← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مذاهب أهل العلم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل: من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق، مثل: اليهود، والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل: المجوس والمانوية، وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل: الفلاسفة الأولى، والدهرية، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة. نذكر أربابها وأصحابها، وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة؛ على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها، والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها. ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا: إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى: أهل الديانات، وإلى أهل الأهواء. فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا، أو قال قولا، فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره، وإما مستبدا برايه. فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والمسلم المطيع هو المتدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع؛ وفي الخبر عن النبي ﵇: "ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعد باستبداد برأي" وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا، بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأنه ما حصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ شرط عظيم فليعتبر. وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط.

стр. 37

وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١ ركن عظيم، فلا تغفل. فالمستبدون بالرأي مطلقًا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها. والمستفيدون هم القائلون بالنبوات. ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.

стр. 38

تمهيد: أرباب الديانات والملل من المسلمين، وأهل الكتاب، وممن له شبهة كتاب: نتكلم ههنا في معنى الدين، والملة، والشرعة, والمنهاج والإسلام، والحنيفية، والسنة، والجماعة، فإنها عبارات وردت في التنزيل، ولكن واحدة منها معنى يخصها، وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وقد بينا معنى الدين أنه الطاعة والانقياد. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ١ وقد يرد بمعنى الجزاء، يقال: "كما تدين تدان"، أي كما تفعل تجازى. وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢ فالمتدين هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد، قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣.

стр. 39

ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده؛ وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله، ويحصل بالتعاون ما ليس له؛ فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشرعة، والسنة: والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١. ولن يتصور وضع الملة، وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيات تدل على صدقه، وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى، وقد تكون ملازمة وربما تكون متأخرة. ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل ﵇، وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة٢ تقابل التضاد، وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣. والشريعة ابتدأت من نوح ﵇. قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤ والحدود والأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس ﵈، وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد ﵇. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥. وقد قيل: خص آدم بالأسماء، وخص نوح بمعاني تلك الأسماء، وخص إبراهيم

стр. 40

بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل، وخص عيسى بالتأويل، وخص المصطفى، صلوات الله عليهم أجمعين، بالجمع بينهما على ملة أبيكم إبراهيم. ثم كيفية التقرير الأول، والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون مصدقا كل واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية، والسنن السالفة؛ تقديرا للأمر على الخلق، وتوفيقا للدين على الفطرة. فمن خاصية النبوة: لا يشاركهم فيها غيرهم، وقد قيل: إن الله أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه، وبدينه على خلقه.

стр. 41

الباب الأول: المسلمون مدخل ... الباب الأول: المسلمون ١- قد ذكرنا معنى الإسلام، ونفرق ههنا بينه وبين الإيمان والإحسان، ونبين ما المبدأ، وما الوسط، وما الكمال بالخبر المعروف في دعوة جبريل ﵇ حيث جاء على صورة أعرابي وجلس حتى ألصق ركبته بركبة النبي صلى الله وسلم، وقال: "يا رسول الله، ما الإسلام؟ فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا". قال: صدقت. ثم قال: ما الإيمان؟ قال ﵇: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر. وأن تؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت، ثم قال: ما الإحسان؟ قال ﵊: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: صدقت، ثم قال: متى الساعة؟ قال ﵇: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، ثم قام وخرج، فقال النبي ﷺ : "هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم". ففرق في التفسير بين الإسلام والإيمان. والإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا، ويشترك فيه المؤمن والمنافق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ ففرق التنزيل بينهما.

стр. 42

فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك، فهو المبدأ. ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى؛ بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ كان مؤمنا حقا، ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن المجاهدة بالمشاهدة، وصار غيبه شهادة؛ فهو الكمال، فكان الإسلام مبدأ، الإيمان وسطا, والإحسان كمالا، وعلى هذا شمل لفظ المسلمين: الناجي والهالك. وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١ وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٤ وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ وعلى هذا خص الإسلام بالفرقة الناجية، والله أعلم. ٢- أهل الأصول المختلفون في التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والسمع، والعقل: نتكلم ههنا في معنى الأصول والفروع، وسائر الكلمات. قال بعض المتكلمين: الأصول: معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول. ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موصوع علم الفقه. وقال

стр. 43

بعض العقلاء: كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال؛ فهو من الأصول وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع. وأما التوحيد فقد قال أهل السنة، وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وقال أهل العدل: إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسمة ولا صفة له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود قديمين، ومقدور بين قادرين، وذلك هو التوحيد. وأما العدل فعلى مذهب أهل السنة أن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ٌملكه وِملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالعدل: وضع الشيء موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف، وعلى مذهب أهل الاعتزال: العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة؛ وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. وأما الوعد والوعيد فقد قال أهل السنة: الوعد والوعيد كلامه الأزلي، وعد على ما أمر، وأوعد على ما نهى، فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده، وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده، فلا يجب عليه شيء من قضية العقل. وقال أهل العدل: لا كلام في الأزل، وإنما أمر ونهي، ووعد وأوعد بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك. وأما السمع والعقل؛ فقد قال أهل السنة: الواجبات كلها بالسمع, والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يقتضي ولا يوجب، والسمع لا يعرف، أي لا يوجد المعرفة، بل يوجب.

стр. 44

وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح. فهذه القواعد هي المسائل التي تكلم فيها أهل الأصول وسنذكر مذهب كل طائفة مفصلا إن شاء الله تعالى، ولكل علم موضوع ومسائل نذكرهما بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى. ٣ المعتزلة وغيرهم من الجبرية، والصفاتية، والمختلطة منهم. الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلا تقابل التضاد، وكذلك القدرية والجبرية، والمرجئة والوعيدية، والشيعة والخوارج، وهذا التضاد بين كل فريق وفريق كان حاصلا في كل زمان، ولكل فرقة مقالة على حيالها، وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم، وصولة طاوعتهم.

стр. 45

الفصل الأول: المعتزلة مدخل ... الفصل الأول: المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذي به متفقا عليه لقول النبي ﵇: "القدرية مجوس هذه الأمة" وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق، على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟ وقد قال النبي ﵇: "القدرية خصماء الله في القدر" والخصومة في القدر، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم، والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد:

стр. 46

القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة١ أصلا، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته؛ لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف

стр. 47

لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلام محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال. واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، ولكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها كما سيأتي، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة، ومكانا، وصورة، وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابة فيها، وسموا هذا النمط: توحيدا. واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا. واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسموا هذا النمط: عدلا. واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة، استحق الثواب والعوض. والتفضل معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط: وعدا ووعيدا. واتفقوا على أن أصول المعرفة، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع. والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. واعتناق الحسن، واجتناب القبيح واجب كذلك. وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى، أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ﵈ امتحانا واختبارا ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ١.

стр. 48

واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصا، واختيارا، كما سيأتي عند مقالة كل طائفة. والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها.

стр. 49

١- الواصلية: اصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال١ الألثغ، كان تلميذا للحسن البصري، يقرأ عليه العلوم والأخبار. وكانا في أيام عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك. وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة في بلد إدريس بن عبد الله الحسني الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور. ويقال لهم الواصلية، واعتزالهم يدور على أربع قواعد: القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الباري تعالى؛ من العلم والقدرة، والإرادة، والحياة، وكانت هذه المقالة في بدايتها غير نضيجة٢. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين. وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع الصفات إلى كونه: عالما، قادرا. ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما: اعتباران للذات القديمة كما قال الجبائي، أو حالان كما قال أبو هاشم. وميل أبي الحسن البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة وهي العالمية، وذلك عين مذهب الفلاسفة، وسنذكر تفقصيل ذلك. وكان السلف يخالفهم في ذلك إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسنة.

стр. 50

القاعدة الثانية: القول بالقدر: وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد١ الجهني؛ وغيلان الدمشقي٢، وقرر واصل ابن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات، فقال إن الباري تالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله. والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات، والسكنات، والاعتمادات والنظر، والعلم. قال: ويستحيل أن يخاطب العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل، ولا هو يحس من نفسه الاقتدار والفعل. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة. واستدل بآيات على هذه الكلمات. ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية، والشدة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى، دون الخير والشر، والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن

стр. 51

البصري١ فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة؛ وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة. فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة٢ من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة. ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير وما استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالد فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار. وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد٣ بعد أن كان موافقا له في القدر، وإنكار الصفات.

стр. 52

القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق. وأقل درجات الفريقين أن لا يقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا يجوز قبول شهادة علي، وطلحة والزبير على وباقة بقل، وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ. هذا قوله، وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة، وأئمة العترة. ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره، أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار. وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث، معروفا بالزهد، وواصل مشهورا بالفضل والأدب عندهم.

стр. 53

٢- الهذيلية: أصحاب أبي الهذيل١ حمدان بن الهذيل العلاف، شيخ المتعزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء. ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد: الأولى: أن الباري٢ تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته. حي

стр. 54

بحياة، وحياته ذاته. وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي. والفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، وبين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته: أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات، وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات؛ فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال١ أبي هاشم.

стр. 55

الثانية: أنه أثبت١ إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون. الثالثة: قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل وهو قوله "كن"، وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف. الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخالدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها. وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها. الخامسة: قوله إن حركات أهل الخالدين تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار. وهذا قريب من مذهب جهم، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسالة حدوث العالم: أن الحوادث التي لا أول

стр. 56

لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى؛ قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون. السادسة: قوله في الاستطاعة إنها عرض عن الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقال لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة، فالاستطاعة معها في حال الفعل. وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية، قال: "فحال يفعل" غير "حال فعل" ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله، غير اللون والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته. وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه: إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد. السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل. والإعراض عن القبيح كالكذب والجور. وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى، ولا يقصد بها التقرب إليه؛ كالقصد إلى النظر الأول، والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد، والفعل عبادة. وقال في المكره: إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب، ويكون وزره موضوعا عنه. الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين: أحدهما: ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد، فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى.

стр. 57

والثاني: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي ليس مأمورا بتناوله. التاسعة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلق هي خلقه له، وخلقه للشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا، رحيما، محسنا، خالقا، رازقا، مثيبا، معاقبا، مواليا، معاديا، آمرا، ناهيا، بمعنى أنه ذلك سيكون منه. العاشرة: حكى الكعبي عنه أنه قال: الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر عشرين؛ فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر. ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون، لا يكذبون، ولا يرتكبون الكبائر، فهم الحجة لا التواتر. إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله، ولم يكن فيهم واحد معصوم. وصحب أبا الهذيل: أبو يعقوب الشحام١، والآدمي، وهما على مقالته، وكان سنه مائة سنة، توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين.

стр. 58

٣- النظامية: أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام١، قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل:

стр. 59

الأولى منها: أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره منا قوله: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري تعالى، خلافا لأصحابه فإنهم قضوا بأنه قادر عليها لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. ومذهب النظام أن القبيح إذا كان صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من الإضافة إليه فعلا؛ ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا، فيجب أن يكون مانعا. ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم، وزاد أيضا على هذا الاختباط فقال: إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده، ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم. هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا. وأما أمور الآخرة فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقثص من نعيم أهل الجنة ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة وليس ذلك مقدورا له. وقد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله، فإن القادر١ على الحقيقة من يتخير بين الفعل والترك. فأجاب إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا؛ فلا فرق. وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله. فما أبدعه وأوجده هو المقدور؛ ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله.

стр. 60

الثانية: قوله في الإرادة: إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة. فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها على حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعني به أنه آمر بها وناه عنها، وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة. الثالثة: قوله إن أفعال العباد كلها حركات فحسب، والسكون حركة اعتماد، والعلوم والإرادات حركات النفس, ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة وإنما الحركة عنده مبدأ تغير ما، كما قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف، والكم والوضع، والأين، والمتى ... إلى أخواتها. الرابعة: وافقهم أيضا في قولهم إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح، والبدن آلتها وقالبها. غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم إن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مدالخة المائية في الورد، والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن. وقال إن الروح هي التي لها قوة، واستطاعة وحياة ومشيئة، وهي مستطيعة بنفسها، والاستطاعة قبل الفعل. الخامسة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة؛ أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكان طبعا. وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة. السادسة: وافق الفلاسفة١ في نفي الجزء الذي لا يتجرا، وأحدث القول بالطفرة.

стр. 61

لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت ما لا يتناهى، فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ قال: تقطع بعضها بالمشي، وبعضها بالطفرة. وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر، وطوله خمسون ذراعا، وعليه دلو معلق، وحبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق, فيجر به الحبل المتوسط، فإن الدلو يصل إلى رأس البئر وقد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان واحد، وليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة. ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة، فالإلزام لا يندفع عنه، وإنما الفرق بين المشي والطفرة يرجع إلى سرعة الزمان وبطئه. السابعة: قال إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت. ووافق هشام بن الحكم في قوله إن الألوان والطعوم والروائح أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير. الثامنة: من مذهب أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن ونباتا، وحيوانا، وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم ﵇ خلق أولاده؛ غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور الفلاسفة وأكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين. التاسعة: قوله في إعجاز١ القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية

стр. 62

والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما. العاشرة: قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم. الحادية عشرة: ميله إلى الرفض، ووقيعته في كبار الصحابة، قال: أولا: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا، وقد نص النبي ﵊ على علي ﵁ في مواضع، وأظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك، وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول ﵇ حين قال: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال عمر فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: هذا شك وتردد في الدين، ووجدان حرج في النفس مما قضى وحكم. وزاد في الفرية فقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصبح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين. وقال: تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وإبداعه التراويح، ونهيه عن متعة الحج، ومصادرته العمال، كل ذلك أحداث. ثم وقع في أمير المؤمنين عثمان وذكر أحداثه، من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد رسول الله ﵊، ونفيه أبا ذر إلى الربذة، وهو صديق رسول الله، وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة وهو من أفسد الناس، ومعاوية الشام، وعبد الله بن عامر البصرة، وتزويجه مروان بن الحكم ابنته، وهم أفسدوا عليه أمره، وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف، وعلى القول الذي شاقه به، كل ذلك أحداثه. ثم زاد على خزيه ذلك فأن عاب عليا وعبد الله بن مسعود لقولهما: أقول فيها برأيي. وكذب ابن مسعود في روايته: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي

стр. 63

في بطن أمه" وفي روايته انشقاق القمر، وفي تشبيهه الجن بالزط. وقد أنكر الجن رأسا، إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة ﵃ أجمعين. الثانية عشرة: قوله في المفكر قبل ورود السمع إنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال. وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال. وقال: لابد من خاطرين، أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر بالكف ليصح الاختيار. الثالثة عشرة: قد تكلم في مسائل الوعد والوعيد، وزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب الزكاة وهو مائتا درهم فصاعدا، فحينئذ يفسق، وكذلك في سائر نصب الزكاة. وقال في المعاد إن الفضل على الأطفال كالفضل على البهائم. ووافقه الأسواري١ في جميع ما ذهب إليه، وزاد عليه بأن قال إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما أخبر أنه لا يفعله، مع أن الإنسان قادر على ذلك، لأن قدرة العبد صالحة للضدين، ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد دون الثاني. والخطاب لا ينقطع عن أبي لهب وإن أخبر الرب تعالى بأنه سيصلى نارا ذات لهب. ووافقه أبو جعفر الإسكافي٢ وأصحابه من المعتزلة، وزاد عليه بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين.

стр. 64

وكذلك الجعفران: جعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وافقاه وما زادا عليه، إلا أنه جعفر بن مبشر قال: في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس، وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في الحدود: النص والتوقيف. وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع عن الإيمان. وكان محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران من أصحاب النظام، إلا أنهم خالفوه في الوعيد، وفي المنزلة بين المنزلتين، وقالوا: صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان إلا بمجرد ارتكاب الكبيرة. وكان ابن مبشر يقول في الوعيد: إن استحقاق العقاب والخلود في النار بالفكر يعرف قبل ورود السمع. وسائر أصحابه يقولون: التخليد لا يعرف إلا بالسمع. ومن أصحاب النظام: الفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، قال الراوندي: إنهما كان يزعمان أن للخلق خالقين: أحدهما قديم، وهو الباري تعالى. والثاني محدث وهو المسيح ﵇ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ١ وكذبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه.

стр. 65

٤- الخابطية والحدثية: الخابطية: أصحاب أحمد بن خابط١، وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي٢، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع: البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح ﵇ موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣ وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ٤ وهو المراد بقول النبي ﵊: "إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" وبقوله: "يضع الجبار قدمه في النار" وزعم أحمد بن خابط٥ أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو والكلمة القديمة المتحدة كما قالت النصارى.

стр. 66

البدعة الثانية: القول بالتناسخ١ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك،

стр. 67

وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضراء، والشدة والرخاء، والآلام واللذات على صر مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم. فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن، وآلامه أقل. ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح، وآلامه أكثر. ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة، وصورة بعد أخرى، مادات معه ذنوبه وطاعاته. وهذا عين القول بالتناسخ. وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس، وهو أيضا من تلامذة النظام، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في التناسخ، وخلق البرية دفعة واحدة، إلا أنه قال: متى صارت التوبة إلى البهيمة ارتفعت التكاليف أيضا، وصارت التوبتان عالم الجزاء. ومن مذاهبما أن الديار خمس: داران للثواب، إحداهما فيها أكل وشرب وبعال، وجنات وأنهار. والثانية دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال، بل ملاذ روحانية وروح وريحان، غير جسمانية. والثالثة: دار العقاب المحض، وهي نار جهنم، ليس فيها ترتيب، بل هي على نمط التساوي. والرابعة: دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا، وهي الجنة الأولى. والخامسة: دار الابتداء، وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى. وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان: مكيال الخير،

стр. 68

ومكيال الشر، فغذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة، والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، ولم يلبث طرفة عين، فإن مطل الغني ظلم، وفي الحديث: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصيه، والعاصي شريرا محضا، فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١. البدعة الثالثة: حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته" على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عني النبي ﵊, بقوله: "أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال. وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك أعز، وبك أذل، وبك أعطي؛ وبك أمنع" فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يرى ألبتة، ولا يشبه إلى مبدع بمبدع. وقال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢ وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣. ولهما طريقة أخرى في التناسخ، وكأنهما مزجا كلام التناسخية، والفلاسفة، والمعتزلة بعضها ببعض.

стр. 69

٥- البشرية: أصحاب بشر١ بن المعتمر، كان من أفضل علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه، وانفرد عن أصحابه بمسائل ست: الأولى منها: أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من السمع، والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا كانت أسبابها من فعله. وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين، إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة. وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين. وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم. الثانية: قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية، وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات. وقال: لا أقول: يفعل بها في الحالة الأولى، ولا في الحالة الثانية. لكني أقول: الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية. الثالثة: قوله إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك كان ظالما إياه، إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو فعل ذلك كان الطفل بالغا عاقلا، عاصيا بمعصية ارتكبها. مستحقا للعقاب. وهذا كلام متناقض. الرابعة: حكى الكعبي٢ عنه أنه قال: إرادة الله تعالى فعل من أفعاله، وهي على وجهين: صفة ذات، وصفة فعل، فأما صفة الذات فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله، ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده. وأما صفة الفعل فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقه له، وهي

стр. 70

قبل الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه، وإن أراد بها فعل عباده؛ فهي الأمر به. الخامسة: قال: إن عند الله تعالى لطفا١ لو أتى به لآمن جميع من في الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب، استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح. فما من أصلح إلا وفوقه أصلح، وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدر والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. والمفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وإذا كان مختارا في فعله فيستغنى عن الخاطرين، لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى، وإنما هما من قبل الشيطان، والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله، ولو تقدم فالكلام في الشيطان كالكلام فيه. السادسة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، فإن قبل توبته بشرط أن لا يعود.

стр. 71

٦- المعمرية: أصحاب معمر٢ بن عباد السلمي، وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول

стр. 72

بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى، والتفكير والتضليل على ذلك، وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها أنه قال: إن الله تعالى لم يخلق١ شيئا غير الأجسام، فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين، وإما اختيارا كالحيوان يحدث الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق. ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان، فكيف يقول إنهما من فعل الأجسام؟ وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم وفناءه؟ فإن الحدوث عرض؛ فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا، ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم، فإن قال هو عرض فقد أحدثه الباري، فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام. أو يلزمه ألا يكون لله تعالى كلام هو عرض، وإن

стр. 73

قال: هو جسم فقد أبطل قوله إنه أحدثه في محل الجسم لا يقوم بالجسم. فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأذلية، ولا قال بخلق الأعراض؛ فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه، وإذا لم يكن له كلام لم يكن آمرا ناهيا، وإذا لم يكن أمر ونهى لم تكن شريعة أصلا. فأدى مذهبه إلى خزي عظيم. ومنها أنه قال إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع، وقال كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام، وذلك يؤدي إلى التسلسل. وعنهذه المسألة سمي هو وأصحابه، أصحاب المعاني. وزاد على ذلك فقال: الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها، بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد، كل ذلك عنده بمعنى. ومنها: ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله، وغير خلقه للشيء، وغير الأمر، والإخبار، والحكم. فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف. وقال: ليس للإنسان فعل سوى الإرادة، مباشرة كانت أو توليدا، وأفعاله التكليفية من القيام والقعود، والحركة، والسكون في الخير والشر كلها مستندة إلى إرادته؛ لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد، وهذا عجب. غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان. وعنده: الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد، وهو عالم، قادر، مختار، حكيم، ليس بمتحرك، ولا ساكن، ولا متكون، ولا متمكن، ولا يرى، ولا يمس، ولا يحس، ولا يجس، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحويه مكان، ولا يحصره زمان؛ لكنه مدبر للجسد، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف. وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما، هو جوهر قائم بنفسه، لا متحيز ولا متمكن. وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا؟ وبين القالب الذي هو جسده؛ فقال: فعل النفس هو

стр. 74

الإرادة فحسب، والنفس إنسان؛ ففعل الإنسان هو الإرادة؛ وما سوى ذلك من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد. ومنها: أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم، لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم؛ وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث. وقال أيضا: هو يشعر بالتقادم الزماني، ووجود الباري تعالى ليس بزماني. ويحكى عنه أيضا أنه قال: الخلق غير المخلوق، والإحداث غير المحدث. وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال: إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون العالم والمعلوم واحدا، ومحال أن يعلم غيره، كما يقال محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود. ولعل هذا النقل فيه خلل؛ فإن عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام غير المعقول. لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة، ومن مذهبهم: أنه ليس علم الباري تعالى علما انفعاليا، أي تابعا للمعلوم. بل علمه علم فعلي؛ فهو من حيث هو فاعل عالم، وعمله هو الذي أوجب الفعل، وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه، وأنه علم وعقل، وكونه عقلا، وعاقلا، ومعقولا شيء واحد. فقال ابن عباد: لا يقال: يعلم نفسه، لأنه قد يؤدي غلى تمايز بين العالم والمعلوم، ولا يعلم غيره؛ لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل. فإما أن لا يصح النقل، وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل، ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها.

стр. 75

٧- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح١ المكنى بأبي موسى، الملقب بالمردار. وقد تلمذ
следующие страницы →