فتبين بهذه الجملة أن محل المعقولات ليس بجسم، ولا قوة في جسم، فهو إذن جوهر معقول، علاقته مع البدن لا علاقة حلول ولا علاقة انطباع بل علاقة التدبير والتصرف، وعلاقته من جهة العلم الحواس الباطنة المذكورة، وعلاقته من جهة العمل القوى الحيوانية المذكورة، فيتصرف في البدن, وله فعل خاص يستغني به عن البدن وقواه، فإن من شأن هذا الجوهر أن يعقل ذاته، ويعقل أنه عقل ذاته، وليس بينه وبين ذاته آلة، ولا بينه وبين آلته آلة، فإن إدراك الشيء لا يكون إلا بحصول صورته فيه, وما يقدر آلة من قلب أو دماغ لا يخل إما أن تكون صورته بعينها حاصلة للعقل حاضرة، وإما أن تكون صورة غيرها بالعدد حاصلة، وباطل أن تكون صورة الآلة حاضرة بعينها، فإنها في نفسها حاصلة أبدا، فيجب أن يكون إدراك العقل لها حاصلا أبدا، وليس الأمر كذلك، فإنه تارة يعقل, وتارة يعرض عن الإدراك، والأعراض عن الحاضر محال. وباطل أن تكون الصور غير الآلة بالعدد، فإنها إما أن تحل في نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل ذلك على أنها قائمة بنفسها وليست في الجسم، وإما بمشاركة الجسم حتى لا تكون هذه الصورة المغايرة في نفس القوة العقلية وفي الجسم الذي هو الآلة، فيؤدي إلى اجتماع صورتين متماثلتين في جسم واحد، وهو محال. والمغايرة بين أشياء تدخل في حد واحد إما لاختلاف المواد أو لاختلاف ما بين الكلي والجزئي وليس هذان الوجهان، فثبت أنه لا يحرز أن يدرك المدرك آلة هي آلته في الإدراك.
ولا يختص ذلك بالعقل، فإن الحس إنما يحس شيئا خارجا ولا يحس ذاته ولا آلته ولا إحساسه، وكذلك الخيال لا يتخيل ذاته ولا فعله ولا آلته، ولهذا فإن القوى الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل، والأمور القوية والشاقة الإدراك توهنها وربما تفسدها، كالضوء الشديد للبصر، والرعد القوي للسمع، وكذلك عند إدراك القوي لا يقوى على إدراك الضعيف. والأمر في القوة العقلية بالعكس، فإن إدامتها للتعقل وتصورها الأمور الأقوى يكسبها قوة وسهولة قبول، وإن عرض لها كلال وملال فلاستعانة العقل بالخيال.
стр. 562
على أن القوى الحيوانية ربما تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد عليها الحس جزئيات الأمور فيحدث لها أمور أربعة:
أحدها: انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة وعلائقها ولواحقها، ومراعاة المشترك فيه والمتباين به والذاتي وجوده والعرضي، فيحدث للنفس من ذلك مبادئ التصور، وذلك بمعاونة استعمال الخيال والوهم.
والثاني: إيقال النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثل سلب وإيجاب، فما كان التأليف منها بسلب وإيجاب ذاتيا بينا بنفسه أخذته، وما كان ليس كذلك تركته إلى يصادف الواسطة.
والثالث: تحصيل المقدمات التجريبية بأن يوجد بالحس محمول لازم الحكم لموضوع أو نال لازم لمقدم. فيحصل له اعتقاد مستفاد من حس وقياس ما.
والرابع: الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر. فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادئ للتصور والتصديق، وأما إذا استكملت النفس وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق، وتكون القوى الحسية والخيالية وغيرها صارفة لها عن فعلها، وربما تصير الوسائط والأسباب عوائق.
قال: والدليل أن النفس الإنسانية حادثة مع حدوث البدن أنها متفقة في النوع والمعنى، فإن وجدت قبل البدن فإما أن تكون متكثرة الذوات أو تكون ذاتا واحدة، ومحال أن تكون متكثرة الذوات، فإن تكثرها إما أن يكون من جهة الماهية والصورة، وأما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر والمادة، وبطل الأول لأن صورتها واحدة وهي متفقة في النوع، والماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا، وبطل الثاني لأن البدن والعنصر فرض غير موجود. قال: ومحال أن تكون واحدة الذات، لأنه إذا حصل بدنان حصلت فيهما نفسان. فإما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة وهو محال لأن ما ليس له عظم وحجم لا يكون منقسما، وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين،
стр. 563
وهذا لا يحتاج إلى كثير تكلف في إبطاله، فقد صح أن النفس تحدث كلما حدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها، ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما, ذلك البدن الذي استحقه نزاع طبيعي إلى الاشتغال به واستعماله والاهتمام بأحواله، والانجذاب إليه يخصها ويصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع إلا بواسطته. وأما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها, واختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها. وأنها لا تموت بموت البدن، لأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود، وكل واحد منهما جوهر قائم بنفسه، فلا تؤثر المكافأة في الوجود في فساد أحدهما بفساد الثاني، لأنه أمر إضافي، وفساد أحدهما يبطل الإضافة لا الذات. وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر في الوجود، فالبدن علة النفس، والعلل أربع فلا يجوز أن يكون علة فاعلية، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا إلا بقواه، والقوى الجسمانية إما أعراض أو صور مادية، فمحال أن يفيد أمر قائم بالمادة وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة ولا يجوز أن يكون علة قابلية، فقد بينا أن النفس ليست منطبعة في البدن. ولا يجوز أن يكون علة صورية أو كمالية، فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس فإذن تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا على أنه علة ذاتية لها.
نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس، فإنه إذا حدث بدن يصلح أن يكون آلة للنفس ومملكة لها أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية، فإن إحداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون واحد يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد، ولأن كل كائن بعد ما لم يكن يستدعي أن يتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ نسبته إليه كما تبين. ولأنه لو كان يجوز أن تكون النفس الجزئية تحدث ولم تحدث لها آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شئ معطل في الطبيعة، ولكن إذا حدث التهيؤ والاستعداد في الآلة حدث من العلل المفارقة شئ هو النفس. وليس إذا وجب حدوث شئ من حدوث شيء وجب أن يبطل مع بطلانه.
стр. 564
وأما القسم الثالث مما ذكرنا, وهو أن تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم، فالمتقدم, إن كان بالزمان فيستحيل أن يتعلق وجوده به وقد تقدمه في الزمان، وإن كان بالذات فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم، على أن فساد البدن بأمر يخصه من تغير المزاج والتركيب وليس ذلك مما يتعلق بالنفس فبطلان البدن لا يقتضي بطلان النفس.
ويقول: إن سببا آخر لا يفسد النفس أيضا، بل هي في ذاتها لا تقبل الفساد، لأن كل شئ من شأنه أن يفسد بأمر ما ففيه قوة أن يفسد، وقبل الفساد فيه فعل أن يبقى، ومحال أن يكون من جهة واحدة في شئ واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى، فإن تهيؤه للفساد شئ وفعله للبقاء شئ آخر، فالأشياء المركبة يجوز أن يجتمع فيها الأمران لوجهين، أما البسيطة فلا يجوز أن يجتمعا فيها. ومن الدليل على ذلك أيضا أن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد فله قوة أن يبقى أيضا, لأن بقاءه ليس بواجب ضروري، وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا، والإمكان هو طبيعة القوة، فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى، فذلك الشيء الذي له القوة على البقاء، وفعل البقاء أمر مشترك البقاء له كالصورة، وقوة البقاء له كالمادة، فيكون مركبا من مادة وصورة، وقد فرضناه واحدا فردا، هذا خلف. فقد بان أن كل أمر بسيط فغير مركب فيه قوة أن يبقى وفعل أن يبقى بل ليس فيه قوة أن يعدم باعتبار ذاته، والفساد لا يتطرق إلا إلى المركبات. وإذا تقرر أن البدن إذا تهيأ واستعد استحق من واهب الصور نفسا تدبره، ولا يختص هذا ببدن دون بدن، بل كل بدن حكمه كذلك، فإذا استحق النفس وقارنته في الوجود فلا يجوز أن تتعلق به نفس أخرى، لأنه يؤدي إلى أن يكون لبدن واحد نفسان وهو محال، فالتناسخ إذن بطل.
стр. 565
المقالة السادسة:
في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل, وأحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة والكاذبة، وإدراكها علم الغيب، ومشاهدتها صورا لا وجود لها من خارج تلك الوجوه، ومعنى النبوة والمعجزات وخصائصها التي تتميز بها عن المخاريق.
أما الأول: فقد بينا أن النفس الإنسانية لها قوة هيولانية، أي استعداد لقبول المعقولات بالفعل، وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل، وذلك السبب يجب أن يكون موجودا بالفعل، فإنه لو كان موجودا بالقوة لاحتاج إلى مخرج آخر فإما أن يتسلسل، أو ينتهي إلى مخرج هو موجود بالفعل لا قوة فيه، فلا يجوز أن يكون ذلك جسما لأن الجسم مركب من مادة وصورة, والمادة أمر بالقوة، فهو إذا جوهر مجرد عن المادة وهو العقل الفعال. وإنما سمى فعالا بإزاء كون العقول الهيولانية منفعلة. وقد سبق إثباته في الإلهيات من وجه آخر. وليس يختص فعله بالعقول والنفوس، بل وكل صورة تحدث في العالم فإنما هي من فيضه العام، فيعطي كل قابل ما استعد له من الصور. وأعلم أن الجسم وقوة في الجسم لا يوجد شيئا، فإن الجسم مركب من مادة وصورة والمادة طبيعتها عدمية، فلو أثر الجسم لأثر بمشاركة المادة وهي عدم، والعدم لا يؤثر في الوجود. فالفعل الفعال هو المجرد عن المادة وعن كل قوة، فهو بالفعل من كل وجه.
وأما الثاني: من الأحوال الخاصة بالنفس، فالنوم والرؤيا. والنوم غؤور القوى الظاهرة في أعماق البدن، وانحناس الأرواح من الظاهر إلى الباطن، ونعني بالأرواح ههنا أجساما لطيفة مركبة من بخار الأخلاط التي منبعها القلب، وهي مراكب القوى النفسانية والحيوانية، ولهذا إذا وقعت سدة في مجاريها من الأعصاب المؤدية للحس بطل الحس وحصل الصرع
стр. 566
والسكتة. فإذا ركدت الحواس ورقدت بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس، لأنها لا تزال مشغولة بالتفكير فيما تورد الحواس عليها، فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفع عنها المانع واستعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية التي فيها نقشت الموجودات كلها، فانطبع في النفس ما في تلك الجواهر من صور الأشياء، لا سيما ما يناسب أغراض الرائي، ويكون انطباع تلك الصور في النفس كانطباع صورة في مرآة من مرآة. فإن كانت الصور جزئية ووقعت في النفس في المصورة وحفظتها الحافظة على وجهها من غير تصرف المتخيلة صدقت الرؤيا، ولا تحتاج إلى تعبير، وإن وقعت في المتخيلة حاكت ما يناسبها من الصور المحسوسة، وهذه تحتاج إلى تعبير وتأويل، ولما لم تكن تصرفات الخيال مضبوطة واختلفت باختلاف الأشخاص والأحوال اختلف التعبير، وإذا تحركت المتخيلة منصرفة عن عالم العقل إلى عالم الحس واختلفت تصرفاتها كانت الرؤيا أضغاث أحلام، لا تعبير لها، وكذلك لو غلبت على المزاج إحدى الكيفيات الأربع رأى في المنام أحوالا مختلطة.
وأما الثالث: في إدراك علم الغيب في اليقظة. إن بعض النفوس يقوى قوة لا تشغله الحواس ولا تمنعه، بل يتسع بقوته للنظر إلى عالم العقل والحس جميعا، فيطلع إلى عالم الغيب فيظهر له بعض الأمور مثل البرق الخاطف، وبقي المتصور المدرك في الحافظة بعينه وكان ذلك وحيا صريحا. وإن وقع في المخيلة، واشتغلت بطبيعة المحاكاة كان ذلك مفتقرا إلى التأويل.
وأما الرابع: في مشاهدة النفس صورا محسوسة لا وجود لها، وذلك أن النفس تدرك الأمور الغائبة إدراكا قويا، فيبقى عين ما أدركته في الحفظ، وقد تقبله قبولا ضعيفا فتستولي عليه المتخيلة وتحاكيه بصورة محسوسة واستتبعت الحس المشترك، وانطبعت الصورة في الحس المشترك سراية إليه من المتصورة والمتخيلة.
والإبصار هو وقوع صورة في الحس المشترك، فسواء وقع فيه من خارج بواسطة البصر أو وقع فيه أمر من داخل
стр. 567
بواسطة الخيال كان ذلك محسوسا، فمنه ما يكون من قوة النفس وقوة آلات الإدراك، ومنه ما يكون من ضعف النفس والآلات.
وأما الخامس: فالمعجزات والكرامات.
قال: خصائص المعجزات والكرامات ثلاث:
خاصية في قوة النفس وجوهرها ليؤثر في هيولي العالم بإزالة صورة وإبعاد صورة، وذلك أن الهيولي منقادة لتأثير النفوس الشريفة المفارقة، مطيعة لقواها السارية في العالم، وقد تبلغ نفس إنسانية في الشرف إلى حد يناسب تلك النفوس. فتفعل فعلها، وتقوى على ما قويت هي، فتزيل جبلا عن مكانه وتذيب جوهرا فيستحيل ماء، وتجمد جسما سائلا فيستحيل حجرا. ونسبة هذه النفس إلى تلك النفوس كنسبة السراج إلى الشمس، فكما أن الشمس تؤثر في الأشياء تسخينا بالإضاءة، كذلك السراج يؤثر بقدره. وأنت تعلم أن للنفس تأثيرات جزئية في البدن، فإنه إذا حدث في النفس صورة الغلبة والغضب حمى المزاج وأحمر الوجه، وإذا حدثت صورة مشتهاة فيها حدثت في أوعية المنى حرارة مبخرة مهيجة للريح، حتى تمتلئ به عروق آلة الوقاع فتستعد له, والمؤثر ههنا مجرد التصور لا غير.
والخاصية الثانية: أن تصفو النفس صفاء يكون شديد الاستعداد للاتصال بالعقل الفعال حتى يفيض عليها العلوم، فإنا قد ذكرنا حال القوة القدسية التي تحصل لبعض النفوس حتى تستغني في أكثر أحوالها عن التفكر والتعلم, فالشريف البالغ منها: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ١.
والخاصية الثالثة للقوة المتخيلة: بأن تقوى النفس، وتتصل في اليقظة بعالم الغيب كما سبق، وتحاكي المتخيلة ما أدركته النفس بصورة جميلة وأصوات منظومة فترى في اليقظة وتسمع، فتكون الصورة المحاكية للجوهر الشريف صورة عجيبة في غاية الحسن وهو الملك الذي يراه النبي، وتكون المعارف التي تتصل بالنفس من اتصالها بالجواهر الشريفة تتمثل بالكلام الحسن المنظوم الواقع في الحس المشترك، فيكون مسموعا.
стр. 568
قال: والنفوس وإن اتفقت في النوع إلا أنها تتمايز بخواص، وتختلف أفاعيلها اختلافات عجيبة.
وفي الطبيعة أسرار، ولاتصالات العلويات بالسفليات عجائب.
وجل جنات الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يرد عليه إلا واحد بعد واحد.
وبعد، فإن ما يشتمل عليه هذا الفن ضحكة للمغفل، عبرة للمحصل، فمن سمعه فاشمأز عنه فليتهم نفسه، فإنها لا تناسبه. وكل ميسر لما خلق له.
стр. 569
الباب الثالث: آراء العرب في الجاهلية
مدخل
...
الباب الثالث: آراء العرب في الجاهلية
١- العرب وغيرهم:
قد ذكرنا في صدر هذا الكتاب أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد وأجملنا القول فيه، حيث كانت المقاربة بين الفريقين والمقاربة بين الأمتين مقصورة على اعتبار خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع. وأن الروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، حيث كانت المقاربة مقصورة على اعتبار كيفيات الأشياء والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم الاكتساب والجهد.
والآن نذكر أقاويل العرب في الجاهلية، ونعقبها بذكر أقاويل الهند وبها نختم الكتاب.
٢- حكم البيت العتيق:
وقبل أن نشرع في ذكر مذاهبهم نريد أن نذكر حكم البيت العتيق، حرسه الله تعالى، ونصل بذلك حكم البوت المبنية في العالم, فإن منها ما بني على الدين الحق قبلة للناس، ومنها ما بني على الرأي الباطل فتنة للناس. وقد ورد في التنزيل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١.
وقد اختلفت الروايات في أول من بناه.
стр. 570
قيل: إن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض وقع إلى سرنديب من أرض الهند، وكان يتردد في الأرض متحيرا بين فقدان زوجته ووجدان توبته، حتى وافى حواء بجبل الرحمة من عرفات وعرفها، وصار إلى أرض مكة، ودعا وتضرع إلى الله تعالى حتى يأذن له في بناء بيت يكون قبلة لصلاته ومطافا لعبادته، كما كان قد عهد في السماء من البيت المعمور الذي هو مطاف الملائكة ومزار الروحانيين، فأنزل الله تعالى عليه مثال ذلك البيت على شكل سرداق من نور، فوضعه مكان البيت، فكان يتوجه إليه ويطوف به.
ثم لما توفي تولى وصية شيث ﵇ بناء البيت من الحجر والطين على الشكل المذكور حذو القذة بالقذة. ثم لما خرب ذلك بطوفان نوح ﵇، وامتد الزمان حتى غيض الماء وقضى الأمر وانتهت النبوة إلى إبراهيم الخليل ﵇ وحمله هاجر أم إسماعيل ابنه إلى الموضع المبارك، وولادة إسماعيل ﵇ هناك ونشوئه وتربيته ثمة، وعود إبراهيم إليه واجتماعه به في بناء البيت، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ١ فرفعا قواعد البيت على مقتضى إشارة الوحي مرعيا فيها جميع المناسبات التي بينها وبين البيت المعمور، وشرعا المناسك والمشاعر محفوظا فيها جميع المناسبات التي بينها وبين الشرع الأخير، وتقبل الله تعالى ذلك منهما، وبقي الشرف والتعظيم إلى زماننا وإلى يوم القيامة دلالة على حسن القبول. فاختلفت آراء العرب في ذلك.
وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لحي بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار قومه إلى مكة، واستولى على أمر البيت. ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام فرأى هناك قوما يعبدون الأصنام فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقي، ونستشفى
стр. 571
بها فنشفى. فأعجبه ذلك وطلب منهم صنما من أصنامهم فدفعوا إليه "هبل" فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، وكان معه أساف, ونائلة على شكل زوجين. فدعا الناس إلى تعظيمها، والتقرب إليها، والتوسل بها إلى الله تعالى، وكان ذلك في أول ملك شابور ذي الأكتاف، إلى أن أظهر الله تعالى الإسلام فأخرجت وأبطلت، وبهذا يعرف كذب من قال: إن بيت الله الحرام إنما هو بيت زحل, بناه الباني الأول على طوالع معلومة واتصالات مقبولة، وسماه بيت زحل, ولهذا المعنى اقترن الدوام به بقاء والتعظيم له لقاء، لأن زحل يدل على البقاء وطول العمر أكثر مما يدل عليه سائر الكواكب، وهذا خطأ، لأن الباني الأول كان مستندا إلى الوحي على يدي أصحاب الوحي.
٣- البيوت المتخذة للعبادة:
ثم اعلم أن البيوت تنقسم إلى بيوت الأصنام، وإلى بيوت النيران. وقد ذكرنا المواضع التي كانت بيوت النيران ثم في مقالات المجوس. فأما بيوت الأصنام التي كانت للعرب والهند فهي البيوت السبعة المعروفة المشهورة، المبنية على السبع الكواكب. فمنها ما كانت فيه أصنام فحولت إلى النيران، ومنها ما لم تحول. ولقد كان بين أصحاب الأصنام وبين أصحاب النيران مخالفات كثيرة، والأمر دول فيما بينهم، وكان كل من استولى وقهر غير البيت إلى مشاعر مذهبه ودينه. فمنها بيت فارس على رأس جبل بأصفهان على ثلاثة فراسخ, كانت فيه أصنام إلى أن أخرجها كشتاسب الملك لما تمجس وجعله بيت نار ومنها البيت الذي بمولتان من أرض الهند، فيه أصنام لم تغير ولم تبدل. ومنها بيت سدوسان من أرض الهند أيضا، فيه أصنام كبيرة كثيرة العجب، والهند يأتون البيتين في أوقات من السنة حجا وقصدا إليهما. ومنه النوبهار الذي بناه منوجهر بمدينة بلخ على اسم القمر، فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ. ومنها بيت غمدان الذي بمدينة صنعاء اليمن بناه الضحاك على اسم الزهرة, وخربه عثمان بن عفان ﵁،
стр. 572
ومنها بيت كاوسان, بناه كاووس الملك بناء عجيبا على اسم الشمس بمدينة فرغانة وخربه المعتصم.
٤- واعلم أن العرب أصناف شتى: فمنهم معطلة، ومنهم محصلة نوع تحصيل.
стр. 573
الفصل الأول: معطلة العرب
منكرو الخالق، والبعث، والإعادة
...
الفصل الأول: معطلة العرب
وهم أصناف:
١- منكرو الخالق، والبعث، والإعادة:
فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة. وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ١، إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي، وقصرا للحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والملك هو الدهر: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٢. فاستدل عليهم بضرورات فكرية وآيات فطرية في كم آية وكم سورة، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٣ ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ ٥، وقال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ٦ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ٧، فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق؛ وأنه قادر على الكمال ابتداء وإعادة.
стр. 574
٢- منكرو البعث، والإعادة:
وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ١، فاستدل عليهم بالنشأة الأولى، إذ اعترفوا بالخلق الأول، فقال : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٣.
стр. 575
٣- منكرو الرسل: عبّاد الأصنام:
وصنف منهم أقروا بالخالق, وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا، وقربوا المقربين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر, وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم نذكرهم، وهم الذين أخبر عنهم التنزيل: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ١ -إلى قوله- ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ٢. فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم كانوا كذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٣.
شبهات العرب
وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين:
إحداهما: إنكار البعث؛ بعث الأجسام.
والثانية: جحد البعث؛ بعث الرسل.
стр. 576
فعلى الأولى قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ١ إلى أمثالها من الآيات، وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم:
حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو
ولبعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين:
فماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزي تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء، وهام
ومن العرب من يعتقد التناسخ، فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته، فانتصب طيرا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة, وعن هذا أنكر عليهم الرسول ﵇ فقال: "لا هامة ولا عدوى، ولا صفر".
وأما على الشبهة الثانية فكان إنكارهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد، وإصرارهم على ذلك أبلغ. وأخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢ ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٣ فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتي ملك من السماء: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ٤ ومن كان لا يعترف بهم كان يقول: الشفيع والوسيلة لنا إلى الله تعالى هم الأصنام المنصوبة، إما الأمر والشريعة من الله تعالى إلينا فهو المنكر.
أصنام العرب وميولهم
فيعبدون الأصنام التي هي الوسائل: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، وكان ود لكلب وهو بدومة الجندل، وسواع لهذيل. وكانوا يحجون إليه وينحرون له، ويغوث لمذحج ولقبائل من اليمن، ويعوق لهمدان، ونسر لذي الكلاع بأرض حمير. وكانت اللات لثقيف بالطائف، والعزي لقريش وجميع بني كنانة وقوم من
стр. 577
بني سليم. ومناة للأوس والخزرج وغسان. وهبل أعظم الأصنام عندهم، وكان على ظهر الكعبة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة وضعهما عمر بن لحي, وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة، وزعموا أنهما كانا من جرهم إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهل تعاشقا ففجرا في الكعبة، فمسخا حجرين. وقيل: لا, بل كانا صنمين جاء بهما عمرو بن لحي فوضعهما على الصفا.
وكان لبني ملكان من كنانة صنم يقال له سعد, وهو الذي يقول فيه قائلهم:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد, فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة١ ... من الأرض لا يدعو لغي ولا رشد
وكانت العرب إذا لبت وهللت قالت:
لبيك اللهم لبيك ... لبيك لاشريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية, ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء، ويقول: مطرنا بنوء كذا. ومنهم من كان يصبوا إلى الملائكة فيعبدهم، بل كانوا يعبدون الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
стр. 578
الفصل الثاني: المحصلة من العرب
١- علومهم:
اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم:
أحدها: علم الأنساب والتواريخ والأديان، ويعدونه نوعا شريفا، خصوصا معرفة أنساب أجداد النبي ﵊، والإطلاع على ذلك النور الوارد من صلب إبراهيم، إلى إسماعيل ﵉، وتواصله في ذريته إلى أن ظهر بعض الظهور في أسارير عبد المطلب: سيد الوادي, شيبة الحمد، وسجد له الفيل الأعظم، وعليه قصة أصحاب الفيل.
وببركة ذلك النور دفع الله تعالى شر أبرهة وأرسل عليهم طيرا أبابيل.
وببركة ذلك النور رأى تلك الرؤيا في تعريف موضع زمزم, ووجدان الغزالة والسيوف التي دفنتها جرهم.
وببركة ذلك النور ألهم عبد المطلب النذر الذي نذر في ذبح العاشر من أولاده، وبه افتخر النبي ﵊ حين قال: "أنا ابن الذبيحين" أراد بالذبيح الأول إسماعيل ﵇، وهو أول من انحدر إليه النور فاختفى، وبالذبيح الثاني عبد الله بن عبد المطلب، وهو آخر من انحدر إليه النور فظهر كل الظهور.
وببركة ذلك النور كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي. ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور.
وببركة ذلك النور كان قد سلم إليه النظر في حكومات العرب والحكم بين المتخاصمين، فكان يوضع له وسادة عند الملتزم فيستند إلى الكعبة وينظر في حكومات القوم.
стр. 579
وببركة ذلك النور قال لأبرهة: "إن لهذا البيت ربا يحفظه ويذب عنه" وفيه قال: وقد صعد إلى جبل أبي قبيس:
لا هم إن المرء يمـ ... ـنع حله فامنع حلالك١
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدرا محالك٢
إن كنت تاركهم وكعـ ... ـبتنا فأمر ما بدا لك
وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: "إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة"، إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر وقال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزي فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته.
ومما يدل على إثباته المبدأ والمعاد أنه كان يضرب بالقداح على ابنه عبد الله ويقول:
يا رب أنت الملك المحمود ... وأنت ربي المبدئ والمعيد
من عندك الطارف والتليد
ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما اصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمدا ﷺ ، فأحضره وهو رضيع في قماط فوضعه على يديه، واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء، وقال: "يا رب! بحق هذا الغلام" ورماه ثانيا وثالثا. وكان يقول بحق هذا الغلام اسقنا غيثا مغيثا دائما هطلا. فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر، حتى خافوا على المسجد. وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي الذي منه:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل٣
стр. 580
يطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم ورب البيت نبزي محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل١
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل٢
وقال العباس بن عبد المطلب في النبي ﵊ قصيدة منها:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حين يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صلب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن في ... خندف علياء تحتها النطق٣
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ... ض وضاءت بورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي ... النور وسبل الرشاد نخترق
وأما النوع الثاني من العلوم فهو علم الرؤيا، وكان أبو بكر ﵁ ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب، فيرجعون إليه، ويستخبرون عنه.
وأما النوع الثالث، فهو علم الأنواء، وذلك مما يتولاه الكهنة والقافة منهم، وعن هذا قال النبي ﷺ : "من قال مطرنا بنوء كذا، فقد كفر بما أنزل على محمد".
стр. 581
٢- معتقداتهم:
ومن العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وينتظر النبوة. وكانت لهم سنن وشرائع قد ذكرناها، لأنها نوع تحصيل.
فممن كان يعرف النور الظاهر، والنسب الطاهر، ويعتقد الدين الحنيفي، وينتظر المقدم النبوي: زيد بن عمرو بن نفيل، كان يسند ظهره إلى الكعبة، ويقول: أيها الناس هلموا إلي، فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري. وسمع أمية بن أبي الصلت يوما ينشد:
كل دين يوم القيامة عند الله ... إلا دين الحنيفة زور
فقال له: صدقت. وقال زيد أيضا:
فلن تكون لنفس منك واقية ... يوم الحساب إذا ما يجمع البشر
وممن كان يعتقد التوحيد ويؤمن بيوم الحساب قس بن ساعدة الإيادي, قال في مواعظه, كلا ورب الكعبة:! ليعودون ما باد، ولئن ذهب ليعودن يوما. وقال أيضا:
كلا بل هو الله إله واحد ... ليس بمولود ولا والد
أعاد وأبدى ... وإليه المآب غدا
وأنشد في معنى الإعادة:
يا باكي الموت والأموات في جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق١
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم ... كما ينبه من نوماته الصعق
حتى يجيئوا بحال غير حالهم ... خلق مضى ثم هذا بعد ذا خلقوا
стр. 582
منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الأزرق الخلق١
ومنهم عامر بن الظرب العدواني, وكان من شعراء العرب وخطبائهم، وله وصية طويلة يقول في آخرها "إني ما رايت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جاثيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء. ثم قال: إني أرى أمورا شتى، وحتى، قيل له وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا، ويعود لا شيء شيئا، ولذلك خلقت السموات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين، وقال: "ويل إنها نصيحة، لو كان من يقبلها".
وكان عامر قد حرم الخمر على نفسه فيمن حرمها، وقال فيها:
إن أشرب الخمر أشربها للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قال٢
لولا اللذاذة والقينات لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي
سآله للفتى ما ليس في يده ... ذهابه بعقول القوم والمال
تورث القوم أضغانا بلا إحن ... مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي
أقسمت بالله اسقيها وأشربها ... حتى يفرق ترب الأرض أوصالي
وممن كان قد حرم الخمر في الجاهلية: قيس بن عاصم التميمي، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني وعفيف بن معدي كرب الكندي وقالوا فيها أشعارا. وقال الاسلوم اليالي وقد حرم الخمر والزنا على نفسه:
سالمت قومي بعد طول مضاضة ... والسلم أبقى في الأمور وأعرف
وتركت شرب الراح وهي أثيرة ... والمومسات وترك ذلك أشرف
وعففت عنه يا أميم تكرما ... وكذاك يفعل ذو الحجى المتعفف
стр. 583
وممن كان يؤمن بالخالق تعالى، وبخلق آدم ﵇: عبد لطابخة بن ثعلب بن وبرة من قضاعة، وقال فيه:
وأدعوك يا ربي بما أنت أهله ... دعاء غريق قد تشبث بالعصم١
لأنك اهل الحمد والخير كله ... وذو الطول لم تعجل بسخط ولم تلم٢
وأنت الذي لم يحيه الدهر ثانيا ... ولم ير عبد منك في صالح وجم٣
وأنت القديم الأول الماجد الذي ... تبدأت خلق الناس في أكثم العدم٤
وأنت الذي أحللتني غيب ظلمة ... إلى ظلمة من صلب آدم في ظلم
من هؤلاء: النابغة الذبياني، آمن بيوم الحساب، فقال:
فعلتهم ذات الإله، ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
وأراد بذلك الجزاء بالأعمال.
ومن هؤلاء: زهير بن أبي سلمى المزني، وكان يمر بالعضاة٥ وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم ثم آمن بعد ذلك، وقال في قصيدته التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... ...
وهي من السبعيات:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم
стр. 584
ومنهم: علاف بن شهاب التيمي, كان يؤمن بالله تعالى وبيوم الحساب، وفيه قال:
ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة ... فأخذت منه خطة المقتال
وعلمت أن الله جاز عبده ... يوم الحساب بأحسن الأعمال
وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها، فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي قال جريبة بن الأشيم الأسدي في الجاهلية وقد حضره الموت، يوصي ابنه سعدا:
يا سعد إما أهلكن فإنني ... أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب
لا تتركن أباك يعثر راجلا ... في الحشر يصرع لليدين وينكب
واحمل أباك على بعير صالح ... وابغ المطية، إنه هو أصوب
ولعل لي مما تركت مطية ... في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا
وقال عمرو بن زيد بن المتمني يوصي ابنه عند موته:
ابني! زودني إذا فارقتني ... في القبر راحلة برحل قاتر١
للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا ... متساوقين معا لحشر الحاشر٢
من لا يوافيه على عشرائه ... فالخلق بين مدفع أو عاثر٣
وكانوا يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما بلي ظهرها، أو مما يلي كأكلها وبطنها، ويأخذون ولية فيشدون وسطها، ويقلدونها عنق الناقة ويتركونها حتى تموت عند القبر، ويسمون الناقة بلية، والخيط الذي تشد به ولية. وقال بعضهم يشبه رجالا في بلية: "كالبلايا في أعناقها الولايا".
стр. 585
٣- تقاليد العرب التي أقرها الإسلام، وبعض عاداتهم:
قال محمد بن السائب الكلبي: كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها. كانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات.
وكان أقبح ما يصنعون أن يجمع الرجل بين الأختين، أو يختلف على امرأة أبيه، وكانوا يسمون من فعل ذلك الضيزن١. قال أوس بن حجر التميمي بعير قوما من بني قيس بن ثعلبة تناوبوا على امرأة أبيهم ثلاثة، واحدا بعد آخر:
والفارسية فيكم غير منكرة ... وكلكم لأبيه ضيزن سلف
نيكوا فكيهة وامشوا حول قبتها ... مشي الزرافة في آباطها الحجف٢
وكان أول من جمع بين الأختين من قريش: أبو أحيحة سعيد بن العاص جمع بين هند وصفية ابنتي المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
قال: وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلقها قام أكبر بنيه، فإن كان له فيها حاجة طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن له فيها حاجة تزوجها بعض إخوته بمهر جديد.
قال: وكانوا يخطبون المرأة إلى أبيها أو إلى أخيها أو عمها أو بعض بني عمها.
وكان يخطب الكفء إلى الكفء، فإن كان أحدهما أشرف من الآخر في النسب رغب له في المال. وإن كان هجينا خطب إلى هجين فزوجه هجينة مثله، ويقول الخاطب إذا أتاهم: أنعموا صباحا: ثم يقول: نحن أكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة وأصبتموها وكنا لصهركم حامدين. وإن رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا
стр. 586
عاذرين. فإن كان قريب القرابة من قومه قال لها أبوها أو أخوها: إذا حملت إليه أيسرت، وأذكرت، ولا أنثت، جعل الله منك عددا، وعزا وحلبا. أحسني خلقك، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء.
وإذا زوجت في غربة قال لها: لا أيسرت ولا أذكرت، فإنك تدنين البعداء، وتلدين الأعداء أحسني خلقك، وتحببي إلى احمائك، فإن لهم عينا ناظرة إليك, وأذنا سامعة وليكن طيبك الماء.
وكانوا يطلقون ثلاثا على التفرقة، قال عبد الله بن عباس ﵄: أول من طلق ثلاثا على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وكان العرب يفعلون ذلك، فيطلقها واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث انقطع السبيل عنها، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه، فآتاه قومها، فهددوه بالضرب أو يطلقها:
أيا جارتي بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة١
قالوا: ثنه، فقال:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وأن لا ترى لي فوق رأسك بارقه
قالوا: ثلث، فقال:
وبيني حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة قد كنت فينا ووامقة٢
قال: وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع: رجل يخطب فيتزوج، وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها، فإن ولدت قالت هو لفلان، فيتزوجها بعد هذا، وامرأة يختلف إليها النفر وكلهم يواقعها في طهر واحد، فإذا ولدت ألزمت الولد أحدهم، وهذه تدعى المقسمة، وامرأة ذات راية يختلف إليها الكثير وكلهم يواقعها، فإذا ولدت جمعوا لها القافة فيلحقون الولد بشبيهه.
стр. 587
فقال: وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون، قال زهير:
وكم بالقيان من محل ومحرم
ويطوفون بالبيت سبعا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، قال أبو طالب:
وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتخايل
وكانوا يلبون، إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته، في قوله:
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
ويقفون المواقف كلها، قال العدوي:
فأقسم بالذي حجت قريش ... وموقف ذي الحجيج على اللآلي
وكانوا يهدون الهدايا، ويرمون الجمار، ويحرمون الأشهر الحرم، فلا يغزون ولا يقاتلون فيها إلا طي وخثعم وبعض بني الحارث بن كعب, فإنهم كانوا لا يحجون، ولا يعتمرون، ولا يحرمون الأشهر الحرم, ولا البلد الحرام.
وإنما سمت قريش الحرب التي كانت بينها وبين غيرها "عام الفجار" لأنها كانت في الأشهر الحرم حيث لا تقاتل، فلما قاتلوا فيها قالوا: قد فجرنا، فلذلك سموها: حرب الفجار.
وكانوا يكرهون الظلم في الحرم. وقالت امرأة منهم تنهي ابنها عن الظلم:
أبني لا تظلم بمكة ... لا الصغير ولا الكبير
أبني من يظلم بمكـ ... ـة يلق أطراف الشرور
أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور١
أبني أمن طيرها ... والوحش تامن في ثبير
стр. 588
ومنهم من كان ينسىء الشهور، وكانوا يكبسون في كل عامين شهرا، وفي كل ثلاثة أعوام شهرا، وكانوا إذا حجوا في شهر من السنة لم يخطئوا أن يجعلوا يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، كهيئة ذلك في شهر ذي الحجة، حتى يكون يوم النحر اليوم العاشر من ذلك الشهر، ويقيمون بمني، فلا يبيعون في يوم عرفة، ولا في أيام منى، وفيهم أنزلت: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ١.
وكانوا إذا ذبحوا للأصنام لطخوها بدماء الهدايا، يلتمسون بذلك الزيادة في أموالهم.
وكان فصي بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله من الأصنام، وهو القائل:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزي جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير
فلا العزي أدين ولا أبنتيها ... ولا صنمي بني غنم أزور
وقيل هي لزيد بن عمرو بن نفيل، فلقي في ذلك من قريش شرا، حتى أخرجوه عن الحرم، فكان لا يدخله إلا ليلا.
وقال القلمس بن أمية الناني يخطب للعرب بفناء مكة: أطيعوني ترشدوا. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنكم قد تفرقتم بآلهة شتى، وإني لأعلم ما الله راض به، وإن الله رب هذه الآلهة، وإنه ليحب أن يعبد وحده.
قال: فتفرقت عنه العرب حين قال ذلك، وتجنبت عنه طائفة أخرى، وزعمت أنه على دين بني تميم.
قال: وكانوا يغتسلون من الجنابة، ويغسلون موتاهم، قال الأفوه الأودي:
ألا عللاني واعلما أنني غرر ... فما قلت ينجيني الشقاق ولا الحذر٢
وما قلت يجديني ثيابي إذا بدت ... مفاصل أوصالي وقد شخص البصر
стр. 589
وجاءوا بماء بارد يغسلونني ... فيالك من غسل سيتبعه كبر
قال: وكانوا يكفنون موتاهم، ويصلون عليهم، وكانت صلاتهم إذا مات الرجل حمل على سريره، ثم يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها، ويثنى عليه، ثم يدفن، ثم يقول: عليك رحمة الله وبركاته.
وقال رجل من كلب في الجاهلية لابن ابن له:
أعمرو إن هلكت وكنت حيا ... فإني مكثر لك في صلاتي
وأجعل نصف مالي لابن سام ... حياتي إن حييت وفي مماتي
قال: وكانوا يداومون على طهارات الفطرة التي ابتلى بها إبراهيم ﵇، وهي الكلمات العشر، فإنهن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك. وأما اللواتي في الجسد: فالاستنجاء، وتقليم الأظافر، نتف الإبط، وحلق العانة، والختان. فلما جاء الإسلام قررها سنة من السنن.
وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى إذا سرق.
وكانت ملوك اليمن، وملوك الحيرة يصلبون الرجل إذا قطع الطريق.
وكانوا يوفون بالعهود، ويكرمون الجار، ويكرمون الضيف. قال حاتم الطائي:
إلهم ربي وربي إلهم ... فأقسمت لا ارسو ولا أتعذر١
وقال أيضا:
لقد كان في البرايا الناس أسوة ... كأن لم يسق جحش بعير ولا حمر٢
وكانوا أناسا موقنين بربهم ... بكل مكان فيهم عابد بكر٣
стр. 590
الباب الرابع: آراء الهند
الفصل الأول: البراهمة
مدخل
...
الباب الرابع: آراء الهند
قد ذكرنا أن الهند أمة كبيرة، وملة عظيمة، وآراؤهم مختلفة. فمنهم البراهمة، وهم المنكرون للنبوات أصلا، ومنهم من يميل إلى الدهر، ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية، ويقول بملة إبراهيم ﵇. وأكثرهم على مذهب الصابئة ومناهجها فمن قائل بالروحانيات، ومن قائل بالهياكل، ومن قائل بالأصنام، إلا أنهم مختلفون في شكل الهياكل التي ابتدعوها، وكيفية أشكال وضعوها، ومنهم حكماء على طريق اليونانيين علما، وعملا.
فمن كانت طريقته على منهاج الدهرية والثنوية والصابئة فقد أغنانا حكاية مذاهبهم قبل عن حكاية مذهبه، ومن انفرد عنهم بمقالة ورأي فهم خمس فرق: البراهمة، وأصحاب الروحانيات، وأصحاب الهياكل، وعبدة الأصنام، والحكماء. ونحن نذكر مقالات هؤلاء كما قد وجدنا في كتبهم المشهورة.
الفصل الأول: البراهمة
من الناس من يظن أنهم سموا براهمة لا نتسابهم إلى إبراهيم ﵇ وذلك خطأ، فإن هؤلاء القوم هم المخصوصون بنفي النبوات أصلا ورأسا, فكيف يقولون بإبراهيم ﵇؟ والقوم الذين اعتقدوا نبوة إبراهيم ﵇ من أهل الهند فهم الثنوية منهم القائلون بالنور والظلمة على رأي أصحاب الاثنين, وقد ذكرنا مذاهبهم، وهؤلاء
стр. 591
البراهمة إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له براهم، وقد مهد لهم نفي النبوات أصلا وقرر استحالة ذلك في العقول بوجوه:
منها أن قال: إن الذي يأتي به الرسول لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون معقولا وإما أن لا يكون معقولا. فإن كان معقولا فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه، فأي حاجة لنا إلى الرسول؟ وإن لم يكن معقولا فلا يكون مقبولا، إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد الإنسانية، ودخول في حريم الهيمية.
ومنها أن قال: قد دل العقل على أن الله تعالى حكيم, والحكيم لا يتعبد الخلق إلا بما تدل عليه عقولهم. وقد دلت الدلائل العقلية على أن للعالم صانعا عالما قادرا حكيما، وأنه أنعم على عباده نعما توجب الشكر، فننظر في آيات خلقه بعقولنا ونشكره بآلائه علينا. وإذا عرفناه وشكرنا له استوجبنا ثوابه، وإذا أنكرناه وكفرنا به استوجبنا عقابه، فما بالنا نتبع بشرا مثلنا؟ فإنه إن كان يأمرنا بما ذكرناه من المعرفة والشكر فقد استغنينا عنه بعقولنا، وإن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلا ظاهرا على كذبه.
ومنها أن قال: قد دل العقل على أن للعالم صانعا حكيما. والحكيم لا يتعبد الخلق بما يقبح في عقولهم، وقد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث العقل: من التوجه إلى بيت مخصوص في العبادة والطواف حوله، والسعي ورمي الجمار والإحرام والتلبية وتقبيل الحجر الأصم، وكذلك ذبح الحيوان، وتحريم ما يمكن أن يكون غذاء للإنسان، وتحليل ما ينقص من بنيته وغير ذلك، وكل هذه الأمور مخالفة لقضايا العقول.
ومنها أنه قال: إن أكبر الكبائر في الرسالة اتباع رجل هو مثلك في الصورة والنفس، والعقل، يأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب، حتى تكون بالنسبة إليه كجماد يتصرف فيك رفعا ووضعا، أو كحيوان يصرفك أماما وخلفا، أو كعبد يتقدم إليك أمرا ونهيا، فأي تميز له عليك؟ وأية فضيلة أوجبت استخدامك؟ وما دليله على صدق
стр. 592
دعواه؟ فإن اغتررتم بمجرد قوله, فلا تمييز لقول على قول. وإن انحسرتم بحجته ومعجزته فعندنا من خصائص الجواهر والأجسام ما لا يحصى كثرة، ومن المخبرين عن مغيبات الأمور من ساوى خبره ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ١ فإذا اعترفتم بأن للعالم صانعا وخالقا وحكيما، فاعترفوا بأنه آمر وناه, حاكم على خلقه، وله في جميع ما نأتي ونذر، ونعمل ونفكر حكم وأمر, وليس كل عقل إنساني على استعداد ما يعقل عنه أمره. ولا كل نفس بشرى بمثابة من يقبل عنه حكمه، بل أوجبت منته ترتيبا في العقول والنفوس، واقتضت قسمته أن يرفع، ﴿بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢، فرحمة الله الكبرى هي النبوة والرسالة، وذلك خير مما يجمعون بعقولهم المختالة.
ثم إن البراهمة تفرقوا أصنافا, فمنهم أصحاب البددة، ومنهم أصحاب الفكرة، ومنهم أصحاب التناسخ.
стр. 593
١- أصحاب البددة:
ومعنى "البد" عندهم شخص في هذا العالم لا يولد، ولا ينكح، ولا يطعم، ولا يشرب، ولا يهرم، ولا يموت. وأول "بد" ظهر في العالم اسمه "شاكمين" وتفسيره: السيد الشريف. ومن وقت ظهوره إلى وقت الهجرة خمسة آلاف سنة. قالوا: دودن مرتبة البد مرتبة البوديسعية ومعناه الإنسان الطالب سبيل الحق, وإنما يصل إلى تلك المرتبة بالصبر والعطية، وبالرغبة فيما يجب أن يرغب فيه. وبالامتناع والتخلي عن الدنيا، والعزوف عن شهواتها ولذاتها، والعفة عن محارمها. والرحمة على
стр. 594
جميع الخلق. وبالاجتناب عن الذنوب العشرة: قتل كل ذي روح، واستحلال أموال الناس، والزنا، والكذب، والنميمة، والبذاء، والشتم، وشناعة الألقاب، والسفه، والجحد لجزاء الآخرة، وباستكمال عشرة خصال, إحداها: الجود والكرم، والثانية: العفو عن المسيء ودفع الغضب بالحلم. والثالثة: التعفف عن الشهوات الدنيوية، والرابعة: الفكرة في التخلص إلى ذلك العالم الدائم الوجود من هذا العالم الفاني، والخامسة: رياضة العقل بالعلم والأدب, وكثرة النظر إلى عواقب الأمور. والسادسة: القوة على تصريف النفس في طلب العليات، والسابعة لين القول وطيب الكلام مع كل أحد، والثامنة: حسن المعاشرة مع الإخوان بإيثار اختيارهم على اختيار نفسه، والتاسعة: الإعراض عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق بالكلية، والعاشرة بذل الروح شوقا إلى الحق ووصولا إلى جناب الحق.
وزعموا أن البددة أتوهم على عدد الهياكل من نهر الكنك, وأعطوهم العلوم، وظهروا لهم في أجناس وأشخاص شتى، ولم يكونوا يظهرون إلا في بيوت الملوك لشرف جواهرهم. قالوا: ولم يكن بينهم اختلاف فيما ما ذكر عنهم من أزلية العالم، وقولهم في الجزاء على ما ذكرنا. وإنما اختص ظهور البددة بأرض الهند لكثرة ما فيها من خصائص التربة والإقليم، ومن فيها من أهل الرياضة والاجتهاد. وليس يشبه البد على ما وصفوه إن صدقوا في ذلك إلا بالخضر الذي يثبته أهل الإسلام.
стр. 595
٢- أصحاب الفكرة والوهم:
وهؤلاء أعلم منهم بالفلك والنجوم وأحكامها المنسوبة إليهم. وللهند طريقة تخالف طريقة منجمي الروم والعجم، وذلك أنهم يحكمون أكثر الأحكام بالاتصالات الثوابت دون السيارات، وينشئون الأحكام عن خصائص الكواكب دون طبائعها. ويعدون زحل السعد الأكبر، وذلك لرفعة مكانه، وعظم جرمه، وهو الذي يعطي العطايا الكلية من السعادة، والجزئية من النحوسة. وكذلك سائر الكواكب لها طبائع
стр. 596
وخواص، فالروم يحكمون من الطبائع، والهند يحكمون من الخواص. وكذلك طبهم، فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبائعها، والروم تخالفهم في ذلك.
وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر، ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول، فالصور من المحسوسات ترد عليه، والحقائق من المعقولات ترد عليه أيضا، فهو مورد العلمين من العالمين. فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة، والاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، فربما يخبر عن مغيبات الأحوال، وربما يقوى على حبس الأمطار، وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال ولا يستعبد ذلك، فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس. أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم؟ أليست إصابة العين تصرف الوهم في الشخص؟ أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية؟
والوهم إذا تجرد عمل أعمالا عجيبة، ولهذا كانت الهند تغمض عينها أياما لئلا يشتغل الفكر والوهم بالمحسوسات، ومع التجرد إذا اقترن به وهم آخر اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق، ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة، فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله، ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكادهم ثقله. ومنهم البكر نتينية يعني المصفدين بالحديد. وسنتهم حلق الرءوس واللحي، وتعرية الأجسام ما خلا العورة، وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم، لئلا تنشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر. ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام، وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن؟ وكثرة العلم كيف توجب ذلك؟
стр. 597
٣- أصحاب التناسخ:
وقد ذكرنا مذاهب التناسخية. وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ. وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك. فأما تناسخية الهند فأشد اعتقادا لذلك، لما عاينوا من طير يظهر في وقت معلوم، فيقع على شجرة معلومة، فيبيض ويفرخ، ثم إذا تم نوعه بفراخه حك بمنقاره ومخالبه, فتبرق منه نار تلتهب، فيحترق الطير، ويسيل منه دهن يجتمع في أصل الشجرة في مغارة، ثم إذا حال الحول وحان وقت ظهوره انخلق من هذا الدهن مثله طير فيطير ويقع على الشجرة وهو أبدا كذلك. قالوا: فما مثل الدنيا وأهلها في الأدوار والأكوار إلا كذلك.
قالوا: وإذا كانت حركات الأفلاك دورية فلا محالة يصل رأس الفرجار إلى ما بدأ ودار دورة ثانية على الخط الأول, أفاد لا محالة ما أفاد الدور الأول، إذ لا اختلاف بين الدورين حتى يتصور اختلاف بين الأثرين, فإن المؤثرات عادت كما بدأت، والنجوم والأفلاك دارت على المركز الأول وما اختلفت أبعادها واتصالاتها ومناظراتها ومناسباتها بوجه، فيجب أن لا تختلف المتأثرات الباديات منها بوجه، وهذا هو تناسخ الأدوار والأكوار. ولهم اختلافات في الدورة الكبرى, كم هي من السنين؟ وأكثرهم على أنها ثلاثون ألف سنة، وبعضهم على أنها ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة. وإنما يعتبرون في تلك الأدوار سير الثوابت لا السيارات. وعند الهند أكثرهم: إن الفلك مركب من الماء والنار والريح، وأن الكواكب فيه نارية هوائية. فلم تعدم الموجودات العلوية إلا العنصر الأرضي فحسب.
стр. 598
الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات
الباسونية
...
الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات
ومن أهل الهند جماعة أثبتوا متوسطات روحانية، يأتونهم بالرسالة من عند الله في صورة البشر من غير كتاب، فيأمرهم بأشياء، وينهاهم عن أشياء، ويسن لهم الشرائع، ويبين لهم الحدود.
وإنما يعرفون صدقه بتنزهه عن حطام الدنيا واستغنائه عن الأكل، والشرب، والبعال١.
١- الباسنوية:
زعموا أن رسولهم ملك روحاني نزل من السماء على صورة بشر، فأمرهم بتعظيم النار وأن يتقربوا إليها بالعطر والطيب والأدهان والذبائح. ونهاهم عن القتل والذبح إلا ما كان للنار، وسن لهم إن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم الأيامن إلى تحت شمائلهم، ونهاهم أيضا عن الكذب وشرب الخمر، وأن لا يأكلوا من أطعمة غير ملتهم ولا من ذبائحهم، وأباح لهم الزنا لئلا ينقطع النسل.
وأمرهم أن يتخذوا على مثاله صنما يتقربون إليه ويعبدونه ويطوفون حوله كل يوم ثلاث مرات بالمعازف والتبخير والغناء والرقص، وأمرهم بتعظيم البقرة والسجود لها حيث رأوها، وأن يفزعوا في التوبة إلى التمسح بها. وأمرهم أن لا يجوزوا نهر كنك.
стр. 599
٢- الباهودية:
زعموا أن رسولهم ملك روحاني على صورة بشر واسمه باهود, أتاهم وهو راكب على ثور، على رأسه إكليل مكلل بعظام الموتى من عظام الرؤوس. ومتقلد من ذلك بقلادة، وبإحدى يديه قحف إنسان، وبالأخرى مزراق ذو ثلاث شعب.
стр. 600
يأمرهم بعبادة الخالق وبعبادته معه، وأن يتخذوا على مثاله صنما يعبدونه، وأن لا يعافوا شيئا، وأن تكون الأشياء كلها في طريقة واحدة، لأنها جميعا صنع الخالق ، وأن يتخذوا من عظام الناس قلائد يتقلدونها وأكاليل يضعونها على رءوسهم، وأن يمسحوا أجسادهم ورءوسهم بالرماد. وحرم عليهم الذبائح والنكاح، وجمع الأموال، وأمرهم برفض الدنيا، ولا معاش لهم فيها إلا من الصدقة.