Полный текст (621 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فالعقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته. وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك وكماله وهي النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الخاصية له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه, وهو الأمر المشارك للقوة. فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل، وبما يختص بذاته على جهتيه الكثرة الأولى بجزأيها أعني المادة والصورة والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالعقل الذي يحاذي صورة الفلك. وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك إلا أن ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا. وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق، فإنه إن لزم كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة، وقولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة، فتلزم كثرته هذه المعلومات، ولا هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. ومن المعلوم أن الأفلاك كثيرة فوق العدد الذي في المعلول الأول. فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول، ولا أيضا يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر، لأن الجرم بما هو جرم مركب من مادة وصورة، فلو كان علة لجرم لكان بمشاركة المادة. والمادة لها طبيعة عدمية، والعدم ليس مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ لجرم، ولا يجوز أن يكون مبدؤها قوة نفسانية هي صورة الجرم وكماله، إذ كل نفس لكل فلك فهي كماله وصورته ليس جوهرا مفارقا وإلا كان عقلا، وأنفس الأفلاك إنما تصدر عنها أفعالها في أجسام أخرى بوساطة أجسامها ومشاركتها. وقد بينا أن الجسم من حيث هو جسم لا يكون مبدأ لجسم، ولا يكون متوسطا بين نفس ونفس. ولو أن نفسا كانت مبدأ لنفس بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم، وليست النفس الفلكية كذلك، فلا تفعل شيئا، ولا تفعل حسما، فإن النفس متقدمة على الجسم في المرتبة والكمال. فتعين أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية وغير صور للأجرام، والجميع مشترك في مبدأ واحد وهو الذي نسميه المعلول الأول والعقل المجرد. ويختص كل فلك بمبدأ خاص فيه، ويلزم دائما عقل
стр. 527
من عقل حتى تتكون الأفلاك بأجرامها ونفوسها وعقولها, وينتهي بالفلك الأخير، ويقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد، لتكثر الأسباب. فكل عقل هو أعلى في المرتبة، فإنه لمعني فيه، وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه. وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه، فأما جرم الفلك فمن حيث إنه يعقل بذاته الممكن لذاته. وأما نفس الفلك فمن حيث إنه يعقل ذاته الواجب بغيره. ويستبقي الجرم بتوسط النفس الفلكية. فإن كل صورة فهي علة لكون مادتها بالفعل. والمادة بنفسها لا قوام لها، كما أن الإمكان نفسه لا وجود له. وإذا استوفت الكرات السماوية عددها لزم بعدها وجود الأسطقساط ولما كانت الأجسام الأسطقسية كائنة فاسدة, وجب أن يكون مبادؤها متغيرة، فلا يكون ما هو عقل محض وحده سببا لوجودها.
ولما كانت لها مادة مشتركة وصور مختلفة فيها وجب أن يكون اختلاف صورها مما تعين فيه اختلاف في أحوال الأفلاك، واتفاق مادتها مما تعين فيه اتفاق في أحوال الأفلاك، فالأفلاك لما اتفقت في طبيعة اقتضاء الحركة المستديرة كما تبين كان مقتضاها وجود المادة، ولما اختلفت في أنواع الحركات كان مقتضاها تهيؤ المادة للصور المختلفة. ثم إن العقول المفارقة بل آخرها الذي يلينا هو الذي يفيض عنه بمشاركة الحركات السماوية شئ فيه رسم صور العالم الأسفل من جهة الانفعال، كما أن في ذلك العقل رسم الصور على جهة الفعل، ثم يفيض منه الصور فيها بالتخصيص بمشاركة الأجرام السماوية، فيكون إذا خصص هذا الشيء تأثير من التأثيرات السماوية بلا واسطة جسم عنصري، أو بواسطة تجعله على استعداد خاص به بعد العام الذي كان في جوهره: فاض عن هذا المفارق صورة خاصة. وارتسمت في تلك المادة. وأنت تعلم أن الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد بأمر دون أمر يكون له إلا أن يكون هناك مخصصات مختلفة، وهي معدات المادة. والمعد هو الذي يحدث منه في المستعد أمر ما تصير مناسبته لشيء بعينه أولي من مناسبته لشيء آخر، ويكون هذا الإعداد مرجحا لوجود ما هو أولي منه من
стр. 528
الأوائل الواهبة للصور. ولو كانت المادة على التهيؤ الأول تشابهت نسبتها إلى الصندين, فلا يجب أن يختص بصورة دون صورة. قال: والأشبه أن يقال إن المادة التي تحدث بالشركة يفيض عليها من الأجرام السماوية إما عن أربعة أجرام. أو عن عدة منحصرة في أربع، أو عن جرم واحد تكون له نسب مختلفة انقساما من الأسباب منحصرة في أربع، فتحدث منها العناصر الأربعة، وانقسمت بالخفة والثقل، فما هو الخفيف المطلق فميله إلى الفوق، وما هو الثقيل المطلق فميله إلى الأسفل، وما هو الخفيف والثقيل بالإضافة فبينهما. وأما وجود المركبات من العناصر فبتوسط الحركات السماوية، وسنذكر أقسامها وتوابعها. وأما وجود الأنفس الإنسانية التي تحدث مع حدوث الأبدان ولا تفسد، فإنها كثيرة مع وحدة النوع. والمعلول الأول الواحد بالذات فيه معان متكثرة بها تصدر عنه العقول والنفوس كما ذكرنا. ولا يجوز أن تكون تلك المعاني كثيرة متفقة النوع والحقائق حتى تصدر عنها كثرة متفقة النوع، فإنه يلزم أن تكون فيه مادة يشترك فيها، وصور تتخالف ونتكثر، بل فيه معان مختلفة الحقائق يقتضي كل معنى شيئا غير ما يقتضيه الآخر في النوع، فلم يلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر. فالنفوس الأرضية كائنة عن المعلول الأول بتوسط علة أو علل أخرى, وأسباب من الأمزجة والمواد، وهي غاية ما ينتهي إليها في الإبداع.
ونبتدئ القول في الحركات، وأسبابها، ولوازمها:
أعلم أن الحركة لا تكون طبيعية للجسم والجسم على حالته الطبيعية، وكل حركة بالطبع فلحالة مفارقة للطبع غير طبيعية، إذ لو كان شيء من الحركات مقتضى طبيعة الشيء لما كان باطل الذات مع بقاء الطبيعة، بل الحركة إنما تقتضيها الطبيعة لوجود حال غير طبيعية إما في الكيف، وإما في الكم، وإما في المكان، وإما في الوضع، وإما في مقولة أخرى. والعلة في تجدد حركة بعد حركة تجدد الحال الغير الطبيعية، وتقدير البعد عن الغاية.
стр. 529
فإذا كان الأمر كذلك لم تكن حركة مستديرة عن طبيعة، وإلا كانت عن حال غير طبيعية إلى حال طبيعية إذا وصلت إليها سكنت، ولم يجز أن يكون فيها بعينها قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية، لأن الطبيعة ليست تفعل باختيار, بل على سبيل التسخير، فإن كانت الطبيعة تحرك على الاستدارة فهي تحرك لا محالة, إما عن أين غير طبيعي، أو وضع غير طبيعي هربا طبيعيا عنه، وكل هرب طبيعي عن شيء فمحال أن يكون هو بعينه قصدا طبيعيا إليه, والحركة المستديرة ليست تهرب عن شيء إلا وتفصده فليست إذن طبيعية، إلا أنها قد تكون بالطبع، وإن لم تكن قوة طبيعية كانت شيئا بالطبع، وإنما تحرك بتوسط الميل الذي فيه. ونقول إن الحركة معنى متجدد السبب، وكل شطر منه مختص بسبب، فإنه لا ثبات له, ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت ألبتة وحده، ولو كان فيجب أن يلحقه ضرب من تبدل الأحوال، فالثابت من جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت، فالإرادة العقلية الواحدة لا توجب ألبتة حركة، فإنها مجردة عن جميع أصناف التغير، والقوة العقلية حاضرة المعقول دائما، ولا يفرض فيها الانتقال من معقول إلى معقول إلا مشاركا للتخيل والحس، فلا بد للحركة من مبدإ قريب, والحركة المستديرة مبدؤها القريب نفس في الفلك تتجدد تصوراتها وإراداتها، وهي كمال جسم الفلك وصورته، ولو كانت قائمة بنفسها من كل وجه لكانت عقلا محضا لا يتغير ولا ينتقل، ولا يخالط ما بالقوة، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس الحيوانية التي لنا إلينا، إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة. وبالجملة أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة، وتخيلاتها أو ما يشبه التخيلات حقيقية، كالفعل العقلي فينا، والمحرك الأول لها غير مادي أصلا، وإنما تتحرك عن قوة غير متناهية، والقوة التي للنفس متناهية لكنها بما تعقل الأول فيسيح عليها نوره دائما صارت قوتها غير متناهية، فكانت الحركات المستديرة أيضا غير متناهية. والأجرام السماوية لما لم يبق في جوهرها أمر ما بالقوة أعني في كمها وكيفها تركبت صورتها في مادتها على وجه لا يقبل التحليل، ولكن عرض لها في وضعها وأينها ما بالقوة، إذ ليس شيء من أجزاء مدار
стр. 530
فلك أو كوكب أولي بأن يكون ملاقيا له أو لجزئه من جزء آخر. فمتى كان في جزء بالفعل فهو في جزء آخر بالقوة, والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال، ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي بالعدد، فحفظ بالنوع والتعاقب، فصارت الحركة حافظة لما يكون من هذا الكمال، ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال، ومبدأ الشوق هو ما يعقل منه. فنفس الشوق إلى التشبه بالأول من حيث هو بالفعل تصدر عنه الحركات الفلكية صدور الشيء عن التصور المرجب له، وإن كان غير مقصود في ذاته بالقصد الأول، لأن ذلك تصور لما بالفعل، فيحدث عنه طلب لما بالفعل ولا يمكن لما بالشخص فيكون بالتعاقب، ثم يتبع ذلك التصور تصورات جزئية على سبيل الانبعاث إلى المقصود الأول، وتتبع تلك التصورات الحركات المنتقل بها في الأوضاع، وهي كأنها عبادة ملكية أو فلكية, وليس من شرط الحركة الإرادية أن تكون مقصودة في نفسها، بل إذا كانت القوة الشوقية تشتاق نحو أمر يسيح منها تأثير تتحرك له الأعضاء، فتارة تتحرك على النحو الذي يوصل به إلى الغرض، وتارة على نحو آخر متشابه.
وإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدإ الأول وبما يدرك منه على نحو عقلي أو نفساني شغل ذلك عن كل شيء، ولكن ينبعث منه ما هو أدون منه في المرتبة وهو الشوق إلى الأشبه به بقدر الإمكان. فقد عرفت أن الفلك متحرك بطبعه، ومتحرك بالنفس، ومتحرك بقوة عقلية غير متناهية، وتميزت عندك كل حركة عن صاحبتها، وعرفت أن المحرك الأول لجملة السماء واحد، ولكل كرة من كرات السماء محرك قريب يخصه، ومتشوق معشوق يخصه. فأول المفارقات الخاصة محرك الكرة الأولى، وهي على قول من تقدم بطليموس كرة الثوابت، وعلى قول بطليموس كرة خارجة عنها محيطة بها ير مكوكبة، وبعد ذلك محرك الكرة التي تلي الأولى، ولكل واحدة مبدأ خاص، وللكل مبدأ، فلذلك تشترك الأفلاك في دوام الحركة وفي الاستدارة. ولا يجوز أن يكون شيء منها لأجل الكائنات السافلة لا قصد حركة، ولا قصد جهة حركة
стр. 531
ولا تقدير سرعة وبطء, بل ولا قصد فعل ألبتة لأجلها، وذلك أن كل قصد فيكون من أجل المقصود، ويكون أنقص وجودا من المقصود، لأن كل ما لأجله شيء آخر فهو أتم وجودا من الآخر، ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشيء الأخس, فلا يكون ألبتة إلى معلول قصد صادق وإلا كان القصد معطيا ومفيدا لوجود ما هو أكمل، وإنما يقصد بالواجب شيء يكون القصد مهيئا له ومفيد وجوده شيء آخر، وكل قصد ليس عبثا فإنه يفيد كمالا ما لقاصد، لو لم يقصد لم يكن ذلك الكمال, ومحال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلة يفيد العلة كمالا لم يكن. فالعالي إذن لا يريد أمرا لأجل السافل، وإنما يريده لما هو أعلى منه، وهو التشبه بالأول بقدر الإمكان. ولا يجوز أن يكون الغرض تشبها بجسم من الأجسام السماوية وإن كان تشبه السافل بالعالي، إذ لو كان كذلك لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم، ولم يكن مخالفا له وأسرع في كثير من المواضع. ولا يجوز أن يكون الغرض شيئا يوصل إليه بالحركة، بل شيئا مباينا غير جواهر الأفلاك من موادها وأنفسها. وبقي أن يكون لكل واحد من الأفلاك شوق تشبه بجوهر عقلي مفارق يخصه، وتختلف الحركات وأفعالها وأحوالها اختلافها الذي لها لأجل ذلك، وإن كنا لا نعرف كيفيتها وكميتها. وتكون العلة الأولى متشوق الجميع بالاشتراك، وهذا معنى قول القدماء: إن للكل محركا واحدا معشوقا، ولكل كرة محركا يخصها ومعشوقا يخصها، فيكون إذن لكل فلك نفس محركة تعقل الخير، ولها بسبب الجسم تخيل, أي تصور للجزئيات وإرادة لها، ثم يلزمها حركات ما دونها لزوما بالقصد الأول حتى تنتهي إلى حركات الفلك الذي يلينا، ومدبرها العقل الفعال. ويلزم الحركات السماوية حركات العناصر على مثال تناسب حركات الأفلاك، وتعد تلك الحركات موادها لقبول الفيض من العقل الفعال، فيعطيها صورها على قدر استعداداتها، كما قررنا. فقد تبين لك أسباب الحركات ولوازمها، وستعلم بواقيها في الطبيعيات.
стр. 532
المسألة التاسعة: في العناية الأزلية، وبيان دخول الشر في القضاء
قال: العناية هي كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود من نظام، وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان، وراضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان، فيفيض منه ما يعقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام بحسب الإمكان، فهذا هو معنى العناية, والخير يدخل في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض، والشر بالعكس منه وهو على وجوه: فيقال شر لمثل النقص الذي هو الجهل والضعف والتشويه في الخلقة، ويقال شر لمثل الألم والغم، ويقال شر لمثل الشرك والظلم والرياء، وبالجملة الشر بالذات هو العدم، ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته. والشر بالعرض هو المعدم والحابس للكمال عن مستحقه، والشر بالذات ليس بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظه، ولو كان له حصول ما لكان الشر العام. وهذا الشر يقابله الوجود على كماله الأقصى بأن يكون بالفعل، وليس فيه ما بالقوة أصلا فلا يلحقه شر. وأما الشر بالعرض فله وجود ما، وإنما يلحق ما في طباعه أمر ما بالقوة، وذلك لأجل المادة. فيلحقها لأمر يعرض لها في نفسها، وأول وجودها: هيئة من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت إليه، فتجعلها أردأ مزاجا وأعصى جوهرا لقبول التخطيط والتشكيل والتقويم، فتشوهت الخلقة وانتقصت البنية، لا لأن الفاعل قد حرم، بل لأن المنفعل لم يقبل. وأما الأمر الطارئ من خارج فأحد شيئين: إما مانع للمكمل، وإما مضاد ماحق للكمال. مثال الأول: وقوع سحب كثيرة وتراكمها، وإظلال جبال شاهقة تمنع تأثير الشمس في الثمار على الكمال. ومثال الثاني: حبس البرد للنبات المصيب لكماله في وقته حتى يفسد الاستعداد الخاص. ويقال شر لمبادئها من الأخلاق، مثال الأول: الظلم والرياء، ومثال الثاني: الحقد والحسد, ويقال شر للآلام والغموم، ويقال شر لنقصان كل شيء عن كماله. والضابط لكله إما عدم وجود، وإما عدم كمال. فنقول: الأمور إذا توهمت
стр. 533
موجودة؛ فإما تمتنع أن تكون إلا خيرا على الإطلاق، أو شرا على الإطلاق، أو خيرا من وجه وشرا من وجه، وهذا القسم إما أن يتساوى الخير والشر، أو الغالب فيه أحدهما. أما الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع والخلقة. وأما الشر المطلق الذي لا خير فيه أو الغالب فيه أو المساوي فلا وجود له أصلا. فبقي ما الغالب في وجوده الخير وليس يخلو عن الشر، والأحرى به أن يوجد، فإن لا كونه أعظم شرا من كونه، فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض منه الوجود، لئلا يفوت الخير الكلي لوجود الشر الجزئي. وأيضا فلو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع وجود أسبابه التي تؤدي إلى الشر بالعرض، وكان فيه أعظم خلل في نظام الخير الكلي، بل وإن لم نلتفت إلى ذلك وصيرنا التفاتنا إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود من أصناف الموجودات المختلفة في أحوالها، فكان الوجود المبرأ من الشر من كل وجه قد حصل، وبقي نمط من الوجود إنما يكون على سبيل أن لا يوجد إلا ويتبعه ضرر وشر، مثل النار، فإن الكون إنما يتم بأن يكون فيه نار ولن يتصور حصولها إلا على وجه تحرق وتسخن، ولم يكن بد من المصادمات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فيحترق، والأمر الدائم والأكثري حصول الخير من النار، فأما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود النار، وأما الأكثر فلأن أكثر الأشخاص والأنواع في كنف السلامة من الاحتراق، فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأعراض شرية أقلية، فأريدت الخيرات الكائنة عن مثل هذا الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال: إن الله تعالى يريد الأشياء، ويريد الشر أيضا على الوجه الذي بالعرض، فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض، وكل بقدر. والحاصل أن الكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة والمنفعلة: السماوية والأرضية الطبيعية والنفسانية، بحيث يؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور، فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس: صورة اعتقاد رديء أو كفر أو شر آخر،
стр. 534
ويحدث في بدن: صورة قبيحة مشوهة، ولو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت، فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. وقيل: "خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي" وكل ميسر لما خلق له.
المسألة العاشرة:
في المعاد، وإثبات سعادات دائمة للنفوس، وإشارة إلى النبوة، وكيفية الوحي والإلهام.
ولنقدم على الخوض فيها أصولا ثلاثة:
الأصل الأول: أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها، وأذى وشرا يخصها، وحيثما كان المدرك أشد إدراكا وأفضل ذاتا والمدرك أكمل وجودا وأشرف ذاتا وأدوم ثباتا، فاللذة أبلغ وأوفر.
الأصل الثاني: أنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما، بحيث يعلم أن المدرك لذيذ، ولكن لا يتصور كيفيته ولا يشعر به فلم يشتق إليه, ولم يفزع نحوه، فيكون حال المدرك حال الأصم والأعمى الملتذين برطوبة اللحن وملاحة الوجه من غير شعور وتصور وإدراك.
الأصل الثالث: أن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة، وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده، أو تكون القوة ممنوعة بضد ما هو كمالها فلا تحس به كالمريض والمحرور، فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه، فصدقت شهوته، واشتهت طبيعته، وحصل له كمال اللذة.
فنقول بعد تمهيد الأصول: إن النفس كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل، والنظام المعقول في الكل، والخير الفائض من واهب الصور على الكل، مبتدئا من المبدإ. وسالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة،
стр. 535
ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها، ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله، فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير والبهاء والحق، ومتحدا به، ومنتقشا بمثاله، ومنخرطا في سلكه، وصائرا من جوهره، وهذا الكمال لا يقاس بسائر الكمالات وجودا ودواما ولذة وسعادة، بل هذه اللذة أعلى من اللذات الحسية، وأعلى من الكمالات الجسمانية، بل لا مناسبة بينهما في الشرف والكمال. وهذه السعادة لا تتم له إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس، وتهذيب الأخلاق. والخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية، وذلك باستعمال التوسط بين الخلقتين المضادتين، لا بأن يفعل أفعال التوسط بل بأن يحصل ملكة التوسط بين الخلقتين المضادتين، فيحصل في القوى الحيوانية هيئة الإذعان، وفي القوى الناطقة هيئة الاستعلاء. ومعلوم أن ملكتي الإفراط والتفريط هما من مقتضيات القوى الحيوانية، فإذا قويت حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية قد رسخت فيها من شأنها أن تجعلها قوية العلاقة مع البدن، شديدة الانصراف إليه. وأما ملكة التوسط فهي من مقتضيات الناطقة، فإذا قويت قطعت العلاقة من البدن، فسعدت السعادة الكبرى. ثم للنفوس مراتب في اكتساب هاتين القوتين، أعني العلمية والعملية والتقصير فيهما. فكم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات، والتخلق بالأخلاق الحسنة حتى يجاوز الحد الذي في مثله يقع في الشقاوة الأبدية. وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤبد؟ وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤقت؟ قال: فليس يمكنني أن أنص عليه إلا بالتقريب، وليته سكت عنه، وقد قيل:
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد
قال: وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادئ المفارقة تصورا حقيقيا، ويصدق بها تصديقا يقينا لوجودها عنده بالبرهان، ويعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى، ويتقرر عنده هيئة الكل ونسب
стр. 536
أجزائه بعضها إلى بعض. والنظام الآخذ من المبدإ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه، ويتصور العناية وكيفيتها، ويتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها, وأية وحدة تخصها, وأنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه، وكيف ترتيب نسب الموجودات إليها. وكلما ازداد استبصارا ازداد للسعادة استعدادا، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون قد أكد العلاقة مع ذلك العالم، فصار له شوق وعشق إلى ما هناك يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة. ثم إن النفوس والقوى الساذجة التي لم تكتسب هذا الشوق ولا تصورت هذه التصورات، فإن كانت بقيت على ساذجيتها واستقرت فيها هيئات صحيحة إقناعية وملكات حسنة خلقية سعدت بحسب ما اكتسبت. أما إذا كان الأمر بالضد من ذلك أو حصلت أوائل الملكة العلمية وحصل لها شوق قد تبع رأيا مكتسبا إلى كمال حالها فصدها عن ذلك عائق مضاد فقد يبقى الشقاء الأبدي، وهؤلاء إما مقصرون في السعي لتحصيل الكمال الإنساني وإما معاندون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية، والجاحدون أسوأ حالا. والنفوس البله أدنى من الخلاص من فطانة بتراء، لكن النفوس إذا فارقت وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة على مثل ما يخاطب به العامة، ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم لا كمال فتسعد تلك السعادة، ولا عدم كمال فتشقى تلك الشقاوة، بل جميع هيئآتهم النفسانية متوجهة إلى الأسفل، منجذبة إلى الأجسام، ولابد لها من تخيل، ولابد للتخيل من أجسام. قال فلا بد لها من أجرام سماوية تقوم بها القوة المتخيلة، فتشاهد ما قيل لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية، وتكون الأنفس الرديئة أيضا تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا وتقاسيه، فإن الصورة الخيالية ليست تضعف عن الحسية بل تزداد تأثيرا، كما تشاهد في المنام، وهذه هي السعادة والشقاوة بالقياس إلى الأنفس الخسيسة. وأما الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل لكمالها بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية، ولو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي تأذت به وتخلفت
стр. 537
عن درجة عليين إلى أن ينفسخ عنها. قال: والدرجة الأعلى فيما ذكرناه لمن له النبوة، إذ في قواه النفسانية خصائص ثلاث نذكرها في الطبيعيات فبها يسمع كلام الله تعالى، ويرى ملائكته المقربين، وقد تحولت على صور يراها. وكما أن الكائنات ابتدأت من الأشرف فالأشرف حتى ترقت في الصعود إلى العقل الأول، ونزلت في الانحطاط إلى المادة وهي الأخس، كذلك النفوس ابتدأت من الأخس حتى بلغت النفس الناطقة وترقت إلى درجة النبوة. ومن المعلوم أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع ومشاركة في ضروريات حاجاته، مكتفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به. ولا تتم تلك الشركة إلا بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما، يفرغ كل واحد منهما عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير. ولا بد في المعاملة من سنة وعدل، ولا بد من سان ومعدل، ولا بد من أن يكون بحيث يخاطب الناس ويلزمهم السنة. فلا بد من أن يكون إنسانا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون، ويرى كل واحد منهم ما له عدلا وما عليه ظلما، فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الإنسان أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار والحاجبين. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي أمثال تلك المنافع, ولا تقتضي هذه التي هي أسها. ولا يجوز أن يكون المبدأ الأول والملائكة بعده يعلم تلك ولا يعلم هذا، ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا يوجد، بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على وجوده موجود؟ فلا بد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند ربه تعالى: يدعوهم إلى التوحيد, ويمنعهم من الشرك، ويسن لهم الشرائع والأحكام، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن التباغض والتحاسد، ويرغبهم في الآخرة وثوابها، ويضرب لهم للسعادة والشقاوة أمثالا تسكن إليها نفوسهم، وأما الحق فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا، وهو أن ذلك شيء لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ثم تكريره عليهم العبادات ليحصل لهم بعده تذكر المعبود بالتكرير. والمذكرات إما حركات، وإما إعدام حركات
стр. 538
تفضي إلى حركات. فالحركات كالصلوات وما في معناها، وأعدام الحركات كالصيام ونحوه، وإن لم يكن لهم هذه المذكرات تناسوا جميع ما دعاهم إليه مع انقراض قرن أو قرنين. وينفعهم ذلك أيضا في المعاد منفعة عظيمة، فإن السعادة في الآخرة بتنزيه النفس عن الأخلاق الرديئة والملكات الفاسدة فيتقرر لها بذلك هيئة الانزعاج عن البدن، وتحصل لها ملكة التسلط عليه فلا تنفعل عنه، وتستفيد منه ملكة الالتفات إلى جهة الحق، والإعراض عن الباطل، وتصير شديدة الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية، وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله تعالى، وكان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن يتذكر الله، ويعرض عن غيره لكان جديرا بأن يفوز من هذا الزكاء بحظ، فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبي من عند الله تعالى، وبإرسال الله تعالى وواجب في الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما سنه فإنما هو ما وجب من عند الله أن يسنه، وأنه متميز عن سائر الناس بخصائص بالغة، وواجب الطاعة بآيات ومعجزات دلت على صدقه؟!
وسيأتي شرح ذلك في الطبيعيات. لكنك تحدس مما سلف آنفا أن الله تعالى كيف رتب النظام في الموجودات؟ وكيف سخر الهيولى مطيعة للنفوس بإزالة صورة وإثبات صورة، وحيثما كانت النفوس الإنسانية أشد مناسبة للنفوس الفلكية بل وللعقل الفعال كان تأثيرها في الهيولى أشد وأغرب، وقد تصفو النفس صفاء شديدا لاستعداد ما للاتصال بالعقول المفارقة فيفيض عليها من العلوم ما لا يصل بالتقليب والإحالة من حال إلى حال، وبالقوة الثانية بخبر عن غيب, ويكلمه ملك. فيكون ما للأنبياء ﵈ وحيا، وما للأولياء إلهاما.
وها نحن نبتدأ القول في الطبيعيات المنقولة عن الشيخ الرئيس أبي على بن سينا.
стр. 539
٣- في الطبيعيات:
قال أبو علي بن سينا: إن للعلم الطبيعي موضوعا ينظر فيه وفي لواحقه كسائر العلوم، وموضوعه: الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير، وبما هي موصوفة بأنحاء الحركات والسكونات، وأما مبادئ هذا العلم كمثل تركب الأجسام عن المادة والصورة، والقول في حقيقتهما، ونسبة كل واحد منهما إلى الثاني, فقد ذكرناها في العلم الإلهي. والذي يختص من ذلك التركب بالعلم الطبيعي هو أن تعلم أن الأجسام الطبيعية منها أجسام مركبة من أجسام إما متشابهة الصور كالسرير، وإما مختلفتها كبدن الإنسان، ومنها أجسام مفردة. والأجسام المركبة لها أجزاء موجودة بالفعل متناهية، وهي تلك الأجسام المفردة التي منها تركبت، وأما الأجسام المفردة فليس لها في الحال جزء بالفعل وفي قوتها أن تتجزأ أجزاء غير متناهية كل منها أصغر من الآخر. والتجزؤ إما بتفريق الاتصال، وإما باختصاص العرض ببعض منه، وإما بالتوهم، وإذا لم يكن أحد هذه الثلاثة فالجسم المفرد لا جزء له بالفعل. قال: ومن أثبت الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ بالفعل؛ فبطلانه بأن كل جزء مس جزءا فقد شغله بالمس، وكل ما شغل شيئا بالمس فإما أن يدع فراغا عن شغله لجهة أو لا يدع، فإن ترك فراغا فقد تجزأ الممسوس، وإن لم يترك فراغا فلا يتأتى أن يماسه آخر غير المماس الأول وقد ماسه آخر هذا خلف. وكذلك في كل جزء موضوع على جزأين متصل وغيره. من تركيب المربعات منها، لمساواة الأقطار والأضلاع، ومن جهة مسامتات الظل والشمس, دلائل على أن الجزء الذي لا يتجزأ ألبتة محال وجوده.
فنتكلم بعد هذه المقدمة في مسائل هذا العلم، ونحصرها في ست مقالات.
стр. 540
المقالة الأولى: في لواحق الأجسام الطبيعية
مثل الحركة، والسكون، والزمان، والمكان، والخلاء، والتناهي، والجهات، والتماس، والالتحام، والاتصال، والتتالي.
أما الحركة: فتقال على تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل الاتجاه نحو شيء والوصول إليه هو بالقوة أو بالفعل، فيجب أن تكون الحركة مفارقة الحال، ويجب أن يقبل الحال التنقص والتزيد ويكون باقيا غير متشابه الحال في نفسه، وذلك مثل السواد والبياض والحرارة والبرودة, والرطوبة واليبوسة والطول والقصر, والقرب والبعد وكبر الحجم وصغره، فالجسم إذا كان في مكان فتحرك فقد حصل فيه كمال وفعل أول يتوصل به إلى كمال وفعل ثان هو الوصول، فهو في المكان الأول بالفعل, وفي المكان الثاني بالقوة، فالحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة، ولا يكون وجودها إلا في زمان بين القوة المحصنة, والفعل المحض، وليست من الأمور التي تحصل بالفعل حصولا قارا مستكملا، وقد ظهر أنها في كل أمر يقبل التنقص والتزيد وليس شيء من الجواهر كذلك. فإذا لا شيء من الحركات في الجوهر. وكون الجوهر وفساده ليس بحركة بل هو أمر يكون دفعة. وأما الكمية فلأنها تقبل التزيد والتنقص فخليق أن يكون فيها حركة، كالنمو والذبول والتخلخل والتكاثف. وأما الكيفية، فما يقبل منها التنقص والتزيد والاشتداد كالتبيض والتسود, فيوجد فيه الحركة. وأما المضاف، فأبدا عارض لمقولة من البواقي في قبول التنقص والتزيد. فإذا أضيفت إليه حركة فذلك بالحقيقة لتلك المقولة. وأما الأين، فإن وجود الحركة فيه ظاهر وهو النقلة. وأما متى، فإن وجوده للجسم بتوسط الحركة، فكيف يكون فيه الحركة؟ ولو كان ذلك لكان لمتى متى آخر. وأما الوضع، فإن فيه حركة على رأينا خاصة كحركة الجسم المستدير على نفسه، إذ لو توهم المكان المطيف به معدوما لما امتنع كونه متحركا. ولو قدر ذلك في الحركة المكانية لامتنع، ومثاله في الموجودات: الجرم الأقصى الذي
стр. 541
ليس وراءه جسم، والوضع يقبل التنقص والاشتداد، فيقال: انصب, وأنكس. وأما الملك فإن تبدل الحال فيه تبدل أولا في الأين، فإذن الحركة فيه بالعرض. وأما أن يفعل، فتبدل الحال فيه بالقوة أو العزيمة أو الآلة، فكانت الحركة في قوة الفاعل أو عزيمته أو آلته أولا، وفي الفعل بالعرض. على أن الحركة إن كانت خروجا عن هيئة فهي عن هيئة قارة وليس شيء من الأفعال كذلك، فإذا لا حركة بالذات إلا في الكم، والكيف، والأين، والوضع، وهو كون الشيء بحيث لا يجوز أن يكون على ما هو عليه من أينه وكمه وكيفه ووضعه قبل ذلك ولا بعده.
والسكون: هو عدم هذه الصورة في ما من شأنه أن توجد فيه، وهذا العدم له معنى ما ويمكن أن يرسم، وفرق بين عدم القرنين في الإنسان وهو السلب المطلق عقدا وقولا, وبين عدم المشي له، فهو حالة مقابلة للمشي توجد عند ارتفاع علة المشي، وله وجود ما بنحو من الأنحاء وله علة بنحو، والمشي علة بالعرض لذلك العدم، فالعدم معلول بالعرض موجود بالعرض.
ثم اعلم أن كل حركة توجد في الجسم فإنما توجد لعلة محركة، إذ لو تحرك بذاته وبما هو جسم لكان كل جسم متحركا فيجب أن يكون المحرك معنى زائدا على هيولى الجسمية وصورتها. ولا يخلو إما أن يكون ذلك المعنى في الجسم، وإما أن لا يكون فإن كان المحرك مفارقا فلا بد لتحريكه من معنى في الجسم قابل لجهة التحريك والتغيير. ثم المتحرك لمعنى في ذاته يسمى متحركا بذاته، وذلك إما أن تكون العلة الموجودة فيه يصح عنها أن تحرك تارة ولا تحرك أخرى, فيسمى متحركا بالاختيار، وإما ألا يصح فيسمى متحركا بالطبع, والمتحرك بالطبع لا يجوز أن يتحرك وهو على حالته الطبيعية، لأن كل ما اقتضاه طبيعة الشيء لذاته ليس يمكن أن يفارقه إلا والطبيعة قد فسدت. وكل حركة تتعين في الجسم فإنها يمكن أن تفارق والطبيعة لم تبطل، لكن الطبيعة إنما تقتضي الحركة للعود إلى حالتها
стр. 542
الطبيعية، فإذا عادت ارتفع الموجب للحركة وامتنع أن يتحرك، فيكون مقدار الحركة على مقدار البعد من الحالة الطبيعية. وهذه الحركة ينبغي أن تكون مستقيمة إن كانت في المكان، لأنها لا تكون إلا لميل طبيعي، وكل ميل طبيعي فعلى أقرب مسافة، وكل ما هو على أقرب المسافة فهو على خط مستقيم، فالحركة المكانية المستديرة ليست طبيعية، ولا الحركة الوضعية، فإن كل حركة طبيعية فإنها لهرب عن حالة غير طبيعية، ولا يجوز أن يكون فيه قصد طبيعي بالعود إلى ما فارقه بالهرب إذ لا اختيار لها، وقد تحقق العود، فهي إذا غير طبيعية، فهي إذن عن اختيار وإرادة، ولو كانت عن قسر فلا بد أن ترجع إلى الطبع أو الاختيار. وأما الحركات في أنفسها فيتطرق إليها الشدة والضعف، فيتطرق إليها الشرعة والبطء لا بتخلل سكنات. وهي قد تكون واحدة بالجنس إذا وقعت في مقولة واحدة أو في جنس واحد من الأجناس التي تحت تلك المقولة، وقد تكون واحدة بالنوع وذلك إذا كانت ذات جهة مفروضة عن جهة واحدة إلى جهة واحدة في نوع واحد وفي زمان مساو، مثل تبييض ما يتبيض، وقد تكون واحدة بالشخص وذلك إذا كانت عن متحرك واحد بالشخص في زمان واحد, ووحدتها بوجود الاتصال فيها. والحركات المتفقة في النوع لا تتضاد. وأما تطابق الحركات فيعني بها التي يجوز أن يقال لبعضها أسرع من بعض, أو أبطأ أو مساو، والأسرع هو الذي يقطع شيئا مساويا لما يقطعه الآخر في زمان أقصر وضده الأبطأ، والمساوي معلوم. وقد يكون التطابق بالقوة، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالتخيل، وأما تضاد الحركات فإن الضدين هما اللذين موضوعهما واحد وهما ذاتان يستحيل أن يجتمعا فيه وبينهما غاية الاختلاف، فتضاد الحركات ليس بتضاد المتحركين، ولا بالزمان؛ ولا بتضاد ما يتحرك فيه، بل تضادهما هو بتضاد الأطراف والجهات. فعلى هذا لا تضاد بين الحركة المستقيمة والحركة المستديرة المكانية، لأنهما لا يتضادان في الجهات، بل المستديرة لا جهة فيها بالفعل، لأنها متصل واحد، فالتضاد في الحركات المكانية المستقيمة يتصور، فالهابطة ضد الصاعدة، والمتيامنة ضد المتياسرة. وأما التقابل بين
стр. 543
الحركة والسكون فهو تقابل العدم والملكة، وقد بينا أن ليس كل عدم هو السكون، بل هو عدم ما من شأنه أن يتحرك، ويختص ذلك بالمكان الذي تتأتى فيه الحركة. والسكون في المكان المقابل إنما يقابل الحركة عنه لا الحركة إليه، بل ربما كان هذا السكون استكمالا لها.
وإذا عرفت ما ذكرناه سهل عليك معرفة الزمان بأن تقول:
كل حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة وأخرى معها على مقدارها وابتدأتا معا، فإنهما تقطعان المسافة معا، وإن ابتدأت إحداهما ولم تبتدئ الأخرى ولكن تركنا الحركة معا، فإن إحداهما تقطع دون ما تقطعه الأولى. وإن ابتدأ معه بطيء واتفقا في الأخذ والترك وجد البطيء قد قطع أقل والسريع أكثر، وكان بين أخذ السريع الأول وتركه إمكان قطع مسافة معينة بسرعة معينة, وأقل منها ببطء معين، وبين أخذ السريع الثاني وتركه إمكان أقل من ذلك بتلك السرعة المعينة يكون هذا الإمكان طابق جزءا من الأول ولم يطابق جزءا مقتضيا وكان من شأن هذا الإمكان التقضي، لأنه لو ثبت للحركات بحال واحدة لكانت تقطع المتفقات في السرعة أي وقت ابتدأت وتركت مسافة واحدة بعينها، ولما كان إمكان أقل من إمكان، فوجد في هذا الإمكان زيادة ونقصان يتعينان، فكان ذا مقدار مطابق للحركة، فإذن ههنا مقدار للحركات مطابق لها, وكل ما طابق الحركات فهو متصل، ويقتضي الاتصال تجدده، وهو الذي نسميه "الزمان". ثم هو لا بد وأن يكون في مادة، ومادته الحركة، فهو مقدار الحركة. وإذا قدرت وقوع حركتين مختلفتين في العدم كان هناك إمكانان مختلفان، بل مقداران مختلفان. وقد سبق أن الإمكان والمقدار لا يتصور إلا في موضوع، فليس الزمان محدثا حدوثا زمانيا بحيث يسبقه زمان، لأن كلامنا في ذلك الزمان بعينه، وإنما حدوثه حدوث إبداع لا يسبقه إلا مبدعه, وكذلك ما يتعلق به الزمان ويطابقه، فالزمان متصل يتهيأ أن ينقسم بالتوهم، فإذا قسم ثبتت منه آنات وانقسم إلى الماضي
стр. 544
والمستقبل، وكونهما فيه ككون أقسام العدد في العدد، وكون الآن فيه كالوحدة في العدد، وكون المتحركات فيه ككون المعدودات في العدد. و"الدهر" هو المحيط بالزمان. وأقسام الزمان ما فصل منه بالتوهم، كالساعات والأيام، والشهور، والأعوام.
وأما المكان، فيقال مكان لشيء يكون محيطا بالجسم، ويقال لشيء يعتمد عليه الجسم, والأول هو الذي يتكلم فيه الطبيعي، وهو حاو للمتمكن مفارق له عند الحركة ومساو له، وليس هو شيئا في المتمكن، وكل هيولى وصورة فهو في المتمكن، فليس إذا المكان إذا بهيولى وصورة، ولا الأبعاد التي يدعى أنها مجردة عن المادة قائمة بمكان الجسم المتمكن، لا مع امتناع خلوها كما يراه قوم، ولا مع جواز خلوها كما يظنه مثبتو الخلاء. ونقول في نفي الخلاء إن فرض خلاء خال، فليس هو لا شيئا محضا، بل هو ذات ما له كم، لأن كل خلاء يفرض فقد يوجد خلاء آخر أقل منه أو أكثر، ويقبل التجزؤ في ذاته. والمعدوم واللا شيء ليس يوجد هكذا، فليس الخلاء لا شيء، فهو "ذو" كم. وكل "كم" فإما متصل وإما منفصل، والمنفصل لذاته عديم الحد المشترك بين أجزائه، وقد تقرر في الخلاء حد مشترك، فهو إذا متصل الأجزاء منحازها في جهات، فهو إذن "كم" ذو وضع، قابل للأبعاد الثلاثة، كالجسم الذي يطابقه، وكأنه جسم تعليمي مفارق للمادة. فنقول الخلاء المقدر إما أن يكون موضوعا لذلك المقدار، أو يكون الوضع والمقدار جزأين من الخلاء، والأول باطل، فإنه إذا رفع المقدار في التوهم كان الخلاء وحده بلا مقدار، وقد فرض أنه ذو مقدار، فهو خلف، وإن بقي متقدرا في بنفسه لا لمقدار حله، وإن كان الخلاء مجموع مادة ومقدار فالخلاء إذا جسم فهو ملاء.
وأيضا، فإن كل شيء يقبل الاتصال والانفصال فهو ذو مادة مشتركة قابلة لهما كما بينا والخلاء لا مادة له، فلا يجوز عليه الانفصال والاتصال. ونقول: إن التمانع
стр. 545
محسوس بين الجسمين، وليس التمانع من حيث المادة، لأن المادة من حيث إنها مادة لا انحياز لها عن الأجزاء، وإنما ينحاز الجسم عن الجسم لأجل صورة البعد، فطباع الأبعاد تأبى التداخل، وتوجب المقاومة والتنحي. وأيضا فإن بعدا لو دخل فإما أن يكونا جميعا، فهما أزيد من الواحد، وكل ما هو عظيم، وهو أزيد فهو أعظم, وإن عدما جميعا. أو وجد أحدهما وعدم الآخر، فليس مداخلة. فإذا قيل جسم في خلاء، فيكون بعدا في بعد، وهو محال.
ونقول في نفي اللانهاية عن الجسم: إن كل موجود الذات ذا وضع وترتيب فهو متناه، إذ لو كان غير متناه فإما أن يكون غير متناه من الأطراف كلها أو غير متناه من طرف. فإن كل غير متناه من طرف أمكن أن يفصل منه من الطرف المتناهي جزء بالتوهم، فيوجد ذلك المقدار مع ذلك الجزء شيئا على حدة، وبانفراده شيئا على حدة. ثم يطبق بين الطرفين المتناهيين في التوهم، فلا يخلو إما أن يكونا بحيث يمتدان معا متطابقين في الامتداد فيكون الزائد والناقص متساويين وهذا محال، وإما أن لا يمتد بل يقصر عنه فيكون متناهيا والفصل أيضا كان متناهيا فيكون المجموع متناهيا فالأصل متناه. وأما إذا كان غير متناه من جميع الأطراف فلا يبعد أن يفرض ذا مقطع تتلاقى عليه الأجزاء ويكون طرفا ونهاية، ويكون الكلام في الأجزاء والجزأين كالكلام في الأول. وبهذا يتأتى البرهان على أن العدد المترتب الذات الموجود بالفعل متناه، وأن ما لا يتناهى بهذا الوجه هو الذي إذا وجد وفرض أنه يحتمل زيادة ونقصانا وجب أن يلزم ذلك محال. وأما إذا كانت أجزاؤه لا تتناهى وليست معا وكانت في الماضي والمستقبل فغير ممتنع وجودها واحدا قبل آخر أو بعده لاحقا، أو كانت ذات عدد غير مرتب في الوضع ولا الطبع فلا مانع عن وجوده معا، وذلك أن ما لا يترتب له في الوضع أو الطبع فلن يحتمل الانطباق، وما لا وجود له معا فهو فيه أبعد، ونقول في إثبات التناهي في القوى الجسمانية ونفي التناهي عن القوى غير الجسمانية قال: الأشياء
стр. 546
التي يمتنع فيها وجود غير المتناهي بالفعل فليس يمتنع فيها من جميع الوجوه. فإن العدد لا يتناهى أي بالقوة, وكذلك الحركات لا تتناهى بالقوة لا القوة التي تخرج إلى الفعل؛ بل بمعنى أن الأعداد يتأتى أن تتزايد فلا تقف عند نهاية أخيرة. واعلم أن القوى تختلف في الزيادة والنقصان بالنسبة إلى شدة ظهور الفعل عنها، أو إلى عدة ما يظهر عنها، أو إلى مدة بقاء الفعل، وبينها فرقان بعيدان، فإن جل ما يكون زائدا بنوع الشدة يكون ناقصا بنوع المدة. وكل قوة حركت أشد فمدة حركتها أقصر وعدة حركتها أكثر، ولا يجوز أن تكون قوة غير متناهية بحسب اعتبار الشدة، لأن ما يظهر من الأحوال القابلة لها لا يخلو: إما أن يقل الزيادة على ما ظهر فيكون متناهيا يجوز عليه زيادة في آخره، وإما أن لا يقبل فهو النهاية في الشدة، فكل قوة جسمانية متجزئة ومتناهية.
وأما الكلام في الجهات: فمن المعلوم أنا لو فرضنا خلاء فقط أو أبعادا أو جسما غير متناه فلا يمكن أن يكون للجهات المختلفة بالنوع وجود ألبتة فلا يكون فوق وسفل، ويمين ويسار، وقدام وخلف، فالجهات إنما تتصور في أجسام متناهية، فتكون الجهات أيضا متناهية، ولذلك يتحقق إليها إشارة. ولذاتها اختصاص وانفراد عن جهة أخرى. وإذا كانت الأجسام كرية فيكون تحدد الجهات على سبيل المحيط والمحاط، والتضاد فيها على سبيل المركز والمحيط. وإذا كان الجسم المحدد محيطا كفى لتحديد الطرفين، لأن الإحاطة تثبت المركز، فتثبت غاية البعد منه وغاية القرب من غير حاجة إلى جسم آخر. وأما إن فرض محاطا لم تتحدد به وحده الجهات، لأن القرب يتحدد به، والبعد منه يتحدد بجسم آخر، إذ لا خلاء، وذلك ينتهي لا محالة إلى محيط. ويجب أن تكون الأجسام المستقيمة الحركة لا يتأخر عنها وجود الجهات لأمكنتها وحركاتها، بل الجهات تحصل بحركاتها، فيجب أن يكون الجسم الذي تتحدد الجهات إليه جسما متقدما عليه، وتكون إحدى الجهات بالطبع غاية القرب منه وهو الفوق، ويقابله غاية البعد منه وهو
стр. 547
السفل؛ وهذان بالطبع وسائر الجهات لا تكون واجبة في الأجسام بما هي أجسام، بل بما هي حيوانات، فتتميز فيها جهة القدام الذي إليه الحركة الاختيارية، واليمين الذي منه مبدأ القوة، والفوق إما بقياس فوق العالم، وإما الذي إليه أول حركة النشوء، ومقابلاتها الخلف واليسار والسفل محدودان بطرفي البعد الذي الأولى أن يسمى طولا، واليمين واليسار بما الأولى أن يسمى عرضا، والقدام والخلف بما الأولى أن يسمى عمقا.
المقالة الثانية: في الأمور الطبيعية وغير الطبيعية للأجسام
من المعلوم أن الأجسام تنقسم إلى بسيطة ومركبة، وأن لكل جسم حيزا ما ضرورة، فلا يخلو إما أن يكون كل حيز له طبيعيا، أو منافيا لطبيعته، أو لا طبيعيا ولا منافيا، أو بعضه طبيعيا وبعضه منافيا. وبطل أن يكون كل حيز له طبيعيا، لأنه يلوم منه أن يكون مفارقة كل مكان له خارجا عن طبعه أو التوجه إلى كل مكان له ملائما لطبعه، وليس الأمر كذلك، فهو خلف. وبطل أن يكون كل حيز منافيا لطبعه، لأنه يلزم منه أن لا يسكن جسم ألبتة بالطبع ولا يتحرك أيضا، وكيف يسكن أو يتحرك بالطبع وكل مكان مناف لطبعه؟ وبطل أن يكون كل مكان لا طبيعيا ولا منافيا، لأنا إذا اعتبرنا الجسم على حالته وقد ارتفع عنه القواسر والعوارض فحينئذ لا بد له من حيز يختص به ويتحيز إليه وذلك هو حيزه الطبيعي، فلا يزول عنه إلا بقسر قاسر. وتعين القسم الرابع لأن بعض الأحياز له طبيعي، وبعضها غير طبيعي. وكذلك نقول في الشكل: إن لكل جسم شكلا ما بالضرورة لتناهي حدوده، وكل شكل فإما طبيعي له أو بقسر قاسر، وإذا ارتفعت القواسر في التوهم واعتبرت الجسم من حيث هو جسم وكان في نفسه متشابه الأجزاء فلا بد أن يكون شكله كريا، لأن فعل الطبيعة في المادة واحد متشابه، فلا يمكن أن يفعل في جزء زاوية وفي جزء خطا مستقيما أو منحنيا،
стр. 548
فينبغي أن يتشابه الأجزاء، فيجب أن يكون الشكل كريا, وأما المركبات فقد تكون أشكالها غير كرية لاختلاف أجزائها فالأجسام السماوية كلها كرية, وإذا تشابهت أجزاؤها وقواها كان حيزها الطبيعي وجهتها واحدة، فلا يتصور أرضا، في وسطين في عالمين، ولا ناران في أفقين، بل لا يتصور عالمان، لأنه قد ثبت أن العالم بأسره كري الشكل، فلو قدر كريان أحدهما بجنب الآخر كان بينهما خلاء ولا يتصلان إلا بجزء واحد لا ينقسم، وقد تقدم استحالة الخلاء. وأما الحركة، فمن المعلوم أن كل جسم اعتبر ذاته من غير عارض بل من حيث هو جسم في حيز, فهو إما أن يكون متحركا وإما أن يكون ساكنا، وذلك ما نعنيه بالحركة الطبيعية والسكون الطبيعي، فنقول: إن كان الجسم بسيطا كانت أجزاؤه متشابهة، وأجزاء ما يلاقيه وأجزاء مكانه كذلك، فلم يكن بعض الأجزاء أولى بأن يختص بعض أجزاء المكان من بعض، فلم يجب أن يكون شيء منها له طبيعيا، فلا يمتنع أن يكون على غير ذلك الوضع، بل في طباعه أن يزول عن ذلك الوضع أو الأين بالقوة، وكل جسم لا ميل له في طبعه فلا يقبل الحركة عن سبب خارج فبالضرورة في طباعه حركة ما إما لكله وإما لأجزائه حتى يكون متحركا في الوضع بحركة الأجزاء، وإذا صح أن كل قابل تحريك ففيه مبدأ ميل، ثم لا يخلو إما أن يكون على الاستقامة أو على الاستدارة. والأجسام السماوية لا تقبل الحركة المستقيمة كما سبق، فهي متحركة على الاستدارة، وقد بينا استناد حركاتها إلى مبادئها.
وأما الكيف فنقول أولا: إن الأجسام السماوية ليست موادها مشتركة, بل هي مختلفة بالطبع، كما أن صورها مختلفة، ومادة الواحدة منها لا يصلح أن تتصور بصورة الأخرى، ولو أمكن ذلك كذلك لقبلت الحركة المستقيمة، وهو محال. فلها طبيعة خامسة مختلفة بالنوع، بخلاف طبائع العناصر، فإن مادتها مشتركة وصورها مختلفة، وهي تنقسم إلى حار يابس كالنار، وإلى حار رطب كالهواء، وإلى بارد رطب كالماء، وإلى بارد يابس كالأرض، وهذه أعراض فيها لا صور، ويقبل الاستحالة بعضها إلى بعض، ويقبل النمو والذبول، ويقبل الآثار من الأجسام السماوية. وأما الكيفيات،
стр. 549
فالحرارة والبرودة فاعلتان، فالحار هو الذي يغير جسما آخر بالتحليل والخلخلة بحيث يألم الحاس منه، والبارد هو الذي يغير جسما بالتعقيد والتكثيف بحيث يألم الحاس منه. وأما الرطوبة واليبوسة فمنفعلتان، فالرطب هو سهل القبول للتفريق والجمع, والتشكيل والدفع، واليابس هو عسر القبول لذلك. فبسائط الأجسام المركبة تختلف وتتمايز بهذه القوى الأربع، ولا يوجد شيئا منها عديما لواحدة من هذه. وليست هذه صورا مقومة للأجسام، لكنها إذا تركت وطباعها ولم يمنعها مانع من خارج ظهر منها في أجرامها حر أو برد ورطوبة أو يبس، كما أنها إذا تركت وطباعها ولم يمنعها مانع ظهر منها إما سكون أو ميل وحركة، فلذلك قيل قوة طبيعية، وقيل النار حارة بالطبع، والسماء متحركة بالطبع. فعرفت الأحياز الطبيعية، والأشكال الطبيعية، والحركات الطبيعية، والكيفيات الطبيعية. وعرفت أن إطلاق الطبيعية عليها بأي وجه، فنقول بعد ذلك: إن العناصر قابلة للاستحالة والتغيير وبينها مادة مشتركة، والاعتبار في ذلك بالمشاهدة، فإنا نرى الماء العذب انعقد حجرا جلمدا والحجر يكلس فيعود رمادا، ويرام بالحيلة حتى يصير ماء، فالمادة مشتركة بين الماء والأرض. ونشاهد هواء صحوا يغلظ دفعة فيستحيل أكثره أو كله ماء وبردا وثلجا، ونضع الجمد في كوز صفر فنجد من الماء المجتمع على سطحه كالقطر ولا يمكن أن يكون ذلك بالرشح، لأنه ربما كان ذلك حيث لا يماسه الجمد وكان فوق مكانه ثم لا نجد مثله إذا كان حارا والكوز مملوءا، ويجتمع مثل ذلك داخل الكوز حيث لا يماسه الجمد، وقد يدفن القدح في جمد محفور حفرا مهندما ويسد رأسه عليه فيجتمع فيه ماء كثير، وإن وضع في الماء الحار الذي يغلي مدة واستد رأسه لم يجتمع شيء، وليس ذلك إلا لأن الهواء الخارج أو الداخل قد استحال ماء، فبين الماء والهواء مادة مشتركة. وقد يستحيل الهواء نارا، وهو ما نشاهد من آلات حاقنة مع تحريك شديد على صورة المنافخ، فيكون ذلك الهواء بحيث يشتعل في الخشب وغيره، وليس ذلك على طريق الانجذاب، لأن النار لا تتحرك إلا على سبيل الاستقامة إلى العلو، ولا على طريق الكمون، إذ من المستحيل أن يكون في ذلك الخشب من النار الكامنة
стр. 550
ماله ذلك القدر الذي في الجمرة ولا يحترق، والكمون أجمع لها، والمنتشر أضعف تأثيرا من المجتمع، فتعين أنه هواء اشتعل نارا، فبين النار والهواء مادة مشتركة. ونقول: إن العناصر قابلة للكبر والصغر, والتكاثف والتخلخل، فيصير جسم أكبر من جسم من غير زيادة من خارج، ويصير أصغر من غير نقصان، فبين الكبير والصغير مادة مشتركة، إذ قد تحقق أن المقدار عرض في الهيولى، والكبر والصغر أعراض في الكميات. وقد نشاهد ذلك إذا أغلي الماء انتفخ وتخلخل. والخمر ينتفخ في الدن حتى يتصعد عند الغليان، وكذلك القمقمة الصياحة، وهي إذا كانت مسدودة الرأس مملوءة بالماء وأوقدت النار تحتها انكسرت وتصدعت. ولا سبب له إلا أن الماء صار أكثر مما كان. ولا جائز أن يقال: إنه كبر بدخول أجزاء النار فيها؛ فإنه كيف دخلت وما خرج جزء من الماء ولا خلاء فيه؟ ولا جائز أن يقال: إن النار طلبت جهة الفوق بطبعها، فإنه كان ينبغي أن ترفع الإناء وتطيره لا أن تكسره، وإذا كان الإناء صلبا خفيفا كان رفعه أسهل من كسره، فتعين أن السبب انبساط الماء في جميع الجوانب ودفعه سطح الإناء إلى الجوانب فيتفتق الموضع الذي كان أضعف، وله أمثلة أخرى تدل على أن المقدار يزيد وينقص. ونقول: إن العناصر قابلة للتأثيرات السماوية إما آثار محسوسة مثل نضج الفواكه ومد البحار وأظهرها الضوء والحرارة بواسطة الضوء والتحريك إلى فوق بتوسط الحرارة، والشمس ليست بحارة ولا متحركة إلى فوق، وإنما تأثيراتها معدات للمادة في قبول الصورة من واهب الصور، وقد يكون للقوى الفلكية تأثيرات خارجة من العنصريات، وإلا فكيف يبرد الأفيون أقوى مما يبرد الماء والجزء البارد فيه مغلوب بالتركيب مع الأضداد؟ وكيف يفعل ضوء الشمس في عيون العشي والنبات بأدنى تسخين ما لا تفعله النار بتسخين يكون فوقه؟ فتبين أن العناصر كيف قبلت الاستحالة والتغير والتأثير. وتبين ما لها بالعنصر والجوهر.
стр. 551
المقالة الثالثة: في المركبات والآثار العلوية
قال ابن سينا: إن العناصر الأربعة عساها أن لا توجد كلياتها صرفة, بل يكون فيها اختلاط، ويشبه أن تكون النار أبسطها في موضعها ثم الأرض، أما النار فلأن ما يخالطها يستحيل إليها لقوتها، وأما الأرض فلأن نفوذ قوى ما يحيط بها في كليتها بأسرها كالقليل، وعسى أن يكون باطنها القريب من المركز يقرب من البساطة، ثم الأرض على طبقات: الطبقة الأولى القريبة من المركز، والثانة الطين، والثالثة بعضها ماء وبعضها طين جففته الشمس وهو البر. والسبب في أن الماء غير محيط بالأرض أن الأرض تنقلب ماء فتحصل وهدة, والماء يستحيل أرضا فتحصل ربوة، والأرض صلب وليس بسيال كالماء والهواء حتى ينصب بعض أجزائه إلى بعض ويتشكل بالاستدارة. وأما الهواء فهو أربع طبقات طبقة تلي الأرض فيها مائية من البخارات وحرارة لأن الأرض تقبل الضوء من الشمس فتحمي فتتعدى الحرارة إلى ما يجامرها، وطبقة لا تخلو عن رطوبة بخارية ولكن أقل حرارة، وطبقة هي هواء صرف صاف، وطبقة دخانية لأن الأدخنة ترتفع إلى الهواء وتقصد مركز النار فتكون كالمنتشر في السطح الأعلى من الهواء إلى أن تتصعد فتحترق. وأما النار فإنها طبقة واحدة ولا ضوء لها, بل هي كالهواء المشف الذي لا لون له، وإن رئي لون للنار فهي بما يخالطها من الدخان صارت ذات لون. ثم فوق النار الأجرام العالية الفلكية، والعناصر بطبقاتها طوعها، والكائنات الفاسدات تتولد من تأثيراتها. والفلك وإن لم يكن حارا ولا باردا فإنه ينبعث منه في الأجرام السفلية حرارة وبرودة بقوى تفيض منه إليها، ونشاهد هذا من إحراق شعاعه المنعكس على المرائي، ولو كان سبب الإحراق حرارة الشمس دون شعاعه لكان كل ما هو أقرب إلى العلو أسخن، بل سبب الإحراق التفاف الشعاع الشمسي المسخن لما يلتف به فيسخن الهواء، فالفلك إذا هيج بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية ودخن من الأجسام المائية ودخن من الأجسام الأرضية. وأثار شيئا بين الغبار والدخان
стр. 552
من الأجسام المائية الأرضية. والبخار أقل مسافة في صعوده من الدخان، لأن الماء إذا سخن كان حارا رطبا. والأجزاء الأرضية إذا سخنت ولطفت كانت حارة يابسة، والحار الرطب أقرب إلى طبيعة الهواء، والحار اليابس أقرب إلى طبيعة النار. والبخار لا يجاوز مركز الهواه بل إذا وافى منقطع تاثير الشعاع برد وكثف، والدخان يتعدى حيز الهواء حتى يوافي تخوم النار، وإذا احتبستا فيهما حدثت كائنات أخر. فالدخان إذا وافى حيز النار اشتعل، وإذا اشتعل فربما سعى فيه الاشتعال فرئي كأنه كوكب يقذف به، وربما احترق وثبت فيه الاحتراق فرئيت العلامات الهائلة الحمر والسود، وربما كان غليظا ممتدا وثبت فيه الاشتعال ووقف تحت كوكب, ودارت به النار بدوران الفلك وكان ذنبا له. وربما كان عريضا فرئي كأنه لحية كوكب، وربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب المذكور فانضغطت مشتعلة، وإن بقي شيء من الدخان في تضاعيف الغيم وبرد صار ريحا وسط الغيم يتحرك عنه بشدة يحصل منه صوت يسمى الرعد، وإن قويت حركته وتحريكه اشتعل من حرارة الحركة والهواء والدخان فصار نارا مضيئة تسمى البرق، وإن كان المشتعل كثيفا ثقيلا محرقا اندفع بمصادمات الغيم إلى جهة الأرض فيسمى صاعقة، ولكنها نار لطيفة تنفذ في الثياب والأشياء الرخوة وتنصدم بالأشياء الصلبة كالذهب والحديد فيذيبه حتى يذيب الذهب في الكيس ولا يحرق الكيس، ويذيب ذهب المراكب ولا يحرق السير. ولا يخلو برق عن رعد لأنهما جميعا عن الحركة، ولكن البصر أحد، فقد يرى البرق ولا ينتهي صوت الرعد إلى السمع، وقد يرى متقدما ويسمع متأخرا.
وأما البخار الصاعد, فمنه ما يلطف ويرتفع جدا ويتراكم ويكثر مدده في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحابا، والقاطر مطرا، ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعا وينزل كما لو يوافه برد الليل سريعا قبل أن يتركم سحابا، وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب فنزل وكان ثلجا، وربما جمد البخار غير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل
стр. 553
فنزل وكان صقيعا، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان بردا، وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب. وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف في الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحابا واستحال مطرا. ثم ربما وقع على صقيل الظاهر من السحاب صور النيرات وأضواؤها كما يقع في المرائي والجدران الثقيلة فيرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب اختلاف بعدها من النير وقربها, وبعدها من المرئي وصفائها وكدورتها واستوائها ورعشتها, وكثرتها وقلتها، فيرى هالة وقوس قزح, وشموس وشهب.
فالهالة تحدث على انعكاس البصر عن الرش المطيف بالنير إلى النير حيث يكون الغمام المتوسط لا يخفي النير، فيرى دائرة كأنها منطقة محورها الخط الواصل بين الناظر وبين النير، وما في داخلها ينفذ عن البصر إلى النير، ونوره الغالب على أجزاء الرش يجعله كأنه غير موجود، وكأن الغيم هناك هواء شفاف. وأما القوس فإن الغمام يكون في خلاف جهة النير، فتنعكس الزوايا عن الرش إلى النير لا بين الناظر والنير, بل الناظر أقرب إلى النير منه إلى المرآة فتقع الدائرة التي هي كالمنطقة أبعد من الناظر إلى النير، فإن كانت الشمس على الأفق كان الخط المار بالناظر والنير على بسيط الأفق وهو المحور، فيجب أن يكون سطح الأفق يقسم المنطقة بنصفين، فيرى القوس نصف دائرة، فإن ارتفعت الشمس انخفض الخط المذكور فصار الظاهر في المنطقة الموهومة أقل من نصف دائرة، وأما تحصيل الألوان على الجهة الشافية فإنه لم يستبن بعد. والسحب ربما تفرقت وذابت فصارت ضبابا، وربما اندفعت بعد التلطف إلى أسفل فصارت رياحا، وربما هاجت الرياح لاندفاع بعضها من جانب إلى جهة، وربما هاجت لانبساط الهواء بالتخلخل عند جهة واندفاعه إلى أخرى، وأكثر ما يهيج البرد الدخان المتصعد المجتمع الكثير ونزوله فإن مبادئ الرياح فوقانية، وربما عطفها مقاومة الحركة الدورية التي تتبع الهواء العالي فانعطفت رياحا، والسموم ما كان منها محترقا. وأما الأبخرة داخل الأرض فتميل
стр. 554
إلى جهة فتبرد فتستحيل ماء فيصعد بالمد فيخرج عيونا، وإن لم تدعها السخونة تبرد وكثرت وغلظت فلم تنفذ في مجاري مستحصفة فاجتمعت واندفعت مرة فزلزلت الأرض فخسفت، وقد تحدث الزلزلة من تساقط أعالي وهدة في باطن الأرض فيموج بها الهواء المحتقن، وإذا احتبست الأبخرة في باطن الجبال والكهوف فيتولد منها الجواهر إذا وصل إليها من سخونة الشمس وتأثير الكواكب خط، وذلك بحسب اختلاف المواضع والأزمان والمواد. فمن الجواهر ما هو قابل للإذابة والطرق كالذهب والفضة ويكون قبل أن يصلب زئبقا ونفطا، وانطراقها لحياة رطوبتها ولعصيانها الجمود التام. ومنها ما لا يقبل ذلك. وقد تتكون من العناصر أكوان أيضا بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجا أكثر اعتدالا من المعادن، فيحصل في المركب قوة غاذية وقوة نامية وقوة مولدة، وهذه القوى متمايزة بخصائصها.
المقالة الرابعة: في النفوس وقواها
اعلم أن النفس كجنس واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: النباتية؛ وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد ويربو ويتغذى، والغذاء جسم من شأنه أن يتشبه بطبيعة الجسم الذي قيل إنه غذاؤه ويزيد فيه مقدار ما يتحلل أو أكثر أو أقل.
والثاني: النفس الحيوانية؛ وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة.
والثالث: النفس الإنسانية؛ وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي, ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية.
стр. 555
وللنفس النباتية قوى ثلاث وهي:
١- القوة الغاذية؛ وهي القوة التي تحيل جسما آخر إلى مشاكلة الجسم الذي هي فيه فتلصقه به بدل ما يتحلل عنه.
٢- والقوة المنمية؛ وهي قوة تزيد في الجسم الذي هي فيه بالجسم المتشبه به زيادة في أقطاره طولا وعرضا وعمقا بقدر الواجب ليبلغ به كماله في النشوء.
٣- والقوة المولدة؛ وهي التي تأخذ من الجسم الذي هي فيه جزءا هو شبيه له بالقوة فتفعل فيه باستمداد أجسام أخرى تتشابه به من التخلق والتمزيج ما يصير شبيها به بالفعل. فللنفس النباتية ثلاث قوى.
وللنفس الحيوانية قوتان: محركة ومدركة، والمحركة على قسمين: إما محركة بأنها باعثة، وإما محركة بأنها فاعلة. والباعثة هي القوة النزوعية الشوقية. وهي القوة التي إذا ارتسمت في التخيل بعد صورة مطلوبة أو مهروب عنها حملت القوة التي تدركها على التحريك، ولها شعبتان: شعبة تسمى شهوانية، وهي قوة تبعث على تحريك يقرب من الأشياء المتخيلة ضرورة أو نافعة طلبا للذة، وشعبة تسمى غضبية وهي قوة تبعث على تحريك تدفع به الشيء المتخيل ضارا أو مفسدا طلبا للغلبة. وأما القوة المحركة على أنها فاعلة، فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات إلى جهة المبدأ أو ترخيها أو تمدها طولا فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدإ.
وأما القوة المدركة فتنقسم قسمين:
أحدهما: قوة تدرك من خارج، وهي الحواس الخمس، أو الثمانية فمنها البصر، وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقلية، ومنها
стр. 556
السمع وهي قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاضا بعنف يحدث منه تموج فاعل للصوت يتادى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ، ويموجه بشكل نفسه، وتماس أمواج تلك الحركة العصبة، فيسمع. ومنها الشم، وهي قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك ما يؤدي إليه الهواء المستنشق من الرائحة المخالطة لبخار الريح، والمنطبع بالاستحالة من جرم ذي رائحة. ومنها الذوق، وهي قوة مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان تدرك الطعوم المتحللة من الأجسام المماسة المخالطة للرطوبة اللعابية التي فيه فتحيله. ومنها اللمس وهي قوة منبثة في جلد البدن كله ولحمه فاشية فيه، والأعصاب تدرك ما تماسه وتؤثر فيه بالمضادة وتغيره في المزاج أو الهيئة، ويشبه أن تكون هذه القوة لا نوعا بل جنسا لأربع قوى منبثة معا في الجلد كله، الواحدة حاكمة في التضاد الذي بين الحار والبارد، والثانية حاكمة في التضاد الذي بين الصلب واللين، والثالثة حاكمة في التضاد الذي بين الرطب واليابس، والرابعة حاكمة في التضاد الذي بين الخشن والأملس، إلا أن اجتماعها معا في آلة واحدة يوهم تأحدها في الذات. والمحسوسات كلها تتأدى إلى آلات الحس فتنطبع فيها فتدركها القوة الحاسة.
والقسم الثاني: قوى تدرك في باطن، فمنها ما يدرك صور المحسوسات، ومنها ما يدرك معاني المحسوسات. والفرق بين القسمين في أن الصورة هو الشيء الذي تدركه النفس الناطقة والحس الظاهر معا ولكن الحس يدركه أولا ويؤديه إلى النفس، مثل إدراك الشاة صورة الذئب. أو المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس أولا، مثل إدراك الشاة المعنى المضاد في الذئب الموجب لخوفها إياه وهربها عنه. ومن المدركات الباطنة ما يدرك ويفعل، ومنها ما يدرك ولا يفعل. والفرق بين القسمين أن الفعل فيها هو أن تركب الصور والمعاني المدركة بعضها مع بعض، وتفصل بعضها عن بعض، فيكونه إدراك وفعل أيضا فيما أدرك، والإدراك
стр. 557
لا مع الفعل هو أن تكون الصورة أو المعنى ترتسم في القوة فقط من غير أن يكون لها فعل وتصرف فيه. ومن المدركات الباطنة ما يدرك أولا, ومنها ما يدرك ثانيا، والفرق بين القسمين: أن الإدراك الأول هو أن يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع للشيء من نفسه، والإدراك الثاني هو أن يكون حصولها من جهة شيء آخر أدى إليها.
ثم من القوى الباطنة المدركة الحيوانية قوة "بنطاسيا" وهو الحس المشترك, وهي قوة مرتبة في التجويف الأول من مقدم الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمس متأديه إليه. ثم الخيال والمصورة، وهي قوة مرتبة في آخر التجويف المقدم من الدماغ تحفظ ما قلبه الحس المشترك من الحواس، ويبقى فيها بعد غيبة المحسوسات. والقوة التي تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية، وتسمى مفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية، فهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، وتفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار. ثم إن القوة الوهمية وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، كالقوة الحاكمة بأن الذئب مهروب عنه, وأن الولد معطوف عليه. ثم القوة الحافظة الذاكرة، وهي قوة مرتبة في التجويف، ونسبة الحافظة إلى الوهمية كنسبة الخيال إلى الحس المشترك، إلا أن ذلك في المعاني وهذا في الصور. فهذه خمس قوى الحيوانية.
وأما النفس الناطقة للإنسان, فتنقسم قواها أيضا إلى قوة عالمة, وقوة عاملة، وكل واحد من القوتين يسمى عقلا باشتراك الاسم. فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها إصلاحية، ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية، واعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة، واعتبار بالقياس إلى نفسها. وقياسها إلى النزوعية أن تحدث عنها فيها هيئات تخص الإنسان تتهيأ بها لسرعة فعل وانفعال، مثل الخجل والحياء،
стр. 558
والضحك والبكاء. وقياسها إلى المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة، واستنباط الصناعات الإنسانية. وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة المشهورة، مثل: إن الكذب قبيح, والصدق حسن. وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة العاقلة حتى لا تنفعل عنه ألبتة بل ينفعل عنها، فلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية، وهي التي تسمى أخلاقا رذيلة، بل تحدث في القوى البدنية هيئات انقيادية لها, وتكون متسلطة عليها. وأما القوة العالمة النظرية، فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، فإن كانت مجردة بذاتها فذاك، وإن لم تكن فإنها تصيرها مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء. ثم لها إلى هذه الصور نسب وذلك أن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا لها، وقد يكون بالفعل.
والقوة على ثلاثة أوجه: قوة مطلقة هيولانية، وهو الاستعداد المطلق من غير فعل ما كقوة الطفل على الكتابة، وقوة ممكنة، وهو استعداد مع فعل ما كقوة الطفل بعد ما تعلم بسائط الحروف، وقوة تسمى ملكة، وهي قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة ويكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى اكتساب. فالقوة النظرية قد تكون نسبتها إلى الصور نسبة الاستعداد المطلق، وتسمى عقلا هيولانيا، وإذا حصل فيها من المعقولات الأولى التي يتوصل بها إلى المعقولات الثانية تسمى عقلا بالفعل، وإذا حصلت فيها المعقولات الثانية المكتسبة وصارت محزونة له بالفعل متى شاء طالعها، فإن كانت حاضرة عنده بالفعل تسمى عقلا مستفادا، وإذا كانت مخزونة تسمى عقلا بالملكة، وههنا ينتهي النوع الإنساني ويتشبه بالمبادئ الأولى للوجود كله. وللناس مراتب في هذا الاستعداد، فقد يكون عقل شديد الاستعداد حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كثير شيء من تخريج وتعليم، حتى كأنه يعرف كل شيء من نفسه لا تقليدا بل بترتيب
стр. 559
يشتمل على حدود وسطى فيه, إما دفعة في زمان واحد، وإما دفعات في أزمنة شتى، وهي القوة القدسية التي تناسب روح القدس فيفيض عليها منه جميع المعقولات. أو ما يحتاج إليه في تكميل القوة العملية. فالدرجة العليا منها النبوة فربما يفيض عليها وعلى المتخيلة من روح القدس معقول تحاكيه المتخيلة بأمثلة محسوسة وكلمات مسموعة، فيعبر عن الصورة بملك في صورة رجل، وعن الكلام بوحي في صورة عبارة.
المقالة الخامسة:
في أن النفس الإنسانية جوهر ليس بجسم ولا قائم بجسم. وأن إدراكها قد يكون بآلات وقد يكون بذاتها بغير آلات. وأنها واحدة وقواها كثيرة، وأنها حادثة مع حدوث البدن وباقية بعد فناء البدن.
أما البرهان على أن النفس ليست بجسم هو أنا نحس من ذواتنا إدراكا معقولا مجردا عن المواد وعوارضها، أعني الكم والأين والوضع، إما لأن المدرك لذاته مجرد كالعلم بالوحدة والعلم بالوجود مطلقا، وإما لان العقل جرده عن العوارض كالإنسان مطلقا. فيجب أن ينظر في ذات هذه الصورة المجردة كيف هي تجردها؟ أبالقياس إلى الشيء المأخوذ عنه؟ أم بالقياس إلى مجرد الآخذ؟ ولا شك أنها بالقياس إلى المأخوذ عنه ليست مجردة، فبقي أنها مجردة من الوضع والأين عند وجودها في العقل، والجسم ذو وضع وأين، وما لا وضع له لا يحل ما له وضع وأين. وهذه الطريقة أقوى الطرق، فإن الشيء المعقول الواحد الذات المتجرد عن المادة لا يخلو إما أن يكون له نسبة إلى بعض الأجزاء دون البعض فيحل في جهة دون جهة حتى يكون متيامنا أو متياسرا بالنسبة إلى المحل، أو تكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، أو لا يكون لها نسبة إليه ولا له إلى جميع الأجزاء، فإن ارتفعت النسبة من كل وجه ارتفع الحلول في جملة الجسم أو في جزء من أجزائه، وإن تحققت النسبة صار الشيء المعقول ذا وضع وقد وضع غير ذي وضع، هذا خلف. وبه يتبين أن الصورة المنطبعة في المادة لا تكون إلا أشباحا
стр. 560
لأمور جزئية منقسمة، ولكل جزء منها نسبة بالفعل أو بالقوة إلى جزء منها. وأيضا فإن الشيء المتكثر في أجزاء الحد له من جهة التمام وحدة هو بها لا ينقسم. فتلك الوحدة بما هي وحدة كيف ترتسم في منقسم؟ وأيضا من شأن القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحدا من المعقولات غير متناهية بالقوة وليس واحد أولى من الآخر، وقد صح لنا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن يكون محله جسما ولا قوة في جسم.
ومن الدليل القاطع على أن محل المعقولات ليس بجسم أن الجسم منقسم بالقوة بالضرورة، وما لا ينقسم لا يحل المنقسم، والمعقول غير منقسم، فلا يحل المنقسم أما أن الجسم منقسم فقد دللنا عليه، وأما أن المعقول المجرد لا ينقسم فقد فرغنا عنه، وأما أن لا ينقسم لا يحل منقسما، فإنا لو قسمنا المحل، فلا يخلو: إما أن يبطل الحال فيه وهذا كذب، أو لا يبطل، ولا يخلو إما أن يبقى حالا في بعضه كما كان حالا في كله, وهذا محال فإنه يجب أن يكون حكم البعض حكم الكل، وإما أن ينقسم بانقسام محله، وقد فرض غير منقسم. ثم لو فرض انقسام الحال فيه لا يخلو: إما أن كون أجزاؤه متشابهة كالشكل المعقول أو العدد، وليس كل صورة معقولة بشكل، أو تكون الصورة المعقولة خيالية لا عقلية صرفة. وأظهر من ذلك أنه ليس يمكن أن يقال: إن كل واحد من الجزءين هو بعينه الكل في المعنى وإن كانا غير متشابهين مثل أجزاء الحد من الجنس والفصل فيلزم منه محالات منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضا، فيجب أن تكون الأجناس والفصول غير متناهية وهذا باطل. وأيضا فإنه إن وقع الجنس في جانب والفصل في جانب. ثم لو قسمنا الجسم لكان يجب أن يقع نصف الجنس في جانب ونصف الفصل في جانب وهو محال، ثم ليس أحد الجزءين أولى بقبول الجنس منه بقبول الفصل, وأيضا ليس كل معقول يمكن أن يقسم إلى معقولات هي أبسط، فإن ههنا معقولات هي أبسط المعقولات ومبادئ للتركيب في سائر المعقولات وليس لها أجناس ولا فصول ولا انقسام في الكم ولا في المعنى، فلا يتوهم فيها أجزاء متشابهة.
стр. 561
فتبين بهذه الجملة أن محل المعقولات ليس بجسم، ولا قوة في جسم، فهو إذن جوهر معقول، علاقته مع البدن لا علاقة حلول ولا علاقة انطباع بل علاقة التدبير والتصرف، وعلاقته من جهة العلم الحواس الباطنة المذكورة، وعلاقته من جهة العمل القوى الحيوانية المذكورة، فيتصرف في البدن, وله فعل خاص يستغني به عن البدن وقواه، فإن من شأن هذا الجوهر أن يعقل ذاته، ويعقل أنه عقل ذاته، وليس بينه وبين ذاته آلة، ولا بينه وبين آلته آلة، فإن إدراك الشيء لا يكون إلا بحصول صورته فيه, وما يقدر آلة من قلب أو دماغ لا يخل إما أن تكون صورته بعينها حاصلة للعقل حاضرة، وإما أن تكون صورة غيرها بالعدد حاصلة، وباطل أن تكون صورة الآلة حاضرة بعينها، فإنها في نفسها حاصلة أبدا، فيجب أن يكون إدراك العقل لها حاصلا أبدا، وليس الأمر كذلك، فإنه تارة يعقل, وتارة يعرض عن الإدراك، والأعراض عن الحاضر محال. وباطل أن تكون الصور غير الآلة بالعدد، فإنها إما أن تحل في نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل ذلك على أنها قائمة بنفسها وليست في الجسم، وإما بمشاركة الجسم حتى لا تكون هذه الصورة المغايرة في نفس القوة العقلية وفي الجسم الذي هو الآلة، فيؤدي إلى اجتماع صورتين متماثلتين في جسم واحد، وهو محال. والمغايرة بين أشياء تدخل في حد واحد إما لاختلاف المواد أو لاختلاف ما بين الكلي والجزئي وليس هذان الوجهان، فثبت أنه لا يحرز أن يدرك المدرك آلة هي آلته في الإدراك.
ولا يختص ذلك بالعقل، فإن الحس إنما يحس شيئا خارجا ولا يحس ذاته ولا آلته ولا إحساسه، وكذلك الخيال لا يتخيل ذاته ولا فعله ولا آلته، ولهذا فإن القوى الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل، والأمور القوية والشاقة الإدراك توهنها وربما تفسدها، كالضوء الشديد للبصر، والرعد القوي للسمع، وكذلك عند إدراك القوي لا يقوى على إدراك الضعيف. والأمر في القوة العقلية بالعكس، فإن إدامتها للتعقل وتصورها الأمور الأقوى يكسبها قوة وسهولة قبول، وإن عرض لها كلال وملال فلاستعانة العقل بالخيال.
стр. 562
على أن القوى الحيوانية ربما تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد عليها الحس جزئيات الأمور فيحدث لها أمور أربعة:
أحدها: انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة وعلائقها ولواحقها، ومراعاة المشترك فيه والمتباين به والذاتي وجوده والعرضي، فيحدث للنفس من ذلك مبادئ التصور، وذلك بمعاونة استعمال الخيال والوهم.
والثاني: إيقال النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثل سلب وإيجاب، فما كان التأليف منها بسلب وإيجاب ذاتيا بينا بنفسه أخذته، وما كان ليس كذلك تركته إلى يصادف الواسطة.
والثالث: تحصيل المقدمات التجريبية بأن يوجد بالحس محمول لازم الحكم لموضوع أو نال لازم لمقدم. فيحصل له اعتقاد مستفاد من حس وقياس ما.
والرابع: الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر. فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادئ للتصور والتصديق، وأما إذا استكملت النفس وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق، وتكون القوى الحسية والخيالية وغيرها صارفة لها عن فعلها، وربما تصير الوسائط والأسباب عوائق.
قال: والدليل أن النفس الإنسانية حادثة مع حدوث البدن أنها متفقة في النوع والمعنى، فإن وجدت قبل البدن فإما أن تكون متكثرة الذوات أو تكون ذاتا واحدة، ومحال أن تكون متكثرة الذوات، فإن تكثرها إما أن يكون من جهة الماهية والصورة، وأما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر والمادة، وبطل الأول لأن صورتها واحدة وهي متفقة في النوع، والماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا، وبطل الثاني لأن البدن والعنصر فرض غير موجود. قال: ومحال أن تكون واحدة الذات، لأنه إذا حصل بدنان حصلت فيهما نفسان. فإما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة وهو محال لأن ما ليس له عظم وحجم لا يكون منقسما، وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين،
стр. 563
وهذا لا يحتاج إلى كثير تكلف في إبطاله، فقد صح أن النفس تحدث كلما حدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها، ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما, ذلك البدن الذي استحقه نزاع طبيعي إلى الاشتغال به واستعماله والاهتمام بأحواله، والانجذاب إليه يخصها ويصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع إلا بواسطته. وأما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها, واختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها. وأنها لا تموت بموت البدن، لأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود، وكل واحد منهما جوهر قائم بنفسه، فلا تؤثر المكافأة في الوجود في فساد أحدهما بفساد الثاني، لأنه أمر إضافي، وفساد أحدهما يبطل الإضافة لا الذات. وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر في الوجود، فالبدن علة النفس، والعلل أربع فلا يجوز أن يكون علة فاعلية، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا إلا بقواه، والقوى الجسمانية إما أعراض أو صور مادية، فمحال أن يفيد أمر قائم بالمادة وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة ولا يجوز أن يكون علة قابلية، فقد بينا أن النفس ليست منطبعة في البدن. ولا يجوز أن يكون علة صورية أو كمالية، فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس فإذن تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا على أنه علة ذاتية لها.
نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس، فإنه إذا حدث بدن يصلح أن يكون آلة للنفس ومملكة لها أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية، فإن إحداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون واحد يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد، ولأن كل كائن بعد ما لم يكن يستدعي أن يتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ نسبته إليه كما تبين. ولأنه لو كان يجوز أن تكون النفس الجزئية تحدث ولم تحدث لها آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شئ معطل في الطبيعة، ولكن إذا حدث التهيؤ والاستعداد في الآلة حدث من العلل المفارقة شئ هو النفس. وليس إذا وجب حدوث شئ من حدوث شيء وجب أن يبطل مع بطلانه.
стр. 564
وأما القسم الثالث مما ذكرنا, وهو أن تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم، فالمتقدم, إن كان بالزمان فيستحيل أن يتعلق وجوده به وقد تقدمه في الزمان، وإن كان بالذات فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم، على أن فساد البدن بأمر يخصه من تغير المزاج والتركيب وليس ذلك مما يتعلق بالنفس فبطلان البدن لا يقتضي بطلان النفس.
ويقول: إن سببا آخر لا يفسد النفس أيضا، بل هي في ذاتها لا تقبل الفساد، لأن كل شئ من شأنه أن يفسد بأمر ما ففيه قوة أن يفسد، وقبل الفساد فيه فعل أن يبقى، ومحال أن يكون من جهة واحدة في شئ واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى، فإن تهيؤه للفساد شئ وفعله للبقاء شئ آخر، فالأشياء المركبة يجوز أن يجتمع فيها الأمران لوجهين، أما البسيطة فلا يجوز أن يجتمعا فيها. ومن الدليل على ذلك أيضا أن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد فله قوة أن يبقى أيضا, لأن بقاءه ليس بواجب ضروري، وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا، والإمكان هو طبيعة القوة، فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى، فذلك الشيء الذي له القوة على البقاء، وفعل البقاء أمر مشترك البقاء له كالصورة، وقوة البقاء له كالمادة، فيكون مركبا من مادة وصورة، وقد فرضناه واحدا فردا، هذا خلف. فقد بان أن كل أمر بسيط فغير مركب فيه قوة أن يبقى وفعل أن يبقى بل ليس فيه قوة أن يعدم باعتبار ذاته، والفساد لا يتطرق إلا إلى المركبات. وإذا تقرر أن البدن إذا تهيأ واستعد استحق من واهب الصور نفسا تدبره، ولا يختص هذا ببدن دون بدن، بل كل بدن حكمه كذلك، فإذا استحق النفس وقارنته في الوجود فلا يجوز أن تتعلق به نفس أخرى، لأنه يؤدي إلى أن يكون لبدن واحد نفسان وهو محال، فالتناسخ إذن بطل.
стр. 565
المقالة السادسة:
في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل, وأحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة والكاذبة، وإدراكها علم الغيب، ومشاهدتها صورا لا وجود لها من خارج تلك الوجوه، ومعنى النبوة والمعجزات وخصائصها التي تتميز بها عن المخاريق.
أما الأول: فقد بينا أن النفس الإنسانية لها قوة هيولانية، أي استعداد لقبول المعقولات بالفعل، وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل، وذلك السبب يجب أن يكون موجودا بالفعل، فإنه لو كان موجودا بالقوة لاحتاج إلى مخرج آخر فإما أن يتسلسل، أو ينتهي إلى مخرج هو موجود بالفعل لا قوة فيه، فلا يجوز أن يكون ذلك جسما لأن الجسم مركب من مادة وصورة, والمادة أمر بالقوة، فهو إذا جوهر مجرد عن المادة وهو العقل الفعال. وإنما سمى فعالا بإزاء كون العقول الهيولانية منفعلة. وقد سبق إثباته في الإلهيات من وجه آخر. وليس يختص فعله بالعقول والنفوس، بل وكل صورة تحدث في العالم فإنما هي من فيضه العام، فيعطي كل قابل ما استعد له من الصور. وأعلم أن الجسم وقوة في الجسم لا يوجد شيئا، فإن الجسم مركب من مادة وصورة والمادة طبيعتها عدمية، فلو أثر الجسم لأثر بمشاركة المادة وهي عدم، والعدم لا يؤثر في الوجود. فالفعل الفعال هو المجرد عن المادة وعن كل قوة، فهو بالفعل من كل وجه.
وأما الثاني: من الأحوال الخاصة بالنفس، فالنوم والرؤيا. والنوم غؤور القوى الظاهرة في أعماق البدن، وانحناس الأرواح من الظاهر إلى الباطن، ونعني بالأرواح ههنا أجساما لطيفة مركبة من بخار الأخلاط التي منبعها القلب، وهي مراكب القوى النفسانية والحيوانية، ولهذا إذا وقعت سدة في مجاريها من الأعصاب المؤدية للحس بطل الحس وحصل الصرع
следующие страницы →