفس على هذا العالم بكل نورها، فتستضئء الأنفس الجزئية، وتشرق الأرض بنور ربها، حتى تعاين الجزئيات كلياتها، فتتخلص من الشبكة، فتتصل بكلياتها، وتستقر في عالمها مسرورة، محبورة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.

стр. 387

٥- رأي فيثاغورس ١: ابن منسارخس من أهل ساميا٢. وكان في زمان سليمان النبي ابن داود ﵉. قد أخذ الحكمة من معدن النبوة. وهو الحكيم الفاضل، ذو الرأي المتين، والعقل الرصين. يدعى أنه شاهد العوالم العلوية بحسه وحدسه، وبلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك، ووصل إلى مقام الملك، وقال: ما سمعت شيئا قط ألذ من حركاتها، ولا رأيت شيئا أبهى من صورها وهيئاتها. قوله في الإلهيات: قال: إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد، ولا يدخل في العدد، ولا يدرك من جهة العقل ولا من جهة النفس، فلا الفكر العقلي يدركه، ولا المنطق النفسي يصفه، فهو فوق الصفات الروحانية، غير مدرك من نحو ذاته، وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله. وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر في صنعته، فينعته ويصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته، فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعته من حيث تلك الآثار، والموجودات في العالم الجسماني قد خصت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث تلك الآثار. ولا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها، وهداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها. فكل يصفه من نحو ذاته، ويقدسه عن خصائص صفاته. ثم قال: الوحدة تنقسم إلى وحدة غير مستفادة من الغير، وهي وحدة الباري تعالى: وحدة الإحاطة بكل شيء وحدة الحكم على كل شيء وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات والكثرة فيها، وإلى وحدة مستفادة من الغير، وذلك وحدة المخلوقات.

стр. 388

وربما يقول: الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر، ووحدة مع الدهر، ووحدة بعد الدهر وقبل الزمان، ووحدة مع الزمان. فالوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري تعالى، والوحدة التي هي مع الدهر هي وحدة العقل الأول، والوحدة التي هي بعد الدهر وقبل الزمان هي وحدة النفس، والوحدة التي هي مع الزمان هي وحدة العناصر والمركبات. وربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول: الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات، وإلى وحدة بالعرض. فالوحدة بالذات ليست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوحدانيات في العدد والمعدود، والوحدة بالعرض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد، وإلى ما هو مبدأ للعدد وهو داخل فيه, فالأول كالواحدية للعقل الفعال، لأنه لا يدخل في العدد والمعدود، والثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له، فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين، وكذلك كل عدد فهو مركب من آحاد لا محالة، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل، وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه، وذلك لأن كل عدد أو معدود لن يخلو قط عن وحدة تلازمه، فإن الاثنين والثلاثة في كونهما أثنين وثلاثة واحدة، وكذلك المعدودات من المركبات والبسائط واحدة إما في الجنس، أو في النوع، أو في الشخص، كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق، والإنسان في أنه إنسان، والشخص المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد، فلم تنفك الوحدة من الموجودات قط. وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها، وإن كانت في ذواتها متكثرة. وإنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه، فكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل. ثم إن لفيثاغورس رأيا في العدد والمعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله، وخالفه فيه من بعده، وهو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة، وتصوره موجودا محققا، وجرد الصورة، وتحققها. وقال: مبدأ الموجودات هو العدد، وهو أول مبدع أبدعه الباري تعالى. فأول العدد هو الواحد، وله اختلاف رأي في أنه هل

стр. 389

يدخل في العدد أم لا كما سبق. وميله الأكثر إلى أنه لا يدخل في العدد، فيبتدئ العدد من اثنين. ويقول: هو منقسم إلى زوج وفرد، فالعدد البسيط الأول اثنان، والزوج البسيط الأول أربعة، وهو المنقسم بمتساويين، ولم يجعل الاثنين زوجا، فإنه لو انقسم لكان إلى واحدين، وكان الواحد داخلا في العدد، ونحن ابتدأنا في العدد من اثنين، والزوج قسم من أقسامه، فكيف يكون نفسه؟ والفرد البسيط الأول ثلاثة. قال: وتتم القسمة بذلك، وما وراءه فهو قسمة القسمة، فالأربعة هي نهاية العدد، وهي الكمال، وعن هذا كان يقسم "بالرباعية" "لا، وحق الرباعية التي هي تدبر أنفسنا التي هي أصل الكلام" وما وراء ذلك فهو زوج الفرد، وزوج الزوج، وزوج الزوج والفرد. ويسمي الخمسة عددا دائرا، فإنها إذا ضربتها في نفسها أبدا عادت الخمسة من الرأس. ويسمي الستة عددا تاما، فإن أجزائها مساوية لجملتها. والسبعة عددا كاملا، فإنها مجموع الزوج والفرد، وهي نهاية أخرى. والثمانية مبتدأة مركبة من زوجين. والتسعة من ثلاثة أفراد، وهي نهاية أخرى. والعشرة من مجموع العدد من الواحد إلى الأربعة، وهي نهاية أخرى. فللعدد أربع نهايات: أربعة، وسبعة، وتسعة، وعشرة. ثم يعود إلى الواحد فيقول: أحد عشر ... ويعد. والتركيبات فيما وراء الأربعة على أنحاء ستة: فالخمسة على مذهب من لا يرى الواحد داخلا في العدد فهي مركبة من عدد وفرد. وعلى مذهب من يرى ذلك فهي مركبة من فرد وزوجين. وكذلك الستة على الأول فمركبة من فردين, أو عدد وزوج. وعلى الثاني فمركبة من ثلاثة أزواج.

стр. 390

والسبعة على الأول فمركبة من فرد وزوج، وعلى الثاني فمركبة من فرد وثلاثة أزواج. والثمانية على الأول فمركبة من زوجين، وعلى الثاني فمركبة من أربعة أزواج. والتسعة على الأول فمركبة من ثلاثة أفراد، وعلى الثاني فمركبة من فرد وأربعة أزواج. والعشرة على الأول فمركبة من عدد وزوجين أو زوج وفردين، وعلى الثاني فما يحسب من الواحد إلى الأربعة، وهو النهاية والكمال. ثم الأعداد الأخرى فقياسها هذا القياس. قال: وهذه هي أصول الموجودات. ثم إنه ركب العدد على المعدود، والمقدار على المقدور، فقال: المعدود الذي فيه اثنينية وهو أصل المعدودات ومبدؤها هو العقل باعتبار أن فيه اعتبارين: اعتبارا من حيث ذاته وأنه ممكن الوجود بذاته، واعتباره من حيث مبدعه, وأنه واجب الوجود به، فقابله الاثنان. والمعدود الذي فيه ثلاثية هو النفس، إذ زاد على الاعتبارين اعتبارا ثالثا. والمعدود الذي فيه أربعية هو الطبيعة، إذ زاد على الثلاثة رابعا. وثم النهاية، أعني نهاية المبادئ، وما بعدها المركبات، فما من موجود مركب إلا وفيه من العناصر والنفس والعقل شئ إما عين أو أثر، حتى ينتهي إلى السبعة فيقدر المعدودات على ذلك وينتهي إلى العشرة، ويعد العقل والنفوس التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها وعقولها المفارقة كالجوهر وتسعة أعراض. وبالجملة إنما يتعرف حال الموجودات من العدد والمقادير الأول، ويقول: الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي الأعداد المقادير، وهي لا تختلف، فعلمه لا يختلف. وربما يقول: المقابل للواحد هو العنصر الأول كما قال أنكسيمانس, ويسميه الهيولي الأولي، وذلك هو الواحد المستفاد, لا الواحد الذي هو كالاحاد, وهو واحد، كل: تصدر عنه كل كثرة، وتستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات، ولا تفارقها

стр. 391

ألبتة، كما قررنا. وذكر إن العنصر انفراد بوحدته ثم أفاضها على الموجودات، فلا يوجد موجود إلا وفيه من وحدته حظ على قدر استعداده، ثم من هداية العقل حظ على قدر قبوله، ثم من قوة النفس حظ على قدر تهيئته. وعلى ذلك آثار المبادئ في المركبات، فإن كل مركب لا يخلو عن مزاج ما، وكل مزاج لا يعرى عن اعتدال ما، وكل اعتدال عن كمال أو قوة كمال: إما طبيعي إلي هو مبدأ الحركة، وإما عن كمال نفساني هو مبدأ الحس. فإذا بلغ المزاج الإنساني إلى حد قبول هذا الكمال أفاض عليه العنصر وحدته، والعقل هدايته، والنفس نطقه وحكمته. قال: ولما كانت التأليفات الهندسية مرتبة على المعادلات العددية عددناها أيضا من المبادئ. فصارت طائفة من الفيثاغوريين إلى أن المبادئ هي التأليفات الهندسية على مناسبات عددية، ولهذا صارت المتحركات السماوية ذات حركات متناسبة لحنية هي أشرف الحركات، وألطف التأليفات. ثم تعدوا من ذلك إلى الأقوال، حتى صارت طائفة منهم إلى أن المبادئ هي الحروف والحدود المجردة عن المادة، وأوقعوا الألف في مقابلة الواحد، والباء في مقابلة الاثنين, إلى غير ذلك من المقابلات. ولست أدري! على أي لسان ولغة قدروها؟، فإن الألسن يختلف باختلاف الأمصار والمدن، أو على أي وجه من التركيب؟ فإن التركيبات أيضا مختلفة. فالبسائط من الحروف مختلف فيها، والمركبات كذلك، ولا كذلك العدد، فإنه لا يختلف أصلا. وصارت جماعة منهم إلى أن مبدأ الجسم هو الأبعاد الثلاثة، والجسم مركب عنها، وأوقعوا النقطة في مقابلة الواحد، والخط في مقابلة الاثنين، والسطح في مقابلة الثلاثة، والجسم في مقابلة الأربعة. وراعوا هذه المقابلات في تراكيب الأجسام، وتضاعيف الأعداد. ومما ينقل عن فيثاغورس: أن الطبائع أربعة، والنفوس التي فينا أيضا أربعة: العقل، والعلم، والرأي، والحواس. ثم ركب فيه العدد على المعدود. والروحاني على الجسماني.

стр. 392

قال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا: وأمثل ما يحمل عليه هذا القول أن يقال: كون الشيء واحدا غير كونه موجودا أو إنسانا، وهو في ذاته أقدم منهما، فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا إلا وقد تقدمه معنى الوحدة الذي صارا به واحدا، ولولاه لم يصح وجوده، فإذن هو الأشرف الأبسط الأول، وهذه صورة العقل، فالعقل يجب أن يكون الواحد من هذه الجهة، والعلم دون ذلك في الرتبة، لأنه بالعقل ومن العقل، فهو كالاثنين الذي يفتقر إلى الواحد ويصدر منه، وكذلك العلم يئول إلى العقل. ومعنى الظن والرأي عدد السطح، والحس عدد المصمت: أن السطح لكونه ذا ثلاث جهات هو طبيعة الظن الذي هو أعم من العلم مرتبة، وذلك لأن العلم يتعلق بمعلوم معين، والظن والرأي ينجذب إلى الشيء ونقيضه، والحس أعم من الظن، فهو المصمت أي الجسم له أربع جهات. ومما نقل عن فيثاغورس أن العالم إنما ألف من اللحون البسيطة الروحانية. ويذكر أن الأعداد الروحانية غير منقطعة، بل أعداد متحدة تتجزأ من نحو العقل، ولا تتجزأ من نحو الحواس. وعد عوالم كثيرة. فمنه عالم هو سرور محض في أصل الإبداع وابتهاج وروح في وضع الفطرة، ومنه عالم هو دونه. ومنطقها ليس مثل منطق العوالم العالية، فإن المنطق قد يكون باللحون الروحانية البسيطة، وقد يكون باللحون الروحانية المركبة. والأول يكون سرورها دائما غير منقطع. ومن اللحون ما هو ناقص في التركيب، لأن المنطق بعد لم يخرج إلى الفعل، فلا يكون السرور بغاية الكمال، لأن اللحن ليس بغاية الاتفاق. وكل عالم فهو دون الأول بالرتبة، وتتفاضل العوالم بالحسن والبهاء والرتبة. والأخير ثقل العوالم وثقلها١ وسفلها، ولذلك لم يجتمع كل الاجتماع، ولم تتحد الصورة بالمادة كل الاتحاد، وجاز على كل جزء منه الانفكاك عن الجزء الآخر، إلا أن فيه

стр. 393

نورا قليلا من النور الأول، فلذلك النور وجد فيه نوع ثبات، ولولا ذلك لم يثبت طرفة عين، وذلك النور القليل: جسم النفس والعقل الحامل لهما في هذا العالم. وذكر أن الإنسان بحكم الفطرة واقع في مقابلة العالم كله، وهو عالم صغير، والعالم إنسان كبير، ولذلك صار حظه من النفس والعقل أوفر، فمن أحسن تقويم نفسه وتهذيب أخلاقه وتزكية أحواله أمكنه أن يصل إلى معرفة العالم وكيفية تأليفه، ومن ضيع نفسه ولم يقم بمصالحها من التهذيب والتقويم خرج من عداد العدد والمعدود، وانحل عن رباط القدر والمقدور، وصار ضياعا هملا. وربما يقول: النفس الإنسانية تأليفات عددية أو لحنية، ولهذا ناسبت النفس مناسبات الألحان، والتذت بسماعها وطاشت، وتواجدت باستماعها وجاشت. ولقد كانت قبل اتصالها بالأبدان قد أبدعت من تلك التأليفات العددية الأولى، ثم اتصلت بالأبدان، فإن كانت التهذيبات الخلقية على تناسب الفطرة، وتجردت النفوس عن المناسبات الخارجة اتصلت بعالمها، وانخرطت في سلكها على هيئة أجمل وأكمل من الأول، فإن التأليفات الأولى قد كانت ناقصة من وجه حيث كانت بالقوة، وبالرياضة والمجاهدة في هذا العالم بلغت إلى حد الكمال خارجة من حد القوة إلى حد الفعل. قال: والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكوات وسائر العبادات هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية. وربما يبالغ في تقرير التأليف حتى يكاد يقول: ليس في العالم سوى التأليف، والأجسام والأعراض تأليفات، والنفوس والعقول تأليفات. ويعسر كل العسر تقرير ذلك! نعم! تقدير التأليف على المؤلف والتقدير على المقدر أمر يهتدي إليه ويعول عليه. وكان خرينوس وزينون الشاعر متابعين لفيثاغورس على رأيه في المبدع والمبدع. إلا أنهما قالا: الباري تعالى أبدع النفس والعقل دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، وفي بدء ما أبدعهما أبدعهما لا يموتان. ولا يجوز عليهما الدثور والفناء.

стр. 394

وذكرا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية من كل دنس صارت في العالم الأعلى إلى مسكنها الذي يشاكلها ويجانسها، وكان الجسم الذي هو من النار والهواء جسمها في ذلك العالم مهذبا من كل ثقل وكدر. فأما الجرم -الذي من الماء والأرض- فإن ذلك يدثر ويفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن الجسم السماوي لطيف لا وزن له ولا يلمس. فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، وهذا العالم لا يشاكل الجسم، بل الجرم يشاكله. فكل ما هو مركب والأجزاء النارية والهوائية عليه أغلب كانت الجسمية أغلب، وكل ما هو مركب والأجزاء المائية والأرضية عليه أغلب كانت الجرمية أغلب. وهذا العالم عالم الجرم، وذلك العالم عالم الجسم. فالنفس في ذلك العالم تحشر في بدن جسماني لا جرماني دائما، لا يجوز عليه الفناء والدثور، ولذته تكون دائمة لا تملها الطباع والنفوس. وقيل لفيثاغورس: لم قمت بإبطال العالم؟، قال: لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان، فإذا بلغها سكنت حركته. وأكثر اللذات العلوية هي التأليفات اللحنية، وذلك كما يقال: التسبيح والتقديس غذاء الروحانيين وغذاء كل موجود هو مما خلق منه ذلك الموجود. وأما هيراقليطس وأباسيس فقد كانا من الفيثاغوريين وقالا: إن مبدأ الموجودات هو النار، فما تكاثف منها وتحجر فهو الأرض، وما تحلل من الأرض بالنار صار ماء، وما تخلخل من الماء بالنار صار هواء، وما تخلخل من الهواء بحرارة النار صار نارا. فالنار مبدأ، وبعدها الارض، وبعدها الماء، وبعدها الهواء، وبعدها النار. والنار هي المبدأ وإليها المنتهي، فمنها التكون وإليها الفساد. وأما أبيفورس الذي تفلسف في أيام ديمقريطيس، فكان يرى أن مبادىء الموجودات أجسام تدرك عقلا، وهي كانت تتحرك من الخلاء في الخلاء، وزعم أن الخلاء

стр. 395

لا نهاية له، وكذلك الأجسام لا نهاية لها، إلا أن لها ثلاثة أشياء: الشكل، والعظم، والثقل. وديمقريطيس كان يرى أن لها شيئين: الشكل، والعظم فقط. وذكر أن تلك الأجسام لا تتجزأ، أي لا تنفعل ولا تتكثر، وهي معقولة أو متوهمة غير محسوسة، فاصطكت تلك الأجزاء في حركاتها اضطرارا واتفاقا، فحصل من اصطكاكها صور هذا العالم وأشكالها، وتحركت على أنحاء من جهات التحرك. وذلك هو الذي يحكي عنهم أنهم قالوا بالاتفاق، فلم يثبتوا لها صانعا أوجب الاصطكاك، وأوجد هذه الصور. وهؤلاء قد أثبتوا الصانع، وأثبتوا سبب حركات تلك الجواهر. وأما اصطكاكها فقد قالوا فيها بالاتفاق. فلزمهم حصول العالم بالاتفاق والخبط. وكان لفيثاغورس تلميذان رشيدان: يدعى أحدهما: فلنكس ويعرف بموزنوش, قد دخل فارس ودعا الناس إلى حكمة قيثاغورس، وأضاف حكمته إلى مجوسية القوم. ويدعى الآخر قلانوس دخل الهند، ودعا الناس إلى حكمة فيثاغورس أيضا، وأضاف حكمته إلى برهمية القوم. إلا أن المجوس كما يقال أخذوا جسمانية قوله، والهند أخذوا روحانية قوله. ومما أخبر عنه فيثاغورس وأوصى به: قال: إني عاينت هذه العوالم العلوية بالحس بعد الرياضة البالغة، وارتفعت عن عالم الطبائع إلى عالم النفس وعالم العقل، فنظرت إلى ما فيها من الصور المجردة، وما لها من الحسن والبهاء والنور، وسمعت ما لها من اللحون الشريفة والأصوات الشجية الروحانية. وقال: إن ما في هذا العالم يشتمل على مقدار يسير من الحسن، لكونه معلول الطبيعة، وما فوقه من العوالم أبهى وأشرف وأحسن، إلى أن يصل الوصف إلى عالم النفس والعقل فيقف، فلا يمكن المنطق وصف ما فيها من الشرف والكرم والحسن

стр. 396

والبهاء. فليكن حرصكم واجتهادكم على الاتصال بذلك العالم، حتى يكون بقاؤكم ودوامكم طويلا بعد ما نالكم من الفساد والدثور وتصيرون إلى عالم هو حسن كله، وبهاء كله، وسرور كله، وعز وحق كله, ويكون سروركم ولذتكم دائمة غير منقطعة. وقال: من كانت الوسائط بينه وبين مولاه أكثر فهو في رتبة العبودية أنقص. وإذا كان البدن مفتقرا في مصالحه إلى تدبير الطبيعة، وكانت الطبيعة مفتقرة في تأدية أفعالها إلى تدبير النفس، وكانت النفس مفتقرة في اختيارها الأفضل إلى إرشاد العقل، ولم يكن فوق العقل فاتح إلا الهداية الإلهية.! فبالحري أن يكون المستعين بصريح العقل في كافة المصارف مشهودا له بفطنة الاكتفاء بمولاه، وأن يكون التابع لشهوة البدن، المنقاد لدواعي الطبيعة، المواتي لهوى النفس بعيدا من مولاه، ناقصا في رتبته.

стр. 397

٦- رأي سقراط: سقراط١ بن سفر نيسقوس الحكيم، الفاضل، الزاهد من أهل أثينية. وكان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس وأرسالاوس، واقتصر من أصنافها على الإلهيات والأخلاقيات، واشتغل بالزهد ورياضة النفس, وتهذيب الأخلاق، وأعرض عن ملذات الدنيا، واعتزل إلى الجبل، وأقام في غاربه٢. ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان، فثورا عليه الغاغة وألجأوا ملوكهم إلى قتله، فحبسه الملك، ثم سقاه السم. وقضيته معروفة. قال سقراط: إن الباري تعالى لم يزل هوية فقط، وهو جوهر فقط. وإذا رجعنا

стр. 398

إلى حقيقة الوصف، والقول فيه وجدنا المنطق والعقل قاصرين عن إكتناه وصفه، وحقيقته، وتسميته، وإدراكه، لأن الحقائق كلها من تلقاء جوهره، فهو المدرك حقا، والواصف لكل شيء وصفا، والمسمى لكل موجود اسما، فكيف يقدر المسمى أن يسميه اسما؟ وكيف يقدر المحاط أن يحيط به وصفا؟ فنرجع فنصفه من جهة آثاره وأفعاله، وهي أسماء وصفات، إلا أنها ليست من الأسماء الواقعة على الجوهر المخبرة عن حقيقته وذلك مثل قولنا: إله, أي واضع كل شيء. وخالق أي مقدر كل شيء، وعزيز أي ممتنع أن يضام. وحكيم أي محكم أفعاله على النظام, وكذلك سائر الصفات. وقال: إن علمه، وقدرته، وجوده، وحكمته بلا نهاية، ولا يبلغ العقل أن يصفها، ولو وصفها لكانت متناهية. فألزم عليه. إنك تقول إنها بلا نهاية ولا غاية، وقد نرى الموجودات متناهية!، فقال: إنما تناهيها بحسب احتمال القوابل، لا بحسب القدرة والحكمة, والجود، ولما كانت المادة لم تحتمل صورا بلا نهاية، فتناهت الصور لا من جهة بخل في الواهب، بل لقصور في المادة. وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت: ذاتا، وصورة، وحيزا، ومكانا، إلا أنها لا تتناهى زمانا في آخرها إلا من نحو أولها، وإن لم يتصور بقاء شخص، فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص ببقاء الأنواع، وذلك بتجدد أمثالها، ليستحفظ الشخص ببقاء النوع، ويستبقي النوع بتجدد الأشخاص، فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية، ولا الحكمة تقف على غاية. ثم إن من مذهب سقراط أن أخص ما يوصف به الباري تعالى هو كونه حيا، قيوما، لأن العلم، والقدرة، والجود، والحكمة: تندرج تحت كونه حيا، والحياة صفة جامعة للكل. والبقاء، والسرمد، والدوام، وحفظ النظام في العالم: تندرج تحت كونه قيوما، والقيومية صفة جامعة للكل. وربما يقول: هو حي ناطق من جوهره أي من ذاته، وحياتنا ونطقنا لا من جوهرنا، ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد، ولا يتطرق إلى حياته ونطقه تعالى وتقدس.

стр. 399

وحكى فلوطرخيس في المبادئ أنه قال: أصول الأشياء ثلاثة وهي العلة الفاعلة، والعنصر، والصورة، فالله تعالى هو الفاعل، والعنصر هو الموضوع الأول للكون والفساد، والصورة جوهر لا جسم. وقال: الطبيعة أمة للنفس، والنفس أمة للعقل، والعقل أمة للمبدع الأول، من أجل أن أول مبدع أبدعه المبدع الأول صورة العقل. وقال: المبدع لا غاية له ولا نهاية، وما ليس له نهاية ليس له شخص وصورة. وقال: اللانهاية في سائر الموجودات لو تحققت لكان لها صورة واقعة ووضع وترتيب، وما تحقق له صورة ووضع وترتيب صار متناهيا، فالموجودات ليست بلا نهاية، والمبدع الأول ليس بذي نهاية، ليس على أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية، كما يتخيله الخيال والوهم، بل لا يرتقي إليه الخيال حتى يصفه بنهاية ولا نهاية، فلا نهاية له من جهة العقل، إذ ليس يحده، ولا من جهة الحس، فليس يحده. فهو ليس له نهاية، فليس له شخص وصورة خيالية وجودية حسية أو عقلية تعالى وتقدس. ومن مذهب سقراط أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان على نحو من أنحاء الوجود إما متصلة بكلها، وإما متمايزة بذواتها وخواصها، فاتصلت بالأبدان استكمالا واستدامة، والأبدان قوالبها وآلاتها، فتبطل الأبدان، وترجع النفوس إلى كليتها. وعن هذا وكان يخوف بالملك الذي حبسه أنه يريد قتله قال إن سقراط في حب١، والملك لا يقدر إلا على كسر الحب، فالحب يكسر، ويرجع الماء إلى البحر. ولسقراط أقاويل في مسائل الحكمة العلمية والعملية. ومما اختلف فيه فيثاغورس وسقراط: أن الحكمة قبل الحق، أم الحق قبل الحكمة؟ وأوضح القول فيه بأن الحق أعم من الحكمة، إلا أنه قد يكون جليا، وقد يكون خفيا. وأما الحكمة فهي أخص من الحق، إلا أنها لا تكون إلا جلية. فإذن: الحق

стр. 400

مبسوط في العالم، مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم، والحكمة موضحة للحق المبسوط في العالم، والحق ما به الشيء، والحكمة ما لأجله الشيء. ولسقراط أيضا الغاز١ ورموز ألقاها إلى تلميذه أرسجانس، وجلها في كتاب "فاذن". ونحن نوردها مرسلة معقودة: منها قوله: عندما فتشت عن علة الحياة ألفيت الموت، وعندما وجدت الموت ألفيت الحياة الدائمة. ومنها: اسكت عن الضوضاء التي في الهواء، وتكلم بالليالي، حيث لا تكون أعشاش الخفافيش، وأسدد الخمس الكوي٢، ليضيء مسكن العلة، واملا الوعاء طيبا، وأفرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة، وأحبس على باب الكلام، وأمسك مع الحضرة اللجام الرخو لئلا تغضب، فترى نظام الكواكب، ولا تؤكل الأسود الذئب، ولا تجاوز الميزان، ولا تسوطن٣ النار بالسكين ولا تجلس على المكيال، ولا تشم التفاحة، وأمت الحي تحيي بموته، وكن قاتله بالسكين٤ المزينة لوالديه. واحذر الأسود ذا الأربع، ومن جهة العلة كن أرنبا، وعند الموت لا تكن نملة، وعندما تذكر دوران الحياة أمت الميت، لتكون ذاكرا، وكن صديق مفضض، ولا تكن صديق شرطي، ولا تكن مع أصدقائك قوسا، ولا تنعس على أبواب أعدائك، وأثبت على ينبوع واحد متكئا على يمينك، وينبغي أن تعلم أنه ليس زمان من الأزمنة يفقد فيه زمان الربيع، وافحص عن ثلاث سبل، فإذا لم تجدها فارض بأن تنام لها نوم المستغرق، واضرب الأترجة٥ بالرمانة، واقتل العقرب بالصوم، وإن أحببت أن تكون ملكا، فكن حمار وحش. وليست السبعة بأكمل من الواحد، وبالإثني عشر اقتن اثني عشر، وازرع بالأسود واحصد بالأبيض، ولا تسلبن الإكليل

стр. 401

ولا تهتكه، ولا تقفن راضيا بعدمك للخير وأنت موجود، ذلك لك في أربعة وعشرين مكانا، وإن سألك سائل أن تعطيه من هذا الغذاء فميزه، وإن كان مستحقا للغذاء المريء فأعطه وإن احتاج إلى غذاء يمينك فاصنعه، لأن اللون الذي يطلب كذلك من كمال الغذاء فهو للبالغين. وقال: يكفي من تأجج النار نورها. وقال له رجل: من أين لك أن هذا المشار إليه واحد؟ فقال: إني لأعلم أن الواحد بالإطلاق غير محتاج إلى الثاني، فمتى فرضته قرينا للواحد كنت كواضع ما لا يحتاج إليه ألبتة إلى جانب ما لا بد منه ألبتة. وقال: الإنسان له مرتبة واحدة من جهة حده، وثلاث مراتب من جهة هيئته. وقال: للقلب آفتان: الغم والهم، فالغم يعرض منه النوم، والهم يعرض منه السهر. وقال: الحكمة إذا أقبلت خدمت الشهوات العقول. وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وقال: ينبغي أن تغتم بالحياة، وتفرح بالموت، لأنا نحيا لنموت. ونموت لنحيا. وقال: قلوب المغرقين في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة، وبطون المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة. وقال: للحياة حدان أحدهما الأمل. والثاني الأجل فبالأول بقاؤها. وبالآخر فناؤها. وقال: النفس الناطقة جوهر بسيط ذو سبع قوى يتحرك بها حركة مفردة وحركات مختلفة. فأما حركتها المفردة: فإذا تحركت نحو ذاتها ونحو العقل، وأما حركاتها المختلفة: فإذا تحركت نحو الحواس الخمس.

стр. 402

واليونانيون بنوا ثلاثة أبيات على طوالع مقبولة. أحدهما: بيت بأنطاكية على جبلها، وكانوا يعظمونه، ويقربون القرابين فيه، وقد خرب. والثاني: من جملة الأهرام التي بمصر بيت كانت فيه أصنام تعبد، وهي التي نهاهم سقراط عن عبادتها. والثالث: بيت المقدس الذي بناه داود وأتمه سليمان ﵉، ويقال إن سليمان هو الذي بناه، والمجوس يقولون إن الضحاك بناه، وقد عظمه اليونانيون تعظيم أهل الكتاب إياه.

стр. 403

٧- رأي أفلاطون الإلهي أفلاطون١ بن أرسطن بن أرسطوقليس من أثينية، وهو آخر المتقدمين الأوائل الأساطين، معروف بالتوحيد والحكمة. ولد في زمان أردشير بن دارا في سنة ست عشرة من ملكه، وفي سنة ست وعشرين من ملكه كان حدثا متعلما يتلمذ لسقراط، ولما اغتيل سقراط بالسم ومات قام مقامه، وجلس على كرسيه. وقد أخذ العلم من سقراط, وطيماوس والغريبين: غريب أثينية, وغريب الناطس، وضم إليه العلوم الطبيعية والرياضية. وحكى عنه قوم ممن شاهده وتلمذ له مثل أرسطو طاليس وطيماوس, وثاوفرسطيس أنه قال: إن للعالم محدثا مبدعا، أزليا، واجبا بذاته، عالما بجميع معلوماته على نعت الأسباب الكلية، كان قي الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل، إلا مثالا عند الباري تعالى، ربما يعبر عنه بالهيولى، وربما يعبر عنه بالعنصر، ولعله يشير إلى صور المعلومات في علمه تعالى.

стр. 404

قال: فأبدع العقل الأول، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعثت عن العقل انبعاث الصورة في المرآة، وبتوسطهما العنصر. ويحكى عنه: أن الهيولى التي هي موضوع الصور الحسية غير ذلك العنصر. ويحكى عنه: أنه أدرج الزمان في المبادئ، وهو الدهر, وأثبت لكل موجود مشخص في العالم الحسي مثالا غير مشخص في العالم العقلي، ويسمى ذلك: المثل الأفلاطونية. فالمبادئ الأول بسائط، والمثل مبسوطات، والأشخاص مركبات، فالإنسان المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول، وكذلك كل نوع من الحيوان والنبات والمعادن. وقال: والموجودات في هذا العالم آثار الموجودات في ذلك العالم، ولا بد لكل أثر من مؤثر يشابهه نوعا من المشابهة. قال: ولما كان العقل الإنساني من ذلك العالم أدرك من المحسوس مثالا منتزعا من المادة معقولا، يطابق المثال الذي في عالم العقل بكليته، ويطابق الموجود الذي في عالم الحس بجزئيته. ولولا ذلك لما كان لما يدركه العقل مطابقا مقابلا من خارج، فما يكون مدركا لشيء يوافق إدراكه حقيقة المدرك. وقال: والعالم عالما: عالم العقل وفيه المثل العقلية والصور الروحانية. وعالم الحس وفيه الأشخاص الحسية والصور الجسمانية، كالمرآة المجلوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات فإن الصور فيها مثل الأشخاص، وكذلك العنصر في ذلك العالم مرآة لجميع صور هذا العالم يتمثل فيه جميع الصور كلها، غير أن الفرق أن المنطبع في المرآة الحسية صور خيالية يرى أنها موجودة تتحرك بحركة الشخص وليس في الحقيقة كذلك، وأن المتمثل في المرآة العقلية صور حقيقية روحانية هي موجودة بالفعل تحرك الأشخاص ولا تتحرك، فنسبة الأشخاص إليها كنسبة الصور في المرآة إلى الأشخاص، فلها الوجود الدائم، ولها الثبات القائم، وهي تتمايز في حقائقها تمايز الأشخاص في ذواتها. قال: وإنما كانت هذه الصور موجودة كلية دائمة باقية، لأن كل مبدع ظهرت

стр. 405

صورته في حد الإبداع, فقد كانت صورته في علم الأول الحق، والصور عنده بلا نهاية، ولو لم تكن الصور معه في أزليته, في علمه لم تكن لتبقى. ولو لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى. ولو كانت تدثر مع دثور الهيولى لما كانت على رجاء ولا خوف، ولكن لما صارت الصور الحسية على رجاء وخوف استدل به على بقائها، وإنما تبقى إذا كانت لها صور عقلية في ذلك العالم ترجو اللحوق بها وتخاف التخلف عنها. قال: وإذا اتفقت العقلاء على أن هناك حسا ومحسوسا، وعقلا ومعقولا، وشاهدنا بالحس جميع المحسوسات، وهي محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فيجب أن نشاهد بالعقل جميع المعقولات، وهي غير محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فتكون مثلا عقلية. ومما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم! قال: إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط والمركبات، ومن المركبات أنواعها وأشخاصها، ومن البسائط ما هي هيولانية وهي التي تعرى عن الموضوع، وهي رسوم الجزئيات مثل: النقطة، والخط، والسطح، والجسم التعليمي. قال: وهذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها، وكذلك توابع الجسم مفردة مثل: الحركة، والزمان، والمكان، والأشكال، فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة ومركبة مرة أخرى، ولها حقائق في ذواتها من غير حوامل ولا موضوعات. ومن البسائط ما ليست هي هيولانية مثل: الوجود، والوحدة، والجوهر. والعقل يدرك القسمين جميعا متطابقين عالمين متقابلين: عالم العقل وفيه المثل العقلية التي تطابقها الأشخاص الحسية، وعالم الحس وفيه المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل العقلية. فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم، وأعيان هذا العالم آثار في ذلك العالم، وعليه وضع الفطرة والتقدير، ولهذا الفصل شرح وتقرير. وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي، إلا أنهم

стр. 406

يقولون: هو معنى في العقل موجود في الذهن، والكلي من حيث هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن، إذ لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق على زيد وعلى عمرو وهو في نفسه واحد. وأفلاطون يقول ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء يطابقه في الخارج فينطبق عليه، وذلك هو المثال الذي في العقل، وهو جوهر لا عرض، إذ تصور وجوده لا في موضوع، وهو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل على الحس، وهو تقدم ذاتي وشرفي معا. وتلك المثل هي مبادئ الموجودات الحسية منها بدأت، وإليها تعود. ويتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير وتصرف كانت موجودة قبل وجود الأبدان، وكان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي، وتمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض. وخالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس ومن بعده من الحكماء، وقالوا أن النفوس حدثت مع حدوث الأبدان. وقد رأيت في كلام أرسطوطاليس كما ستأتي١ حكايته, أنه ربما يميل إلى مذهب أفلاطون في كون النفوس موجودة قبل وجود الأبدان، إلا أن نقل المتأخرين ما قدمنا ذكره. وخالفه أيضا في حدوث العالم: إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها، لأنك إذا قلت حادث، فقد أثبت سبق الأزلية لكل واحد، وما ثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل. قال: وأن صورها لا بد وأن تكون حادثة، لكن الكلام في هيولاها وعنصرها. فأثبت عنصرا قبل وجودها، فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم، وهو إذ أثبت واجب الوجود لذاته، وأطلق لفظ الإبداع على العنصر، فقد

стр. 407

أخرجه عن الأزلية بذاته، بل يكون وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادئ التي ليست زمانية، ولا وجودها ولا حدوثها حدوث زماني. فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني، والمركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني. وقال: إن العالم لا يفسد فسادا كليا. ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس: ما الشيء الذي لا حدوث له؟ وما الشيء الحادث وليس بباق؟ وما الشيء الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة؟ وإنما يعنى بالأول: وجود الباري تعالى. وبالثاني: وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة. وبالثالث: وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير. ومن أسئلته: ما الشيء الكائن ولا وجود له؟ وما الشيء الموجود ولا كون له؟. وإنما يعنى بالأول الحركة المكانية والزمان، لأنه لم يؤهله لاسم الوجود، ويعنى بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة وحق لها اسم الوجود، إذ لها السرمد والبقاء والدهر. ويحكى عنه أنه قال: إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظم، وإن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم. وربما عبرة عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة، وقيل إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور والأشكال بها فترتبت وانتظمت. ورأيت في "راموز" له أنه قال: إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور، فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات، وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية، فسقطت رياشها قبل الهبوط، فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم. وحكى أرسطوطاليس عنه أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس: الجوهر، والاتفاق، والاختلاف، والحركة، والسكون. ثم فسر كلامه فقال أما الجوهر، فنعني به الوجود.

стр. 408

وأما الاتفاق، فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى، وأما الاختلاف، فلأنها مختلفة في صورها، وأما الحركة، فلأن لكل شيء من الأشياء فعلا خاصا. وذلك نوع من الحركة، لا حركة النقلة، وإذا تحرك نحو الفعل، وفعل، فله سكون بعد ذلك لا محالة. قال: وأثبت البخت أيضا مبدا سادسا وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل، وقال جرجيس: إنه قوة روحانية مدبرة للكل، وبعض الناس يسميه جدا، وزعم الرواقيون أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة. وزعم بعضهم أن علل الأشياء ثلاثة المشتري، والطبيعة، والبخت. وقال أفلاطون: إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل، وفي كل واحد من المركبات طبيعة خاصة، وحد الطبيعة بأنها مبدأ الحركة والسكون في الأشياء، أي مبدأ التغير، وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها، فطبيعة الكل محركة للكل. والمحرك الأول يجب أن يكون ساكنا، وإلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له. حكي أرسطو طاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب "ما بعد الطبيعة" أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس، فكتب عنه ما روى عن هرقليطس: أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة، وأن العلم لا يحيط بها. ثم اختلف بعده إلى سقراط, وكان مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها، فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة، لأن الحدود ليست للمحسوسات، لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية، أعني: الأجناس. والأنواع. فعند ذلك سمى أفلاطون الأشياء الكلية صورا، لأنها واحدة، ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور. إذن كانت الصور رسوما ومثالات لها. متقدمة عليها. وإنما وضع سقراط الحدود مطلقا، لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس. وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات، فأثبتها مثلا عامة.

стр. 409

وقال أفلاطون في كتاب "النواميس": إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها، منها: أن له صانعا، وأن صانعه يعلم أفعاله. وذكر أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب، أي لا شبيه له ولا مثال. أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام، وأن كل مركب فهو إلى الانحلال، وأنه لن يسبق العالم زمان، ولم يبدع عن شيء. اختلاف الأوائل في الإبداع والمبدع والإرادة: ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع: هل هما عبارتان عن معبر واحد؟ أم للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع؟ وكذلك في الإرادة إنها المراد، أم المريد؟ على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في الخلق، والمخلوق، والإرادة إنها خلق، أم مخلوقة، أم صفة في الخالق؟ قال انكساغورس بمذهب فلوطرخيس: إن الإرادة ليست هي غير المراد، ولا غير المريد، وكذلك الفعل، لأنهما لا صورة لهما ذاتية، وإنما يقومان بغيرهما. فالإرادة مرة تكون مستبطنة في المريد، ومرة ظاهرة في المراد، وكذلك الفعل. وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول، وقالا: إن صورة الإرادة وصورة الفعل قائمتان، وهما أبسط من صورة المراد، كالقاطع للشيء هو المؤثر، وأثره في الشيء، والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر. فالأثر ليس هو المؤثر فيه، وإلا انعكس حتى يكون المؤثر هو الأثر، والمؤثر فيه هو الأثر، وهو محال، فصورة المبدع فاعلة، وصورة المبدع مفعولة، وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول. فللفعل صورة، وأثر، فصورته من جهة المبدع. وأثره من جهة المبدع. والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة، وصورة باري مفترقتان، بل هي حقيقة واحدة.

стр. 410

وأما برمنيدس الأصغر، فإنه أجاز قولهم في الإرادة، ولم يجزه في الفعل، وقال: إن الإرادة تكون بلا توسط من الباري تعالى فأجائز ما وصفوه. وأما الفعل فيكون بتوسط منه، وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط، بل الفعل قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة، ولا ينعكس. وأما الأولون مثل تاليس وأبندقليس، فقد قالوا: الإرادة من جهة المبدع هي المبدع، ومن جهة المبدع هي المبدع. وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي المبدع، ومن جهة الأثر هي المبدع. ولا يجوز أن يقال إنها من جهة الصورة هي المبدع، لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع، فغير جائز أن تكون ذات صورة الشيء الفاعل هي المفعول، بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول. ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه. وفي الفصل انغلاق.

стр. 411

الفصل الثاني: الحكماء الأصول مدخل ... الفصل الثاني: الحكماء الأصول الحكماء الأصول؛ الذين هم من القدماء، إلا أنا لم نجد لهم رأيا في المسائل المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها، لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة، ولا يخلو الكتاب عن تلك الفوائد. فمنهم الشعراء: الذين يستدلون بشعرهم. وليس شعرهم على وزن وقافية، ولا الوزن والقافية ركن في الشعر عندهم، بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات المخيلة فحسب. ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل. فإن كانت المقدمة التي نوردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعريا، وإن انضم إليها قول إقناعي يقينيا تركبت المقدمة من معيين شعري وإقناعي، وإن كان الضميم إليه قولا يقينيا تركبت المقدمة من شعري وبرهاني.

стр. 412

ومنهم النساك: ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية. ويقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة، وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية. وربما وجدنا لبعضهم رأيا في بعض المسائل المذكورة، أعني: المبدع، والإبداع، وأنه عالم، وأن أول ما أبدعه ماذا؟ وأن المبادئ كم هي؟ وأن المعاد كيف يكون؟ وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه، وذكرنا مقالته، وإن كانت كالمكرره. نبتدئ بهم، ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر.

стр. 413

١- رأي فلوطرخيس: قيل: إنه أول من شهر بالفلسفة. ونسبت إليه المحكمة. تفلسف بمصر. ثم سار إلى ملطية وأقام بها. وقد يعد من الأساطين. قال: إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات، وهو مبدع فقط. وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده، أي كانت معلومة له. فالصور عنده بلا نهاية، أي المعلومات بلا نهاية. قال: ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع، ولا بقاء للمبدع، ولو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء والخوف. ولكن لما كانت الصور باقية دائمة، ولها الرجاء والخوف: كان ذلك دليلا على أنها لا تدثر. ولما عدل عنها الدثور ولم يكن له قوة عليها: كان ذلك دليلا على أن الصورة أزلية في علمه تعالى. قال: ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال: إما أن يقال: الباري تعالى لا يعلم شيئا البتة، وهذا من المحال الشنيع، وأما أن يقال: يعلم بعض الصور دون بعض، وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال. وإما أن يقال: يعلم جميع الصور والمعلومات، وهذا هو الرأي الصحيح. ثم قال: إن أصل المركبات هو الماء، فإنه إذا تخلخل صافيا وجد نارا، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء، وإذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا.

стр. 414

وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي. والله أعلم.

стр. 415

٢- رأي أكسنوفانس: كان يقول: إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم، لاتدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية، مبدع صور كل صفة, وكل نعت نطقي وعقلي، فإذا كان هذا هكذا، فقولنا: إن صور ما في هذا العالم المبدعة لم تكن عنده، أو كانت، أو كيف أبدع؟ ولم أبدع؟ محال، لأن العقل مبدع، والمبدع مسبوق بالمبدع، والمسبوق لا يدرك السابق أبدا، فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق. بل نقول: إن المبدع أبدع كيفما أحب, وكيفما شاء، فهو هو ولا شيء معه. قال: وهذه الكلمة أعنى: هو ولا شيء بسيطا ولا مركبا معه، وهو مجمع كل ما نطلبه من العلم، لأنك إذا قلت: ولا شيء معه، فقد نفيت عنه أزلية الصورة والهيولى، وكل مبدع من صورة وهيولى، وكل مبدع من صورة فقط. ومن قال: أن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط، بل هو وأشياء كثيرة، فليس هو مبدع للصور، بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها، فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم وهذه أشنع ما يكون من القول. وكان تيرس والقادميون يقولان: ليست أوائل البتة، ولا معقول قبل المحسوس بحال، بل مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ١ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر، فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد، فيكمل، فنحسه وندركه، وليس شيء معقول البتة. والعالم دائم لا يزول ولا يفنى، فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله، وذلك محال.

стр. 416

٣- رأي زينون الأكبر: زينون الأكبر ابن ماوس من أهل قنطس. كان يقول: إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر، وصورة دثور كل جوهر. فإن علمه غير متناه، والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية، وكذلك صور الدثور غير متناهية، فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر، فما كان منها مشاكلا لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل، وما كان غير مشاكل لنا لم ندركه إلا أنه ذكر وجه التجدد، فقال: إن الموجودات باقية داثرة: أما بقاؤهما فبتجدد صورها، وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى. وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معا. وقال أيضا: إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء، فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا. ثم هذه الصور كلها: بقاؤها، ودثورها: في علم الباري تعالى، والعلم يقتضي بقاءها دائما وكذلك الحكمة تقتضي ذلك، لأن بقاءها على هذه الحال أفضل. والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوما ما إن أراد. وهذا الرأي قد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون، دون الإلهيين. وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي الله والعنصر فقط، فالله هو العلة الفاعلة، والعنصر هو المنفعل. حكمه -قال: أكثروا من الإخوان، فإن بقاء النفوس ببقاء الإخوان كما أن شفاء الأبدان بالأدوية. وقيل: رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزونا يتلهف على الدنيا، فقال له: يا فتى! ما يلهفك على الدنيا؟ لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق: كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك؟ قال نعم،

стр. 417

قال: لو كنت ملكا على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك: كان مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك؟ قال نعم، قال: فأنت الغني، وأنت الملك الآن، فتسلى الفتى. وقال لتلميذه: كن بما تأتي من الخير مسرورا، وبما تجتنب من الشر محبورا. وقيل له: أي الملوك أفضل: ملك اليونانيين، أم ملك الفرس؟ قال: من ملك غضبه وشهوته. وسئل بعد أن هرم: ما حالك؟ قال: هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل. وقيل له: إذا مت! من يدفنك؟ قال: من يؤذيه نتن جيفتي. وسئل: ما لذي يهرم؟ قال: الغضب والحسد، وأبلغ منهما الغم. وقال: الفلك تحت تدبيره. ونعى إليه ابنه فقال: ما ذهب ذلك على؛ إنما ولدت ولدا يموت، وما ولدت ولدا لا يموت. وقال: لا تخف موت البدن، ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس. فقيل له: لما قلت خف موت النفس، والنفس الناطقة لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية -وإن كان جوهرها لا يبطل- فقد ماتت من العيش العقلي. وقال: أعط الحق من نفسك، فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه. وقال: محبة المال وتد الشر، لأن سائر الآفات تتعلق بها، ومحبة الشهوات وتد العيوب، لأن سائر العيوب متعلقة بها. وقال: أحسن مجاورة النعم فتنعم بها، ولا تسيء بها فتسيء بك. وقال: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته. وقيل له، وكان لا يقتني إلا قوت يومه: إن الملك يبغضك فقال: وهل يحب الملك من هو أغنى منه؟

стр. 418

وسئل: بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم؟ قال: بالشرور. قال: وما رأينا العقل قط إلا خادما للجهل، وفي رواية للسجزي: إلا خادما للجد، والفرق بينهما ظاهر، فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل: استخدمه الجهل، وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي: كان الجد مستخدما للعقل، ويعظم جد الإنسان ما يعقل، وليس يعظم العقل ما يجد، ولهذا! خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل. والجد أصم، أخرس، لا يفقه، ولا ينقه، وإنما هو ريح تهب، وبرق يلمع، ونار تلوح، وصحو يعرض، وحلم يمتع. وهذا اللفظ أولى، فإنه عمم الحكم فقال ما رأينا العقل قط، وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل، وذلك هو الأكثر. وقال زينون: في الجرادة خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل، وبطنها بطن عقرب، وذنبها ذنب حية. هكذا ذكره زينون.

стр. 419

٤- رأي ديمقريطيس وشيعته: كان يقول في المبدع الأول: إنه ليس هو العنصر فقط، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة، وهي الاسطقسات: أوائل الموجودات كلها، ومنها أبدعت الأشياء البسيطة كلها دفعة واحدة، وأما المركبة فإنها كونت دائمة دائرة، إلا أن ديمومتها بنوع، ودثورها بنوع. ثم إن العالم بجملته باق غير داثر، لأنه ذكر أن هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى، كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف أرواحها الساكنة فيها. والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر، فإن صفوها من الروح البسيط الذي فيها، فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس، فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر، فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه، وصفوه متصل بالعوالم البسيطة.

стр. 420

وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله: إن أول مبدع هو العناصر، وبعدها أبدعت البسائط الروحانية، فهو يرتقي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأكدر إلى الأصفى. ومن شيعته: فليوخوس، إلا أنه خالفه في المبدع الأول، وقال بقول سائر الحكماء، غير أنه قال: إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى، فإنها لم تزل مع المبدع. فأنكروا عليه وقالوا: إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة: لما قبلت الصور، ولما تغيرت منحال إلى حال، ولما قبلت فعل غيرها، إذ الأزلي لا يتغير. وهذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي، والرأي في نفسه مزيف، والعزوة إليه غير صحيحة. ومما نقل عن ديمقريطيس وزينون الأكبر وفيثاغورث أنهم كانوا يقولون: إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية. وقد أشرنا إلى المذهبين، وبينما المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى. ونزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه. قال أصحاب السكون: إن الحركة لا تكون أبدا إلا ضد السكون، والحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض وإما مستقبل، والحركة لا تكون إلا مكانية إما منتقلة وإما مستوية، ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة، والحركة المعوجة، والمكانية تكون مع الزمان، فلو كان الباري تعالى متحركا، لكان داخلا في الدهر والزمان. قال أصحاب الحركة: إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه، وهو مبدع الدهر والمكان، وإبداعه ذلك هو يعنى بالحركة. والله أعلم.

стр. 421

٥- رأي فلاسفة أقاديما ١: كانوا يقولون: إن كل مركب ينحل، ولا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين في جميع الجهات، وإلا فليس بمركب، فإذا كان هذا هكذا، فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه، فما كان منها بسيطا روحانيا لحق بعالمه الروحاني البسيط، والعالم الروحاني باق غير داثر، وما كان منها جاسيا٢ غليظا لحق بعالمه أيضا، وكان جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به، فيكونان متحدين إلى الأبد، وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل، وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط، فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه، فيبقى خالدا دهر الدهور. وهذا الفصل أيضا قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد، لا بالمبدإ وهؤلاء يسمون مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق، فهم. أهل لوقيون٣، وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا، تعظيما لها، وتابعه على ذلك أرسطوطاليس،. ويسمى هو وأصحابه المشائين. وأصحاب الرواق هم أهل المظال. وكان لأفلاطون تعليمان: تعليم كليس، وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف، وتعليم كأيس، وهو الهيولانيات. والله الموفق للصواب.

стр. 422

٦- رأي هرقل الحكيم: كان يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا, لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، وهو اسم الله حقا، وهو اسم الله باليونانية حقا.

стр. 423

إنها تدل عليه، إنه مبدع الكل. وهذا الاسم عندهم شريف جدا. وكان يقول: إن بدء الخلق، وأول شيء أبدع، والذي هو أول لهذه العوالم، هو المحبة، والمنازعة. ووافق في هذا الرأي أنبادقليس حيث قال: الأول الذي أبدع هو المحبة والغلبة. وقال هرقل: السماء كرة متحركة من ذاتها، والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها، والشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة، فاجتمعت فيها، فصار البحر، والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئا من الرطوبة صار منه: الحصى، والحجارة، والجبل، وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر، ولم تنزع عنه الرطوبة كلها، فهو التراب. وكان يقول: إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب، لأن الكواكب تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض وتلتهب، فيصير متصلا ببعضها البعض، حتى تكون كالدائرة حول الأرض، وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها نارا محصنة، ويصعد منها ما كان نورا محصنا، فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد، وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نورا وبهاءً وحسنا في ثواب السرمد. وهناك: الصور الحسان لذات للبصر، والألحان الشجية لذات السمع، ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب أسطقسات فهي جواهر، شريفة، روحانية، نورانية. وقال: إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة، فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق، فحينئذ يشتد عشقها، وشوقها، ونورها، ومجدها. فلا تزال كذلك دائما إلى الأبد.

стр. 424

٧- رأي أبيقورس: خالف الأوائل في الأوائل. قال: المبادئ اثنان: الخلاء، والصورة. أما الخلاء فمكان فارغ، وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء، ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها، فمنها المبدأ، وإليها المعاد. وربما يقول: الكل يفسد، وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافأة ولا جزاء، بل كلها تضمحل وتدثر. والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم. والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها، فإن فعلت خيرا وحسنا فيرد عليها سرور وفرح، وإن فعلت شرا وقبيحا فيرد عليها حزن وترح. وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى، وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى بقدر ما يظهر لها من أفاعيل. وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي.

стр. 425

٨- حكم سولون الشاعر: وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط، وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله. قال سولون لتلميذه: تزود من الخير وأنت مقبل، خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر. وقال: من فعل خيرا فليجتنب ما خالفه، وإلا دعي شريرا. وقال: إن أمور الدنيا حق، وقضاء، فمن أسلف فليقض، ومن قضى فقد وفى. وقال: إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك، ولا ترجع باللائمة لكن لم رأيك بما أحدث عليك.
следующие страницы →