← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٦- المعمرية: أصحاب معمر٢ بن عباد السلمي، وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول

стр. 72

بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى، والتفكير والتضليل على ذلك، وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها أنه قال: إن الله تعالى لم يخلق١ شيئا غير الأجسام، فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين، وإما اختيارا كالحيوان يحدث الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق. ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان، فكيف يقول إنهما من فعل الأجسام؟ وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم وفناءه؟ فإن الحدوث عرض؛ فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا، ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم، فإن قال هو عرض فقد أحدثه الباري، فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام. أو يلزمه ألا يكون لله تعالى كلام هو عرض، وإن

стр. 73

قال: هو جسم فقد أبطل قوله إنه أحدثه في محل الجسم لا يقوم بالجسم. فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأذلية، ولا قال بخلق الأعراض؛ فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه، وإذا لم يكن له كلام لم يكن آمرا ناهيا، وإذا لم يكن أمر ونهى لم تكن شريعة أصلا. فأدى مذهبه إلى خزي عظيم. ومنها أنه قال إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع، وقال كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام، وذلك يؤدي إلى التسلسل. وعنهذه المسألة سمي هو وأصحابه، أصحاب المعاني. وزاد على ذلك فقال: الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها، بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد، كل ذلك عنده بمعنى. ومنها: ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله، وغير خلقه للشيء، وغير الأمر، والإخبار، والحكم. فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف. وقال: ليس للإنسان فعل سوى الإرادة، مباشرة كانت أو توليدا، وأفعاله التكليفية من القيام والقعود، والحركة، والسكون في الخير والشر كلها مستندة إلى إرادته؛ لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد، وهذا عجب. غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان. وعنده: الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد، وهو عالم، قادر، مختار، حكيم، ليس بمتحرك، ولا ساكن، ولا متكون، ولا متمكن، ولا يرى، ولا يمس، ولا يحس، ولا يجس، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحويه مكان، ولا يحصره زمان؛ لكنه مدبر للجسد، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف. وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما، هو جوهر قائم بنفسه، لا متحيز ولا متمكن. وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا؟ وبين القالب الذي هو جسده؛ فقال: فعل النفس هو

стр. 74

الإرادة فحسب، والنفس إنسان؛ ففعل الإنسان هو الإرادة؛ وما سوى ذلك من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد. ومنها: أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم، لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم؛ وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث. وقال أيضا: هو يشعر بالتقادم الزماني، ووجود الباري تعالى ليس بزماني. ويحكى عنه أيضا أنه قال: الخلق غير المخلوق، والإحداث غير المحدث. وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال: إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون العالم والمعلوم واحدا، ومحال أن يعلم غيره، كما يقال محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود. ولعل هذا النقل فيه خلل؛ فإن عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام غير المعقول. لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة، ومن مذهبهم: أنه ليس علم الباري تعالى علما انفعاليا، أي تابعا للمعلوم. بل علمه علم فعلي؛ فهو من حيث هو فاعل عالم، وعمله هو الذي أوجب الفعل، وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه، وأنه علم وعقل، وكونه عقلا، وعاقلا، ومعقولا شيء واحد. فقال ابن عباد: لا يقال: يعلم نفسه، لأنه قد يؤدي غلى تمايز بين العالم والمعلوم، ولا يعلم غيره؛ لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل. فإما أن لا يصح النقل، وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل، ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها.

стр. 75

٧- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح١ المكنى بأبي موسى، الملقب بالمردار. وقد تلمذ

стр. 76

لبشر بن المعتمر، وأخذ العلم منه وتزهد، ويسمى راهب المعتزلة. وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل. الأولى منها: قوله في القدر إن الله تعالى يقدر على أن يكذب ويظلم، ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما. تعالى الله عن قوله. والثانية: قوله في التولد مثل قول أستاذه، وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد. الثالثة: قوله في القرآن إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة، ونظما، وبلاغة. وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن. وكفر من قال بقدمه بأنه قد أثبت قدمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا يورث. وكفر أيضا من قال إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن قال إنه يرى بالإبصار. وغلا في التكفير حتى قال هم كافرون في قولهم: لا إله إلا الله. وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فكفرهم. فأقبل عليه إبراهيم وقال: الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي ولم يحر جوابا. وقد تلمذ له أيضا الجعفران١، وأبو زفر، ومحمد بن سويد، وصحب أبو جعفر

стр. 77

محمد بن عبد الله الإسكافي، وعيسى بن الهيثم، وجعفر بن حرب الأشج، وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة، وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ، وذلك فعلنا وخلقنا. قال: وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن. وقالا في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع، وعليه يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبه عقوبة دائمة. فأثبتا التخليد واجبا بالعقل.

стр. 78

٨- الثمامية: أصحاب ثمامة بن أترس١؛ النميري؛ كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل:

стр. 79

منها قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت، مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده، ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى فعل القبيح، وذلك محال. فتحير فيه وقال المتولدات أفعال لا فاعل لها. ومنها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس، واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية: إنهم يصيرون في القيامة ترابا. وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين. ومنها قوله: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات، وهي قبل الفعل. ومنها قوله: إن المعرفة متولدة من النظر، وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات. ومنها قوله: في تحسين العقل وتقبيحه، وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال: من الكفار من لا يعلم خالفه وهو معذور. وقال: إن المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان. ومنها قوله: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له. وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطباعه. ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة، لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم العالم؛ إذ الموجب لا ينفك عن الموجب. وكان ثمامة في أيام المأمون، وكان عنده بمكان.

стр. 80

٩ - الهشامية: أصحاب هشام١ بن عمرو الفوطي. ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل. منها قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم. وقد ورد في التنزيل: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢. ومنها قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم. وقد قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣ ومبالغتها في نفي إضافات الطبع والختم والسد وأمثالها أشد واصعب. وقد ورد بجميعها التنزيل، قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ٤ وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ٥ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ٦ وليت شعري! ما يعتقده الرجل؟ إنكار ألفاظ التنزيل وكونها وحيا من الله تعالى؟ فيكون تصريحا بالكفر. أو إنكار ظواهرها من نسبته إلى الباري تعالى ووجوب تأويلها؟ وذلك عين مذهب أصحابه. ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله إن الأعراض لا تدل على كونه خالقا، ولا تصلح الأعراض دلالات؛ بل الأجسام تدل على كونه خالقا، وهذا أيضا عجب. ومن بدعه في الإمامة قوله إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة. وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان يقول الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي رضي الله

стр. 81

عنه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه. ومن بدعه أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة. وكان يقول بالموافاة، وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت. وقال: من أطاع الله جميع عمره، وقد علم الله أنه يأتي بما يحيط أعماله ولو بكبيرة لم يكن مستحقا للوعد، وكذلك على العكس. وصاحبه عباد١ من المعتزلة، وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر، لأن الكافر كفر، وإنسان. والله تعالى لا يخلق الكفر. وقال النبوة جزاء على عمل، وإنها باقية ما بقيت الدنيا, وحكى الأشعري٢ عن عباد أنه زعم أنه لا يقال:

стр. 82

إن الله تعالى لم يزل قائلا ولا غير قائل، ووافقه الإسكافي على ذلك، قالا: ولا يسمى متكلما. وكان الفوطي يقول إن الأشياء قبل كونها معدومة؛ ليست أشياء، وهي بعد أن تعدم عن وجود تسمى أشياء، ولهذا المعنى كان يمنع القول بأن الله تعالى قد كان لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها، فإنها لا تسمى أشياء. قال: وكان يجوز القتل والغيلة على المخالفين لمذهبه، وأخذ أموالهم غصبا وسرقة لاعتقاده كفرهم، واستباحة دمائهم وأموالهم.

стр. 83

١٠- الجاحظية: أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ. كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة، وحسن براعته اللطيفة، وكان في أيام المعتصم، والمتوكل. وانفرد عن أصحابه بمسائل: منها قوله: إن المعارف كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد. وليس للعبد كسب سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعا كما قال ثمامة، ونقل عنه أيضا أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسا من الأعراض فقال: إذا انتفى السهو عن الفاعل، وكان عالما بما يفعله فهو المريد على التحقيق. وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهي ميل النفس إليه، وزاد على ذلك بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها، وقال باستحالة عدم الجواهر؛ فالأعراض تتبدل، والجواهر لا يجوز أن تفنى. ومنها قوله: في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها. ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات. وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد: مذهب المعتزلة، وحكى الكعبي عنه أنه قال: يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه لا يصح عليه السهو في أفعاله، ولا الجهل ولا يجوز أن يغلب ويقهر. وقال: إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم. ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد، وجاهل به. فالجاهل معذور، والعالم محجوج. ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة، ولا يرى بالإبصار، وهو عدل لا يجور، ويريد المعاصي،

стр. 84

وبعد الاعتقاد واليقين أقر بذلك كله، فهو مسلم حقا, وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره، وقال بالتشبيه والجبر، فهو مشرك كافر حقا. وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله، واعتقد أن الله تعالى ربه، وأن محمدا رسول الله، فهو مؤمن لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك. وحكى ابن الرواندي أنه قال: إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا، ومرة حيوانا، وهذا مثل ما يحكى عن أبي بكر الأصم أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق، وأنكر الأعراض أصلا، وأنكر صفات الباري تعالى. "ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة. إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين".

стр. 85

١١- الخياطية والكعبية: أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط١، أستاذ أبي القاسم بن محمد

стр. 86

الكعبي١. وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد، إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئا وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه، والجوهر جوهر في العدم، والعرض عرض في العدم. وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال: السواد سواد

стр. 87

في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.

стр. 88

الجبائية والبهشمية ... في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.

стр. 89

عبد السلام١. وهما من معتزلة البصرة؛ انفردا عن أصحابهما بمسائل. وانفرد أحدهما

стр. 90

عن صاحبه بمسائل. أما المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما: فمنها: أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل, يكون الباري تعالى بها موصوفا مريدا. وتعظيما لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته, وفناء لا في محل إذا أراد أن يفنى العالم. وأخص أوصاف هذه الصفات يرجع إليه من حيث إنه تعالى أيضا لا في محل، وإثبات موجودات هي أعراض، أو في حكم الأعراض لا محل لها كإثبات موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها، وذلك قريب من مذهب الفلاسفة حيث أثبتوا عقلا هو جوهر لا في محل ولا في مكان، وكذلك النفس الكلية، والعقول المفارقة. ومنها: أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام يخلقه في محل، وحقيقة الكلام عندهما أصوات مقطعة، وحروف منظومة، والمتكلم من فعل الكلام، لا من قام به

стр. 91

الكلام. إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله: يحدث الله تعالى عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة، وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه القارئ ليس بكلام الله، والمسموع منه ليس من كلام الله، فالتزم هذا المحال من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع؛ وهو إثبات كلامين في محل واحد. واتفقا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، وعلى القول بإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، وإضافة الخير والشر، والطاعة والمعصية إليه استقلالا واستبدادا، وأن الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة زائدة على سلامة البنية وصحة الجوارح، وأثبتا البنية شرطا في قيام المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة، واتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي إليها فكر. وبمقتضى العقل والحكم يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع. والإيمان عندهما اسم مدح، وهو عبارة عن خصال الخير التي إذا أجتمعت في شخص سمي بها مؤمنا، ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا، لا مؤمنا ولا كافرا، وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار. واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف، لأنه قادر، عالم جواد، حكيم لا يضره الإعطاء، ولا ينقص من خزائنه المنح، ولا يزيد في ملكه الادخار، وليس الأصلح هو الألذ، بل هو الأعود في العاقبة، والأصوب في العاجلة وإن كان ذلك مؤلما مكروها، وذلك كالحجامة والفصد، وشرب الأدوية. ولا يقال إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بعبده، والتكاليف كلها ألطاف. وبعثة الأنبياء، وشرع الشرائع، وتمهيد الأحكام والتنبيه على الطريق الأصوب، كلها ألطاف.

стр. 92

ومما تخالفا فيه: أما في صفات الباري تعالى فقال الجبائي: الباري تعالى عالم لذاته، قادر حي لذاته. ومعنى قوله: لذاته أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم، أو حال توجب كونه عالما. وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها. فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة. أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات. قال: والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشيء مطلقا، وبين معرفته على صفة، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض. ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية، وافتراقها في قضية. وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به. وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل، وهي لا ترجع إلى الذات، ولا إلى أعراض وراء الذات، فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض فتعين بالضرورة أنها أحوال. فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات. وكذلك كونه قادرا، حيا. ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال، وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك، وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس. وقالوا: أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالا وتفترق في خصائص؟ كذلك نقول في الصفات، وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال، ويفضي إلى التسلسل. بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذ وضعت في الأصل على وجه يشترك فيها الكثير، لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير، فإن ذلك مستحيل. أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك والافتراق، وتلك الوجوه. كالنسب والإضافات، والقرب والبعد وغير ذلك مما لا يعد صفات بالاتفاق، وهذا هو اختيار أبي الحسين١ البصري، وأبي الحسن

стр. 93

الأشعري، ورتبوا على هذه المسألة: مسألة أن المعدوم شيء. فمن يثبت كونه شيئا كما نقلنا عن جماعة من المعتزلة، فلا يبقى من صفات الثبوت إلا كونه موجودا. فعلى ذلك لا يثبت للقدرة في إيجادها أثرا ما سوى الوجود. والوجود على مذهب نفاة الأحوال لا يرجع إلا إلى اللفظ المجرد. وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود ولا بالعدم. وهذا كما ترى من التناقض والاستحالة. ومن نفاة الأحوال من يثبته شيئا ولا يسميه بصفات الأجناس. وعند الجبائي أخص وصف الباري تعالى هو القدم، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وليت شعري! كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق، والعموم والخصوص حقيقة وهو من نفاة الأحوال؟ فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطرد، غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته رجع إلى نفي الأولية، والنفي يستحيل أن يكون أخص وصف الباري. واختلفا في كون سمعيا بصيرا. فقال الجبائي: معنى كونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به. وخالفه ابنه وسائر أصحابه. أما ابنه فصار إلى كونه سميعا حالة، وكونه بصيرا حالة. وكونه بصيرا حالة سوى كونه عالما؛ لاختلاف القضيتين والمفهومين، والمتعلقين، والأثرين. وقال غيره من أصحابه: معناه كونه مدركا للمبصرات، مدركا للمسموعات. واختلفا أيضا في بعض مسائل اللطف. فقال الجبائي فيمن يعلم الباري تعالى من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ثوابه أقل لقلة مشقته، ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لكثرة مشقته: إنه لا يحسن منه أن يكلفه إلا مع اللطف. ويسوي بينه وبين من المعلوم من حاله أنه لا يفعل الطاعة على كل وجه إلا مع اللطف. ويقول: إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستفسدا حاله، غير مزيح لعلته. ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة. قال: يحسن منه تعالى أن يكلفه

стр. 94

الإيمان على أشق الوجهين بلا لطف. واختلفا في فعل الألم للعوض، فقال الجبائي: يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض, وعليه بنى آلام الأطفال. وقال ابنه: إنما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعا. وتفصيل مذهب الجبائي في الأعراض على وجهين: أحدهما أنه يقول يجوز التفضل بمثل الأعواض غير أنه تعالى علم أنه لا ينفعه عوض إلا على ألم متقدم. والوجه الثاني أنه إنما يحسن ذلك لأن العوض مستحق، والتفضل غير مستحق. والثواب عندهم ينفصل عن التفضل بأمرين: أحدهما: تعظيم وإجلال للمثاب يقترن بالنعيم. والثاني: قدر زائد على التفضل بزيادة مقدار ولا بزيادة صفة. وقال ابنه: يحسن الابتداء بمثل العوض تفضلا، والعوض منقطع غير دائم. وقال الجبائي: يجوز أن يقع الانتصاف من الله تعالى للمظلوم من الظالم بأعواض يتفضل بها عليه إذ لم يكن للظالم على الله عوض لشيء ضره به. وزعم أبو هاشم أن التفضل لا يقع به انتصاف، لأن التفضل ليس يجب عليه فعله. وقال الجبائي وابنه: لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذا لم يكلفهم عقلا وشرعا. فأما إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم، واجتناب القبائح، وخلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن، وركب فيهم الأخلاق الذميمة؛ فإنه يجب عليه عند هذا التكليف إكمال العقل، ونصب الأدلة، والقدرة، والاستطاعة، وتهيئة الآلة، بحيث يكون مزيحا لعللهم فيما أمرهم، ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به، وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه. ولهم في مسائل هذا الباب خبط طويل. وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام البصريين، فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض، ومنهم من يميل إلى الخوارج.

стр. 95

والجبائي وأبو هاشم قد وافقها أهل السنة في الإمامة، وأنها بالاختيار، وأن الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة، غير أنهم ينكرون الكرامات أصلا للأولياء من الصحابة وغيرهم، ويبالغون في عصمة الأنبياء ﵈ عن الذنوب كبائرها وصغائرها، حتى منع الجبائي القصد إلى الذنب إلا على تأويل. والمتأخرون من المعتزلة مثل القاضي عبد الجبار١ وغيره انتهجوا طريقة أبي هاشم. وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري، وتصفح أدلة الشيوخ واعترض على ذلك بالتزييف والإبطال، وانفرد عنهم بمسائل: منها نفي الحال، ومنها نفي المعدوم شيئا، ومنها نفي الألوان أعراضا، ومنها قوله إن الموجودات تتمايز بأعيانها، وذلك من توابع نفي الحال، ومنها رده الصفات كلها إلى كون الباري تعالى عالما، قادرا، مدركا. وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أن الأشياء لا تعلم قبل كونها. والرجل فلسفي المذهب، إلا أنه روج كلامه على المعتزلة في معرض الكلام فراج عليهم لقلة معرفتهم بمسالك المذاهب.

стр. 96

الفصل الثاني: الجبرية مدخل ... الفصل الثاني: الجبرية الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، والجبرية أصناف. فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا، فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل، وسمي ذلك كسبا، فليس بجبري. والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا في الإبداع والإحداث استقلالا:

стр. 97

جبريا. ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها جبريا إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثرا. والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية، وكذلك جماعة الكلابية من الصفاتية. والأشعرية سموهم تارة حشوية، وتارة جبرية. ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم من النجارية فعددناهم من الجبرية، ولم نسمع إقرارهم على غيرهم فعددناهم من الصفاتية.

стр. 98

١- الجهمية: أصحاب جهم١ بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء: منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلفه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفي كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق.

стр. 99

ومنها إثباته علوما حادثة للباري تعالى١ لا في محل. قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق, أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد. وإن لم يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم. ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر. قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلا للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به، لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة. ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله؛ لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهنتزت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر. قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا. ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا. وحمل قوله تعالى:

стр. 100

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ١ فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء. ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن. قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى: عقد، وقول، وعمل. قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض. وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية، وإثبات خلق الكلام، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع.

стр. 101

٢- النجارية: أصحاب الحسين١ بن محمد النجار، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه. وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا، وهم:

стр. 102

برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة، ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر. ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال. قال النجار: الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه، فألزم عموم التعلق، فالتزم وقال: هو مريد الخير والشر، والنفع والضر، وقال أيضا: معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب، وقال: هو خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها. وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة؛ وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري، ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل. وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها؛ غير أنه قال: يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين؛ فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية. وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها: قوله إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم. ومن العجب أن الزعفرانية١ قالت كلام الله غيره، وكل ما هو غيره فهو مخلوق، ومع ذلك قالت: كل من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف، وإلا فالتناقض ظاهر. والمستدركة٢ منهم زعموا أن كلامه غيره، وهو مخلوق لكن النبي، ﷺ قال: "كلام الله غير مخلوق" والسلف عن آخرهم أجمعوا

стр. 103

هذا هذه العبارة، فوافقناهم، وحملنا قولهم غير مخلوق، أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات، بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها، وهذه حكاية عنها. وحكى الكعبي عن النجار أنه قال: الباري تعالى بكل مكان ذاتا، ووجودا لا معنى العلم والقدرة، وألزمه محالات على ذلك. وقال في المفكر: قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة إنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال. وقال في الإيمان: إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة, ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود. ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وبشر بن غياث المريسي، والحسن النجار متقاربون في المذهب، وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وعامة المعتزلة يأبون ذلك.

стр. 104

٣- الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو١، وحفص الفرد. واتفقا في التعطيل، وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر، على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها

стр. 105

إلا هو، وقالا: إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة ﵀ وجماعة من أصحابه، وأرادوا بذلك أنه يعلم نفسه شهادة، لا بدليل ولا خبر. ونحن نعلمه بدليل وخبر. وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة. وقالا: أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة، والعبد مكتسبها حقيقة. وجوزا حصول فعل بين فعلين، وقالا يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساما. والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة، بنفي زمانين. وقالا: الحجة بعد رسول الله ﷺ في الإجماع فقط، فما ينقل عنه في أحكام الذين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول. ويحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود، وحرف أبي بن كعب، ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله. وقال في المفكر قبل ورود السمع إنه لم يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه، ولا يجب على الله تعالى شيء بحكم العقل. وزعم ضرار أيضا أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي؛ إذ هو أقل عددا، وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة. والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش؛ إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي.

стр. 106

الفصل الثالث: الصفاتية مدخل ... الفصل الثالث: الصفاتية اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون الله تعالى صفاته أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإراد والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون، سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر؛ فافترقوا فرقتين: فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك. ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبه شيء منها، وقطعنا بذلك؛ إلا أن لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ومثل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينا.

стр. 107

ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف؛ فقالوا لابد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود، لا في كلهم بل في القرائين منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك. ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق. ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه. وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس ﵄؛ إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل أحمد بن حنبل ﵀، وسفيان الثوري، وداود بن علي الأصفهاني، ومن تابعهم. حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبهة والكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية.

стр. 108

١- الأشعرية: أصحاب أبي الحسن١ علي بن إسماعيل الأشعري؛ المنتسب إلى أبي موسى الأشعري ﵄، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي. فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه فقال عمرو: أو يقدر على شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم. قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك. فسكت عمرو، ولم يحر جوابا. قال الأشعري: الإنسان إذا فكر في خلقته، من أي شيء ابتدأ، وكيف دار في أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة، ويرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة أن له صانعا قادرا، عالما، مريدا، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة، وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة. فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها. وكما دلت الأفعال على كونه عالما، قادرا، مريدا، دلت على العلم والقدرة والإرادة، لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهدا وغائبا. وأيضا لا معنى للعالم حقيقة إلا أنه ذو علم، ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة، ولا للمريد إلا أنه ذو إرادة. فيحصل بالعلم الإحكام والإتقان. ويحصل بالقدرة الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت، وقدر دون قدر، وشكل دون شكل. وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حيا بحياة للدليل الذي ذكرناه. وألزم منكري الصفات إلزاما لا محيص لهم عنه، وهو أنكم وفاقتمونا بقيام الدليل

стр. 109

على كونه عالما قادرا فلا يخلو إما أن يكون المفهومان من الصفتين واحدا أو زائدا، فإن كان واحدا فيجب أن يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته. ويكون من علم الذات مطلقا علم كونه عالما قادرا. وليس الأمر كذلك، فعلم أن الاعتبارين مختلفان، فلا يخلو إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ أو إلى الحال، أو إلى الصفة، وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد، فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين. ولو قدر عدم الألفاظ رأسا ما ارتاب العقل فيما تصوره وبطل رجوعه إلى الحال، فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم إثبات واسطة بين الوجود والعدم، والإثبات والنفي، وذلك محال، فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذت، وذلك مذهبه. على أن القاضي الباقلاني من أصحاب الأشعري قد ردد قوله في إثبات الحال ونفيها، وتقرر رأيه على الإثبات، ومع ذلك أثبت الصفات معاني قائمة به لا أحوالا، وقال: الحال الذي أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة خصوصا إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات. قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر. وله في البقاء اختلاف رأي. قال: وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا: لا هو، ولا: لا غيره. والدليل على أنه متكلم بكلام قديم، ومريد بإرادة قديمة أنه قد قام الدليل على أنه تعالى ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمر، ناه، فلا يخلو إما أن يكون آمرا بأمر قديم، أو بأمر محدث. وإن كان محدثا فلا يخلو: إما أن يحدثه في ذاته، أو في محل أو لا في محل، ويستحيل أن يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلا للحوادث، وذلك محال. ويستحيل أن يحدثه في محل، لانه يوجب أن يكون المحل به موصوفا، ويستحيل أن يحدثه لا في محل، لأن ذلك غير معقول. فتعين أنه قديم، قائم به، صفة له، وكذلك التقسيم في الإرادة والسمع والبصر.

стр. 110

قال: وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات: المستحيل، والجائز، والواجب، والموجود، والمعدوم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات. وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص. وكلامه واحد هو: أمر ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد. وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات، والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي. والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر، محدث والمذكور قديم. وخالف الأشعري بهذا التدقيق جماعة من الحشوية؛ إذ إنهم قضوا بكون الحروف والكلمات قديمة. والكلام عند الأشعري معنى قائم بالنفس سوى العبار، والعبارة دلالة عليه من الإنسان، فالمتكلم عنده من قام به الكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام غير أن العبارة تسمى كلاما: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ. قال: وإرادته واحدة، قديمة، أزلية، متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة وأفعال عباده، من حيث إنها مخلوقة له، لا من حيث إنها مكتسبة لهم. فعن هذا قال: إراد الجميع: خيرها، وشرها، ونفعها، وضرها، وكما أراد وعلم، أراد من العباد ما علم وأمر القلم حتى كتب في اللوح المحفوظ. فذلك حكمه وقضاؤه وقدره الذي لا يتغير ولا يتبدل. وخلاف المعلوم: مقدور الجنس، محال الوقوع. وتكليف ما لا يطاق جائز على مذهبه للعلة التي ذكرناها. ولأن الاستطاعة عنده عرض، والعرض لا يبقى زمانين، ففي حال التكليف لا يكون المكلف قط قادرا، لأن المكلف من يقدر على إحداث ما أمر به. فأما أن يجوز ذلك في حق من لا قدرة له أصلا على الفعل فمحال، وإن وجد ذلك منصوصا عليه في كتابه. قال: والعبد قادر على أفعاله إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات
следующие страницы →