← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فهرس الجزء الثاني من كتاب الملل والنحل ... الموضوع صفحة الفصل السابع: أهل الفروع المختلفون في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية ٣ "أ" أصول الاتجتهاد وأركانه ٣ "ب" شرائط الاجتهاد ٤ ١- أحكام المجتهدين في الأصول، والفروع ٦ ٢- حكم الاجتهاد والتقليد، والمجتهد والمقلد ١٠ ٣- أصناف المجتهدين: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي ١١ الباب الثاني: أهل الكتاب ١٣ أهل الكتاب، والأميون ١٣ اليهود، والنصارى ١٤ الفصل الأول: اليهود خاصة ١٥ آراء اليهود ومعتقداتهم، وكتابهم وفرقهم ١٦ ١- العنانية ٢٠ ٢- العيسوية ٢٠ ٣- المقاربة، واليوذعانية ٢١ ٤- السامرة ٢٣ ما أجمع عليه اليهود ٢٤ الفصل الثاني: النصارى ٢٥ ١- الملكانية ٢٧ ٢- النسطورية ٢٩ ٣- اليعقوبية ٣٠ ما أجمع عليه أصحاب التثليث ٣١

стр. 492

الموضوع صفحة الباب الثالث: من له شبه كتاب ٣٤ "أ" صحف إبراهيم ﵇ ٣٤ "ب" المجوس، وأصحاب الاثنين والمانوية وسائر فرقهم ٣٥ الفصل الأول: المجوس ٣٨ معتقدات المجوس الأصلية ٣٨ ١- الكيومرثية ٣٨ ٢- الزروانية ٣٩ ٣- الزردشنية ٤١ مقالة زردشت في المبادئ ٤٤ الفصل الثاني: الثنوية، أصحاب الأثين الأزليين ٤٩ ١- المانوية ٤٩ ٢- المزدكية ٥٤ ٣- الديصانية ٥٥ ٤- المر قيونية ٥٧ ٥- الكينوية والصيامية والناسخية منهم ٥٨ بيوت النيران للمجوس ٥٩ الباب الأول: أهل الأهواء والنحل ٦١ الفصل الأول: الصابئة ٦٣ الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات ٦٤ ١- مذهب أصحاب الروحانيات ٦٤ ٢- مناظرات بين الصابئة والحنفاء ٦٧ حكم هرمس العظيم ١٠٣ الفصل الثالث: أصحاب الهياكل والأشخاص ١٠٧ ١- أصحاب الهياكل ١٠٧ ٢- أصحاب الأشخاص ١٠٨ ٣- مناظرات إبراهيم الخليل لأصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص وكسره مذاهبهما ١٠٩

стр. 493

الموضوع صفحة الفصل الرابع: الحرنانية ١١٢ ١- مقالات الحرنانية ١١٢ ٢- نشأة التناسخ والحلول منهم ١١٣ ٣- مزاعم الحرنانية ١١٤ الباب الثاني: الفلاسفة ١١٦ الفصل الأول: الحكماء السبعة ١١٩ ١- رأي تاليس ١١٩ ٢- رأي أنكساغورس ١٢٢ ٣- رأي أنكسيمانس ١٢٤ ٤- رأي أنبادقليس ١٢٦ ٥- رأي فيثاغورس ١٣٢ ٦- رأي سقراط ١٤١ ٧- رأي أفلاطون الإلهي ١٤٦ اختلاف الأوائل في الإبداع، والمبدع، والإرادة ١٥٢ الفصل الثاني: الحكماء الأصول ١٥٣ ١- رأي فلوطرخيس ١٥٤ ٢- رأي أكسنوفانس ١٥٥ ٣- رأي زينون الأكبر ١٥٦ ٤- رأي ديمقريطيس وشيعته ١٥٨ ٥- رأي فلاسفة أقاديما ١٦٠ ٦- رأي هرقل الحكيم ١٦٠ ٧- رأي أبيقورس ١٦٢ ٨- حكم سولون الشاعر ١٦٢ ٩- حكم أوميروس ١٦٤ ١٠- حكم بقراط ١٦٧ ١١- حكم ديمقريطيس ١٧٠ ١٢- حكم أوقليدس ١٧٣ ١٣- حكم بطليموس ١٧٥

стр. 494

الموضوع صفحة ١٤- حكم أهل المظال ١٧٦ الفصل الثالث: متأخرو حكماء اليونان ١٧٨ ١- رأي أرسطوطاليس بن نيقوماخوس ١٧٨ المسألة الأولى: في إثبات واجب الوجود ١٧٩ المسألة الثانية: في أن واجب الوجود واحد ١٨٠ المسألة الثالثة: في أن واجب الوجود لذاته ١٨٠ المسألة الرابعة: في أن واجب الوجود لا يعتريه تغيير ١٨٢ المسألة الخامسة: في أن واجب الوجود حي بذاته ١٨٣ المسألة السادسة: في أنه لا يصدر عن واحد إلا واحد ١٨٣ المسألة السابعة: في عدد المفارقات ١٨٤ المسألة الثامنة: في أن الأول مبتهج بذاته ١٨٤ المسألة التاسعة: في صدور نظام الكل، وترتيبه عنه ١٨٥ المسألة العاشرة: في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير ١٨٦ المسألة الحادية عشرة: في كون الحركات السرمدية، وأن الحوادث لم تزل ١٨٧ المسألة الثانية عشرة: في كيفية تركب العناصر ١٨٩ المسألة الثالثة عشرة: في الآثار العلوية ١٩٠ المسألة الرابعة عشرة: في النفس الإنسانية الناطقة واتصالها بالبدن ١٩١ المسألة الخامسة عشرة: في وجه اتصالها بالبدن، ووقت اتصالها ١٩٢ المسألة السادسة عشرة: في بقائها بعد البدن، وسعادتها في العالم العقلي ١٩٣ ٢- حكم الإسكندر الرومي ١٩٦ ٣- حكم ديوجانس الكلبي ٢٠٠ ٤- حكم الشيخ اليوناني ٢٠٣ ٥- حكم ثاو فرطيس ٢٠٦ ٦- شبه برقلس في قدم العالم ٢٠٨ ٧- رأي ثامسطيوس ٢١٢ ٨- رأي الإسكندر الأفروديسي ٢١٣ ٩- رأي فرفريوس ٢١٤

стр. 495

المجلد الثالث تابع باب الفلاسفة الفصل الرابع: المتأخرون في الإسلام ابن سينا: كلامه في المنطق ... الفصل الرابع: المتأخرون من فلاسفة الإسلام مثل يعقوب بن إسحاق الكندي، وحنين بن أسحاق، ويحيى النحوي، وأبي الفرج المفسر، وأبي سليمان السجزي، وأبي سليمان محمد بن معشر المقدسي، وأبي بكر ثابت بن قرة الحراني، وأبي تمام يوسف بن محمد النيسابوري، وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي، وأبي محارب الحسن بن سهل بن محارب القمي، وأحمد بن الطيب السرخسي، وطلحة بن محمد النسفي، وأبي حامد أحمد بن محمد الإسفزاري، وعيسى بن علي بن عيسى الوزير، وأبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه، وأبي زكريا يحيى بن عدي الصيمري، وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري، وأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، وغيرهم. وإنما علامة القوم: أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا. قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب إليه وانفرد به، سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين. ولما كانت طريقة ابن سينا أدق عند الجماعة، ونظره في الحقائق أغوص؛ اخترت نقل طريقته من كتبه على إيجاز واختصار، كأنها عيون كلامه، ومتون مرامه. وأعرضت عن نقل طرق الباقين، و"كل الصيد في جوف الفرا". ١- ابن سينا: كلامه في المنطق قال أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا: العلم إما تصور، وإما تصديق. أما التصور فهو العلم الأول، وهو أن تدرك أمرا ساذجا من غير أن تحكم عليه بنفي أو إثبات، مثل تصورنا ماهية الإنسان. وأما التصديق فهو أن تدرك أمرا وأمكنك أن تحكم عليه بنفي أو إثبات، مثل تصديقنا بأن للكل مبدأ. وكل واحد من القسمين منه ما هو

стр. 496

أولى. ومنه ما هو مكتسب. فالتصور المكتسب إنما يستحصل بالحد وما يجري مجراه، والتصديق المكتسب إنما يستحصل بالقياس وما يجري مجراه، فالحد والقياس آلتان بهما تحصل المعلومات التي لم تكن حاصلة فتصير معلومة بالروية. وكل واحد منهما منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو دون الحقيقي, ولكنه نافع منفعة بحسبه، ومنه ما هو باطل مشتبه بالحقيقي. والفطرة الإنسانية غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف إلا أن تكون مؤيدة من عند الله ، فلا بد إذن للناظر من آلة قانونية تعصمه مراعاتها عن أن يضل في فكره، وذلك هو الغرض من المنطق. ثم إن كل واحد من الحد والقياس فمؤلف من معان معقولة بتأليف محدود. فيكون لها مادة منها ألفت وصورة بها التأليف، والفساد قد يعرض من إحدى الجهتين وقد يعرض من جهتيهما معا. فالمنطق هو الذي نعرف به: من أي المواد والصور يكون الحد الصحيح والقياس السديد الذي يوقع يقينا، ومن أيها ما يوقع عقدا شبيها باليقين، ومن أيها ما يوقع ظنا غالبا، ومن أيها ما يوقع مغالطة وجهلا، وهذه فائدة المنطق. ثم لما كانت المخاطبات النظرية بألفاظ مسموعة، والأفكار العقلية بأقوال عقلية، فتلك المعاني التي في الذهن من حيث يتأدى بها إلى غيرها كانت موضوعات المنطق. ومعرفة أحوال تلك المعاني مسائل علم المنطق. وكان المنطق بالنسبة إلى المعقولات على مثال النحو بالنسبة إلى الكلام، والعروض إلى الشعر، فوجب على المنطقي أن يتكلم في الألفاظ أيضا من حيث تدل على المعاني. واللفظ يدل على المعنى من ثلاثة أوجه، أحدها: بالمطابقة. والثاني: بالتضمن، والثالث بالالتزام. وهو ينقسم إلى: مفرد، ومركب، فالمفرد ما يدل على معنى وجزء من أجزائه لا يدل على جزء من أجزاء ذلك المعنى بالذات أي حين هو جزء له، والمركب هو الذي يدل على معنى وله أجزاء منها يلتئم مسموعه، ومن معانيها يلتئم معنى الجملة.

стр. 497

والمفرد ينقسم إلى كلي وجزئي. والكلي هو الذي يدل على كثيرون بمعنى واحد متفق، ولا يمنع نفس مفهومه عن الشركة فيه، والجزئي هو ما يمنع نفس مفهومه ذلك. ثم الكلي ينقسم إلى ذاتي، وعرضي. والذاتي هو الذي يقوم ماهية ما يقال عليه. والعرضى، هو الذي لا يقوم ماهية، سواء كان غير مفارق في الوجود والوهم، أو مفارقا بين الوجود، أو غير بين الوجود له. ثم الذاتي ينقسم إلى ما هو مقول في جواب: ما هو؟ وهو اللفظ المفرد الذي يتضمن جميع المعاني الذاتية التي يقوم الشيء بها، وفرق بين المقول في جواب ما هو وبين الداخل في جواب ما هو. وإلى ما هو مقول في جواب أي شئ هو؟ وهو الذي يدل على معنى تتميز به أشياء مشتركة في معنى واحد تميزا ذاتيا. وأما العرضى فقد يكون ملازما في الوجود والوهم, وبه يقع تمييز أيضا لا ذاتيا، وقد يكون مفارقا. وفرق بين العرضى والعرض الذي هو قسيم الجوهر. وأما رسوم الألفاظ الخمسة التي هي: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام: فالجنس يرسم بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق الذاتية في جواب ما هو؟ والنوع يرسم بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو؟ إذا كان نوع الأنواع، وإذا كان نوعا متوسطا فهو المقول على كثيرين مختلفين في جواب: ما هو؟ ويقال عليه قول آخر في جواب ما هو بالشركة؟ وينتهى الإرتقاء إلى جنس لا جنس فوقه، وإن قدر فوق الجنس أمر أعم منه فيكون العموم بالتشكيك، والنزول إلى نوع لا نوع تحته، وإن قدر دون النوع صنف أخص فيكون الخصوص بالعوارض. ويرسم الفصل بأنه الكلي الذاتي الذي يقال به على نوع تحت جنسه بأنه أي شيء هو؟ وترسم الخاصة بأنها هي الكلي الدال على نوع واحد في جواب أي شيء هو، لا بالذات. ويرسم العرض العام بأنه الكلي المفرد الغير الذاتي، ويشترك في معناه كثيرون، ووقوع العرض على هذا وعلى الذي هو قسيم الجوهر وقوع بمعنيين مختلفين.

стр. 498

في المركبات: الشيء إما عين موجودة، وإما صورة مأخوذة عنه في الذهن، ولا يختلفان في النواحي والأمم. وإما لفظة تدل على الصورة التي في الذهن، وأما كتابة دالة على اللفظ، ويختلفان في الأمم. فالكتابة دالة على اللفظ، واللفظ دال على الصورة في الذهن، وتلك الصورة دالة على الأعيان الموجودة. ومبادئ القول: إما اسم، وإما كلمة، وإما أداة. فالاسم لفظ مفرد يدل على معنى من غير أن يدل على زمان وجود ذلك المعنى، والكلمة لفظ مفرد يدل على معنى وعلى الزمان الذي فيه ذلك المعنى لموضوع ما غير معين، والأداة لفظ مفرد إنما يدل على معنى يصح أن يوضع أو يحمل بعد أن يقترن باسم أو كلمة، وإذا ركبت اللفظ تركيبا يؤدي إلى معنى فحينئذ يسمى قولا. ووجوه التركيبات مختلفة، وإنما يحتاج المنطقي إلى تركيب خاص، وهو أن يكون بحيث يتطرق إليه التصديق والتكذيب. فالقضية هي: كل قول فيه نسبة بين شيئين بحيث يتبعه حكم صدق أو كذب، والحملية منها: كل قضية فيها النسبة المذكورة بين شيئين ليس في كل منهما هذه النسبة إلا بحيث يمكن أن يدل على كل واحد منها بلفظ مفرد. والشرطية منها: كل فضية فيها هذه النسبة بين شيئين فيهما هذه النسبة من حيث هي مفصلة، والمتصلة من الشرطية: هي التي توجب أو تسلب لزوم قضية لأخرى من القضايا الشرطية، والمنفصلة منها: ما توجب أو تسلب عناد قضية لأخرى من القضايا الشرطية. والإيجاب هو إيقاع هذه النسبة وإيجادها، وفي الحملية هو الحكم بوجود محمول لموضوع، والسلب هو رفع هذه النسبة الوجودية، وفي الحملية هو الحكم بلا وجود محمول لموضوع. والمحمول هو المحكوم به، والموضوع هو المحكوم عليه. والمخصوصة قضية حملية موضوعها شيء جزئي، والمهملة قضية حملية موضوعها كلي ولكن لم يبين أن الحكم في كله أو في بعضه، ولا بد أنه في البعض وشك في أنه في الكل فحكمه حكم الجزئي، والمحصورة هي التي موضوعها كلي, والحكم عليه مبين أنه في كله أو بعضه، وقد تكون موجبة وسالبة. والسور هو اللفظ الذي يدل على مقدار الحصر، ككل، ولا واحد، وبعض، ولا كل. والقضيتان المتقابلتان هما اللتان تختلفان

стр. 499

بالسلب والإيجاب، وموضوعهما ومحمولهما واحد في المعنى، والإضافة، والقوة والفعل، والجزء، والكل، والمكان، والزمان، والشرط. والتناقض هو التقابل بين قضيتين في الإيجاب والسلب تقابلا يجب عنه لذاته أن يقتسما الصدق والكذب، ويجب أن يراعى فيه الشرائط المذكورة. والقضية البسيطة هي التي موضوعها ومحمولها اسم محصل، والمعدولة هي التي موضوعها أو محمولها غير محصل، كقولنا زيد هو غير بصير، والعدمية هي التي محمولها أخس المتقابلين، أي دل على عدم شيء من شأنه أن يكون للشيء، أو لنوعه، أو لجنسه، مثل قولنا زيد جائر. ومادة القضايا هي حالة للمحمول بالقياس إلى الموضوع يجب بها لا محالة أن يكون له دائما في كل وقت في إيجاب أو سلب، أو غير دائم له في إيجاب ولا سلب. وجهات القضايا ثلاث: واجب ويدل على دوام الوجود، وممتنع ويدل على دوام العدم، وممكن ويدل على لا دوام وجود ولا عدم. والفرق بين الجهة والمادة: أن الجهة لفظ مصرح بها تدل على أحد هذه المعاني، والمادة حالة للقضية في ذاتها غير مصرح بها، وربما تخالفا، كقولك زيد يمكن أن يكون حيوانا، فالمادة واجبة والجهة ممكنة. والممكن يطلق على معنيين. أحدهما: ما ليس بممتنع، وعلى هذا الشيء إما ممكن وإما ممتنع وهو الممكن العامي. والثاني ما ليس بضروري في الحالتين أعني الوجود والعدم. وعلى هذا الشيء إما واجب, وإما ممتنع, وإما ممكن، وهو الممكن الخاصي. ثم إن الواجب والممتنع بينهما غاية الخلاف، مع إتفاقهما في معنى الضرورة، فإن الواجب هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال، والممتنع ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال، والممكن الخاصي هو ما ليس بضروري الوجود والعدم. والحمل الضروري على أوجه ستة تشترك كلها في الدوام.

стр. 500

الأول: أن يكون الحمل دائما لم يزل ولا يزال. والثاني: أن يكون الحمل دائما ما دامت ذات الموضوع موجودة لم تفسد، وهذان هما المستعملان والمرادان إذا قيل إيجاب أو سلب ضروري. والثالث: أن يكون الحمل دائما ما دامت ذات الموضوع موصوفة بالصفة التي جعلت موضوعة معها. والرابع: أن يكون الحمل موجودا, وليس له ضرورة بلا هذا الشرط. والخامس: أن تكون الضرورة وقتا ما معينا لا بد منه. والسادس: أن تكون الضرورة وقتا ما غير معين. ثم إن ذوات الجهة قد تتلازم طردا وعكسا, وقد لا تتلازم، فواجب أن يوجد يلزمه, ممتنع أن لا يوجد، وليس يمكن بالمعنى العامي أن لا يوجد، ونقائض هذه متعاكسة وقس عليه سائر الطبقات. وكل قضية فإما ضرورية، وإما ممكنة، وإما مطلقة. فالضرورية مثل قولنا: كل ب ابالضرورة؛ أي كل واحد مما يوصف بأنه ب، دائما، أو غير دائم، فذلك الشيء دائما ما دامت عين ذاته موجودة يوصف بأنه أ. والممكنة: هي التي حكمها من إيجاب أو سلب غير ضروري. والمطلقة فيها رأيان، أحدهما: أنها التي لم يذكر فيها جهة ضرورة للحكم أو إمكان للحكم بل أطلق إطلاقا. والثاني: ما يكون الحكم فيها موجودا لا دائما بل وقتا ما، وذلك الوقت إما ما دام الموضوع موصوفا بما وصف به، أو ما دام المحمول محكموما به، أو في وقت معين ضروري، أو في وقت ضروري غير معين. وأما العكس فهو تصيير الموضوع محمولا, والمحمول موضوعا مع بقاء السلب والإيجاب بحاله, والصدق والكذب بحاله.

стр. 501

والسالبة الكلية تنعكس مثل نفسها، وأما السالبة الجزئية فلا تنعكس. والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، والموجبة الجزئية تنعكس مثل نفسها. في القياس ومبادئه وأشكاله ونتائجه: المقدمة قول يوجب شيئا لشيء، أو يسلب شيئا عن شيء: جعلت جزء قياس. والحد ما تنحل إليه المقدمة من جهة ما هي مقدمة. والقياس: هو قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لزم عنها بذاتها قول آخر غيرها اضطرارا. وإذا كان بينا لزومه يسمى قياسا كاملا، وإذا احتاج إلى بيان فهو غير كامل. والقياس ينقسم إلى اقتراني, واستثنائي، والاقتراني أن يكون ما يلزمه ليس هو ولا نقيضه مقولا فيه بالفعل بوجه ما، والاستثنائي أن يكون ما يلزمه هو أو نقيضه مقولا فيه بالفعل. والاقتراني إنما يكون عن مقدمتين يشتركان في حد ويفترقان في حدين، فتكون الحدود ثلاثة، ومن شأن المشترك فيه أن يزول عن الوسط ويربط ما بين الحدين الآخرين، فيكون ذلك هو اللازم ويسمى نتيجة، فالمكرر يسمي حدا أوسط، والباقيان طرفين، والذي يريد أن يصير محمول اللازم يسمى الطرف الأكبر، والذي يريد أن يكون موضوع اللازم يسمى الطرف الأصغر، والمقدمة التي فيها الطرف الأكبر تسمى الكبرى، والتي فيها الطرف الأصغر تسمى الصغرى، وتأليف الصغرى والكبرى يسمى قرينة، وهيئة الاقتران تسمى شكلا، والقرينة التي يلزم عنها لذاتها قول آخر تسمى قياسا، واللازم ما دام لم يلزم بعد بل يساق إليه القياس يسمى مطلوبا، وإذا لزم يسمى نتيجة. والحد الأوسط إن كان محمولا في مقدمة وموضوعا في الأخرى يسمى ذلك الاقتران شكلا أولا، وإن كان محمولا فيهما يسمى شكلا ثانيا، وإن كان موضوعا فيهما يسمى شكلا ثالثا. وتشترك الأشكال كلها في أنه لا قياس عن جزئيتين، وتشترك ما خلا الكائنة عن الممكنات في أنه لا قياس عن سالبتين، ولا عن صغرى سالبة كبراها جزئية. والنتيجة تتبع أخس المقدمتين في الكم والكيف.

стр. 502

وشريطة الشكل الأول أن تكون كبراه كلية، وصغراه موجبة. وشريطة الشكل الثاني أن تكون الكبرى فيه كلية, وإحدى المقدمتين مخالفة للأخرى في الكيف، ولا ينتج إذا كانت المقدمتان ممكنتين أو مطلقتين الإطلاق الذي لا ينعكس على نفسه كلتيهما، وشريطة الشكل الثالث أن تكون الصغرى موجبة، ثم لا بد من كلية في كل شكل. وليرجع في المختلطات إلى تصانيفه. وأما القياسات الشرطية بقضاياها: فاعلم أن الإيجاب والسلب ليس يختص بالحمليات، بل وفي الاتصال والانفصال، فإنه كما أن الدلالة على وجود الحمل إيجاب في الحمل، كذلك الدلالة على وجود الاتصال إيجاب في المتصل، والدلالة على وجود الانفصال في إيجاب في المنفصل، وكذلك السلب، وكل سلب فهو إبطال الإيجاب ورفعه. وكذلك يجري فيهما الحصر والإهمال. وقد تكون القضايا كثيرة والمقدمة واحدة. والاقتران من المتصلات أن يجعل مقدم أحدهما تالي الآخر، فيشتركان في التالي، أو يشتركان في المقدم، وذلك على قياس الأشكال الحملية، والشرائط فيها واحدة، والنتيجة شرطية تحصل من اجتماع المقدم والتالي اللذين هما كالطرفين. والاقترانيات من المنفصلات فلا تكون في جزء تام بل تكون في جزء غير تام، وهو جزء تال أو مقدم. والاستثنائية مؤلفة من مقدمتين إحداهما: شرطية، والأخرى وضع أو رفع لأحد جزأيها, ويجوز أن تكون حملية وشرطية، وتسمى المستثناة. والمستثناة من قياس فيه شرطية متصلة إن كان الاستثناء من المقدم فيجب أن يكون عين المقدم لينتج عين التالي، وإن كان من التالي فيجب أن يكون نقيضه لينتج نقيض المقدم، واستثناء نقيض المقدم وعين التالي لا ينتج شيئا. وأما إذا كانت الشرطية منفصلة, فإن كانت ذات جزأين فقط موجبتين فأيهما استثنيت عينه أنتج نقيض الباقي، وأيهما استثنيت نقيضه أنتج عين الباقي. وأما القياسات المركبة: فهي ما إذا حللت أفرادها كان ما ينتج كل واحد منها شيئا آخر، إلا أن نتائج بعضها مقدمات لبعض، وكل نتيجة فإنها تستتبع عكسها، وعكس نقيضها، وجزأها، وعكس جزئها، إن كان لها عكس، والمقدمات الصادقة

стр. 503

تنتج نتيجة صادقة ولا ينعكس. فقد تنتج المقدمات الكاذبة نتيجة صادقة. والدور أن تأخذ النتيجة وعكس إحدى المقدمتين فتنتج المقدمة الثانية. وإنما يمكن إذا كانت الحدود في المقدمات متعاكسة متساوية. وعكس القياس هو أن تأخذ مقابل النتيجة بالضد أو النقيض وتضيفه إلى إحدى المقدمتين فينتج مقابل النتيجة الأخرى احتيالا في الجدل. وقياس الخلف هو الذي يبين فيه المطلوب من جهة تكذيب نقيضه، فيكون هو بالحقيقة مركبا من قياس اقتراني وقياس استثنائي. والمصادرة على المطلوب الأول هو أن يجعل المطلوب نفسه مقدمة في قياس يراد فيه إنتاجه، وربما تكون في قياس واحد، وربما تبين في قياسات، وحيثما كان أبعد كان من القبول أقرب. والاستقراء هو حكم على كلي لوجود ذلك الحكم في جزئيات ذلك الكلي، إما كلها وإما أكثرها. والتمثيل هو الحكم على شيء معين لوجود ذلك الحكم في شيء آخر معين أو أشياء، على أن ذلك الحكم كلي على المتشابه فيه، فيكون المحكوم عليه هو المطلوب، والمنقول منه الحكم هو المثال، والمعنى المتشابه فيه هو الجامع. وحكم الرأي مقدمة محمودة كلية في أن كذا كائن أو غير كائن وصواب أم خطأ. والدليل: قياس إضماري حده الأوسط شيء إذا وجد للأصغر تبعه وجود شيء آخر للأصغر دائما كيف كان ذلك التبع. والقياس الفراسي شبيه بالدليل من وجه, وبالتمثيل من وجه. في مقدمات القياس من جهة ذواتها، وشرائط البرهان: المحسوسات: هي أمور أوقع التصديق بها الحس، والمجربات: هي أمور أوقع التصديق بها الحس بشركة من القياس، والمقبولات آراء أوقع التصديق بها قول من يوثق بصدقه فيما يقول، إما لأمر سماوي يختص به، أو لرأي وفكر قوي تميز به، والوهميات آراء أوجب اعتقادها قوة الوهم التابعة للحس، والذائعات: آراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها شهادة الكل، والمظنونات آراء يقع التصديق بها لا على الثبات, بل تخطر إمكان نقيضها بالبال، ولكن الذهن يكون إليها أميل، والمتخيلات هي مقدمات ليست تقال ليصدق بها، بل لتخيل شيئا على أنه شيء آخر على سبيل

стр. 504

المحاكاة. والأوليات هي قضايا تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية من غير سبب أوجب التصديق بها. والبرهان: قياس مؤلف من يقينيات لإنتاج يقيني. واليقينيات: إما أوليات وما جمع منها، وإما تجريبات، وإما محسوسات. وبرهان اللم: هو الذي يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة في الوجود والذهن جميعا. وبرهان الإن: هو الذي يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة عند الذهن والتصديق به. والمطالب أربعة: هل مطلقا، هو تعرف حال الشيء في الوجود أو العدم مطلقا، وهل مقيدا، وهو تعرف وجود الشيء على حال ما, أو ليس ما: يعرف التصور، وهو إما بحسب الاسم، أي ما المراد باسم كذا؟ وهذا يتقدم كل مطلب، وإما بحسب الذات، أي ما الشيء في وجوده؟ وهو يعرف حقيقة الذات، ويتقدمه "الهل المطلق" لم: يعرف العلة بجواب. هل: وهو إما علة التصديق فقط، وإما علة نفس الوجود. وإما أي, فهو بالقوة داخل في "الهل المقيد" وإنما يطلب التمييز إما بالصفات الذاتية، وإما بالخواص. والأمور التي يلتئم منها أمر البراهين ثلاثة: موضوعات، ومسائل، ومقدمات. فالموضوعات يبرهن فيها، والمسائل يبرهن عليها، والمقدمات يبرهن بها، ويجب أن تكون صادقة يقينية ذاتية، وتنتهي إلى مقدمات أولية مقولة على الكل، كلية، وقد تكون ضرورية إلا على الأمور المتغيرة التي هي في الأكثر على حكم ما، فتكون أكثرية، وتكون عللا لوجود النتيجة، فتكون مناسبة. الحمل الذاتي يقال على وجهين، أحدهما: أن يكون المحمول مأخوذا في حد الموضوع. والثاني: أن يكون الموضوع مأخوذا في حد المحمول. المقدمة الأولية على وجهين، أحدهما: أن التصديق بها حاصل في أول العقل، والثاني: من جهة أن الإيجاب والسلب لا يقال على ما هو أعم من الموضوع قولا كليا.

стр. 505

المناسب: هو أن لا تكون المقدمات فيه من علم غريب. الموضوعات: هي التي توضع في العلوم فيبرهن على أعراضها الذاتية. المسائل: هي القضايا الخاصة بعلم علم، المشكوك فيها, المطلوب برهانها. والبرهان يعطي حكم اليقين الدائم، وليس في شيء من الفاسدات عقد دائم، فلا برهان عليها، ولا برهان أيضا على الحد لأنه لا بد حينئذ من حد أوسط مساو للطرفين، لأن الحد والمحدود متساويان، وذلك الأوسط لا يخلو: إما أن يكون حدا آخر، أو يكون رسما، أو خاصة. فأما الحد الآخر فإن السؤال في اكتسابه ثابت، فإن اكتسب بحد ثالث فالأمر ذاهب إلى غير نهاية، وإن اكتسب بالحد الأول فذلك دور، وإن اكتسب بوجه آخر غير البرهان فلم لا يكتسب به هذا الحد؟ على أنه لا يجوز أن يكون لشيء واحد حدان تامان على ما سنوضح بعد، وإن كانت الواسطة غير حد فكيف صار ما ليس بحد أعرف وجودا للمحدود من الأمر الذاتي المقوم له وهو الحد؟ وأيضا فإن الحد لا يكتسب بالقسمة، فإن القسمة تضع أقساما، ولا تحمل من الأقسام شيئا بعينه إلا أن يوضع وضعا من غير أن يكون للقسمة فيه مدخل، وأما استثناء نقيض قسم ليبقى القسم الداخل في الحد، فهو إبانة الشيء بما هو مثله أو أخفى منه، فإنك إذا قلت: لكن ليس الإنسان غير ناطق، فهو إذا ناطق: لم تكن أخذت في الاستثناء شيئا أعرف من النتيجة، وأيضا فإن الحد لا يكتسب من حد الضد فليس لكل محدود ضد، ولا أيضا حد أحد الضدين أولى بذلك من حد الضد الآخر، والاستقراء لا يفيد علما كليا فكيف يفيد الحد؟ لكن الحد يقتنص بالتركيب، وذلك بأن تعمد إلى الأشخاص التي لا تنقسم، وتنظر من أي جنس هي من العشرة فتأخذ جميع المحولات المقومة لها التي في ذلك الجنس وتجمع العدة منها بعد أن تعرف أيها الأول، وأيها الثاني، فإذا جمعنا هذه المحمولات ووجدنا منها شيئا مساويا للمحدود من وجهين فهو الحد أحدهما: المساواة في الحمل، والثاني: المساواة في المعنى، وهو أن يكون دالا على كمال حقيقة ذاته لا يشذ منه شيء، فإن كثيرا ما يميز الذات يكون قد أخل

стр. 506

ببعض الأجناس أو ببعض الفصول، فيكون مساويا في الحمل ولا يكون مساويا في المعنى، وبالعكس، ولا يلتفت في الحد إلى أن يكون وجيزا، بل ينبغي أن تضع الجنس القريب فيه باسمه أو بحده، ثم تأتي بجميع الفصول الذاتية، فإنك إذا تركت بعض الفصول فقد تركت بعض الذات. والحد عنوان للذات وبيان لها، فيجب أن يقوم في النفس صورة معقولة مساوية للصورة الموجودة بتمامها، فحينئذ يعرض أن يتميز أيضا المحدود، ولا حد في الحقيقة لما لا وجود له, وإنما ذلك قول يشرح الاسم، فالحد إذن قول دال على الماهية، والقسمة معينة في الحد خصوصا إذا كانت بالذاتيات، ولا يجوز تعريف الشيء بما هو أخفى منه، ولا بما هو مثله في الجلاء والخفاء، ولا بما لا يعرف الشيء إلا به. في الأجناس العشرة: الجوهر: هو ما وجود ذاته ليس في موضوع أي في محل قريب قد قام بنفسه دونه بالفعل لا بتقويمه. الكم: هو الذي يقبل لذاته المساواة واللا مساواة والتجزؤ، وهو إما أن يكون متصلا إذ يوجد لأجزائه بالقوة حد مشترك تتلاقى عنده وتتحد به, كالنقطة للخط، وإما أن يكون منفصلا لا يوجد لأجزائه ذلك لا بالقوة ولا بالفعل كالعدد. والمتصل قد يكون ذا وضع، وقد يكون عديم الوضع، وذو الوضع هو الذي يوجد لأجزائه اتصال وثبات وإمكان أن يشار إلى كل واحد منها: أنه أين هو من الآخر؟ فمن ذلك ما يقبل القسمة في جهة واحدة وهو الخط. ومنه ما يقبل في جهتين متقاطعتين على قوائم وهو الشطح، ومنه ما يقبل في ثلاث جهات قائم بعضها على بعض وهو الجسم. والمكان أيضا ذو وضع، لأنه الشطح الباطن من الحاوي، وأما الزمان فهو مقدار للحركة إلا أنه ليس من وضع، إذ لا توجد أجزاؤه معا وإن كان له اتصال، إذ ماضيه ومستقبله يتحدان بطرف الآن، وأما العدد فهو بالحقيقة الكم المنفصل.

стр. 507

ومن المقولات العشرة: الإضافة. وهي المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر وليس له وجود غيره، مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة، لا كالأب فإن له وجودا يخصه كالإنسانية. وأما الكيف، فهو كل هيئة قارة في جسم لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة للجسم إلى خارج، ولا نسبة واقعة في أجزائه ولا لجملته اعتبارا يكون به ذا جزء، مثل البياض والسواد. وهو إما أن يكون مختصا بالكم من جهة ما هو كم، كالتربيع بالسطح، والاستقامة بالخط، والفردية بالعدد، وإما أن لا يكون مختصا به. وغير المختص به: إما أن يكون محسوسا تنفعل عنه الحواس ويوجد بانفعال الممتزجات، فالراسخ منه مثل صفرة الذهب, وحلاوة العسل يسمى كيفيات انفعاليات، وسريع الزوال منه وإن كان كيفية بالحقيقة فلا يسمى كيفية, ومنه ما لا يكون محسوسا فإما أن يكون استعدادات إنما تتصور في النفس بالقياس إلى كمالات، فإن كل استعداد للمقاومة وإباء للانفعال سمي قوة طبيعية، كالمصحاحية والصلابة، وإن كان استعدادا لسرعة الإذعان والانفعال سمي لا قوة طبيعية، مثل الممراضية واللين. وإما أن تكون في أنفسها كمالات لا يتصور أنها استعدادت لكمالت أخرى وتكون مع ذلك غير محسوسة بذاتها، فما كان ثابتا منها يسمى ملكة، مثل العلم والصحة، وما كان سريع الزوال سمي حالا، مثل غضب الحليم ومرض المصحاح. وفرق بين الصحة والمصحاحية، فإن المصحاح قد لا يكون صحيحا، والممراض قد يكون صحيحا. ومن جملة العشرة: الأين وهو كون الجوهر في مكانه الذي يكون فيه: ككون زيد في السوق. و"متى" وهو كون الجوهر في زمانه الذي يكون فيه، مثل كون هذا الأمر أمس، و"الوضع" وهو كون الجسم بحيث يكون لأجزائه بعضها إلى بعض نسبة في الانحراف والموازاة والجهات وأجزاء المكان إن كان في مكان، مثل القيام

стр. 508

والقعود، وهو في المعنى غير الوضع المذكور في باب الكم، و"الملك" ولست أحصله، ويشبه أن يكون: كون الجوهر في جوهر يشمله وينتقل بانتقاله، مثل التلبس والتسلح، و"الفعل" وهو نسبة الجوهر إلى أمر موجود منه في غيره, غير قار الذات بل لا يزال يتجدد وينصرم، كالتسخين والتبريد، و"الانفعال" وهو نسبة الجوهر إلى حالة فيه بهذه الصفة، مثل التقطع والتسخن. والعلل أربع: يقال علة للفاعل ومبدأ الحركة، مثل النجار للكرسي، ويقال علة للمادة وما يحتاج أن يكون حتى تكون ماهية الشيء، مثل الخشب، ويقال علة للصورة في كل شيء يكون، فإنه ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون، ويقال علة للغاية والشيء الذي نحوه ولأجله الشيء، مثل الكن للبيت. وكل واحدة من هذه إما قريبة أو بعيدة، وإما بالقوة, وإما بالفعل، وإما بالذات وإما بالعرض، وإما خاصة وإما عامة. والعلل الأربع قد تقع حدودا وسطى في البراهين، لإنتاج قضايا محمولاتها أعراض ذاتية. وأما العلتان الفاعلية والقابلية فلا يجب من وضعهما وضع المعلول وإنتاجه ما لم يقترن بذلك ما يدل على صيرورتهما علة بالفعل. والله الموفق. في تفسير ألفاظ يحتاج إليها المنطقي: الظن: الحق أنه رأى في شيء أنه كذا ويمكن أن لا يكون كذا. والعلم: اعتقاد بأن الشيء كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا بواسطة توجبه: والشيء كذلك في ذاته. وقد يقال "علم" لتصور الماهية بتحديد. والعقل: اعتقاد بأن الشيء كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا طبعا بلا واسطة، كاعتقاد المبادئ الأولى للبراهين. وقد يقال "عقل" لتصور الماهية بذاتها بلا تحديدها كتصور المبادئ الأولى للحد.

стр. 509

والذهن: قوة للنفس معدة نحو اكتساب العلم. والذكاء: قوة استعداد للحدس. والحدس: حركة النفس إلى إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب، أو إصابة الحد الأكبر إذا أصيب الأوسط، وبالجملة سرعة انتقال الذهن من معلوم إلى مجهول. والحس: إنما يدرك الجزئيات الشخصية. والذكر والخيال: يحفظان ما يؤديه الحس على شخصيته. أما الخيال فيحفظ الصورة. وأما الذكر فيحفظ المعنى المأخوذ، وإذا تكرر الحس صار ذكرا، وإذا تكرر الذكر كان تجربة. والفكر: حركة ذهن الإنسان نحو المبادئ، ليصير منها إلى المطالب. والصناعة: ملكة نفسانية تصدر عنها أفعال إرادية بغير روية. والحكمة: خروج النفس الإنساني إلى كماله الممكن في جزأي العلم والعمل. أما في جانب العلم, فأن يكون متصورا للموجودات كما هي ومصدقا للقضايا كما هي، وأما في جانب العمل, فأن يكون قد حصل له الخلق الذي يسمى العدالة والملكة الفاضلة. والفكر العقلي ينال الكليات مجردة، والحس والخيال والذكرتنال الجزئيات. فالحس يعرض على الخيال أمورا مختلطة، والخيال على العقل، ثم العقل يفعل التمييز. ولكل واحد من هذه المعاني معونة في صواحبها في قسمي التصور والتصديق.

стр. 510

٢- في الإلهيات: يجب أن نحصر المسائل التي تختص بهذا العلم في عشر مسائل: المسألة الأولى منها: في موضوع هذا العلم، وجملة ما ينظر فيه، والتنبيه على الوجود وأقسامه.

стр. 511

إن لكل علم موضوعا ينظر فيه فيبحث عن أحواله، وموضوع العلم الإلهي هو الوجود المطلق ولو أحقه التي له بذاته ومبادئه، وينتهي في التفصيل إلى حيث تبتدئ منه سائر العلوم، وفيه بيان مبادئها. وجملة ما ينظر فيه هذا العلم هو أقسام وهي: الوجود وهي الواحد والكثير ولواحقهما، والعلة والمعلول، والقديم والحادث، والتام والناقص، والفعل والقوة، وتحقيق المقولات العشر ويشبه أن يكون انقسام الوجود إلى المقولات انقساما بالفصول، وانقسامه إلى الوحدة والكثرة وأخواتهما انقساما بالأعراض. والوجود يشمل الكل شمولا بالتشكيك لا بالتواطؤ. ولهذا لم يصلح أن يكون جنسا، فإنه في بعضها أولى وأول. وفي بعضها لا أولى ولا أول، وهو أشهر من أن يحد أو يرسم، ولا يمكن أن يشرح بغير الاسم، لأنه مبدأ أول لكل شئ، فلا شرح له، بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شئ. وينقسم نوعا من القسمة إلى واجب بذاته وممكن بذاته، والواجب بذاته ما إذا اعتبر ذاته فقط وجب وجوده، والممكن بذاته ما إذا اعتبر لذاته لم يجب وجوده وإذا فرض غير موجود لم يلزم منه محال. ثم إذا عرض على القسمين عرضا حمليا الواحد والكثير كان الواحد أولى بالواجب، والكثير أولى بالجائز، وكذلك العلة والمعلول، والقديم والحادث، والتام والناقص، والفعل والقوة، والغنى والفقر كان أحسن الأسماء أولى بالواجب بذاته، ولما لم تتطرق إليه الكثرة بوجه لم يتطرق إليه التقسيم، بل توجه إلى الممكن بذاته فانقسم إلى جوهر وعرض، وقد عرفناهما برسميهما. وأما نسبة أحدهما إلى الآخر فهو أن الجوهر محل مستغن في قوامه عن الحال فيه، والعرض حال فيه غير مستغن في قوامه عنه، فكل ذات لم تكن في موضوع ولا قوامها به فهو جوهر، وكل ذات قوامها في موضوع فهو عرض. وقد يكون الشيء في المحل ويكون مع ذلك جوهرا لا في موضوع إذا كان المحل القريب الذي هو فيه متقوما به وليس متقوما بذاته ثم مقوما له، ونسميه صورة، وهذا هو الفرق بينهما وبين العرض. وكل جوهر ليس في موضوع فلا يخلو إما أن لا يكون في محل أصلا، أو يكون في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل. فإن كان في محل بهذه الصفة,

стр. 512

فإنا نسميه صورة مادية، وإن لم يكن في محل أصلا فإما أن يكون محلا بنفسه لا تركيب فيه، أو لا يكون، فإن كان محلا بنفسه فإنا نسميه الهيولى المطلقة، وإن يكن فإما أن يكون مركبا مثل أجسامنا المركبة من مادة وصورة جسمية، وإما أن لا يكون. وما ليس بمركب فلا يخلو: إما أن يكون له تعلق ما بالأجسام، أو لم يكن له تعلق، فما له تعلق نسميه نفسا، وما ليس له تعلق فنسميه عقلا. وأما أقسام العرض فقد ذكرناها، وحصرها بالقسمة الضرورية متعذر. المسألة الثانية: في تحقيق الجوهر الجسماني وما يتركب منه، وأن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة، وأن الصورة متقدمة على المادة في مرتبة الوجود. اعلم أن الجسم ليس جسما بأن فيه أبعادا ثلاثة بالفعل، فإنه ليس يجب أن يكون في كل جسم نقط أو خطوط بالفعل، وأنت تعلم أن الكرة لا قطع فيها بالفعل، والنقط والخطوط قطوع. بل الجسم إنما هو جسم لأنه بحيث يصلح, أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة كل واحد منها قائم على الآخر، ولا يمكن أن تكون فوق ثلاثة، فالذي يفرض فيه أولا هو الطول، والقائم عليه العرض، والقائم عليهما في الحد المشترك هو العمق، وهذا المعنى منه هو صورة الجسمية. وأما الأبعاد المحدودة التي تقع فيه فليست صورة له بل هي من باب الكم، وهي لواحق لا مقومات، ولا يجب أن يثبت شيء منها له، بل مع كل تشكيل يتجدد عليه يبطل كل بعد متحدد كان فيه، وربما اتفق في بعض الأجسام أن تكون لازمة له لا تفارق ملازمة أشكالها، وكما أن الشكل لاحق فكذلك ما يتحدد بالشكل، وكما أن الشكل لا يدخل في تحديد جسميته فكذلك الأبعاد المتحددة، فالصورة الجسمية موضوعة لصناعة الطبيعيين أو داخله فيها، والأبعاد المتحددة موضوعة لصناعة التعالميين أو داخلة فيها. ثم الصورة الجسمية طبيعة وراء الاتصال يلزمها الاتصال، وهي بعينها قابلة للانفصال. ومن المعلوم أن قابل الاتصال والانفصال أمر وراء الاتصال والانفصال، فإن القابل يبقى بطريان أحدهما، والاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال. وظاهر أن هنا جوهرا غير الصورة الجسمية هو الهيولى الذي يعرض لها الانفصال والاتصال معا.

стр. 513

وهي تقارن الصورة الجسمية، فهي التي تقبل الاتحاد بالصورة الجسمية فتصير جسما واحدا بما يقومها، وذلك هو الهيولى أو المادة. والمادة لا يجوز أن تفارق الصورة الجسمية وتقوم موجودة بالفعل. والدليل عليه من وجهين: أحدهما: أنا لو قدرناها مجردة لا وضع لها ولا حيز, ولا أنها تقبل الانقسام، فإن هذه كلها صور. ثم قدرنا أن الصورة صادفتها, فإما أن تكون صادقتها دفعة، أعني المقدار المحصل يحل فيها دفعة لا على تدريج، أو تحرك إليها المقدار والاتصال على تدريج. فإن حل فيها دفعة ففي اتصال المقدار بها يكون قد صادفها حيث انضاف إليها، فيكون لا محالة صادفها وهو في الحيز الذي هو فيه، فيكون ذلك الجوهر متحيزا وقد فرض غير متحيز ألبتة، وهذا خلف. ولا يجوز أن يكون التحيز قد حصل له دفعة واحدة مع قبول المقدار، لأن المقدار يوافيه في حيز مخصوص، وإن حل فيها المقدار والاتصال على انبساط وتدريج وكل ما من شأنه أن ينبسط فله جهات. وكل ماله جهات فهو ذو وضع، فيكون ذلك الجوهر ذا وضع, وقد فرض غير ذي وضع ألبتة، وهذا خلف. فتعين أن المادة لن تتعرى عن الصورة قط، وأن الفصل بينهما فصل بالعقل فقط. والدليل الثاني: أنا لو قدرنا للمادة وجودا خاصا متقوما غير ذي كم ولا جزء باعتبار نفسه، ثم يعرض عليه الكم فيكون ما هو متقوم بأنه لا جزء له ولا كم, يعرض أن يبطل عنه ما يتقوم به بالفعل لورود عارض عليه، فيكون حينئذ للمادة صورة عارضة بها تكون واحدة بالقوة والفعل، وصورة أخرى بها تكون غير واحدة بالفعل، فيكون بين الأمرين شيء مشترك هو القابل للأمرين من شأنه أن يصير مرة ليس في قوته أن ينقسم، ومرة في قوته أن ينقسم. ولنفرض الآن أن هذا الجوهر قد صار بالفعل أثنين، ثم صارا شيئا واحدا بأن خلعا صورة الأثنينية، فلا يخلو: أما إن اتحدا وكل واحد منهما موجود فهما اثنان لا واحد، وإن اتحدا وأحدهما معدوم والآخر موجود؛ فالمعدوم

стр. 514

كيف يتحد بالموجود؟ وإن عدما جميعا بالاتحاد وحدث شيء واحد ثالث فهما غير متحدين بل فاسدان, وبينهما وبين الثالث مادة مشتركة، وكلامنا في نفس المادة لا في شيء ذي مادة، فالمادة الجسمية لا توجد مفارقة للصورة، وإنها إنما تقوم بالفعل بالصورة. ولا يجوز أن يقال: إن الصورة بنفسها موجودة بالقوة, وإنما تصير بالفعل بالمادة، لأن جوهر الصورة هو الفعل، وما بالقوة محله المادة. والصورة وإن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى, بل بالعلة المفيدة إياها للهيولى، وكيف يتصور أن تقوم الصورة بالهيولى وقد أثبت أنها علتها، والعلة لا تتقوم بالمعلول، وفرق بين الذي يتقوم به الشيء وبين الذي لا يفارقه، فإن المعلول لا يفارق العلة وليس علة لها. فما يقوم الصورة أمر مباين لها مفيد الوجود، وما يقوم الهيولى أمر ملاق لها وهو الصورة. وأول الموجودات في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم الذي يعطي صورة الجسم وصورة كل موجود، ثم الصورة، ثم الجسم. ثم الهيولى، وهي وإن كانت سببا للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود بل سبب يقبل الوجود، فإنه محل لنيل الوجود، وللجسم وجودها وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها. ثم العرض أولى بالوجود، فإن أولى الأشياء بالوجود هو الجوهر ثم الأعراض، وفي الأعراض ترتيب في الوجود أيضا. المسألة الثالثة: في أقسام العلل، وأحوالها، وفي القوة والفعل، وفي إثبات الكيفيات في الكمية، وإن الكيفيات أعراض لا جواهر. قد بينا في المنطق أن العلل أربع. وتحقيق وجودها ههنا أن نقول: المبدأ والعلة يقال لكل ما يكون قد استتم له وجوده في نفسه, ثم حصل منه وجود شيء آخر وتقوم به، ثم لا يخلو ذلك: إما أن يكون كالجزء لما هو معلول له، وهذا على وجهين: إما أن يكون جزءا ليس يجب عن حصوله بالفعل أن يكون ما هو معلول له موجودا بالفعل وهذا هو العنصر، ومثاله الخشب للسرير فإنك تتوهم الخشب موجودا ولا يلزم من وجوده أن يحصل السرير بالفعل، بل المعلول موجود فيه بالقوة. وإما أن يكون جزءا

стр. 515

يجب عن حصوله بالفعل وجود المعلول له بالفعل, وهذا هو الصورة، ومثاله الشكل والتأليف للسرير. وإن لم يكن كالجزء لما هو معلول له, فإما أن يكون مباينا أو ملاقيا لذات المعلول، والملاقى: فإما أن ينعت به المعلول، وإما أن ينعت بالمعلول، وهذان هما في حكم الصورة والهيولى. وإن كان مباينا: فإما أن يكون الذي منه الوجود وليس الوجود لأجله وهو الفاعل، وإما لا يكون منه الوجود بل لأجله الوجود وهو الغاية. والغاية تتأخر في حصول الوجود وتتقدم سائر العلل في السببية، وفرق بين السببية والوجود في الأعيان. فإن المعنى له وجود في الأعيان، ووجود في النفس، وأمر مشترك، وذلك الأمر المشترك هو السببية، والغاية بما هي سبب فإنها تتقدم, وهي علة العلل في أنها علل، وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر, وإذا لم تكن العلة الفاعلية هي بعينها الغاية كان الفاعل متأخرا في السببية عن الغاية. ويشبه أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية، وإن كانت العلة الفاعلية هي الغاية بعينها استغنى عن تحريك الغاية، فكان نفس ما هو فاعل نفس ما هو محرك من غير توسط. وأما سائر العلل، فإن الفاعل والقابل قد يتقدمان المعلول بالزمان، وأما الصورة فلا تتقدم بالزمان ألبتة بل بالرتبة والشرف، لأن القابل أبدا مستفيد، والفاعل مفيد. وقد تكون العلة علة للشيء بالذات. وقد تكون بالعرض. وقد تكون علة قريبة، وقد تكون علة بعيدة، وقد تكون علة لوجود الشيء فقط، وقد تكون علة لوجوده، ولدوام وجوده، فإنه إنما يحتاج إلى الفاعل لوجوده وفي حال وجوده، لا لعدمه السابق وفي حال عدمه، فيكون الموجد الذي هو موجد للوجود والموجود هو الذي يوصف بأنه موجد، فكما أنه في حال ما هو موجود يوصف بأنه موجد كذلك الحال في كل حال, فكل موجد محتاج إلى موجد مقيم لوجوده لولاه لعدم. وأما القوة والفعل؛ فالقوة تقال لمبدإ التغير في آخر من حيث إنه آخر، وهو إما في المنفعل وهي القوة الانفعالية، وإما في الفاعل وهي القوة الفعلية, وقوة المنفعل قد

стр. 516

تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة الماء على قبول الشكل دون قوة الحفظ، وفي الشمع قوة عليهما جميعا، وفي الهيولى قوة الجميع, ولكن بتوسط شيء دون شيء، وقوة الفاعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد، كقوة النار على الإحراق فقط، وقد تكون على أشياء كثيرة كقوة المختارين، وقد يكون في الشيء قوة على شيء ولكن بتوسط شيء دون شيء، والقوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة حصل منها الفعل ضرورة، وليس كذلك في غيرها مما يستوي فيه الأضداد، وهذه القوة ليست هي التي يقابلها لما بالفعل، فإن هذه تبقى موجودة عندما يفعل، والثانية إنما تكون موجودة مع عدم الفعل. وكل جسم صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر, فإنه يفعل بقوة ما فيه، أما الذي بالإرادة والاختيار فظاهر، وأما الذي ليس بالاختيار فلا يخلو: إما أن يصدر عن ذاته بما هو ذاته، أو عن قوة في ذاته، أو عن شيء مباين، فإن صدر عن ذاته بما هو جسم فيجب أن تشاركه سائر الأجسام، وإذا تميز عنها بصدور ذلك الفعل عنه فلمعنى في ذاته زائد على الجسمية، وإن صدر عن شيء مباين فلا يخلو إما أن يكون جسما أو غير جسم، فإن كان جسما فالفعل عنه بقسر لا محالة وقد فرض بلا قسر، هذا خلف. وإن لم يكن جسما، فتأثر الجسم عن ذلك المفارق إما أن يكون لكونه جسما أو لقوة فيه، ولا يجوز أن يكون بكونه جسما وقد أبطلناه، فتعين أنه لقوة فيه هي مبدأ صدور ذلك الفعل عنه وذلك هو الذي نسميه القوة الطبيعية، وهي التي تصدر عنها الأفاعيل الجسمانية من التحيزات إلى أماكنها والتشكيلات الطبيعية، وإذا خليت وطباعها لم يجز أن يحدث منها زوايا مختلفة بل ولا زاوية, فيجب أن تكون كرة، وإذا صح وجود الكرة صح وجود الدائرة. المسألة الرابعة: في المتقدم، والمتأخر، والقديم, والحادث، وإثبات المادة لكل متكون. التقدم قد يقال بالطبع، وهو أن يوجد الشيء وليس الآخر بموجود, ولا يوجد

стр. 517

الآخر إلا وهو موجود كالواحد والاثنين، وقد يقال بالزمان كتقدم الأب على الابن، ويقال بالرتبة وهو الأقرب إلى المبدإ الذي عين كالمتقدم في الصف الأول أن يكون أقرب إلى الأمام، ويقال بالكمال والشرف كتقدم العالم على الجاهل، ويقال بالعلية لأن للعلة استحقاقا للوجود قبل المعلول, وهما بما هما ذاتان ليس يلزم فيهما خاصية التقدم والتأخر, ولا خاصية المعية، ولكن بما متضايفان وعلة ومعلول, وإن أحدهما لم يستفد الوجود من الآخر, والآخر استفاد الوجود منه، فلا محالة كان المقيد متقدما والمستفيد متأخرا بالذات. وإذا رفعت العلة ارتفع المعلول لا محالة، وليس إذا ارتفع المعلول ارتفعت بارتفاعه العلة، بل إن صح فقد كانت العلة ارتفعت أولى بعلة أخرى حتى ارتفع المعلول. واعلم بأن الشيء إذا كان كما يكون محدثا بحسب الزمان, كذلك قد يكون محدثا بحسب الذات، فإن الشيء إذا كان له في ذاته أن لا يجب له وجود, بل هو باعتبار ذاته ممكن الوجود مستحق للعدم لولا علته والذي بالذات يجب وجوده قبل الذي من غير الذات، فيكون لكل معلول في ذاته أولا: أنه "ليس"١ تم عن العلة. وثانيا: أنه "أيس"١ فيكون كل معلول محدثا أي مستفيدا الوجود من غيره، وإن كان مثلا في جميع الزمان موجودا مستفيدا لذلك الوجود عن موجد فهو محدث، لأن وجوده من بعد لا وجوده بعدية بالذات، وليس حدوثه إنما هو آن من الزمان فقط, بل هو محدث في الدهر كله، ولا يمكن أن يكون حادثا بعد ما لم يكن في زمان إلا وقد تقدمت المادة، فإنه قبل وجوده ممكن الوجود، وإمكان الوجود إما أن يكون معنى معدوما أو معنى موجودا، ومحال أن يكون معدوما، فإن المعدوم قبل والمعدوم مع: واحد، وهو قد سبقه الإمكان، والقبل المعدوم موجود مع وجوده، فهو إذن معنى موجود، وكل معنى موجود فإما قائم لا في موضوع أو قائم في موضوع، وكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا، وإمكان الوجود إنما هو ما هو بالإضافة إلى ما هو

стр. 518

إمكان وجود له، فهو إذن معنى في موضوع وعارض لموضوع. ونحن نسميه قوة الوجود، ونسمي حامل قوة الوجود الذي فيه قوة وجود الشيء موضوعا وهيولى ومادة وغير ذلك. فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة، كما تقدمه الزمان. المسألة الخامسة: في الكلي، والواحد، ولواحقهما قال: المعنى الكلي بما هو طبيعة ومعنى كالإنسان بما هو إنسان شيء، وبما هو واحد أو كثير خاص أو عام شيء آخر، بل هذه المعاني عوارض تلزمه لا من حيث هو إنسان, بل من حيث هو في الذهن أو في الخارج. وإذ قد عرفت ذلك، فقد يقال كلي للإنسانية بلا شرط، وهو بهذا الاعتبار موجود بالفعل في الأشياء، وهو محمول على كل واحد، لا على أنه واحد بالذات، ولا على أنه كثير. وقد يقال كلي للإنسانية بشرط أنها مقولة على كثيرين، وهو بهذا الاعتبار ليس موجودا بالفعل في الأشياء. فبين ظاهر أن الإنسان إذا اكتنفته الأعراض المشخصة لم تكتنفه أعراض شخص آخر حتى يكون ذلك بعينه في شخص زيد وعمرو، فلا كلي عام في الوجود، بل الكلي العام بالفعل إنما هو في العقل، وهو الصورة التي في العقل كنقش واحد تنطبق عليه صورة وصورة. ثم الواحد يقال لما هو منقسم من الجهة التي قيل له منها أنه واحد، ومنه ما لا ينقسم في الجنس، ومنه ما لا ينقسم في النوع، ومنه ما لا ينقسم بالعرض العام كالغراب والقار في السود، ومنه ما لا ينقسم بالمناسبة كنسبة العقل إلى النفس. ومنه ما لا ينقسم في العدد، ومنه ما لا ينقسم في الحد. والواحد بالعدد: إما أن يكون فيه كثرة بالفعل فيكون واحدا بالتركيب والاجتماع، وإما أن لا يكون ولكن فيه كثرة بالقوة فيكون واحدا بالاتصال، وإن لم يكن فيه ذلك فهو الواحد بالعدد على الإطلاق, والكثير يكون على الإطلاق وهو العدد الذي بازاء الواحد كما ذكرنا، والكثير بالإضافة هو الذي يترتب بإزاءه القليل، فأقل العدد اثنان. وأما لواحق الواحد: فالمشابهة وهي اتحاد في الكيفية، والمساواة هي اتحاد في الكمية.

стр. 519

والمجانسة اتحاد في الجنس. والمشاكلة اتحاد في النوع. والموازاة اتحاد في وضع الأجزاء. والمطابقة اتحاد في الأطراف. والهو هو: حال بين اثنين جعلا اثنين، في الوضع يصير بها بينهما اتحاد بنوع ما، ويقابل كل واحد منها من باب الكثير مقابل. المسألة السادسة: في تعريف واجب الوجود بذاته، وأنه لا يكون بذاته وبغيره معا، وأنه لا كثرة في ذاته بوجه، وأنه خير محض. وحق محض. وأنه واحد من وجوه شتى, ولا يجوز أن يكون اثنان واجبي الوجود, وفي إثبات واجب الوجود بذاته. قال: واجب الوجود معناه أنه ضروري الوجود، وممكن الوجود معناه أنه ليس فيه ضرورة لا في وجوده ولا في عدمه. ثم إن واجب الوجود قد يكون بذاته، وقد لا يكون بذاته. والقسم الأول هو الذي وجوده لذاته لا لشيء آخر، والثاني هو الذي وجوده لشيء آخر أي شيء كان، ولوضع ذلك الشيء صار واجب الوجود، مثل الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها, ولكن عند وضع أثنين واثنين، ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره معا، فإنه إن رفع ذلك الغير لم يخل: إما أن يبقى وجوب وجوده، أو لم يبق، فإن بقي فلا يكون واجبا بغيره، وإن لم يبق فلا يكون واجبا بذاته، فكل ما هو واجب الوجود بغيره فهو ممكن الوجود بذاته، فإن وجوب وجوده تابع لنسبة, ما وهي اعتبار غير اعتبار نفس ذات الشيء، فاعتبار الذات وحدها إما أن يكون مقتضيا لوجوب الوجود وقد أبطلناه، وإما أن يكون مقتضيا لامتناع الوجود وما امتنع بذاته لم يوجد بغيره، وإما أن يكون مقتضيا لإمكان الوجود وهو الباقي. وذلك إنما يجب وجوده بغيره، لأنه إن لم يجب كان بعد ممكن الوجود لم يترجح وجوده على عدمه، ولا يكون بين هذه الحالة والأولى فرق، فإن قيل: تجددت حالة، فالسؤال عنها كذلك. ثم واجب الوجود بذاته لا يجوز لذاته مبادئ تجتمع، فيتقوم منها واجب الوجود: لا أجزاء كمية، ولا أجزاء حد، سواء كانت

стр. 520

كالمادة والصورة، أو كانت على وجه آخر بأن تكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه: يدل كل واحد منها على شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته: وذلك لأن كل ما هذا صفته فذات كل جزء منه ليس هو ذات الآخر, ولا ذات المجتمع، وقد وضح أن الأجزاء بالذات أقدم من الكل، فتكون العلة الموجبة للوجود علة للأجزاء ثم للكل، ولا يكون شيء منها بواجب الوجود. وليس يمكننا أن نقول إن الكل أقدم بالذات من الأجزاء فهو إما متأخر وإما معا، فقد اتضح أن واجب الوجود ليس بجسم، ولا مادة في جسم، ولا صورة في جسم، ولا مادة معقولة لقبول صورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا قسمة له: لا في الكم، ولا في المبادئ، ولا في القول، فهو واجب الوجود في جميع جهاته، إذ هو واحد من كل وجه فلا جهة وجهة. وأيضا فإن قدر أن يكون واجبا من جهة ممكنا من جهة كان إمكانه متعلقا بواجب، فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا، فينبغي أن يتفطن من هذا لأن واجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود له منتظر، بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له، فلا له إرادة منتظرة، ولا علم منتظر، ولا طبيعة، ولا صفة من الصفات التي تكون لذاته منتظرة، وهو خير محض، وكمال محض. والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجود كل شيء، والشر لا ذات له، بل هو إما عدم جوهر، أو عدم صلاح حال للجوهر، فالوجود خيرية، وكمال الوجود كمال الخيرية، والوجود الذي لا يقارنه عدم، لا عدم جوهر ولا عدم حال للجوهر، بل هو دائم بالفعل، فهو خير محض، والممكن بذاته ليس خيرا محضا لأن ذاته تحتمل العدم، وواجب الوجود هو حق محض، لأن حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له، فلا أحق إذن من واجب الوجود. وقد يقال حق أيضا لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، فلا أحق بهذه الصفة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، ومع صدقه دائما، ومع دوامه لذاته لا لغيره, وهو واحد محض، لأنه لا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته، لأن وجود نوعه له بعينه, إما أن تقتضيه ذات نوعه، أو لا تقتضيه ذات نوعه بل تقتضيه علة، فإن كان وجود نوعه

стр. 521

مقتضى ذات نوعه لم يوجد إلا له، وإن كان لعلة فهو معلول، فهو إذن تام في وحدانيته، وواحد من جهة تمامية وجوده، وواحد من جهة أن حده له، وواحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة له, ولا بأجزاء الحد، وواحد من جهة أن لكل شيء وحدة محضة وبها كمال حقيقته الذاتية، وواحد من جهة أن مرتبته من الوجود وهو وجوب الوجود ليس إلا له، فلا يجوز إذن أن يكون اثنان كل واحد منهما واجب الوجود بذاته، فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه على أن يكون جنسا أو عارضا ويقع الفصل بشيء آخر، إذ يلزم التركيب في ذات كل واحد منهما. بل ولا تظن أنه موجود وله ماهية وراء الوجود كطبيعة الحيوان واللون مثلا الجنسين اللذين يحتاجان إلى فصل وفصل حتى يتقررا في وجودهما، لأن تلك الطبائع معلولة، وإنما يحتاجان لا في نفس الحيوانية واللونية المشتركة بل في الوجود. وههنا: فوجوب الوجود هو الماهية، وهو مكان الحيوانية التي لا تحتاج إلى فصل في أن يكون حيوانا بل في أن يكون موجودا. ولا تظن أن واجبي الوجود لا يشتركان في شيء ما، كيف وهما يشتركان في وجوب الوجود، ويشتركان في البراءة عن الموضوع فإن كان واجب الوجود يقال عليهما بالاشتراك فكلامنا ليس في منع كثرة اللفظ والاسم، بل في معنى واحد من معاني ذلك الاسم، وإن كان بالتواطؤ فقد حصل معنا عام عموم لازم أو عموم جنس، وقد بينا استحالة هذا. وكيف يكون عموم وجوب الوجود لشيئين على سبيل اللوازم التي تعرض من خارج, واللوازم معلولة؟ وإما إثبات واجب الوجود فليس يمكن إلا ببرهان "إن"، وهو الاستدلال بالممكن على الواجب، فنقول: كل جملة من حيث إنها جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية إذا كانت مركبة من ممكنات فإنها لا تخلو: إما أن تكون واجبة بذاتها، أو ممكنة بذاتها، فإن كانت واجبة الوجود بذاتها، وكل واحد منها ممكن الوجود يكون واجب الوجود يتقوم بممكنات الوجود، هذا خلف. وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها، فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد للوجود، فإما أن يكون المفيد خارجا عنها أو داخلا فيها،

стр. 522

فإن كان داخلا فيها فيكون واحدا منها واجب الوجود, وكائن كل واحد منها ممكن الوجود، هذا خلف. فتعين أن المفيد يجب أن يكون خارجا عنها، وذلك هو المطلوب. المسألة السابعة: في أن واجب الوجود عقل, وعاقل, ومعقول، وأنه يعقل ذاته والأشياء، وصفاته الإيجابية والسلبية لا توجب كثرة في ذاته، وكيفية صدور الأفعال عنه. قال: العقل يقال على كل مجرد عن المادة، وإذا كان مجردا بذاته عن المادة فهو عقل لذاته، واجب الوجود مجرد بذاته عن المادة، فهو عقل لذاته. وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته، فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له أن ذاته له هوية مجردة، فهو عاقل لذاته، وكونه عاقلا ومعقولا لا يوجب أن يكون اثنين في الذات، ولا اثنين في الاعتبار، فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا أنه له ماهية مجردة، وأنه ماهية مجردة ذاته له، وههنا تقديم وتأخير في ترتيب المعاني في عقولنا، والغرض المحصل هو شيء واحد, وكذلك عقلنا لذاتنا هو نفس الذات، وإذا عقلنا شيئا فلسنا نعقل أن نعقل بعقل آخر، لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل. ثم لما لم يكن جمال وبهاء فوق جمال وبهاء لماهية عقلية صرفة وخيرية محضة بريئة عن المواد وأنحاء النقص واحدة من كل جهة ولم يسلم ذلك بكنهه إلا لواجب الوجود، فهو الجمال المحض والبهاء المحض، وكل جمال وبهاء وملائم وخير فهو محبوب معشوق، وكلما كان الإدراك أشد اكتناها والمدرك أجمل ذاتا فحب القوة المدركة له وعشقها له والتذاذها به كان أشد وأكثر، فهو أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، وهو عاشق لذاته ومعشوق لذاته، عشق من غيره أو لم يعشق. وأنت تعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس، لأن العقل إنما يدرك الأمر الباقي ويتحد به ويصير هو هو، ويدركه بكنهه لا بظاهره، ولا كذلك الحس، فاللذة التي لنا بأن نعقل فوق اللذة التي لنا بأن نحس، لكنه قد يعرض أن تكون القوة الدراكة لا تستلذ بالملائم لعوارض كالمرور يستمر العسل لعارض. واعلم أن واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل

стр. 523

أو عارض لها أن يعقل، وذلك محال. بل كما أنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها. والموجودات الكائنة الفسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها. ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة. ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود متغير الذات، بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو فعلي كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فـ ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ١. وأما كيفية ذلك، فلأنه إذا عقل ذاته، وعقل أنه مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات وما يتولد عنها. ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة ما واجبا بسببه، فتكون الأسباب بمصادماتها تتأذى إلى أن يوجد عنها الأمور الجزئية. فالأول يعلم الأسباب ومطابقاتها، فيعلم ضرورة ما تتأذى إليه، وما بينها من الأزمنة، وما لها من العودات، فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية، أعني من حيث لها صفات، وإن تخصصت بها شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص أو حال متشخصة. وكونه يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل ونفس مدركة من الكل هو سبب لوجود الكل ومبدأ له وإبداع وإيجاد، ولا يستبعد هذا، فإن الصورة المعقولة التي تحدث فينا تصير سببا للصورة الموجودة الصناعية، ولو كانت بنفس وجودها كافية لأن تتكون منها الصورة الصناعية دون آلات وأسباب لكان المعقول عندنا هو بعينه الإرادة والقدرة، وهو العقل المقتضى لوجوده، فواجب الوجود ليس إرادته وقدرته مغايرة لعلمه لكن القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ الكل لا مأخوذا عن الكل، ومبدأ بذاته لا متوقفا على غرض وذلك هو الإرادة، وهو جواد بذاته، وذلك هو بعينه قدرته وإرادته وعلمه، فالصفات منها ما هو بهذه الصفة أي أنه موجود مع هذه الأضافة، ومنها ما له هذا الوجود مع سلب، فمن لم يتحاش عن إطلاق لفظ الجوهر لم يعن به إلا هذا الوجود مع سلب الكون في موضوع.

стр. 524

وهو واحد، أي مسلوب عنه القسمة بالكم أو القول، أو مسلوب عنه الشريك، وهو عقل وعاقل ومعقول، أي مسلوب عنه جواز مخالطة المادة وعلائقها مع اعتبار إضافة ما، وهو أول، أي مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجوده إلى الكل، وهو مريد، أي واجب الوجود مع عقليته, أي سلب المادة عنه مبدأ لنظام الخير كله، وهو جواد، أي هو بهذه الصفة بزيادة سلب أي لا ينحو غرضا لذاته فصفاته إما إضافية محضة، وإما سلبية محضة، وإما مؤلفة من إضافة وسلب, وذلك لا يوجب تكثرا في ذاته. قال: وإذا عرفت انه واجب الوجود وأنه مبدأ لكل موجود فما يجوز عنه يجب أن يوجد، وذلك لأن الجائز أن يوجد, وأن لا يوجد إذا تخصص بالوجود منه احتاج إلى مرجح لجانب الوجود، والمرجح إذا كان على الحال التي كان عليها قبل الترجيح ولم يعرض ألبتة شيء فيه, ولا مباين عنه يقتضي الترجيح في هذا الوقت دون وقت قبله أو بعده, وكان الأمر على ما كان عليه لم يكن مرجحا، إذا كان التعطل عن الفعل والفعل عنده بمثابة واحدة، فلا بد وأن يعرض له شيء، وذلك لا يخلو إما أن يعرض في ذاته وذلك يوجب التغيير وقد قدمنا أن واجب الوجود لا يتغير ولا يتكثر، وإما أن يعرض مباينا عن ذاته والكلام في ذلك المباين كالكلام في سائر الأفعال. قال: والعقل الصريح الذي لم يكذب يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة، وهي كما كانت، وكان لا يوجد عنها شيء فيما قبل، وهي الآن كذلك، فالآن لا يوجد عنها شيء، فإذا صار الآن يوجد عنها شيء فقد حدث أمر لا محالة: من قصد، أو إرادة، أو طبع، أو قدرة، أو تمكن، أو غرض، ولأن الممكن أن يوجد وأن لا يوجد لا يخرج إلى الفعل ولا يترجح له أن يوجد إلا بسبب، وإذا كانت هذا الذات موجودة ولا ترجح ولا يجب عنها الترجح, ثم رجح فلا بد من حادث موجب للترجيح في هذه الذات، وإلا كانت نسبتها إلى ذلك الممكن على ما كانت قبل، ولم تحدث لها نسبة أخرى، فيكون الأمر بحاله، ويكون الإمكان إمكانا صرفا بحاله، وإذا حدثت لها نسبة فقد حدث أمر ولا بد من أن يحدث في ذاته أو مباينا عن ذاته، وقد

стр. 525

بينا استحالة ذلك. وبالجملة فإنا نطلب النسبة الموقعة لوجود كل حادث في ذاته ولا نسبة أصلا. فيلزم أن لا يحدث شيء أصلا وقد حدث. فعلم أنه إنما حدث بإيجاب من ذاته وأنه سبقه لا بزمان ووقت، ولا تقدير زمان، بل سبقا ذاتيا من حيث إنه هو الواجب لذاته، وكل ممكن بذاته فهو محتاج إلى الواجب لذاته. فالممكن مسبوق بالواجب فقط، والمبدع مسبوق بالبدع فقط، لا بالزمان. المسألة الثامنة: في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وفي ترتيب وجود العقول والنفوس والأجرام العلوية، وأن المحرك القريب للسماويات نفس، والمبدأ الأعلى عقل، وحال تكون الأسطقسات عن العلل. إذا صح أن واجب الوجود بذاته واحد من جميع جهاته فلا يجوز أن يصدر عنه إلا واحد، ولو لزم عنه شيئان متباينان بالذات والحقيقة لزوما معا, فإنما يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته، ولو كانت الجهتان لازمتين لذاته, فالسؤال في لزومهما ثابت حتى يكونا من ذاته, فتكون ذاته منقسمة بالمعنى، وقد منعناه وبينا فساده، فتبين أن أول الموجودات عن الأول واحد بالعدد. وذاته وماهيته وحدة, لا ما في مادة، وقد بينا أن كل ذات لا في مادة فهي عقل. وأنت تعلم أن في الموجودات أجساما وكل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه, وأنه يجب بغيره، وعلمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول بغير واسطة، وعلمت أن الواسطة واحدة، فبالحري أن تكون عنها المبدعات الثانية والثالثة وغيرها، بسبب إثنينية فيها ضرورة. فالمعلول الأول ممكن الوجود بذاته, وواجب الوجود بالأول. ووجوب وجوده بأنه عقل وهو يعقل ذاته ويعقل الأول ضرورة، وليست هذه الكثرة له من الأول فإن إمكان وجوده له بذاته لا بسبب الأول، بل له من الأول وجوب وجوده, ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب وجوده عن الأول. وهذه كثرة إضافية ليست في أول وجوده وداخلة في مبدإ قوامه، ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا واحدة، ولكان يتسلسل الوجود من وحدات فقط، فما كان يوجد جسم.

стр. 526

فالعقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته. وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك وكماله وهي النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الخاصية له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه, وهو الأمر المشارك للقوة. فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل، وبما يختص بذاته على جهتيه الكثرة الأولى بجزأيها أعني المادة والصورة والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالعقل الذي يحاذي صورة الفلك. وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك إلا أن ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا. وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق، فإنه إن لزم كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة، وقولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة، فتلزم كثرته هذه المعلومات، ولا هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. ومن المعلوم أن الأفلاك كثيرة فوق العدد الذي في المعلول الأول. فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول، ولا أيضا يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر، لأن الجرم بما هو جرم مركب من مادة وصورة، فلو كان علة لجرم لكان بمشاركة المادة. والمادة لها طبيعة عدمية، والعدم ليس مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ لجرم، ولا يجوز أن يكون مبدؤها قوة نفسانية هي صورة الجرم وكماله، إذ كل نفس لكل فلك فهي كماله وصورته ليس جوهرا مفارقا وإلا كان عقلا، وأنفس الأفلاك إنما تصدر عنها أفعالها في أجسام أخرى بوساطة أجسامها ومشاركتها. وقد بينا أن الجسم من حيث هو جسم لا يكون مبدأ لجسم، ولا يكون متوسطا بين نفس ونفس. ولو أن نفسا كانت مبدأ لنفس بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم، وليست النفس الفلكية كذلك، فلا تفعل شيئا، ولا تفعل حسما، فإن النفس متقدمة على الجسم في المرتبة والكمال. فتعين أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية وغير صور للأجرام، والجميع مشترك في مبدأ واحد وهو الذي نسميه المعلول الأول والعقل المجرد. ويختص كل فلك بمبدأ خاص فيه، ويلزم دائما عقل

стр. 527

من عقل حتى تتكون الأفلاك بأجرامها ونفوسها وعقولها, وينتهي بالفلك الأخير، ويقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد، لتكثر الأسباب. فكل عقل هو أعلى في المرتبة، فإنه لمعني فيه، وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه. وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه، فأما جرم الفلك فمن حيث إنه يعقل بذاته الممكن لذاته. وأما نفس الفلك فمن حيث إنه يعقل ذاته الواجب بغيره. ويستبقي الجرم بتوسط النفس الفلكية. فإن كل صورة فهي علة لكون مادتها بالفعل. والمادة بنفسها لا قوام لها، كما أن الإمكان نفسه لا وجود له. وإذا استوفت الكرات السماوية عددها لزم بعدها وجود الأسطقساط ولما كانت الأجسام الأسطقسية كائنة فاسدة, وجب أن يكون مبادؤها متغيرة، فلا يكون ما هو عقل محض وحده سببا لوجودها. ولما كانت لها مادة مشتركة وصور مختلفة فيها وجب أن يكون اختلاف صورها مما تعين فيه اختلاف في أحوال الأفلاك، واتفاق مادتها مما تعين فيه اتفاق في أحوال الأفلاك، فالأفلاك لما اتفقت في طبيعة اقتضاء الحركة المستديرة كما تبين كان مقتضاها وجود المادة، ولما اختلفت في أنواع الحركات كان مقتضاها تهيؤ المادة للصور المختلفة. ثم إن العقول المفارقة بل آخرها الذي يلينا هو الذي يفيض عنه بمشاركة الحركات السماوية شئ فيه رسم صور العالم الأسفل من جهة الانفعال، كما أن في ذلك العقل رسم الصور على جهة الفعل، ثم يفيض منه الصور فيها بالتخصيص بمشاركة الأجرام السماوية، فيكون إذا خصص هذا الشيء تأثير من التأثيرات السماوية بلا واسطة جسم عنصري، أو بواسطة تجعله على استعداد خاص به بعد العام الذي كان في جوهره: فاض عن هذا المفارق صورة خاصة. وارتسمت في تلك المادة. وأنت تعلم أن الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد بأمر دون أمر يكون له إلا أن يكون هناك مخصصات مختلفة، وهي معدات المادة. والمعد هو الذي يحدث منه في المستعد أمر ما تصير مناسبته لشيء بعينه أولي من مناسبته لشيء آخر، ويكون هذا الإعداد مرجحا لوجود ما هو أولي منه من

стр. 528

الأوائل الواهبة للصور. ولو كانت المادة على التهيؤ الأول تشابهت نسبتها إلى الصندين, فلا يجب أن يختص بصورة دون صورة. قال: والأشبه أن يقال إن المادة التي تحدث بالشركة يفيض عليها من الأجرام السماوية إما عن أربعة أجرام. أو عن عدة منحصرة في أربع، أو عن جرم واحد تكون له نسب مختلفة انقساما من الأسباب منحصرة في أربع، فتحدث منها العناصر الأربعة، وانقسمت بالخفة والثقل، فما هو الخفيف المطلق فميله إلى الفوق، وما هو الثقيل المطلق فميله إلى الأسفل، وما هو الخفيف والثقيل بالإضافة فبينهما. وأما وجود المركبات من العناصر فبتوسط الحركات السماوية، وسنذكر أقسامها وتوابعها. وأما وجود الأنفس الإنسانية التي تحدث مع حدوث الأبدان ولا تفسد، فإنها كثيرة مع وحدة النوع. والمعلول الأول الواحد بالذات فيه معان متكثرة بها تصدر عنه العقول والنفوس كما ذكرنا. ولا يجوز أن تكون تلك المعاني كثيرة متفقة النوع والحقائق حتى تصدر عنها كثرة متفقة النوع، فإنه يلزم أن تكون فيه مادة يشترك فيها، وصور تتخالف ونتكثر، بل فيه معان مختلفة الحقائق يقتضي كل معنى شيئا غير ما يقتضيه الآخر في النوع، فلم يلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر. فالنفوس الأرضية كائنة عن المعلول الأول بتوسط علة أو علل أخرى, وأسباب من الأمزجة والمواد، وهي غاية ما ينتهي إليها في الإبداع. ونبتدئ القول في الحركات، وأسبابها، ولوازمها: أعلم أن الحركة لا تكون طبيعية للجسم والجسم على حالته الطبيعية، وكل حركة بالطبع فلحالة مفارقة للطبع غير طبيعية، إذ لو كان شيء من الحركات مقتضى طبيعة الشيء لما كان باطل الذات مع بقاء الطبيعة، بل الحركة إنما تقتضيها الطبيعة لوجود حال غير طبيعية إما في الكيف، وإما في الكم، وإما في المكان، وإما في الوضع، وإما في مقولة أخرى. والعلة في تجدد حركة بعد حركة تجدد الحال الغير الطبيعية، وتقدير البعد عن الغاية.

стр. 529

فإذا كان الأمر كذلك لم تكن حركة مستديرة عن طبيعة، وإلا كانت عن حال غير طبيعية إلى حال طبيعية إذا وصلت إليها سكنت، ولم يجز أن يكون فيها بعينها قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية، لأن الطبيعة ليست تفعل باختيار, بل على سبيل التسخير، فإن كانت الطبيعة تحرك على الاستدارة فهي تحرك لا محالة, إما عن أين غير طبيعي، أو وضع غير طبيعي هربا طبيعيا عنه، وكل هرب طبيعي عن شيء فمحال أن يكون هو بعينه قصدا طبيعيا إليه, والحركة المستديرة ليست تهرب عن شيء إلا وتفصده فليست إذن طبيعية، إلا أنها قد تكون بالطبع، وإن لم تكن قوة طبيعية كانت شيئا بالطبع، وإنما تحرك بتوسط الميل الذي فيه. ونقول إن الحركة معنى متجدد السبب، وكل شطر منه مختص بسبب، فإنه لا ثبات له, ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت ألبتة وحده، ولو كان فيجب أن يلحقه ضرب من تبدل الأحوال، فالثابت من جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت، فالإرادة العقلية الواحدة لا توجب ألبتة حركة، فإنها مجردة عن جميع أصناف التغير، والقوة العقلية حاضرة المعقول دائما، ولا يفرض فيها الانتقال من معقول إلى معقول إلا مشاركا للتخيل والحس، فلا بد للحركة من مبدإ قريب, والحركة المستديرة مبدؤها القريب نفس في الفلك تتجدد تصوراتها وإراداتها، وهي كمال جسم الفلك وصورته، ولو كانت قائمة بنفسها من كل وجه لكانت عقلا محضا لا يتغير ولا ينتقل، ولا يخالط ما بالقوة، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس الحيوانية التي لنا إلينا، إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة. وبالجملة أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة، وتخيلاتها أو ما يشبه التخيلات حقيقية، كالفعل العقلي فينا، والمحرك الأول لها غير مادي أصلا، وإنما تتحرك عن قوة غير متناهية، والقوة التي للنفس متناهية لكنها بما تعقل الأول فيسيح عليها نوره دائما صارت قوتها غير متناهية، فكانت الحركات المستديرة أيضا غير متناهية. والأجرام السماوية لما لم يبق في جوهرها أمر ما بالقوة أعني في كمها وكيفها تركبت صورتها في مادتها على وجه لا يقبل التحليل، ولكن عرض لها في وضعها وأينها ما بالقوة، إذ ليس شيء من أجزاء مدار

стр. 530

فلك أو كوكب أولي بأن يكون ملاقيا له أو لجزئه من جزء آخر. فمتى كان في جزء بالفعل فهو في جزء آخر بالقوة, والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال، ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي بالعدد، فحفظ بالنوع والتعاقب، فصارت الحركة حافظة لما يكون من هذا الكمال، ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال، ومبدأ الشوق هو ما يعقل منه. فنفس الشوق إلى التشبه بالأول من حيث هو بالفعل تصدر عنه الحركات الفلكية صدور الشيء عن التصور المرجب له، وإن كان غير مقصود في ذاته بالقصد الأول، لأن ذلك تصور لما بالفعل، فيحدث عنه طلب لما بالفعل ولا يمكن لما بالشخص فيكون بالتعاقب، ثم يتبع ذلك التصور تصورات جزئية على سبيل الانبعاث إلى المقصود الأول، وتتبع تلك التصورات الحركات المنتقل بها في الأوضاع، وهي كأنها عبادة ملكية أو فلكية, وليس من شرط الحركة الإرادية أن تكون مقصودة في نفسها، بل إذا كانت القوة الشوقية تشتاق نحو أمر يسيح منها تأثير تتحرك له الأعضاء، فتارة تتحرك على النحو الذي يوصل به إلى الغرض، وتارة على نحو آخر متشابه. وإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدإ الأول وبما يدرك منه على نحو عقلي أو نفساني شغل ذلك عن كل شيء، ولكن ينبعث منه ما هو أدون منه في المرتبة وهو الشوق إلى الأشبه به بقدر الإمكان. فقد عرفت أن الفلك متحرك بطبعه، ومتحرك بالنفس، ومتحرك بقوة عقلية غير متناهية، وتميزت عندك كل حركة عن صاحبتها، وعرفت أن المحرك الأول لجملة السماء واحد، ولكل كرة من كرات السماء محرك قريب يخصه، ومتشوق معشوق يخصه. فأول المفارقات الخاصة محرك الكرة الأولى، وهي على قول من تقدم بطليموس كرة الثوابت، وعلى قول بطليموس كرة خارجة عنها محيطة بها ير مكوكبة، وبعد ذلك محرك الكرة التي تلي الأولى، ولكل واحدة مبدأ خاص، وللكل مبدأ، فلذلك تشترك الأفلاك في دوام الحركة وفي الاستدارة. ولا يجوز أن يكون شيء منها لأجل الكائنات السافلة لا قصد حركة، ولا قصد جهة حركة
следующие страницы →