← Акыда

Акыда · id 11812

الملل والنحل

الشهرستاني

Полный текст (621 стр.). Показаны 596–621 · переход к 601.

стр. 596

وخواص، فالروم يحكمون من الطبائع، والهند يحكمون من الخواص. وكذلك طبهم، فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبائعها، والروم تخالفهم في ذلك. وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر، ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول، فالصور من المحسوسات ترد عليه، والحقائق من المعقولات ترد عليه أيضا، فهو مورد العلمين من العالمين. فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة، والاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، فربما يخبر عن مغيبات الأحوال، وربما يقوى على حبس الأمطار، وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال ولا يستعبد ذلك، فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس. أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم؟ أليست إصابة العين تصرف الوهم في الشخص؟ أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية؟ والوهم إذا تجرد عمل أعمالا عجيبة، ولهذا كانت الهند تغمض عينها أياما لئلا يشتغل الفكر والوهم بالمحسوسات، ومع التجرد إذا اقترن به وهم آخر اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق، ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة، فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله، ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكادهم ثقله. ومنهم البكر نتينية يعني المصفدين بالحديد. وسنتهم حلق الرءوس واللحي، وتعرية الأجسام ما خلا العورة، وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم، لئلا تنشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر. ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام، وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن؟ وكثرة العلم كيف توجب ذلك؟

стр. 597

٣- أصحاب التناسخ: وقد ذكرنا مذاهب التناسخية. وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ. وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك. فأما تناسخية الهند فأشد اعتقادا لذلك، لما عاينوا من طير يظهر في وقت معلوم، فيقع على شجرة معلومة، فيبيض ويفرخ، ثم إذا تم نوعه بفراخه حك بمنقاره ومخالبه, فتبرق منه نار تلتهب، فيحترق الطير، ويسيل منه دهن يجتمع في أصل الشجرة في مغارة، ثم إذا حال الحول وحان وقت ظهوره انخلق من هذا الدهن مثله طير فيطير ويقع على الشجرة وهو أبدا كذلك. قالوا: فما مثل الدنيا وأهلها في الأدوار والأكوار إلا كذلك. قالوا: وإذا كانت حركات الأفلاك دورية فلا محالة يصل رأس الفرجار إلى ما بدأ ودار دورة ثانية على الخط الأول, أفاد لا محالة ما أفاد الدور الأول، إذ لا اختلاف بين الدورين حتى يتصور اختلاف بين الأثرين, فإن المؤثرات عادت كما بدأت، والنجوم والأفلاك دارت على المركز الأول وما اختلفت أبعادها واتصالاتها ومناظراتها ومناسباتها بوجه، فيجب أن لا تختلف المتأثرات الباديات منها بوجه، وهذا هو تناسخ الأدوار والأكوار. ولهم اختلافات في الدورة الكبرى, كم هي من السنين؟ وأكثرهم على أنها ثلاثون ألف سنة، وبعضهم على أنها ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة. وإنما يعتبرون في تلك الأدوار سير الثوابت لا السيارات. وعند الهند أكثرهم: إن الفلك مركب من الماء والنار والريح، وأن الكواكب فيه نارية هوائية. فلم تعدم الموجودات العلوية إلا العنصر الأرضي فحسب.

стр. 598

الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات الباسونية ... الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات ومن أهل الهند جماعة أثبتوا متوسطات روحانية، يأتونهم بالرسالة من عند الله في صورة البشر من غير كتاب، فيأمرهم بأشياء، وينهاهم عن أشياء، ويسن لهم الشرائع، ويبين لهم الحدود. وإنما يعرفون صدقه بتنزهه عن حطام الدنيا واستغنائه عن الأكل، والشرب، والبعال١. ١- الباسنوية: زعموا أن رسولهم ملك روحاني نزل من السماء على صورة بشر، فأمرهم بتعظيم النار وأن يتقربوا إليها بالعطر والطيب والأدهان والذبائح. ونهاهم عن القتل والذبح إلا ما كان للنار، وسن لهم إن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم الأيامن إلى تحت شمائلهم، ونهاهم أيضا عن الكذب وشرب الخمر، وأن لا يأكلوا من أطعمة غير ملتهم ولا من ذبائحهم، وأباح لهم الزنا لئلا ينقطع النسل. وأمرهم أن يتخذوا على مثاله صنما يتقربون إليه ويعبدونه ويطوفون حوله كل يوم ثلاث مرات بالمعازف والتبخير والغناء والرقص، وأمرهم بتعظيم البقرة والسجود لها حيث رأوها، وأن يفزعوا في التوبة إلى التمسح بها. وأمرهم أن لا يجوزوا نهر كنك.

стр. 599

٢- الباهودية: زعموا أن رسولهم ملك روحاني على صورة بشر واسمه باهود, أتاهم وهو راكب على ثور، على رأسه إكليل مكلل بعظام الموتى من عظام الرؤوس. ومتقلد من ذلك بقلادة، وبإحدى يديه قحف إنسان، وبالأخرى مزراق ذو ثلاث شعب.

стр. 600

يأمرهم بعبادة الخالق وبعبادته معه، وأن يتخذوا على مثاله صنما يعبدونه، وأن لا يعافوا شيئا، وأن تكون الأشياء كلها في طريقة واحدة، لأنها جميعا صنع الخالق ، وأن يتخذوا من عظام الناس قلائد يتقلدونها وأكاليل يضعونها على رءوسهم، وأن يمسحوا أجسادهم ورءوسهم بالرماد. وحرم عليهم الذبائح والنكاح، وجمع الأموال، وأمرهم برفض الدنيا، ولا معاش لهم فيها إلا من الصدقة.

стр. 601

٣- الكابلية: زعموا أن رسولهم ملك روحاني يقال له شب, أتاهم في صورة بشر متمسح بالرماد، على رأسه قلنسوة من لبود أحمر طولها ثلاثة أشبار، مخيط عليها صفائح من قحف الناس، متقلد قلادة من أعظم ما يكون، متمنطق من ذلك بمنطقة، متسور منها بسوار، متخلخل منها بخلخال, وهو عريان. فأمرهم أن يتزينوا بزينة ويتزيوا بزيه، وسن لهم شرائع وحدودا.

стр. 602

٤- البهادونية: قالوا: إن بهادون كان ملكا عظيما أتانا في صورة إنسان عظيم. وكان له أخوان قتلاه، وعملا من جلدته الأرض، ومن عظامه الجبال، ومن دمه البحار. وقيل: هذا رمز، وإلا فحال صورة إنسان لا تبلغ إلى هذه الدرجة. وصورة "بهادون" راكب على دابة، كثير شعر الرأس، قد أسبله على وجهه, وقد قسم الشعر على جوانب رأسه قسمة مستوية, وأسبله كذلك على نواحي الرأس قفا ووجها. وأمرهم أن يفعلوا كذلك. وسن لهم أن لا يشربوا الخمر، وإذا رأوا امرأة هربوا منها، وأن يحجوا إلى جبل يدعى جورعن, وعليه بيت عظيم فيه صورة بهادون. ولذلك البيت سدنة لا يكون المفتاح إلا بأيديهم فلا يدخلون إلا بإذنهم، وإذا فتحوا الباب سدوا أفواههم حتى

стр. 603

لا تصل أنفاسهم إلى الصنم. ويذبحون له الذبائح ويقربون له القرابين، ويهدون له الهدايا. وإذا انصرفوا من حجهم لم يدخلوا العمران في طريقهم، ولم ينظروا إلى محرم. ولم يصلوا إلى أحد بسوء وضرر، من قول وفعل.

стр. 604

الفصل الثالث: عبدة الكواكب عبدة الشمس ... الفصل الثالث: عبدة الكواكب ولم ينقل للهند مذهب في عبادة الكواكب إلا فرقتان توجهتا إلى النيرين الشمس، والقمر. ومذهبهم في تلك مذهب الصابئة في توجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر البروبية والإلهية عليها. ١- عبدة الشمس: زعموا أن الشمس ملك من الملائكة، ولها نفس وعقل. ومنها نور الكواكب وضياء العالم وتكون الموجودات السفلية، وهي ملك الفلك، فتستحق التعظيم، والسجود، والتبخير، والدعاء، وهؤلاء يسمون الدينيكيتية أي عباد الشمس. ومن سنتهم أن اتخذوا لها صنما بيده جوهر على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، ووقفوا عليه ضياعا وقربانا، وله سدنة وقوام. فيأتون البيت ويصلون ثلاث كرات، ويأتيه أصحاب العلل والأمراض فيصومون له ويصلون ويدعون ويستشفون به.

стр. 605

٢- عبدة القمر: زعموا أن القمر ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي والأمور الجزئية فيه، ومنه نضج الأشياء المكتوبة وإيصالها إلى كمالها، وبزيادته

стр. 606

ونقصانه تعرف الأزمان والساعات، وهو تلو الشمس وقرينها, ومنها نوره, وبالنظر إليها تكون زيادته ونقصانه، وهؤلاء يسمون الجندريكينية أي عباد القمر, ومن سنتهم أن اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره أربعة، وبيد الصنم جوهر, ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر ولا يفطروا حتى يطلع القمر. ثم يأتون صنمه بالطعام والشراب واللبن, ثم يرغبون إليه وينظرون إلى القمر ويسألونه حوائجهم. فإذا استهل الشهر علوا السطوح وأوقدوا الدخن ودعوا عند رؤيته ورغبوا إليه، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا إليه إلا على وجوه حسنة. وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار, أخذوا في الرقص واللعب بالمعازف بين يدي الصنم والقمر.

стр. 607

الفصل الرابع: عبدة الأصنام مدخل ... الفصل الرابع: عبدة الأصنام اعلم أن الأصناف التي ذكرنا مذاهبهم يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام، إذا كان لا يستمر لهم طريقة إلا بشخص حاضر ينظرون إليه ويعكفون عليه، وعن هذا اتخذت أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها. وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فنعلم قطعا أن عاقلا ما لا ينحت جسما بيده ويصوره صورة ثم يعتقد أنه إلهه وخالقه، وإله الكل وخالق الكل، إذ كان وجوده مسبوقا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته. لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها؛ كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها. وعن هذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى

стр. 608

اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ فلو كانوا مقتصرين على صورها في اعتقاد الربوبية والإلهية لما تعدوا عنها إلى رب الأرباب.

стр. 609

١- المهاكالية: لهم صنم يدعى مها كال له أربع أيد، كثير شعر الرأس سبطها، وبإحدى يديه ثعبان عظيم فاغرفاه، وبالأخرى عصا، وبالثالثة رأس إنسان، وباليد الرابعة قد دفعها، وفي أذنيه حيتان كالقرطين، وعلى جسده ثعبانان عظيمان قد التفا عليه، وعلى رأسه إكليل من عظام القحف، وعليه من ذلك قلادة. يزعمون أنه عفريت يستحق العبادة لعظمة قدره، واستجماعه الخصال المحمودة المحبوبة والمذمومة من الإعطاء، والمنع، والإحسان والإسادة، وأنه المفزع لهم في حاجاتهم, وله بيوت عظام بأرض الهند ينتابها أهل ملته في كل يوم ثلاث مرات يسجدون له، ويطوفون به. ولهم موضع يقال له اختر فيه صنم عظيم على صورة هذا الصنم، يأتونه من كل موضع ويسجدون له هناك، ويطلبون حاجات الدنيا. حتى إن الرجل يقول له فيما يسأل. زوجني فلانه، وأعطني كذا. ومنهم من يأتيه فيقيم عنده الأيام والليالي لا يذوق شيئا, يتضرع إليه، ويسأله الحاجة، حتى إنه ربما ينفق.

стр. 610

٢- البركسهيكية: ومن ذلك البركسهيكية؛ من سننهم أن يتخذوا لأنفسهم صنما يعبدونه ويقربون له الهدايا، وموضع متعبدهم له أن ينظروا إلى باسق الشجر وملتفه مثل الشجر الذي يكون في الجبال فيلتمسون منها أحسنها وأطولها، فيجعلون ذلك الموضع موضع متعبدهم. ثم يأخذون ذلك الصنم، فيأتون شجرة عظيمة من ذلك الشجر فينقبون فيها موضعا، فيركبونه فيها، فيكون سجودهم وطوافهم نحو تلك الشجرة.

стр. 611

٣- الدهكينية: ومن ذلك الدهكينية، من سننهم أن يتخذوا صنما على صورة امرأة، وفوق رأسه تاج، وله أيد كثيرة. ولهم عيد في يوم من أيام السنة، عند استواء الليل والنهار ودخول الشمس الميزان، فيتخذون في ذلك اليوم عريشا عظيما بين يدي ذلك الصنم، ويقربون إليه القرابين من الغنم وغيرها، ولا يذبحونها، ولكن يضربون أعناقها بين يديه بالسيوف. ويقتلون من أصابوا من الناس قربانا بالغيلة حتى ينقضي عيدهم، وهم مسيئون عند عامة الهند بسبب الغيلة.

стр. 612

٤- الجلهكية أي عباد الماء: ومن ذلك الجلهكية أي عباد الماء، يزعمون أن الماء ملك ومعه ملائكة، وأنه أصل كل شيء، وبه كل ولادة ونمو، ونشوء، ويقاء، وطهارة، وعمارة, وما من عمل في الدنيا إلا وهو محتاج إلى الماء. فإذا أراد الرجل عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل الماء إلى وسطه، فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر، ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارا ويلقي فيه بعضها بعد بعض وهو يسبح ويقرأ. وإذا أراد الانصراف حرك الماء بيده، ثم أخذ منه فنقط به رأسه، ووجهه، وسائر جسده خارجا ثم سجد وانصرف.

стр. 613

٥- الأكنواطرية، أي عباد النار: ومن ذلك الأكنواطرية؛ أي عباد النار: زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، وأوسعها حيزا، وأعلاها مكانا، وأشرفها جوهرا، وأنورها ضياءً وإشراقا، وألطفها جسما وكيانا. والاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع، ولا كون في العالم إلا بها، ولا حياة، ولا نمو، ولا انعقاد إلا بممازجتها.

стр. 614

وإنما عبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا في الأرض، ويؤججو النار فيه، ثم لا يدعون طعاما لذيذا، ولا شرابا لطيفا، ولا ثوبا فاخرا، ولا عطرا فائحا، ولا جوهرا نفيا إلا طرحوه فيها، تقربا إليها وتبركا بها, وحرموا إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها خلافا لجماعة أخرى من زهاد الهند. وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظائها. يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا، ويقدمونها على الموجودات كلها. ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين يسدون منافسهم حتى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر محرم. وسنتهم: الحث على الأخلاق الحسنة، والمنع من أضدادها، وهي الكذب، والحسد، والحقد، واللجاج، والبغي، والحرص، والبطر. فإذا تجرد الإنسان عنها قرب من النار، وتقرب إليها.

стр. 615

الفصل الخامس: حكماء الهند كان لفيثاغورس الحكيم اليوناني تلميذ يدعي قلانوس، قد تلقى الحكمة منه، وتلمذ له، ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند، وأشاع فيها مذهب فيثاغورس. وكان برخمنين رجلا جيد الذهن، نافذ البصيرة، صائب الفكر، راغبا في معرفة العوالم العلوية. قد أخذ من قلانوس الحكيم حكمته، واستفاد منه علمه وصنعته. فلما توفي قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم، فرغب الناس في تلطيف الأبدان، وتهذيب الأنفس. وكان يقول: أي امرئ هذب نفسه وأسرع الخروج عن هذا العالم الدنس، وطهر بدنه من أوساخه؛ ظهر له كل شىء، وعاين كل غائب، وقدر على كل متعذر، وكان محبورا مسرورا، ملتذا عاشقا، لا يمل ولا يكل، ولا يمسه نصب ولا لغوب.

стр. 616

فلما نهج لهم الطريق، واحتج عليهم بالحجج المقنعة اجتهدوا اجتهادا شديدا. وكان يقول أيضا: إن ترك لذات هذا العالم هو الذي يلحقكم بذلك العالم حتى تتصلوا به، وتنخرطوا في سلكه، وتخلدوا في لذاته ونعيمه. فدرس أهل الهند هذا القول ورسخ في عقولهم. اختلاف الهند بعد وفاة برخمنين: ثم توفي عنهم برخمنين وقد تجسم القول في عقولهم، لشدة الحرص والعجلة في اللحاق بذلك العالم، فافترقوا فرقتين: فرقة قالت: إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه، إذ هو نتيجة اللذة الجسدانية، وثمرة النطفة الشهوانية، فهو حرام، وما يؤدي إليه من الطعام اللذيذ، والشراب الصافي، وكل ما يهيج الشهوة واللذة الحيوانية، وينشط القوة البهيمية فهو حرام أيضا، فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به أبدانهم. ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضا، ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع. ومنهم من إذا رأى عمره قد تنفس ألقى بنفسه في النار، تزكية لنفسه، وتطهيرا لبدنه، وتخليصا لروحه. ومنهم من يجمع ملاذ الدنيا من الطعام والشراب والكسوة فيمثلها نصب عينيه، لكي يراها البصر وتتحرك نفسه البهيمية إليها فتشتاقها وتشتهيها، فيمنع نفسه عنها بقوة النفس المنطقية حتى يذبل البدن، وتضعف النفس، وتفارق البدن لضعف الرباط الذي كان بربطها به. وأما الفريق الآخر: فإنهم كانوا يرون التناسل، والطعام، والشراب وسائر اللذات بالقدر الذي هو طريق الحق حلالا. وقليل منهم من يتعدى عن الطريق، ويطلب الزيادة. وكان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة والعلم، فتلطفوا حتى صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير والشر، ويخبرون بذلك،

стр. 617

فيزيدهم ذلك حرصا على رياضة الفكر، وقهر النفس الأمارة بالسوء، واللحوق بما لحق به أصحابهم. ومذهبهم في الباري تعالى أنه نور محض، إلا أنه لابس جسدا ما يستتر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها، كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان، فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه، وإذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه. ويزعمون أنهم كالسبايا في هذا العالم، فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلى، ومن لم يمنعها بقي أسيرا في بدنها. والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر والعجب، وتسكين الشهوة، والحرص، والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها. الإسكندر في الهند ولما وصل الإسكندر إلى تلك الديار وأراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة أحد الفريقين, وهم الذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر القصد الذي لا يخرج إلى فساد البدن فجهد حتى فتحها، وقتل منهم جماعة من أهل الحكمة، فكانوا يرون جثث قتلاهم مطروحة كأنها جثث السمك الصافية النقية التي في الماء الصافي، فلما رأوا ذلك ندموا على فعلهم ذلك بهم، وأمسكوا عن اليقين. والفريق الثاني وهم الذين زعموا أن لا خير في اتخاذ النساء والرغبة في النسل ولا في شئ من الشهوات الجسدانية - كتبوا إلى الإسكندر كتابا مدحوه فيه على حب الحكمة وملابسة العلم، وتعظيم أهل الرأي والعقل، والتمسوا منه حكيما يناظرهم، فنفذ إليهم واحدا من الحكماء فنضلوه بالنظر، وفضلوه بالعمل، فانصرف الإسكندر عنهم، ووصلهم بجوائز سنية وهداية كريمة. فقالوا: إذا كانت الحكمة تفعل بالملوك هذا الفعل في هذا العالم، فكيف إذا لبسناها على ما يجب لباسها، واتصلت بنا غاية الاتصال؟ ومناظراتهم مذكورة في كتب أرسطوطاليس.

стр. 618

ومن سنتهم إذا نظروا إلى الشمس قد أشرقت سجدوا لها، وقالوا: ما أحسنك من نور، وما أبهاك، وما أنورك, لا تقدر الأبصار أن تلتذ بالنظر إليك, فإن كنت أنت النور الأول الذي لا نور فوقك فلك المجد والتسبيح. وإياك نطلب، وإليك نسعى، لندرك السكن بقربك، وننظر إلى إبداعك الأعلى. وإن كان فوقك وأعلى منك نور آخر أنت معلول له، فهذا التسبيح وهذا المجد له، وإنما سعينا وتركنا جميع لذات هذا العالم، لنصير مثلك، ونلحق بعالمك، ونتصل بساكنك. وإذا كان المعلول بهذا البهاء والجلال، فكيف يكون بهاء العلة، وجلالها، ومجدها، وكمالها؟ فحق لكل طالب أن يهجر جميع اللذات، فيظفر بالجواز بقربه، ويدخل في غمار جنده وحزبه. هذا ما وجدته من مقالات أهل العالم، ونقلته على ما وجدته. فمن صادف فيه خللا في النقل فأصلحه, أصلح الله بفضله حاله، وسدد أقواله وأفعاله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على سيد المرسلين محمد المصطفى، وآله الطيبين الطاهرين، وصحابته الأكرمين، وسلم تسليما كثيرا

стр. 619

فهرس: الجزء الثالث من كتاب الملل والنحل ... الموضوع صفحة الفصل الرابع: المتأخرون من فلاسفة الإسلام ٣ ١- ابن سينا: كلامه في المنطق ٣ التصديق والتصور ٣ الحد والقياس ٤ في المركبات ٦ في القياس ومبادئه وأشكاله ونتائجه ٩ القياسات الشرطية وقضاياها ١٠ القياسات المركبة ١٠ في مقدمات القياس من جهة ذواتها وشرائط البرهان ١١ في الأجناس العشرة ١٤ المقولات العشرة ١٥ العلل أربع ١٦ في تفسير ألفاظ يحتاج إليها المنطقي ١٦ ٢- في الإلهيات ١٧ المسألة الأولى: في موضوع هذا العلم ١٧ المسألة الثانية: في تحقيق الجوهر الجسماني ١٩ المسألة الثالثة: في أقسام العلل، وأحوالها ٢١ المسألة الرابعة: في المتقدم، والمتأخر، والقديم، والحادث ٢٣ المسألة الخامسة: في الكلي، والواحد، ولواحقهما ٢٥ المسألة السادسة: في تعريف واجب الوجود بذاته ٢٦ المسألة السابعة: في أن واجب الوجود عقل، وعاقل، ومعقول ٢٩ المسألة الثامنة: في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وفي ترتيب وجود العقول والنفوس والأجرام العلوية ٣٢

стр. 620

الموضوع صفحة المسألة التاسعة: في العناية الأزلية، وبيان دخول الشر في القضاء ٣٩ المسألة العاشرة: في المعاد وإثبات سعادات دائمة للنفوس، وإشارة إلى النبوة، وكيفية الوحي والإلهام ٤١ ٣- في الطبيعيات ٤٦ المقالة الأولى: في لواحق الأجسام الطبيعية ٤٧ المقالة الثانية: في الأمور الطبيعية وغير الطبيعية للأجسام ٥٤ المقالة الثالثة: في المركبات والآثار العلوية ٥٨ المقالة الرابعة: في النفوس وقواها ٦١ المقالة الخامسة: في أن النفس الإنسانية جوهر ليس بجسم وأن إدراكها قد يكون بالآلات ٦٦ المقالة السادسة: في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل وأحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة والكاذبة، وإدراكها علم الغيب ٧٢ الباب الثالث: آراء العرب في الجاهلية ٧٦ ١- العرب وغيرهم ٧٦ ٢- حكم البيت العتيق ٧٦ ٣- البيوت المتخذة للعبادة ٧٨ الفصل الأول: معطلة العرب وهم أصناف ٧٩ ١- منكرو الخالق والبعث والإعادة ٧٩ ٢- منكرو البعث والإعادة ٨٠ شبهات العرب ٨٠ أصنام العرب وميولهم ٨١ الفصل الثاني: المحصلة من العرب ٨٣ ١- علومهم ٨٣ ٢- معتقداتهم ٨٦ ٣- تقاليد العرب التي أقرها الإسلام، وبعض عاداتهم ٩٠ الباب الرابع: آراء الهند ٩٥ الفصل الأول: البراهمة ٩٥

стр. 621

الموضوع صفحة ١- أصحاب البددة ٩٧ ٢- أصحاب الفكرة والوهم ٩٨ ٣- أصحاب التناسخ ١٠٠ الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات ١٠١ ١- الباسنوية ١٠١ ٢- الباهودية ١٠١ ٣- الكابلية ١٠٢ ٤- البهادونية ١٠٢ الفصل الثالث: عبدة الكواكب ١٠٣ ١- عبدة الشمس ١٠٣ ٢- عبدة القمر ١٠٣ الفصل الرابع: عبدة الأصنام ١٠٤ ١- المهاكالية ١٠٥ ٢- البركسهيكية ١٠٥ ٣- الدهكينية ١٠٦ ٤- الجلهكية، أي عباد الماء ١٠٦ ٥- الأكنواطرية، أي عباد النار ١٠٦ الفصل الخامس: حكماء الهند ١٠٧ اختلاف الهنود بعد وفاة برخمنين ١٠٨ الإسكندر في الهند ١٠٩ "تم الفهرس"