٥- رأي فلاسفة أقاديما ١:
كانوا يقولون: إن كل مركب ينحل، ولا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين في جميع الجهات، وإلا فليس بمركب، فإذا كان هذا هكذا، فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه، فما كان منها بسيطا روحانيا لحق بعالمه الروحاني البسيط، والعالم الروحاني باق غير داثر، وما كان منها جاسيا٢ غليظا لحق بعالمه أيضا، وكان جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به، فيكونان متحدين إلى الأبد، وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل، وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط، فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه، فيبقى خالدا دهر الدهور.
وهذا الفصل أيضا قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد، لا بالمبدإ وهؤلاء يسمون مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق، فهم. أهل لوقيون٣، وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا، تعظيما لها، وتابعه على ذلك أرسطوطاليس،. ويسمى هو وأصحابه المشائين. وأصحاب الرواق هم أهل المظال. وكان لأفلاطون تعليمان: تعليم كليس، وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف، وتعليم كأيس، وهو الهيولانيات. والله الموفق للصواب.
стр. 422
٦- رأي هرقل الحكيم:
كان يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا, لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، وهو اسم الله حقا، وهو اسم الله باليونانية حقا.
стр. 423
إنها تدل عليه، إنه مبدع الكل. وهذا الاسم عندهم شريف جدا.
وكان يقول: إن بدء الخلق، وأول شيء أبدع، والذي هو أول لهذه العوالم، هو المحبة، والمنازعة. ووافق في هذا الرأي أنبادقليس حيث قال: الأول الذي أبدع هو المحبة والغلبة.
وقال هرقل: السماء كرة متحركة من ذاتها، والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها، والشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة، فاجتمعت فيها، فصار البحر، والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئا من الرطوبة صار منه: الحصى، والحجارة، والجبل، وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر، ولم تنزع عنه الرطوبة كلها، فهو التراب.
وكان يقول: إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب، لأن الكواكب تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض وتلتهب، فيصير متصلا ببعضها البعض، حتى تكون كالدائرة حول الأرض، وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها نارا محصنة، ويصعد منها ما كان نورا محصنا، فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد، وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نورا وبهاءً وحسنا في ثواب السرمد. وهناك: الصور الحسان لذات للبصر، والألحان الشجية لذات السمع، ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب أسطقسات فهي جواهر، شريفة، روحانية، نورانية. وقال: إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة، فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق، فحينئذ يشتد عشقها، وشوقها، ونورها، ومجدها. فلا تزال كذلك دائما إلى الأبد.
стр. 424
٧- رأي أبيقورس:
خالف الأوائل في الأوائل. قال: المبادئ اثنان: الخلاء، والصورة. أما الخلاء فمكان فارغ، وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء، ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها، فمنها المبدأ، وإليها المعاد.
وربما يقول: الكل يفسد، وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافأة ولا جزاء، بل كلها تضمحل وتدثر. والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم.
والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها، فإن فعلت خيرا وحسنا فيرد عليها سرور وفرح، وإن فعلت شرا وقبيحا فيرد عليها حزن وترح. وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى، وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى بقدر ما يظهر لها من أفاعيل.
وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي.
стр. 425
٨- حكم سولون الشاعر:
وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط، وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله.
قال سولون لتلميذه: تزود من الخير وأنت مقبل، خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر.
وقال: من فعل خيرا فليجتنب ما خالفه، وإلا دعي شريرا.
وقال: إن أمور الدنيا حق، وقضاء، فمن أسلف فليقض، ومن قضى فقد وفى.
وقال: إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك، ولا ترجع باللائمة لكن لم رأيك بما أحدث عليك.
стр. 426
وقال: إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره، وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه، وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره.
وقال: إذا انكب الدن, وأريق الشراب، وانكسر الإناء, فلا تغتم، بل قل: كما أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى، كذلك الخسرانات لا تكون إلا في الموجودات، فانف الغم والخسارة عنك، فإن لكل ثمنا، وليس يجيء بالمجان.
وسئل: أيما أحمد في الصبا: الحياء، أم الخوف؟ قال: الحياء، لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة١ والشهوة.
وقال لابنه: دع المزاح، فإن المزاح لقاح الضغائن.
وسأله رجل، فقال: هل ترى أن أتزوج، أم أدع؟ قال: أي الأمرين فعلت ندمت عليه.
وسئل: أي شيء أصعب على الإنسان؟ قال: أن يعرف عيب نفسه، وأن يمسك عما لا يتكلم به.
ورأى رجلا عثر، فقال له: لأن تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك.
وسئل ما الكرم؟ فقال: النزاهة عن المساوئ.
وسئل ما الحياة؟ فقال: التمسك بأمر الله تعالى.
وسئل ما النوم؟ فقال: النوم موتة خفيفة، والموت نومة طويلة.
وقال: ليكن اختارك من الأشياء حديثها. ومن الإخوان أقدمهم.
وقال: أنفع العلم ما أصابته الفكرة، وأقله نفعا ما قلته بلسانك.
وقال: ينبغي أن يكون المرء حسن الشكل في صغره، وعفيفا عند إدراكه، وعدلا في شبابه، وذا رأي في كهولته، وحافظا للستر عند الفناء، حتى لا تلحقه الندامة.
стр. 427
وقال: ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من البرد الذي يهجم عليه.
وقال: يا بني: احفظ الأمانة تحفظك، وصنها حتى تصان.
وقال: جوعوا إلى الحكمة، واعطشوا إلى عبادة الله تعالى، قبل أن يأتيكم المانع منهما.
وقال لتلامذته: لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم، ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا فيهم، ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق، ولا تهملوا أمر أنفسكم في أيامكم ولياليكم، ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم.
وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس، فقال: أما عالم العقل فدار ثبات وثواب، وأما عالم الحس فدار بوار وغرور.
وسئل: ما فضل علمك على علم غيرك؟ قال معرفتي بأن علمي قليل.
وقال: أخلاق محمودة وجدتها في الناس، إلا أنها إنما توجد في قليل: صديق يحب صديقه غائبا كمحبته حاضرا، وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء، ومقر بعيوبه إذا ذكرت، وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه, ويوم بؤسه في يوم نعيمه، وحافظ لسانه عند غضبه. وآمر بالمعروف دائما.
стр. 428
٩- حكم أوميروس الشاعر:
وهو من الكبار القدماء، الذي يجريه أفلاطون وأرسطوطاليس في أعلى المراتب. ويستدل بشعره، لما كان يجمع فيه إتقان المعرفة، ومتانة الحكمة، وجودة الرأي، وجزالة اللفظ، فمن ذلك قوله: لا خير في كثرة الرؤساء، وهذه كلمة وجيزة تحتها معان شريفة، لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال، ويستدل بها أيضا في التوحيد، لما في كثرة الآلهة من المخالفات التي تكر
стр. 429
على حقيقة الإلهية بالإفساد. وفي الحكمة: لو كان أهل بلد كلهم رؤساء، لما كان رئيس ألبتة، ولو كان أهل بلد كلهم رعية، لما كانت رعية ألبتة.
ومن حكمه: قال: إني لأعجب من الناس! إذ كان يمكنهم الاقتداء بالله تعالى فيدعون ذلك الإقتداء بالبهائم!، قال له تلميذه: لعل هذا إنما يكون لأنهم قد رأوا أنهم يموتون كما تموت البهائم؟ فقال له: بهذا السبب يكثر تعجبي منهم! من قبل أنهم يحسون بأنهم لابسون بدنا ميتا ولا يحسبون أن في ذلك البدن نفسا غير ميتة.
وقال: من يعلم أن الحياة لنا مستعبدة، والموت معتق مطلق, آثر الموت على الحياة.
وقال: العقل نحوان: طبيعي، وتجريبي، وهما مثل الماء والأرض، وكما أن النار تذيب كل صامت وتخلصه وتمكن من العمل فيه، كذلك العقل يذيب الأمور ويخلصها ويفصلها ويعدها للعمل. ومن لم يكن لهذين النحوين فيه موضع فإن خير أموره له قصر العمر.
وقال: إن الإنسان الخير أفضل من جميع ما على الأرض، والإنسان الشرير أخس وأوضع من جميع ما على الأرض.
وقال: لن تنبل، واحلم تعز، ولا تكن معجبا فتمتهن، واقهر شهوتك، فإن الفقير من انحط إلى شهواته.
وقال: الدنيا دار تجارة، والويل لمن تزود عنها الخسارة.
وقال: الأمراض ثلاثة أشياء: الزيادة والنقصان في الطبائع الأربع، وما تهيجه الأحزان. فشفاء الزائد والناقص في الطبائع الأدوية، وشفاء ما تهيجه الأحزان كلام الحكماء والإخوان.
وقال: العمى خير من الجهل، لأن أصعب ما يخاف من العمى التهور في بئر ينهد منه الجسد، والجهل يتوقع منه هلاك الأبد.
وقال: مقدمة المحمودات الحياء، ومقطمة المذمومات القحة.
стр. 430
وقال إيرقليطس: إن أوميروس الشاعر لما رأى تضاد الموجودات دون فلك القمر قال: يا ليته هلك التضاد من هذا العالم ومن الناس والسادة، يعني النجوم، واختلاف طبائعها، وأراد بذلك أن يبطل التضاد والاختلاف حتى يكون هذا العالم المتحرك المنتقل داخلا في العالم الساكن الدائم الباقي.
ومن مذهبه: أن بهرام يعني الريح, واقع الزهرة، فتولدت من بينهما طبيعة هذا العالم.
وقال: إن الزهرة علة التوحيد والاجتماع، وبهرام علة التفرق والاختلاف، والتوحد ضد التفرق. فلذلك صارت الطبيعة ضدا: تركب، وتنقص، وتوحد، وتفرق.
وقال: الحظ شيء أظهره العقل بوساطة العلم، فلما قابل النفس عشقته بالعنصر هذه حكمه.
وأما مقطعات أشعاره، فمنها. قال: ينبغي للإنسان أن يفهم الأمور الإنسانية. إن الأدب للإنسان ذخر لا يسلب. ارفع من عمرك ما يحزنك. إن أمور العالم تعلمك العلم. إن كنت ميتا فلا تحقر عداوة من لا يموت. كل ما يمتاز في وقته يفرح به. إن الزمان يبين الحق وينيره. اذكر نفسك أبدا أنك إنسان. إن كنت إنسانا فافهم كيف تضبط غضبك. إذا نالتك مضرة فاعلم أنك كنت أهلها. اطلب رضاء كل أحد، لإرضاء نفسك فقط. إن الضحك في غير وقته هو ابن عم البكاء. إن الأرض تلد كل شيء ثم تسترده. إن الرأي من الجبان جبان. انتقم من الأعداء نقمة لا تضرك. كن حسن الجرأة ولا تكن متهورا. إن كنت ميتا، فلا تذهب مذهب من لا يموت. إن أردت أن تحيا فلا تعمل عملا يوجب الموت. إن الطبيعة كونت الأشياء بإرادة الرب تعالى. من لا يفعل شيئا في الشر فهو إلهي. آمن بالله، فإنه يوفقك في أمورك. إن مساعدة الأشرار على أفعالهم كفر بالله. إن المغلوب من قاتل الله والبخت. اعرف الله، واعقل الأمور الإنسانية. إذا أراد الله خلاصك عبرت البحر على البادية. إن العقل الذي
стр. 431
يناطق الله لشريف. إن قوام السنة بالرئيس. إن لفيف الناس وإن كانت لهم قوة فليس لهم عقل. إن السنة توجب كرامة الوالدين مثل كرامة الإله. رأي ان والديك آلهة لك. إن الأب هو من ربي لا من ولد. إن الكلام في غير وقته يفسد العمر كله. إذا حضر البخت تمت الأمور. إن سنن الطبيعة لا تتعلم. إن اليد تغسل اليد، والإصبع الإصبع. ليكن فرحك بما تدخره لنفسك دون ما تدخره لغيرك، يعني بالمدخر لنفسه: العلم والحكمة، وبالمدخر لغيره: المال.
وقال: الكرم يحمل ثلاثة عناقيد: عنقود الالتذاذ، وعنقود الشكر، وعنقود الشيم.
خير أمور العالم الحسي أوساطها، وخير أمور العالم العقل أفضلها.
وقيل: إن وجود الشعر في أمة يونان كان قبل الفلسفة، وإنما أبدعه أوميروس. وتاليس كان بعده بثلاثمائة واثنتين سنة. وأول فيلسوف كان منهم في سنة تسعمائة وإحدى وخمسين من وفاة موسى ﵇، وهذا ما أخبر به كورفس في كتابه، وذكر فورفوريوس أن تاليس ظهر في سنة ثلاث وعشرين ومائة من ملك بختنصر.
стр. 432
١٠- حكم بقراط:
بقراط واضع الطب الذي قال بفضله الأوائل والأواخر. وكان أكثر حكمته في الطب وشهرته به، فبلغ خبره إلى بهن بن اسفنديار بن كشتاسب، فكتب إلى فيلاطس ملك قوه وهو بلد من بلاد اليونانيين يأمر بتوجيه بقراط إليه، وأمر له بقناطير من الذهب، فأبى ذلك، وتأبى عن الخروج إليه ضنا بوطنه وقومه, وكان لا يأخذ على المعالجة أجرة من الفقراء وأوساط الناس، وقد شرط أن يأخذ من الاغنياء أحد ثلاثة أشياء: طوقا. أوإكليلا، أو سوارا من ذهب.
فمن حكمه إن قال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه.
стр. 433
وقيل له: أي العيش خير؟ قال: الأمن مع الفقر، خير من الغنى مع الخوف.
وقال له: الحيطان والبروج لا تحفظ المدن، ولكن تحفظها آراء الرجال وتدبير الحكماء.
وقال: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة متطلعة إلى هوائها، ونازعة إلى غذائها.
ولما حضرته الوفاة قال: خذوا جامع العلم مني: من كثر نومه، ولانت طبيعته، ونديت جلدته طال عمره.
وقال: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع.
وقال: لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لما مرض، لأنه لم يكن هناك شيء يضادها فيمرض.
ودخل على عليل فقال له: أنا، والعلة، وأنت، فإن أعنتني عليها بالقبول لما تسمع مني صرنا اثنين، وانفردت العلة، فقينا عليها، والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه.
وسئل: ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء؟ قال: مثل ذلك مثل البيت، أكثر ما يكون غبارا إذا كنس.
وحديث ابن الملك: أنه عشق جارية من حظايا أبيه فنهك بدنه, واشتدت علته، فأحضر بقراط فجس نبضه، ونظر إلى تفسرته١، فلم ير أثر علة، فذكراه حديث العشق، فرآه يهش لذلك ويطرب، فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر، وقالت: ما خرج قط من الدار، فقال بقراط للملك: مر رئيس الخصيان بطاعتي، فأمره بذلك، فقال: أخرج على النساء، فخرجن، وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى، فلما خرجت الحظية اضطرب عرقه. وطار قلبه، وحار طبعه، فعلم بقراط أنها المعينة لهواه، فصار
стр. 434
بقراط إلى الملك وقال له: ابن الملك قد عشق من الوصول إليها صعب. قال الملك: ومن ذاك؟ قال هو يحب حليلتي، قال: انزل عنها ولك عنها بدل، فتحازن بقراط ووجم وقال: هل رأيت أحدا كلف أحدا طلاق امرأته، ولا سيما الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة حليلتي، ومفارقتها مفارقة روحي؟ قال الملك: إني أوثر ولدي عليك، وأعوضك من هو احسن منها، فامتنع، حتى بلغ الأمر إلى التهديد بالسيف، قال بقراط: إن الملك لا يسمى عدلا حتى ينتصف من نفسه ما ينتصف من غيره، أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك؟ قال: يا بقراط! عقلك أتم من معرفتك! ونزل عنها لابنه، وبرئ الفتى من مرضه ذلك.
وقال بقراط: إياك أن تأكل إلا ما تستمرئ، وأما مالا تستمرئ فإنه يأكلك.
وقيل لبقراط: لم يثقل الميت؟ قال: لأنه كان اثنين: أحدهما خفيف رافع، والآخر ثقيل واضع، فلما انصرف أحدهما وهو الخفيف الرافع، ثقل الثقيل الواضع.
وقال: الجسد يعالج جملة على خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في البدن بإسهال البطن، وما بين الجلدين بالعرق، وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم.
وقال: الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد، والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال، وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس.
وقال لتلميذ له: ليكن أفضل وسيلتك إلى الناس محبتك لهم، والتفقد لأمورهم، ومعرفة حالهم، واصطناع المعروف إليهم.
ويحكى عن بقراط قوله المعروف: العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر.
стр. 435
وقال لتلاميذه: اقسموا الليل والنهار ثلاثة أقسام: فاطلبوا في القسم الأول العقل الفاضل واعملوا في القسم الثاني بما أحرزتم من ذلك العقل، ثم عاملوا في القسم الثالث من لا عقل له، وانهزموا من الشر ما استطعتم.
وكان له ابن لا يقبل الأدب، فقالت له امرأته: إن ابنك هو منك فأدبه، فقال لها: هو مني طبعا، ومن غيري نفسا، فما أصنع به؟
وقال: ما كان كثيرا فهو مضاد للطبيعة، فلتكن الأطعمة، والأشربة، والنوم، والجماع، والتعب قصدا.
وقال: إن صحة البدن إذا كانت في الغاية كان أشد خطرا.
وقال: إن الطب هو حفظ الصحة بما يوافق الأصحاء، ودفع المرض بما يضاده.
وقال: من سقى السم من الأطباء، وألقى الجنين، ومنع الحمل، واجترأ على المريض فليس من شيعتي، وله أيمان معروفة على هذه الشرائط. وكتب معروفة كثيرا في الطب.
وقال في الطبيعة: إنها القوة التي تدبر الجسم من الإنسان، فتصوره من النطفة إلى تمام الخلقة، خدمة للنفس في إتمام هيكلها، ولا تزال هي المدبرة له غذاء من الثدي وبعده مما به قوامه من الأغذية. ولها ثلاث قوى: المولدة، والمربية، والحافظة. ويخدم الثلاث أربع قوى: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة.
стр. 436
١١- حكم ديمقريطيس:
وهو من الحكماء المعتبرين في زمان بهمن بن اسفنديار، وهو وبقراط كانا في زمان واحد قبل أفلاطون، وله آراء في الفلسفة، وخصوصا في مبادئ الكون والفساد. وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي، وما أنصف.
стр. 437
قال ديمقريطيس: إن الجمال الظاهر يشبه به المصورون بالأصباغ، ولكن الجمال الباطن لا يشبه به إلا من هو له بالحقيقة، وهو مخترعه ومنشئه.
وقال: ليس ينبغي أن تعد نفسك من الناس ما دام الغيظ يفسد رأيك، ويتبع شهوتك.
وقال: ليس ينبغي أن يمتحن الناس في وقت ذلتهم, بل في وقت عزتهم وملكهم، وكما أن الكير يمتحن به الذهب، كذلك الملك يمتحن به الإنسان، فيتبين خيره وشره.
وقال: ينبغي أن تأخذ في العلوم بعد أن تنفي عن نفسك العيوب وتعودها الفضائل، فإنك إن لم تفعل هذا لم تنتفع بشيء من العلوم.
وقال: من أعطى أخاه المال فقد أعطاه خزائنه، ومن أعطاه علمه ونصيحته فقد وهب له نفسه.
وقال: لا ينبغي أن تعد النفع الذي فيه الضرر العظيم نفعا، ولا الضرر الذي فيه النفع العظيم ضررا، ولا الحياة التي لا تحمد أن تعد حياة.
وقال: مثل من قنع بالاسم، كمثل من قنع عن الطعام بالرائحة.
وقال: عالم معاند خير من جاهل منصف.
وقال: ثمرة الغرة التواني، وثمرة التواني الشقاء، وثمرة الشقاء ظهور البطالة، وثمرة البطالة السفه، والعبث، والندامة، والحزن.
وقال: يجب على الإنسان أن يطهر قلبه من المكر والخديعة، كما يطهر بدنه من أنواع الخبث.
وقال: لا تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم، فيطأك غدا.
وقال: لا تكن حلوا جدا لئلا تبلع، ولا مرا جدا لئلا تلفظ.
وقال: ذنب الكلب يكسب له الطعام، وفمه يكسب له الضرب.
стр. 438
وكان بأثينية نقاش غير حاذق، فأتى ديمقريطيس. وقال: جصص بيتك فأصوره، قال: صوره أو لا حتى أجصصه.
وقال: مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل، كمثل دواء مع سقيم وهو لا يداوي به.
وقيل له: لا تنظر، فغمض عينيه، قيل له: لا تسمع، فسد أذنيه، قيل له: لا تتكلم، فوضع يده على شفتيه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر, وإنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار، فأشار إلى ضرورة السر، واختيار الظاهر.
ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه، وهو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه، فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله، لاستحالة أن يكون فاعل أصله. ولهذا الكلام شرح آخر، وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس، فإن الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه، وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار والإعراض عنه، بخلاف الإدراك الحسي. وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس، ولا النفس من حيز البدن.
وقد قيل: إن الاختيار في الإنسان مركب من انفعالين: أحدهما: انفعال نقيصة، والثاني: انفعال تكامل، وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة والمزاج، والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنطق، فينشئ الرأي الثاقب، ويحدث الحزم الصائب، فيحب الحق، ويكره الباطل؛ فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر، ولولا تركب الاختيار عن هذين الانفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين، لتأتي للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار، بلا مهلة ولا ترجح، ولا هنية ولا تريح، ولا استشارة ولا استخارة.
وهذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم لم أجد أحدا أبه١ له ولا عثر عليه، أو حكم به أو أومأ إليه. والله أعلم.
стр. 439
١٢- حكم أوقليدس:
وهو أول من تكلم في الرياضيات وأفرده علما نافعا في العلوم، منقحا للخاطر، ملقحا للفكر. وكتابه معروف باسمه، وكذلك حكمته.
وقد وجدنا له حكما متفرقة، فأوردناها على سوق مرامنا، وطرد كلامنا. فمن ذلك قوله الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية.
وقال له رجل يتهدده: إني لا آلو جهدا في أن أفقدك حياتك، قال أوقليدس: وأنا لا آلو جهدا في أن أفقدك غضبك.
وقال: كل أمر تصرفنا فيه وكانت النفس الناطقة هي المقدرة له فهو داخل في الأفعال الإنسانية، وما لم تقدره النفس الناطقة فهو داخل في الأفعال البهيمية.
وقال: من أراد أن يكون محبوبه محبوبك وافقك على ما تحب، فإذا اتفقتما على محبوب واحد صرتما إلى الاتفاق.
وقال: إفزع إلى ما يشبه الرأي العام التدبيري العقلي، واتهم ما سواه.
وقال: كل ما أستطيع خلعه ولم يضطر إلى لزومه المرء, فلم الإقامة على مكروهه؟
وقال: الأمور جنسان: أحدهما يستطاع خلعه والمصير إلى غيره، والآخر توجيه الضرورة فلا يستطاع الانتقال عنه، والاغتمام والأسف على كل واحد منهما غير سائغ في الرأي.
وقال: إن كانت الكائنات من المضطرة, فما الاهتمام بالمضطر إذ لا بد منه؟ وإن كانت غير مضطرة فلم الهم فيما يجوز الانتقال عنه؟
وقال: الصواب إذا كان عاما كان أفضل، لأن الخاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما.
وقال: العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه، وقال: إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك.
стр. 440
وقال: الحزم هو العمل على أن لا تثق بالأمور التي في الإمكان عسرها ويسرها.
وقال: كل فائت وجدت في الأمور منه عوضا أو أمكنك اكتساب مثله، فما الأسف على فوته؟ وإن لم يكن منه عوض ولا يصاب له مثل، فما الأسف على ما لا سبيل إلى مثله والإمكان في دفعه.
وقال: لما علم العاقل أنه لا ثقة بشيء من أمر الدنيا ألقى منها ما منه بد, واقتصر على ما لا بد منه، وعمل فيما يوثق به بأبلغ ما قدر عليه.
وقال: إذا كان الأمر تمكنا فيه التصرف فوقع بحال ما تحب فاعتده ربحا، وإن وقع بحال ما تكره فلا تحزن، فإنك قد كنت عجلت فيه على غير ثقة بوقوعه على ما تحب.
وقال: لم أر أحدا إلا ذاما للدنيا وأمورها إذ هي على ما هي من التغير والتنقل، فالمستكثر منها يلحقه أن يكون أشد اتصالا بما يذم، وإنما يذم الإنسان ما يكره، والمستقل منها مستقل مما يكره، وإذا أستقل مما يكره كان ذلك أقرب إلى ما يحب.
وقال: أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
وقال: الجشع بين شرين، فالإعدام يخرجه إلى السفه، والجدة تخرجه إلى الأشر١.
وقال: لا تعن أخاك على أخيك في خصومة، فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة.
стр. 441
١٣- حكم بطلميوس:
وهو صاحب المجسطى الذي تكلم في هيئات الفلك، وأخرج علم الهندسة من القوة إلى الفعل.
فمن حكمه أنه قال: ما أحسن الإنسان أن يصبر عما يشتهي، وأحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي.
وقال: الحليم الذي إذا صدق صبر، لا الذي إذا قذف كظم.
وقال: لمن يغني الناس ويسأل أشبه بالملوك ممن يستغني بغيره ويسأل.
وقال: لان يستغني الإنسان عن الملك أكرم له من أن يستغني به.
وقال: موضع الحكمة من قلوب الجهال، كموقع الذهب والجوهر من ظهر الحمار.
وسمع جماعة من أصحابه وهم حول سرادقه يقعون فيه ويثلبونه١، فهز رمحا كان بين يديه، ليعلموا أنهم بمسمع منهم، وأن يتباعدوا عن قيد رمح، ثم يقولوا ما أحبوا.
وقال: العلم في موطنه كالذهب في معدنه لا يستنبط إلا بالدءوب، والتعب، والكد، والنصب، ثم يجب تخليصه بالفكر، كما يخلص الذهب بالنار.
وقال بطلميوس: دلالة القمر في الأيام أقوى, ودلالة الشمس والزهرة في الشهور أقوى، ودلالة المشتري وزحل في السنين أقوى.
ومما نقل عنه أنه قال: نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد، وهذا رمز إلى المعاد، إذ الكون والوجود الحقيقي: ذلك الكون، والوجود في ذلك العالم.
стр. 442
١٤- حكم أهل المظال:
ومنهم: خروسيبس وزينون وقولهما الخالص: إن الباري تعالى المبدع الأول: واحد محض هو، إن فقط، أبدع العقل والنفس دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، وفي بدء ما أبدعهما، أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء.
وذكروا أن للنفس جرمين: جرم من النار والهواء، وجرم من الماء والأرض، فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء، والجرم الذي من النار والهواء متحد بالجرم الذي من الماء والأرض، والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم، وذلك الجرم ليس له طول ولا عرض، ولا قدر مكاني. وباصطلاحنا سميناه جسما، وأفاعيل النفس فيه نيرة بهية. ومن الجسم إلى الجرم ينحدر النور، والحسن، والبهاء ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين، كانت أظلم، ولم يكن لها نور شديد.
وذكروا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية، وهي جسمها، واستصحبت في ذلك العالم جسما روحانيا، نورانيا، علويا، طاهرا، مهذبا من كل ثقل وكدر. وأما الجرم الذي من الماء والأرض فيدثر ويفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن ذلك الجسم خفيف، لطيف، لا وزن له، ولا يلمس، وإنما يدرك من البصر فقط، كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل، فألطف ما يدرك الحس البصري من الجواهر هي النفسانية، وألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل.
وذكروا أن النفس ما هي مستطيعة، ما خلاها الباري تعالى أن تفعل، وإذا ربطها فليست بمستطيعة، كالحيوان الذي إذا خلاه مدبره أعني الإنسان كان مستطيعا في كل ما دعي إليه، وتحرك إليه، وإذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون مستطيعا.
وذكروا أن دنس النفس وأوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة
стр. 443
الأجزاء. وأما التطهير والتهذيب فمن جهة الكل، لأنه إذا انفصلت النفس الكلية إلى النفس الجزئية والعقل الجزئي من العقل الكلي غلظت، وصارت من حيز الجرم، لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم، والجرم من حيز الماء والأرض، وهما ثقيلان يذهبان سفلا. وكلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية، والعقل الجزئي بالعقل الكلي ذهبت علوا، لأنها تتحد بالجسم، والجسم من حيز النار والهواء، وكلاهما لطيفان، يذهبان علوا.
وهذان الجرمان مركبان، وكل واحد منهما من جوهرين. واجتماع هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئا واحدا عند الحس البصري، فأما عند الحواس الباطنة، وعند العقل فليست شيئا واحدا، فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، ولأن هذا العالم ليس مشاكلا له، ولا مجانسا له، والجرم مشاكل ومجانس لهذا العالم، فصار الجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم وتركيبه، وصار الجسم مستبطنا في الجرم، لأن هذا العالم غير مشاكل له، وغير مجانس له. فإما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم، لأن ذلك العالم عالم الجسم، لأنه مجانس، ومشاكل له، ويكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء والأرض المشاكل لجوهر النار والهواء مستبطنا في الجسم، كما كان الجسم مستبطنا في هذا العالم في الجرم. فإذا كان هذا فيما ذكروا هكذا كان ذلك الجسم باقيا دائما، لا يجوز عليه الدثور، ولا الفناء، ولذته دائمة، لا تملها النفوس ولا العقول، ولا ينفد ذلك السرور والحبور.
ونقلوا عن أفلاطون أستاذهم: لما كان الواحد لا بدء له، صار نهاية كل متناه، وإنما صار الواحد لا نهاية له، لأنه لا بدء له، لا أنه لا بدء له لأنه لا نهاية له.
وقال: ينبغي للمرء أن ينظر كل يوم إلى وجهه في المرآة، فإن كان قبيحا لم يفعل قبيحا، فيجمع بين قبيحين، وإن كان حسنا لم يشنه بقبيح.
стр. 444
وقال: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخرا في نفسه قدمه حظه، أو مقدما في نفسه آخره دهره، فارض بما أنت فيه اختيارا، وإلا رضيت اضطرارا.
стр. 445
الفصل الثالث: متآخرو حكماء اليونان
رأي أرسطوطاليس بن نيقوماخوس
...
الفصل الثالث: متأخرو حكماء اليونان
وهم الحكماء الذين تلوهم في الزمان، وخالفوهم في الرأي، مثل أرسطو طاليس ومن تابعه على رأيه، مثل: الإسكندر الرومي، والشيخ اليوناني، وديوجانس الكلبي وغيرهم، وكلهم على رأى أرسطو طاليس في المسائل التي تفرد بها عن القدماء.
ونحن نذكر من آرائه ما يتعلق بغرضنا من المسائل التي شرع فيها الأوائل وخالفهم المتأخرون. ونحصرها في ست عشرة مسألة. وبالله التوفيق.
١- رأى أرسطوطاليس بن نيقوماخوس:
من أهل أسطاخرا، وهو المقدم المشهور، والمعلم الأول، والحكيم المطلق عندهم. وكان مولده في أول سنة من ملك أردشير بن دارا، فلما أتت عليه سبع عشرة سنة أسلمه أبوه إلى المؤدب أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة. وإنما سموه المعلم الأول، لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل، وحكمه حكم واضع النحو، وواضع العروض فإن نسبة المنطق إلى المعاني التي في الذهن كنسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر. وهو واضع، لا بمعنى أنه لم تكن المعاني مقومة بالمنطق قبله فقومها، بل بمعنى أنه جرد آلته عن المادة فقومها تقريبا إلى أذهان المتعلمين، حتى يكون كالميزان عندهم، يرجعون إليه عند اشتباه الصواب بالخطأ، والحق بالباطل. إلا أنه أجمل القول فيه إجمال الممهدين، وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين. وله حق السبق، وفضيلة التمهيد. وكتبه في الطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق، معروفة، ولها شروح كثيرة.
стр. 446
ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح "ثامسطيوس" الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم: أبو علي بن سينا، وأوردنا نكتا١ من كلامه في الإلهيات، وأحلنا باقي مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم، بل هم كالمقلدين له، المتهالكين عليه، وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه.
المسألة الأولى:
في إثبات واجب الوجود الذي هو المحرك الأول. قال في كتاب "أثولوجيا" من حرف اللام
إن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. قال: إنا وجدنا المتحركات على اختلاف جهاتها وأوضاعها، ولا بد لكل متحرك من محرك، فإما أن يكون المحرك متحركا، فيتسلسل القول فيه، ولا يتحصل، وإلا فيستند إلى محرك غير متحرك. ولا يجوز أن يكون فيه معنى ما بالقوة، فإنه يحتاج إلى شيء آخر يخرجه من القوة إلى الفعل، إذ هو لا يتحرك من ذاته من القوة إلى الفعل، فالفعل إذن أقدم من القوة، وما بالفعل أقدم على ما بالقوة،. وكل جائز وجوده ففي طبيعته معنى ما بالقوة، وهو الإمكان والجواز فيحتاج إلى واجب به يجب، وكذلك كل متحرك فيحتاج إلى محرك، فواجب الوجود بذاته: ذات وجودها غير مستفاد من وجود غيره، وكل موجود فوجوده مستفاد عنه بالفعل. وجائز الوجود له في نفسه وذاته الإمكان، وذلك إذا أخذته بلا شرط، وإذا أخذته بشرط علته فله الوجوب، وإذا أخذته بشرط لا علية فله الامتناع.
стр. 447
المسألة الثانية:
في أن واجب الوجود واحد: أخذ أرسطوطاليس يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إن العالم واحد، ويقول: إن الكثرة بعد الاتفاق في الحد ليست إلا في كثرة العنصر، وأما ما هو بالآنية الأولى فليس له عنصر، لأنه تمام، قائم بالفعل. لا يخالط القوة، فإذا المحرك الأول واحد بالكلمة والعدد، أي بالاسم والذات. قال: فمحرك العالم واحد، لأن العالم واحد. هذا نقل ثامسطيوس. وأخذ من نصر مذهبه يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إنه واجب الوجود لذاته، قال ولو كان كثيرا لحمل واجب الوجود عليه وعلى غيره بالتواطؤ، فيشملها جنسا، وينفصل أحدهما عن الآخر نوعا، فتتركب ذاته من جنس وفصل، فتسبق أجزاء المركب على المركب سبقا بالذات، فلا يكون واجبا بذاته. ولأنه لو لم يكن هو بعينه واجب الوجود لذاته لا لشيء عنه بل لأمر خارج عنه واجب بذاته لكان واجب الوجود بذلك الأمر الخارج، فلم يكن واجبا بذاته هذا خلف.
المسألة الثالثة:
في أن واجب الوجود لذاته: عقل لذاته، وعاقل ومعقول لذاته، عقل من غيره، أو لم يعقل.
أما أنه عقل، فلأنه مجرد عن المادة، منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاته.
وأما أنه عاقل لذاته، فلأنه مجرد لذاته.
وأما أنه معقول لذاته، فلأنه غير محجوب عن ذاته بذاته أو بغيره.
قال: الأول يعقل ذاته. ثم من ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة، من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء
стр. 448
على أنها أمور خارجة عنه فيعقلها منها كحالنا عند المحسوسات, بل يعقلها من ذاته، وليس كونه عاقلا وعقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة، حتى يكون وجودها قد جعله عقلا، بل الأمر بالعكس، أي عقله للأشياء جعلها موجودة. وليس للأول شيء يكمله، فهو الكامل لذاته، المكمل لغيره، فلا يستفيد وجوده من وجود كمالا. وأيضا فإنه لو كان يعقل الأشياء من الأشياء، لكان وجودها متقدما على وجوده، ويكون جوهره في نفسه، وفي قوامه، وفي طباعه أن يقبل معقولات الأشياء من الأشياء، فيكون في طباعه ما هو بالقوة من حيث يكمل بما هو خارج عنه، حتى يقال: لولا ما هو خارج عنه لم يكن له ذلك المعنى، وكان فيه عدمها، فيكون الذي له في طباع نفسه وباعتبار نفسه من غير إضافة إلى غيره أن يكون عادما للمعقولات، ومن شأنه أن يكون له ذلك، فيكون باعتبار نفسه مخالطا للإمكان والقوة. وإذا فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجودا بالفعل، فيجب أن يكون له من ذاته الأمر الأكمل الأفضل لا من غيره.
قال: وإذا عقل ذاته عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل، وعقل كونه مبدأ، وعقل كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه، وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها.
قال: وإن كان ليس يعقل بالفعل، فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص كماله؟! فيكون حاله كحال النائم، وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما يقبله ذاته، وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب. وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريبا من هذا المعنى، فيقول إن كان جوهره العقل وأن يعقل، فإما أن يعقل. ذاته، أو غيره، فإن كان يعقل شيئا آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله؟ وهل لهذا المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل، بأن يكون بعض الأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل؟ أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل؟ فإنه لا يمكن القسم الآخر وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر، أفضل من الذي له
стр. 449
في ذاته من حيث هو في ذاته, شيء يلزمه أن يعقل، فيكون فضله وكماله بغيره. وهذا محال.
المسألة الرابعة:
في أن واجب الوجود لا يعتريه تغيير وتأثر من غيره، بأن يبدع أو يعقل.
قال: الباري تعالى عظيم الرتبة جدا غير محتاج إلى غيره، ولا متغير بسبب من غيره, سواء كان التغير زمانيا، أو كان تغيرا بأن ذاته تقبل من غيره أثرا وإن كان دائما في الزمان. وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان، لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته، وكل شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه، ولا يكون أيضا مناسبا للحركة، خصوصا إن كانت بعدية زمانية. وهذا معنى قوله: إن التغير إلى الشيء الذي هو شر.
وقد ألزم على كلامه: أنه إذا كان الأول يعقل أبدا ذاته، فإنه يتعب، ويكل، ويتغير، ويتأثر. وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب، لأنه يعقل ذاته، وكما لا يتعب من أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته.
قال أبو الحسين بن عبد الله بن سينا: ليست العلة أنه لذاته يعقل. أو لذاته يحب، بل لأنه ليس مضادا لشيء في الجوهر العاقل، فإن التعب هو أذى يعرض لسبب خروج عن الطبيعة، وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادة لمطلوب الطبيعة، فأما الشىء الملائم واللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه, فلم يجب أن يكون تكرره متعبا.
стр. 450
المسألة الخامسة:
في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته، أي كامل في أن يكون بالفعل مدركا لكل شيء، نافذ الأمر في كل شيء.
وقال: إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس، وتحريك خسيس، وأما هناك فالمشار إليه بلفظ الحياة: هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ذاته كل شيء، وهو باق الدهر أزلي، فهو حي بذاته، باق بذاته. عالم بذاته. وإنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا، من غير تكثر، ولا تغير في ذاته.
المسألة السادسة: في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد
قال: الصادر الأول هو العقل الفعال، لأن الحركات إذا كانت كثيرة، ولكل متحرك، فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات، فلو كانت المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان، بل جملة واحدة، لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك، ومتحرك متحرك، فتتكثر ذاته. وقد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه، فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو العقل الفعال. وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود، وباعتبار علته وجوب الوجود، فتتكثر ذاته لا من جهة علته، فيصدر عنه شيئان. ثم يزيد التكثر في الأسباب، فتتكثر المسببات، والكل ينسب إليه.
стр. 451
المسألة السابعة: في عدد المفارقات
قال: إذا كان عدد المتحركات مرتبا على عدد المحركات، فتكون الجواهر المفارقة كثيرة، على ترتيب أول وثان. فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق، ومحرك آخر مزاول للحركة، فيكون صورة للجرم السماوي، فالأول عقل مفارق، والثاني نفس مزاول، فالمحركات المفارقة تحرك على أنها مشتهاة معشوقة، والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة. ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر١. وذلك شيء لم يكن ظاهرا في زمانه، وإنما ظهر بعد.
والأكر تسع، لما دل الرصد عليها، فالعقول المفارقة عشرة: تسعة منها مدبرات النفوس التسعة المزاولة، وواحد هو العقل الفعال.
المسألة الثامنة: في أن الأول مبتهج بذاته
قال أرسطوطاليس: اللذة في المحسوسات هو الشعور بالملائم، وفي المعقولات الشعور بالكمال الواصل إليه من حيث يشعر به. فالأول مغتبط بذاته، ملتذ بها، لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها، وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية. بل يجب أن يسمي ذلك بهجة، وعلاء، وبهاء. كيف ونحن نلتذ بإدراك الحق، ونحن مصروفون عنه، مردودون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس، وذلك لضعف عقولنا، وقصورنا في المعقولات، وانغماسنا في الطبيعة البدنية، لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا اتصال بالحق الأول، فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا، وهذه الحال له أبدا، وهو لنا غير ممكن، لأنا مذنبون، ولا يمكننا أن نشيم٢ تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة.
стр. 452
المسألة التاسعة: في صدور نظام الكل، وترتيبه عنه
قال: قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك، وأما الاثنان الطبيعيان فهما: الهيولى والصورة، أو العنصر والصورة، وهما مبدأ الأجسام الطبيعية. وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات. فالهيولى جوهر قابل للصورة، والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعا، كالجزء المقوم له لا كالعرض الحال فيه، والعدم ما يقابل الصورة، فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب أن يكون في الهيولى عدم الصورة. والعدم المطلق مقابل للصورة المطلقة، والعدم الخاص مقابل للصورة الخاصة.
قال: وأول الصورة التي تسبق إلى الهيولى هي الأبعاد الثلاثة فتصير جرما ذا طول, وعرض, وعمق، وهي الهيولى الثانية، وليست بذات كيفية. ثم تلحقها الكيفيات الأربع التي هي: الحرارة والبرودة الفاعلتان، والرطوبة واليبوسة المنفعلتان. فتصير الأركان والأسطقسات الأربعة التي هي: النار والهواء، والماء والأرض، وهي الهيولى الثالثة. ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض والكون والفساد، ويكون بعضها هيولى بعض.
قال: وإنما رتبنا هذا الترتيب في العقل والوهم خاصة دون الحس، وذلك أن الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط، فلم نقدر في الوجود جوهرا مطلقا قابلا للأبعاد ثم لحقته الأبعاد، ولا جسما عاريا عن هذه الكيفيات ثم عرض له ذلك، وإنما هو عند نظرنا فيما هو أقدم بالطبع، وأبسط في الوهم والعقل.
ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون والفساد، ولا يطرأ عليها الاستحالة والتغير، وهي طبيعة السماء. وليس يعني بالخامسة طبيعة من جنس هذه الطبائع، بل معنى ذلك أن طبائعها خارجة عن هذه. ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة، ويتحرك بحركة خاصة. ولكل متحرك محرك مزاول، ومحرك
стр. 453
مفارق. والمتحركات أحياء ناطقون، والحيوانية والناطقية لها بمعنى آخر، وإنما يحمل ذلك عليها وعلى الإنسان باشتراك. فترتيب العالم كله: علوية وسفلية على نظام واحد، وصار النظام في الكل محفوظا بعناية المبدإ الأول على أحسن ترتيب وأحكم قوام، متوجها إلى الخير. وترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على نوع نوع ليس على ترتيب المساواة، فليس حال السباع كحال الطير، ولا حالها كحال النبات، ولا حال النبات كحال الحيوان.
قال: وليس مع هذا التفاوت منقطعا بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى بعض، بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل، تجمع الكل إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود والنظام في الوجود، على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عنه.
قال: وترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل الواحد من الأرباب، والأحرار، والعبيد، والبهائم، والسباع، فقد جمعهم صاحب المنزل، ورتب لكل واحد منهم مكانا خاصا، وقدر له عملا خاصا. ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا وأحبوا، فإن ذلك يؤدي إلى تشويش النظام. فهم وإن اختلفوا في مراتبهم، وانفصل بعضهم عن بعض بأشكالهم وصورهم منتسبون إلى مبدإ واحد، صادرون عن رأيه وأمره، مصرفون تحت حكمه وقدره، فكذلك تجري الحال في العالم، بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها أفعال مخصوصة، مثل السماوات، ومحركاتها، ومدبراتها، وما قبلها من العقل الفعال. وأجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع والإرادة, والجبر الممزوج بالاختيار. ثم ينسب الكل إلى عناية الباري جلت عظمته.
المسألة العاشرة:
في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير، والشر واقع في القدر بالعرض.
قال: لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان، لا لإرادة وقصد أمر في السافل حتى يقال: إنما أبدع العقل مثلا لغرض في السافل، حتى يفيض
стр. 454
مثلا على السافل فيضا، بل لأمر أعلى من ذلك، وهو أن ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة ولا لغرض، فوجدت الموجودات كاللوازم واللواحق، ثم توجهت إلى الخير، لأنها صادرة عن أصل الخير، وكان المصير في كل حال إلى رأس واحد.
ثم ربما يقع شر وفساد من مصادمات في الأسبات السافلة دون العالية التي كلها خير. مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيرا ونظاما للعالم، فيتفق أن يخرب به بيت عجوز، فإن وقع كان ذلك واقعا بالعرض لا بالذات، أو بأن لا يقع شر جزئي في العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي, فإن فقدان المطر أصلا شر كلي، وتخريب بيت عجوز شر جزئي، والعالم للنظام الكلي لا الجزئي، فالشر إذن واقع في القدر بالعرض.
وقال: إن الهيولى قد لبست الصور على درجات ومراتب، وإنما يكون لكل درجة ما تحتمله في نفسها دون أن يكون في الفيض الأعلى إمساك عن بعض، وإفاضة على بعض. فالدرجة الأولى احتمالها على نحو أفضل، والثانية دون ذلك. والذي عندنا من العناصر دون الجميع، لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تحتمل ما تستطيع أن تلبس من الفيض على النحو الذي هيئت له، ولذلك تقع العاهات والتشويهات في الأبدان، لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول والثاني.
قال: إنا لم نجز الأمور على هذا المنهاج ألجأتنا الضرورة إلى أن نقع في محالات وقع فيها من قبلنا كالثنوية وغيرهم.
المسألة الحادية عشرة: في كون الحركات سرمدية، وأن الحوادث لم تزل
قال: إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان، بل بحسب الذات. والفعل ليس مسبوقا بعدم، بل هو مسبوق بذات الفاعل فقط. ولكن القدماء لما أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبيلة. وكانت القبيلة في اللفظ تتناول الزمان
стр. 455
وكذلك في المعنى عند من لم يتدرب. فأوهمت عباراتهم أن فعل الأول الحق فعل زماني، وأن تقدمه تقدم زماني.
قال: ونحن أثبتنا أن الحركات تحتاج إلى محرك غير متحرك.
ثم نقول: الحركات لا تخلو إما ان تكون لم تزل، أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن، وقد كان المحرك لها موجودا بالفعل قادرا، ليس يمانعه مانع من أن تكون عنه، ولا حدث حادث في حال ما أحدثها فرغبه وحمله على الفعل، إذن كان جميع ما يحدث إنما يحدث عنه، وليس شيء غيره يعوقه أو يرغبه, ولا يمكن أن يقال: قد كان لا يقدر أن يكون عنه مقدور فقدر، أو لم يرد فأراد، أو لم يعلم فعلم. فإن ذلك كله يوجب الاستحالة، ويوجب أن يكون شيئا آخر غيره هو الذي أحاله. وإن قلنا إنه منعه مانع يلزم أن يكون السبب المانع أقوى، والاستحالة والتغير عن المانع حركة أخرى استدعت محركا. وبالجملة: كل سبب ينسب إليه الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله وبعده فإن ذلك السبب جزئي خاص أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك، وإلا فالإرادة الكلية، والقدرة الشاملة، والعلم الواسع العام ليس يختص بزمان دون زمان، بل نسبته إلى الأزمان كلها نسبة واحدة، فلا بد لكل حادث من سبب حادث، ويتعالى عنه الواحد الحق الذي لا يجوز عليه التغيير والاستحالة.
قال: وإذا كان لا بد من محرك للمحركات، ومن حامل للحركات تبين أن المحرك سرمدي، والحركات سرمدية، فالمتحركات سرمدية. فإن قيل: إن حامل الحركة, وهو الجسم, لم يحدث، لكنه تحرك عن سكون, وجب أن يعثر على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة. فإن قلنا: إن ذلك الجسم حدث، فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة. فقد بان أن الحركة، والمتحرك، والزمان الذي هو عاد للحركة أزلية سرمدية.
стр. 456
والحركات إما مستقيمة وإما مستديرة، والاتصال لا يكون إلا للمستديرة، لأن المستقيم ينقطع، والاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية، فإن الذي يسكن ليس بأزلي، والزمان متصل، لأنه لا يمكن أن يكون قطعا مبتورة، فيجب من ذلك أن تكون الحركة متصلة، وإذا كانت المستديرة هي وحدها متصلة، فيجب أن تكون هي أزلية، فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضا أزليا، إذ لا يكون ما هو أخس علة لما هو أفضل، ولا فائدة في محركات ساكنة غير محركة كالصور الأفلاطونية، فلا ينبغي أن يضع هذه الطبيعة بلا فعل فتكون متعطلة غير قادرة أن تحيل وتحرك.
المسألة الثانية عشرة: في كيفية تركب العناصر
حكى فرفوريوس عنه أنه قال: كل موجود ففعله مثل طبيعته. فما كانت طبيعته بسيطة، ففعله بسيط. والله تعالى واحد بسيط، ففعل الله تعالى واحد بسيط. وكذلك فعله الاجتلاب إلى الوجود، فإنه موجود, لكن الجوهر لما كان وجوده بالحركة كان بقاؤه أيضا بالحركة، وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون موجودا من ذاته بمنزلة الوجود الأول الحق، لكن من التشبه بذلك الأول الحق. وكل حركة تكون إما أن تكون مستقيمة، أو مستديرة، فالحركة المستقيمة يجب أن تكون متناهية، والجوهر يتحرك في الأقطار الثلاثة التي هي: الطول، والعرض، والعمق على خطوط مستقيمة، حركة متناهية، فيصير بذلك جسما. وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها حركة بلا نهاية، ولا يسكن في وقت من الأوقات، إلا أنه ليس يمكن أن يتحرك بأجمه حركة على الاستدارة وذلك أن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه كالنقطة، فانقسم الجوهر، فتحرك بعضه على الاستدارة وهو الفلك، وسكن بعضه في الوسط.
قال: وكل جسم يتحرك فيماس جسما ساكنا وفي طبيعته قبول التأثير منه،
стр. 457
أحدث سخونة فيه، وإذا سخن لطف، وانحل، وخف، فكانت طبيعة النار تلي الفلك المتحرك. والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار، فتكون حركته أقل، فلا يتحرك بأجمعه لكن جزء منه، فيسخن دون سخونة النار، وهو الهواء. والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك له، فهو بارد لسكونه، ورطب لمجاورة الهواء الحار الرطب، ولذلك انحل قليلا، وهو الماء. والجسم الذي في الوسط فإنه بعد في الغاية عن الفلك، ولم يستفد من حركته شيئا، ولا قبل منه تأثيرا، فيبس وبرد، وهو الأرض.
وإذ كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها عن بعض. وتختلط. يتولد عنها أجسام مركبة، وهي المركبات المحسوسات، التي هي المعادن، والنبات، والحيوان، والإنسان. ثم يختص بكل نوع طبيعة خاصة تقبل فيضا خاصا على ما قدره الباري جلت قدرته.
المسألة الثالثة عشرة: في الآثار العلوية
قال أرسطوطاليس: الذي يتصاعد من الأجسام السفلية إلى الجو ينقسم قسمين: أحدهما: أدخنة نارية بإسخان الشمس وغيرها. والثاني: أبخرة مائية، فتصعد إلى الجو وقد صحبتها أجزاء أرضية، فتتكاثف، وتجتمع بسبب ريح أو غيرها، فتصير ضبابا أو سحابا، فتصادفها برودة، فتعصر ماءً، وثلجا وبردا، فتنزل إلى مركز الماء، وذلك لاستحالة الأركان بعضها عن بعض، فكما أن الماء يستحيل هواء فيصعد، كذلك الهواء يستحيل ماء فينزل. ثم الرياح والأدخنة إذا احتقنت في خلال السحاب واندفعت مرة سمع لها صوت وهو الرعد، ويلمع من اصطكاكها وشدة صدمتها ضياء وهو البرق. وقد يكون من الأدخنة ما تكون الهنية، على مادتها أغلب، فيشتعل، فيصير شهابا ثاقبا، وهي الشهب. ومنها ما يحترق في الهواء، فيتحجر فينزل حديدا أو حجرا. ومنها ما يحترق نارا، فيدفعها دافع، فينزل صاعقة. من المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال، ووقف تحت
стр. 458
كوكب، ودارت به النار الدائرة بدوران الفلك، فكان ذنبا له. وربما كان عريضا، فرئي كأنه لحية كوكب، وربما وقع صقيل الظاهر من السحاب صور النيرات وأضواؤها، كما يقع على المرائي والجدران الصقيلة، فيرى ذلك على أحوال مختلفة، بحسب اختلاف بعدها من النير وقربها، وصفائها وكدورتها، فيرى في هالة، وقوس قزح، وشموس، وشهب، والمجرة. وذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف بالآثار العلوية, والسماء والعالم, وغيرهما.
المسألة الرابعة عشرة: في النفس الإنسانية الناطقة، واتصالها بالبدن
قال: النفس الإنسانية ليست بحسم ولا قوة في جسم. وله في إثباتها مآخذ: منها الاستدلال على وجودها بالحركات الاختيارية. ومنها الاستدلال عليها بالتصورات العلمية.
أما الأول فقال: لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية، إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية, لتحرك إلى جهة واحدة لا تختلف ألبتة. فلما تحركت إلى جهات متضادة علم أن حركاته اختيارية. والإنسان مع أنه مختار في حركاته كالحيوان، إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر، فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض وكمال. وهو في معرفته في عاقبة كل حال. والحيوان ليست حركاته بطبعه على هذا النهج، فيجب أن يتميز الإنسان بنفس خاص. كما تميز الحيوان عن سائر الموجودات بنفس خاص.
وأما الثاني: وهو المعول عليه, قال: إنا لا نشك أن نعقل ونتصور أمرا معقولا صرفا، مثل المتصور من الإنسان أنه إنسان كلي يعم جميع أشخاص النوع. ومحل هذا المعقول جوهر ليس بجسم ولا قوة في جسم أو صورة لجسم، فإنه إن كان جسما فإما أن يكون محل الصورة المعقولة منه طرفا منه لا ينقسم، أو جملته المنقسمة. وبطل أن يكون
стр. 459
طرفا منه غير منقسم، فإنه لو كان كذلك لكان المحل كالنقطة التي لا تميز لها في الوضع عن الخط، فإن الطرف نهاية الخط: والنهاية لا يكون لها نهاية أخرى، وإلا تسلسل القول فيه، فتكون النقط متشافعة ولكل نهاية، وذلك محال. وإن كل محل المعقول من الجسم شيئا ينقسم. فيجب أن ينقسم المعقول بانقسام محله، ومن المعقولات ما لا ينقسم ألبتة، فإن ما ينقسم يجب أن يكون شيئا كالشكل والمقدار. والإنسانية الكلية المتصورة في الذهن ليست كشكل قابل للقطع، ولا كمقدار قابل للفصل. فتبين أن النفس ليست بجسم، ولا قوة في جسم، ولا صورة في جسم.
المسألة الخامسة عشرة: في وجه اتصالها بالبدن، ووقت اتصالها
قال: إذا تحقق أنها ليست بجسم لم تتصل بالبدن اتصال انطباع فيه، ولا حلول فيه، بل اتصلت به اتصال تدبير وتصرف. وإنما حدثت مع حدوث البدن لا قبله ولا بعده، قال: لأنها لو كانت موجودة قبل وجود الأبدان لكانت إما متكثرة بذواتها، وإما متحدة. وبطل الأول، فإن المتكثر إما أن يكون بالماهية والصورة، وقد فرضناها متفقة في النوع لا اختلاف فيها، فلا تكثر فيها ولا تمايز. وإما أن تكون متكثرة من جهة النسبة إلى العنصر والمادة المتكثرة بالأمكنة والأزمنة, وهذا محال أيضا. فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة لها إلى مادة دون مادة. وهي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها، وأن الأشياء التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل والقوابل، والمنفعلات عنها. وإذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة ومكاثرة.
ولعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة، فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت، وباختلاف أزمنة حدوثها، وباختلاف هيئات وملكات حصلت عند الاتصال بالبدن، فهي حادثة مع حدوث البدن، تصيره نوعا كسائر الفصول
стр. 460
الذاتية، وباقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له, لم توجد تلك العوارض قبل اتصالها بالبدن. وبهذا الدليل فارق أستاذه. وفارق قدماءه.
وقد وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل وجود الأبدان. فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض والصور الموجودة بالقوة في واهب الصور، كما يقال إن النار موجودة في الحجر والشجر، أو الإنسان موجود في النطفة، والنخلة موجودة في النواة، والضياء موجود في الشمس. ومنهم من أجراه على ظاهره وحكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها، وقال: اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها، فليست متفقة بالنوع، أعني النوع الأخير. ومنهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها، وكما أنها تتمايز بعد الاتصال بالبدن بأنها كانت متمايزة في المادة, كذلك تتمايز بأنها ستكون متمايزة بالأبدان، والصنائع والأفعال، واستعداد كل نفس لصنعة خاصة، وعلم خاص فتنهض هذه فصولا ذاتية أو عوارض لازمة لوجودها.
المسألة السادسة عشرة: في بقائها بعد البدن، وسعادتها في العالم العقلي
قال: إن النفوس الإنسانية إذا استكملت قوتي العلم والعمل تشبهت بالإله ، وو صلت إلى كمالها، وإنما هذا التشبه بقدر الطاقة يكون إما بحسب الاستعداد، وإما بحسب الاجتهاد، فإذا فارق البدن اتصل بالروحانيين، وانخرط في سلك الملائكة المقربين. ويتم له التذاذ والابتهاج. وليس كل لذة فهي جسمانية، فإن تلك اللذات لذات نفسانية عقلية، وهذه اللذة الجسمانية تنتهي إلى حد، ويعرض للملتذ سآمة، وكلال، وضعف، وقصور إن تعدى عن الحد المحدود، بخلاف اللذات العقلية، فإنها حيثما ازدادت ازداد الشوق والحرص والعشق إليها.