← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11813

المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (1 598 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

باب مواقيت الصلاة أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون للشخص عند الزوال والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل ﵇ عند باب البيت مرتين فصلى بين الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل شيء مثله". فصل: وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وصلى بي جبريل العصر حين كان ظل كل شيء مثله ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل

стр. 107

شيء مثليه١" ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والأداء إلى غروب الشمس وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا صار ظل كل شيء مثليه فاتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: "ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى٢". فصل: وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لما روي أن جبريل ﵇ صلى المغرب حين غابت الشمس وأفطر الصائم وليس لها إلا وقت واحد وهو بمقدار ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم الصلاة ويدخل فيها فإن أخر الدخول عن هذا الوقت أثم لما روى ابن عباس أن جبريل ﵇ صلى في المرة الأخيرة كما صلاها في المرة الأولى ولم يغير ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين في سائر الصلوات فإن دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق لأن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز أن يستديمها أكثر من قدر ثلاث ركعات لأن جبريل ﵇ صلى ثلاث ركعات والثالث أن له أن يصلي مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لأنه لا يكون مؤخراً في هذا القدر ويكون مؤخراً فيما زاد عليه ويكره أن يسمى صلاة المغرب العشاء لما روى عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب٣" ويقول الأعراب العشاء. فصل: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وهو الحمرة وقال المزني: الشفق البياض والدليل عليه أن جبريل ﵇ صلى العشاء الأخيرة حين غاب الشفق والشفق هو الحمرة والدليل عليه ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "وقت

стр. 108

المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق" ولأنها صلاة تتعلق بإحدى النيرين المتفقين في الاسم الخاص فتعلقت بأظهرهما وأنورهما كالصبح وفي آخره قولان: قال في الجديد إلى ثلث الليل لما روي أن جبريل ﵇ صلى في المرة الأخيرة العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل وقال في القديم والإملاء: إلى نصف الليل لما روى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل" ثم يذب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني وقال سعيد الاصطخري: إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء والمذهب الأول لما رويناه من حديث أبي قتادة ويكره أن يسمى العشاء العتمة لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم" قال ابن عيينة إنها العشاء وإنهم يعتمون بالإبل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو هريرة قال: نهانا رسول الله ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها. فصل: ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق الذي يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخره إذا أسفر الصبح لما روي أن جبريل ﵇ صلى الصبح حين طلع الفجر وصلى من الغد حين أسفر ثم التفت وقال: هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك وفيما بين هذين وقت ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى حين طلوع الشمس وقال أبو سعيد الاصطخري: يذهب الوقت وما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لحديث أبي قتادة ويكره أن تسمى صلاة الغداة لأن الله تعالى سماها بالفجر فقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] وسماها رسول الله ﷺ الصبح فقال: "من أدرك ركعة من الصبح فقد أدركها١" فصل: وتجب الصلاة في أول الوقت لأن الأمر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه والأفضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لما روى عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها٢" ولأن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها قال الشافعي رحمه الله تعالى: ومن المحافظة عليها تقديمها في أول الوقت لأنه إذا أخرها عرضها للنسيان وحوادث الزمان وأما الظهر فإنه إن كان في غير حر شديد فتقديمها أفضل لما ذكرناه وإن كان في حر شديد ويصلي في جماعة

стр. 109

في موضع يقصده الناس من البعد فالمستحب الإبراد بها بمقدار ما يحصل فيء يمشي فيه القاصد إلى الصلاة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم١" وفي صلاة الجمعة وجهان: أحدهما أنها كالظهر لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا اشتد البرد بكر بها وإذا اشتد الحر أبرد بها والثاني أن تقديمها أفضل بكل حال لأن الناس لا يتأخرون عنها لأنهم قد ندبوا إلى التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه وأما العشاء ففيها قولان: قال في القديم والإملاء: تقديمها أفضل وهو الأصح لما ذكرناه في سائر الصلوات وقال في الجديد: تأخيرها أفضل لقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة٢". فصل: وآكد الصلاة في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لأن الله خصها بالذكر فقال: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والصلاة الوسطى هي الصبح والدليل عليه أن الله تعالى قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح ولأن الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة عليها حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خصت بالتثويب فدل على ما قلناه فصل: ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله ﷺ "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله٣" ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس فسمح لهم بالتأخير فإن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان: أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول أبي علي بن خيران أنه يكون مؤدياً للجميع لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ومن أصحابنا من قال: يكون مؤدياً لما صلى في الوقت قاضياً لما صلى بعد خروج الوقت اعتباراً بما أدركه من الوقت وبما صلى بعد خروج الوقت

стр. 110

فصل: ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها إلا نائم أو ناس أو مكروه أو من يؤخرها للجمع لعذر السفر والمطر لقوله ﷺ "ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى١" فنص على النائم وقسنا عليه الناسي والمكروه لأنهما في معناه وأما من يؤخرها لسفر أو مطر فإنما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل: إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر٢" فإن بقي من الوقت دون الركعة ففيه قولان: روى المزني عنه أنه لا يلزمه لحديث أبي هريرة ﵁ ولأنه بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا وقال في كتاب استقبال القبلة: يلزمه بقدر تكبيرة لأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة وتخالف الجمعة فإنه إدراك فعل فاعتبر فيه الركعة وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة وأما الصلاة التي قبلها فينظر فيها فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزمه ما قبلها لأن ذلك ليس بوقت لا قبلها وإن كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد: يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان: أحدهما ركعة والثاني تكبيرة والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتاً لها في حقهم وقال في القديم: فيه قولان: أحدهما يجب بركعة وطهارة والثاني يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات أربع للظهر وركعة للعصر وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب وركعة للعشاء لأن الوقت اعتبر لإدراك الصلاتين فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى وغلط أبو إسحاق في هذا فقال أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر لأن العصر تجب بركعة فدل على أن الأربع للظهر وخرج أبو إسحاق في المسألة قولاً خامساً أنه يدرك الظهر والعصر بمقدار إحدى الصلاتين وتكبيرة.

стр. 111

فصل: وأما إذا أدرك جزءاً من أول الوقت ثم طرأ العذر بأن كان عاقلاً في أوال الوقت ثم جن أو طاهرة فحاضت نظرت فإن لم يدرك ما يتسع لفرض الوقت سقط الوجوب ولم يلزمه القضاء وقال أبو يحيى البلخي: حكمه حكم آخر الوقت فيلزمه في أحد القولين بركعة وفي الثاني بتكبيرة والمذهب الأول لأنه لم يتمكن من فعل الفرض فسقط وجوبه كما لو هلك النصاب بعد الحول وقبل التمكن من الأداء ويخالف آخر الوقت فإنه يمكنه أن يبني ما بقي على ما أدرك بعد خروج الوقت فيلزمه وإن أدرك من الوقت ما يسع الفرض ثم طرأ الجنون أو الحيض استقر الوجوب ولزمه القضاء إذا زال العذر وحكى عن أبي العباس أنه قال: لا يستقر حتى يدرك آخر الوقت والمذهب الأول لأنه وجب عليه وتمكن من أدائه فأشبه إذا وجبت الزكاة وتمكن من أدائها فلم يخرج حتى هلك المال وأما الصلاة التي بعدها فإنها لا تلزمه وقال أبو يحيى البلخي: تلزمه العصر بإدراك وقت الظهر وتلزمه العشاء بإدراك وقت المغرب لأن وقت الأولى وقت الثانية في حال الجمع كما أن وقت الثانية وقت الأولى في حال الجمع فإذا لزمته الأولى بإدراك وقت الثانية لزمته الثانية بإدراك وقت الأولى والمذهب الأول لأن وقت الأولى وقت الثانية على سبيل التبع ولهذا لا يجوز فعل الثانية حتى تقدم الولى بخلاف وقت الثانية فإنه وقت الأولى لا على وجه التبع ولهذا يجوز فعلها قبل الثانية. فصل: ومن وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها لقوله ﷺ "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها١" والمستحب أن يقضيها على الفور للحديث الذي ذكرناه وإن أخرها جاز لما روي أن النبي ﷺ فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي ولو كانت على الفور لما أخرها وقال أبو إسحاق: إن تركها لغير عذر لزمه قضاؤها على الفور لأنه مفرط في التأخير وإن فاتته صلوات فالمستحب أن يقضيها على الترتيب لأن النبي ﷺ فاتته أربع صلوات يوم الخندق فقضاها على الترتيب فإن قضاها من غبر ترتيب جاز لأنه ترتيب إستحق للفوت فسقط بفوات الوقت كقضاء الصوم وإن ذكر الفائتة وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة لزمه لأن يبدأ بالحاضرة لأن الوقت تعين لها فوجب البداية بها كما لو حضره رمضان وعليه صوم رمضان آخر ولأنه إذا أخر الحاضرة فاتت فوجب البداية بها وإن نسي صلاة ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات وقال المزني: يلزمه أن يصلي أربع ركعات وينوي الفائتة ويجلس في

стр. 112

ركعتين ثم يجلس في الثالثة ثم يجلس في الرابعة ويسلم وهذا غير صحيح لأن تعيين النية شرط في صحة الصلاة ولا يحصل ذلك إلا بأن يصلي خمس صلوات بخمس نيات.

стр. 113

باب الآذان والإقامة الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس لما روي أن النبي ﷺ استشار المسلمين فيما يجمعهم على الصلاة فقالوا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكر الناقوس فكرهه من أجل النصارى فأري تلك الليلة عبد الله بن زيد النداء فأخبر النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بلالاً فأذن به وهو أفضل من الإمامة ومن أصحابنا من قال: الإمامة أفضل لأن الأذان إنما يراد للصلاة فكان القيام بأمر الصلاة أولى من القيام بما يراد لها والأول أصح لقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت:٣٣] قالت عائشة ﵂ الله عنها: نزلت في المؤذنين ولقوله ﷺ : "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين١" والأمناء أحسن حالاً من الضمناء وعن عمر ﵁ أنه قال: لو كنت مؤذناً لما باليت أن لا أجاهد ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام فإن تنازع جماعة في الأذان وتشاحوا أقرع بينهم لقوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا٢". فصل: وهما سنتان ومن أصحابنا من قال هما فرض من فروض الكفاية فإن اتفق أهل بلد أو أهل صقع على تركهما قوتلوا عليه لأنه من شعار الإسلام فلا يجوز تعطيله وقال أبو علي بن خيران وأبو سعيد الإصطخري: هو سنة إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفاية فيها لأنه لما اختصت الجمعة بوجوب الجماعة اختصت بوجوب الدعاء إليها والمذهب الأول لأنه دعاء إلى الصلاة فلا يجب كقوله الصلاة جامعة. فصل: وهل يسن للفوائت؟ فيه ثلاثة أقوال: قال في الأم: يقيم لها ولا يؤذن والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من

стр. 114

الليل حتى كفينا وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] فدعا رسول الله ﷺ بلالاً فأمره فأقام فصلاها وأحسن كما تصلى في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ولأن للإعلام بالوقت وقد فات الوقت والإقامة تراد لإفتتاح الصلاة وذلك موجود وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها ويقيم للتي بعدها والدليل عليه ما روى عبد الله بن مسعود أن المشركين شغلوا النبي ﷺ عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر النبي ﷺ بلالاً فأذن ثم أقام وصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء ولأنهما صلاتان جمعهما في وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبي ﷺ صلاها بأذان وإقامتين وقال في الإملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام وإن لم يؤمل أقام والدليل عليه أن الأذان يراد لجمع الناس فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه وإذا أمل كان له وجه قال أبو إسحاق: وعلى هذا القول الصلاة الحاضرة أيضاً إذا أمل الاجتماع لها أذن وأقام وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن فإن جمع بين صلاتين فإن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى وأقام الثانية كما فعل رسول الله ﷺ بعرفة وإن جمع بينهما في وقت الثانية فهما كالفائتتين لأن الأولى قد فات وقتها والثانية تابعة لها وقد بينا حكم الفوائت. فصل: ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت لأنه يراد بها الإعلام بالوقت فلا يجوز قبله وأما الصبح فيجوز لها بعد نصف الليل لقول النبي ﷺ : "إن بلالاً لا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ولأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام وفيهم الجنب والمحدث فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهب الناس للصلاة ويخالف سائر الصلوات فإنه يدخل وقتها والناس مستيقظون فلا يحتاج إلى تقديم الأذان وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا تجوز قبل الوقت

стр. 115

فصل: والأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله ثم يرجع فيمد صوته فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لما روى أبو محذورة قال: ألقى على رسول الله ﷺ التأذين بنفسه فقال: قل الله أكبر الله أكبر فذكر نحو ما قلناه فإن كان في

стр. 116

أذان الصبح زاد فيه التثويب وهو أن يقول بعد الحيعلة الصلاة خير من النوم مرتين وكره ذلك في الجديد وصلت وقال أصحابنا: يسن ذلك قولاً واحداً فإنه إنما كره ذلك في الجديد لأن أبا محذورة لم يحكمه وقد صح في حديث أبي محذورة أنه قال له حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا

стр. 117

الله وأما الإقامة فإنها إحدى عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وقال في القديم الإقامة مرة مرة لأنه لفظ في الإقامة فكان فرادى كالحيعلة والأول أصح لما روى أنس ﵁ قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ولأن سائر ألفاظ الإقامة إلا الإقامة قد قضى حقه في أول الأذان فأعيدت على النقصان كآخر الأذان ولفظ الإقامة لم يقض حقه في الأذان فلم يلحق النقصان. فصل: ولا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل فأما الكافر والمجنون فلا يصح أذانهما لأنهما ليسا من أهل العبادات ويصح من الصبي العاقل لأنه من أهل العبادات ويكره للمرأة أن تؤذن ويستحب لها أن تقيم لأن في الأذان ترفع الصوت وفي الإقامة لا ترفع الصوت فإن أذنت للرجال لم يعتد بأذانها لأنه لا تصح إمامتها للرجال فلا يصح تأذينها لهم. فصل: ويستحب أن يكون المؤذن حراً بالغاً لما روى ابن عباس ﵁ مرفوعاً يؤذن لكم خياركم وقال عمر ﵁ لرجل: من مؤذنوكم؟ فقالوا موالينا أو عبيدنا فقال: إن ذلك لنقص كبير والمستحب أن يكون عدلاً لأنه أمين على المواقيت ولأنه يؤذن على موضع عال فإذا لم يكن أميناً لم يؤمن أن ينظر إلى العورات وينبغي أن يكون عارفاً بالمواقيت لأنه إذا لم يعرف ذلك غر الناس بأذانه والمستحب أن يكون من ولد من جعل النبي ﷺ الأذان فيهم أو من الأقرب فالأقرب إليهم لما روى أبو محذورة قال: جعل رسول الله ﷺ الأذان لنا وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال "الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة١" والمستحب أن يكون صيتاً لأن النبي ﷺ اختار أبا محذورة لصوته ويستحب أن يكون حسن الصوت لأنه أرق لسامعيه ويكره أن يكون المؤذن أعمى لأنه ربما غلط في المواقيت فإن كان معه

стр. 118

بصير لم يكره لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن مع بلال والمستحب أن يكون على طهارة لما روى وائل بن حجر أن النبي ﷺ قال: "حق وسنة أن لا يؤذن لكم أحدكم إلا وهو طاهر" ولأنه لم يكن على طهارة انصرف لأجل الطهارة فيجيء من يريد الصلاة فلا يرى أحداً فينصرف والمستحب أن يكون على موضع عال لأن الذي رآه عبد الله بن زيد كان على جذم حائط ولأنه أبلغ في الإعلام والمستحب أن يؤذن قائماً لأن النبي ﷺ قال: "يا بلال قم فنادي" ولأنه أبلغ في الإعلام فإن كان مسافراً وهو راكب أذن وهو قاعد كما يصلي وهو قاعد والمستحب أن يكون مستقبل القبلة فإن بلغ إلى الحيلعة لوى عنه يميناً وشمالاً ولا يستدبر لما روى أبو جحيفة قال: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن واستقبل القبلة فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدبر ولأنه إذا لم يكن له بد من جهة فجهة القبلة أولى والمستحب أن يجعل أصبعيه في صماخي أذنيه لما روى أبو جحيفة قال: رأيت بلالاً وأصبعاه في صماخي أذنيه ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء ولأن ذلك أجمع للصوت المستحب أن يرسل في الأذان ويدخل الأقامة لما روي عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس أن عمر ﵁ قال: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم ولأن الأذان للغائبين فكان الترسل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الإدراج فيها أشبه ويكره التمطيط وهو

стр. 119

التمديد والتغني وهو الترطيب لما روي أن رجلاً قال لابن عمر: إني لأحبك في الله قال: وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك قال حماد: التغني الترطيب والمستحب أن يرفع صوته في الأذان إذا كان يؤذن للجماعة لقوله ﷺ "يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس١" ولأنه أبلغ في جمع الجماعة ولا يبالغ بحيث يشق حلقه لما روي أن عمر ﵁ سمع أبا محذورة وقد رفع صوته فقال له: أما خشيت أن تنشق مريطاؤك قال: أحببت أن يرفع صوتي فإن أسر بالأذان لم يعتد به لأنه لا يحصل به المقصود وإن كان يؤذن لصلاته وحده لم يرفع الصوت لأنه لا يدعو غيره فلا وجه لرفع الصوت والمستحب أن يكون رفع الصوت في الإقامة دون رفع الصوت في الأذان لأن الإقامة للحاضرين ويجب أن يرتب الأذان لأنه إذا نكسه لم يعلم السامع أن ذلك أذان والمستحب أن لا يتكلم في أذانه فإن تكلم لم يبطل أذانه لأنه إذا لم تبطل الخطبة بالكلام فلأن لا يبطل الأذان أولى فإن أغمي عليه وهو في الأذان لم يجز لغيره أن يبني عليه لأن الأذان من الاثنين لا يحصل به المقصود لأن السامع يظن أن ذلك على وجه اللهو واللعب فإن أفاق في الحال وبنى عليه جاز لأن المقصود يحصل به وإن ارتد في الأذان ثم رجع إلى الإسلام في الحال ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز يبني عليه لأن ما فعله بطل بالردة والمذهب أنه يجوز لأن الردة إنما تبطل إذا اتصل بها الموت وههنا رجع قبل الموت فلم يبطل. فصل: والمستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيلعة فإنه

стр. 120

يقول لا حول ولا قوة إلا بالله لما روى عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن الله أكبر فقال: أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله فقال أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال حي على الصلاة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة" فإن سمع ذلك وهو في الصلاة لم يأت به في الصلاة فإذا فرغ أتى به وإن كان في قراءة أتى به ثم رجع إلى القراءة لأنه يفوت والقراءة لا تفوت ثم يصلي على النبي ﷺ ولما روى عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً١" ثم سأل الله تعالى لي الوسيلة فيقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قال

стр. 121

حين يسمع النداء ذلك حلت له الشفاعة يوم القيامة١" وإن كان الأذان للمغرب قال: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي لأن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن تقول ذلك ويدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة لما روى أنس أن النبي ﷺ قال: "إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا٢" والمستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة لأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن وقعد قعدة ولأنه إذا وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة فلم يحصل المقصود بالأذان ويستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى موضع غيره للإقامة لما روي في حديث عبد الله بن زيد ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال وجعلها وتراً والمستحب أن يكون المقيم هوالمؤذن لأن زياد بن الحارث الصدائي أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي ﷺ : إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم فإن أذن واحد وأقام غيره جاز لأن بلالاً أذن وأقام عبد الله بن زيد ويستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وفي لفظ الإقامة يقول أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض لما روى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال ذلك والمستحب أن يكون المؤذن للجماعة اثنين لأن النبي ﷺ كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم وإن احتاج إلى الزيادة جعلهم أربعة لأنه كان لعثمان ﵁ أربعة والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد كما فعل بلال وابن أم مكتوم ولأن ذلك أبلغ في الإعلام ويجوز استدعاء الأمر إلى الصلاة لما روت عائشة ﵂ أن بلالاً جاء فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله فقال النبي ﷺ : "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قال ابن قسيط: وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر ﵂ كما كان يسلم على رسول الله ﷺ . فصل: وإذا وجد من يتطوع بالأذان لم يرزق المؤذن من بيت المال لأن مال بيت

стр. 122

المال جعل للمصلحة ولا مصلحة في ذلك وإن لم يوجد من يتطوع رزق من يؤذن من خمس الخمس لأن ذلك من المصالح وهل يجوز أن يستأجر؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز وهو اختيار الشيخ أبي حامد الاسفراني ﵀ لأنه قربة في حقه فلم يستأجر عليه كالإمامة في الصلاة والثاني يجوز لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال.

стр. 123

باب طهارة البدن من النجاسة وما يصلى عليه وفيه الطهارة ضربان: طهارة عن حدث وطهارة عن نجس فأما الطهارة عن حدث فهي شرط في صحة الصلاة لقوله ﷺ "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول١" وقد مضى حكمها في كتاب الطهارة وأما طهارة البدن عن النجس فهي شرط في صحة الصلاة والدليل عليه قوله ﷺ "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه٢" والنجاسة ضربان: دماء وغير دماء فأما غير الدماء فينظر فيه فإن كان قدرا يدركه

стр. 124

الطرف لم يعف عنه لأنه لا يشق الاحتراز منه وإن كان قدراً لا يدركه الطرف ففيه ثلاث طرق: أحدها أنه يعفى عنه لأنه لا يدركه الطرف فعفى عنه كغبار السرجين والثاني لا يعفى عنه لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالذي يدركه الطرف والثالث أنه على قولين: أحدهما يعفى عنه والثاني لا يعفى عنه ووجه القولين ما ذكرناه وأما الدماء فينظر فيها فإن كان دم القمل والبراغيث وما أشبههما فإنه يعفى عن قليله لأنه يشق الاحتراز منه فلو لم يعف عنه شق وضاق وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وفي كثيره وجهان: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يعفى عنه لأنه نادر لا يشق غسله وقال غيره: يعفى عنه وهو الأصح لأن هذا الجنس يشق الاحتراز في الغالب فألحق نادره بغالبه وإن كان دم غيرهما من الحيوان ففيه ثلاثة أقوال: قال في الأم: يعفى عن قليله وهو القدر الذي يتعافاه الناس في العادة لأن الإنسان لا يخلو من بثرة وحكة يخرج منها هذا القدر فعفى عنه وقال في الإملاء لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز منها فلم يعف عنها كالبول وقال في القديم: يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف والأول أصح. فصل: إذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسل به صلى وأعاد كما قلنا فيمن لم يجد ماء ولا ترابا وإن كان على فرجه دم يخاف من غسله صلى وأعاد وقال في القديم: لا يعيد لأنها نجاسة يعذر في تركها فسقط معها الفرض كأثر الاستنجاء والأول أصح لأنه صلى بنجس نادر غير معتاد متصل فلم يسقط عنه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن جبر عظمه بعظم نجس فإن لم يخف التلف من قلعة لزمه قلعه لأنها نجاسة غير معفو عنها أوصلها إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا يخاف

стр. 125

التلف من إزالتها فأشبه إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس فإن امتنع من قلعه أجبره السلطان على قلعه لأنه مستحق عليه يدخله النيابة فإذا امتنع لزم السلطان أن يقلعه كرد المغصوب وإن خاف التلف من قلعه لم يجب قلعه ومن أصحابنا من قال يجب قلعه لأنه حصل بفعله وعدوانه فانتزع منه وإن خيف عليه التلف كما لو غصب مالاً ولم يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف والمذهب الأول لأن النجاسة يسقط حكمها عند خوف التلف ولهذا يجوز أكل الميتة عند خوف التلف فكذلك ههنا وإن مات فقد قال أبو العباس: يقلع حتى لا يلقى الله تعالى حاملاً للنجاسة والمنصوص أنه لا يقلع لأن قلعه للعبادة وقد سقطت العبادة عنه بالموت وإن فتح موضعاً من بدنه وطرح فيه دماً والتحم وجب فتحه وإخراجه كالعظم ومن شرب خمراً فالمنصوص في صلاة الخوف أن يلزمه أن يتقايأ لما ذكرناه في العظم ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لأن النجاسة حصلت في معدنها فصار كالطعام الذي أكله وحصل في المعدة. فصل: وأما طهارة الثوب الذي يصلي فيه فهي شرط في صحة الصلاة والدليل عليه قوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] وإن كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسل به صلى عرياناً ولا يصلي في الثوب النجس وقال في البويطي: وقد قيل يصلي فيه ويعيد والمذهب الأول لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض ومع النجاسة لا يسقط لأنه تجب إعادتها فلا يجوز أن يترك صلاة يسقط بها الفرض إلى صلاة لا يسقط بها الفرض وإن اضطر إلى لبس الثوب النجس لحر أو برد صلى فيه وأعاد إذا قدر لأنه صلى بنجس نادر غير مفصل فلا يسقط معه الفرض كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن قدر على غسله وخفي عليه موضع النجاسة لزمه أن يغسل الثوب كله ولا يتحرى فيه لأن التحري إنما يكون في عينين فإذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما رده إلى أصله وإنه طاهر بيقين وهذا لا يوجد في الثوب الواحد وإن شقه نصفين لم يتحر فيه لأنه يجوز أن يكون الشق في موضع النجاسة فتكون القطعتان نجستين وإن كان معه ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس واشتبها عليه تحرى وصلى في الطاهر على الأغلب عنده لأنه شرط

стр. 126

من شروط الصلاة يمكنه التوصل إليه بالاجتهاد فيه فجاز التحري فيه كالقبلة وإن اجتهد ولم يؤده الاجتهاد إلى طهارة أحدهما صلى عرياناً وأعاد لأنه صلى عرياناً ومعه ثوب طاهر بيقين وإن أداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما ونجاسة الآخر فغسل النجس عنده جاز أن يصلي في كل واحد منهما فإن لبسهما معاً وصلى فيهما ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: تلزمه الإعادة لأنهما صارا كالثوب الواحد وقد تيقن حصول النجاسة وشك في زوالها لأنه يحتمل أن يكون الذي غسله هو الطاهر فلم تصح صلاته كالثوب الواحد إذا أصابته نجاسة وخفي عليه موضعها فتحرى وغسل موضع النجاسة بالتحري وصلى فيه وقال أبو العباس: لا إعادة عليه لأنه صلى في ثوب طاهر بيقين وثوب طاهر في الظاهر فهو كما لو صلى في ثوب اشتراه لا يعلم حاله وثوب غسله وإن كانت النجاسة في أحد الكمين واشتبها عليه ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا يتحرى لأنه ثوب واحد وقال أبو العباس: يتحرى لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين وإن فصل في أحد الكمين من القميص جاز التحري فيه بلا خلاف وإن كان عليه ثوب طاهر وطرفه موضوع على نجاسة كالعمامة على رأسه وطرفها على أرض نجسة لم تجز صلاته لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة فلم تجز صلاته وإن كان في وسطه حبل مشدود إلى كلب صغير لم تصح صلاته لأنه حامل للكلب لأنه إذا مشى انجر معه وإن كان مشدوداً إلى كلب كبير ففيه وجهان: أحدهما لا تصح صلاته لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كالعمامة على رأسه وطرفها على نجاسة والثاني تصح لأن الكلب اختياراً وإن كان الحبل مشدوداً إلى سفينة فيها نجاسة والشد في موضع طاهر من السفينة فإن كانت السفينة صغيرة لم تجز لأنه حامل للنجاسة وإن كانت كبيرة ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأنها منسوبة إليه والثاني يجوز لأنه غير حامل للنجاسة ولا لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى والحبل مشدود إلى باب دار فيها نجس وإن حمل حيواناً طاهراً في صلاته صحت صلاته لأن النبي ﷺ حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة فهو كالنجاسة التي في جوف المصلي وإن حمل قارورة فيها نجاسة وقد شد رأسها ففيه وجهان: أحدهما يجوز لأن النجاسة لا تخرج منها فهو كما لو حمل حيواناً طاهراً والمذهب أنه لا يجوز لأنه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه إذا حمل النجاسة في كمه. فصل: طهارة الموضع الذي يصلي فيه شرط في صحة الصلاة لما روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة

стр. 127

والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق١" فذكر المجزرة والمزبلة وإنما منع من الصلاة فيهما للنجاسة فدل على أن طهارة الموضع الذي يصلي فيه شرط فإن صلى على بساط وعليه نجاسة غير معفو عنها فإن صلى على الموضع النجس منه لم تصح لأنه ملاق للنجاسة وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة فهو كما لو صلى على أرض طاهرة وفي موضع منها نجاسة فإن صلى على أرض فيها نجاسة فإن عرف موضعها تجنبها وصلى في غيرها وإن فرش عليها شيئاً وصلى عليه جاز لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بها وإن خفي عليه موضع النجاسة فإن كانت في أرض واسعة فصلى في موضع منها جاز لأنه غير متحقق لها ولأن الأصل فيها الطهارة وإن كانت النجاسة في بيت وخفي عليه موضعها لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله ومن أصحابنا من قال: يصلي فيه حيث شاء كالصحراء وليس بشيء لأن الصحراء لا يمكن حفظها من النجاسة ولا يمكن غسل جميعها والبيت يمكن حفظه من النجاسة فإذا نجس أمكن غسله وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كالثوب وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه تحرى كما يتحرى في الثوبين وإن حبس في حبس ولم يقدر أن

стр. 128

يتجنب النجاسة في قعوده وسجوده تجافى عن النجاسة وتجنبها في قعوده وأما في السجود إلى الحد الذي لو زاد لاقى النجاسة ولا يسجد على الأرض لأن الصلاة قد تجزئ مع الإيماء ولا تجزئ مع النجاسة وإذا قدر ففيه قولان: قال في القديم: لا يعيد لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض وقال في الإملاء: بعيد لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل فلم يسقط الفرض عنه كما لو ترك السجود ناسياً وإذا عاد ففي الفرض أقوال: قال في الأم: الفرض هو الثاني لأن الفرض به يسقط وقال في القديم: الفرض هو الأول لأن الإعادة مستحبة غير واجبة في القديم وقال في الإملاء: الجميع فرض لأن الجميع يجب فعله فكان الجميع فرضاً وخرج أبو إسحاق قولاً رابعاً إن الله تعالى يحسب له بأيتهما شاء قياساً على ما قال في القديم فيمن صلى الظهر ثم سعى إلى الجمعة فصلاها إن الله تعالى يحسب له بأيتهما شاء. فصل: إذا فرغ من الصلاة ثم رأى على بدنه أو ثوبه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنها نظرت فإن كان جوز أن يكون حدث بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة لأن الأصل أنها لم تكن في حال الصلاة فلم تجب الإعادة بالشك كما لو توضأ من بئر وصلى ثم وجد في البئر فأرة فإن علم أنها كانت الصلاة فإن كان قد علم أنها قبل الدخول في الصلاة لزمته الإعادة لأنه فرط في تركها وإن لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة ففيه قولان: قال في القديم: لا يعيد لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ خلع نعليه في الصلاة وخلع الناس نعالهم فقال: مالكم خلعتم نعالكم؟ فقالوا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا فقال: أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن فيهما قذرا أو قال دم حلمة فلو لم تصح الصلاة لاستأنف الإحرام وقال في الجديد: يلزمه الإعادة لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كالوضوء. فصل: ولا يصلي في مقبرة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام١" فإن صلى في مقبرة نظرت فإن كانت

стр. 129

مقبرة تكرر فيها النبش لم تصح صلاته لأنه قد اختلط بالأرض صديد الموتى وإن كانت جديدة ولم يتكرر فيها نبش كرهت الصلاة فيها لأنها مدفن النجاسة والصلاة صحيحة لأن الذي باشر بالصلاة طاهر وإن شك هل نبشت أو لا ففيه قولان: أحدهما لا تصح صلاته لأن الأصل بقاء الفرض في ذمته وهو يشك في إسقاطه والفرض لا يسقط بالشك والثاني تصح لأن الأصل طهارة الأرض فلا يحكم بنجاستها بالشك. فصل: ولا يصلي في الحمام لحديث أبي سعيد الخدري واختلف أصحابنا لأي معنى منع من الصلاة فمنهم من قال إنما منع لأنه يغسل فيه النجاسات فعلى هذا إذا صلى في موضع تحقق طهارته صحت صلاته وإن صلى في موضع تحقق نجاسته لم تصح وإن شك فعلى قولين كالمقبرة ومنهم من قال إنما منع لأنه مأوى الشياطين لما يكشف فيه من العورات فعلى هذا تكره الصلاة فيه وإن تحقق طهارته فالصلاة صحيحة لأن المنع لا يعود إلى الصلاة. فصل: وتكره الصلاة في أعطان الإبل ولا تكره في مراح الغنم لما روى عبد الله بن مغفل المزني أن النبي ﷺ قال: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين١" ولأن في أعطان الإبل لا يمكن الخشوع في الصلاة لما يخاف من

стр. 130

نفورها ولا يخاف من نفور الغنم. فصل: ويكره أن يصلي في مأوى الشياطين لما روي أن النبي ﷺ قال: "إخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطاناً" ولم يصل فيه. فصل: ولا يصلي في قارعة الطريق لحديث عمر ﵁ سبعة مواطن لا يجوز فيها الصلاة وذكر قارعة الطريق ولأنه يمنع الناس من الممر وينقطع خشوعه بممر الناس فإن صلى فيه صحت صلاته لأن المنع لترك الخشوع أو لمنع الناس من الطريق وذلك لا يوجب بطلان الصلاة. فصل: ولايجوز أن يصلي في أرض مغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيها صحت صلاته لأن المنع لا يختص بالصلاة فلم يمنع صحتها.

стр. 131

باب ستر العورة ستر العورة عن العيون واجب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] قال ابن عباس: كانوا يطوفون بالبيت عراة فهي فاحشة وروي

стр. 132

عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت١" فإن اضطر إلى الكشف للمداواة أو للختان جاز ذلك لأنه موضع ضرورة وهل يجب سترها في حال الخلوة؟ فيه وجهان: أصحهما أنه يجب لحديث علي كرم الله وجهه والثاني لا يجب لأن المنع من الكشف للنظر وليس في الخلوة من ينظر فلم يجب الستر. فصل: وعورة الرجل ما بين السرة والركبة والسرة والركبة ليستا من العورة ومن أصحابنا من قال: هما منها والأول هو الصحيح لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته٢" فأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال ابن عباس ﵄: وجهها وكفيها ولأن النبي ﷺ نهى المرأة في الحرام عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما في الإحرام ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه في البيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة وأما الأمة ففيها وجهان: أحدهما أن جميع بدنها عورة إلا موضع التقليب وهي الرأس والذراع لأن ذلك تدعو الحاجة إلى كشفه وما سواه لا تدعو الحاجة إلى كشفه والثاني وهو المذهب أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال على المنبر: ألا لا أعرفن أحداً أراد أن يشتري جارية

стр. 133

فلينظر إلى ما فوق الركبة ودون السرة لا يفعل ذلك إلا عاقبته ولأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة كالرجل. فصل: ويجب ستر العورة بما لا يصف البشرة من ثوب صفيق أو جلد أو ورق فإن ستر بما يظهر منه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز لأن الستر لا يحصل بذلك. فصل: والمستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: خمار تغطي به الرأس والعنق ودرع تغطي به البدن والرجلين وملحفة صفيقة تستر بها الثياب لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: تصلي في الدرع والخمار والملحفة والمستحب أن تكثف جلبابها حتى لا يصف أعضاءها وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود حتى لا يصف ثيابها. فصل: ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين قميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق من يزين له" من لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود فإن أراد أن يصلي في ثوب فالقميص أولى لأنه أعم في الستر لأنه يستر العورة ويحصل على الكتف فإن كان القميص واسع الفتح بحيث إذا نظر رأى العورة زره لما روى سليمة بن الأكوع قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد فنصلي في

стр. 134

القميص الواحد؟ قال: "نعم ولتزره ولو بشوكة" فإن لم يزره وطرح على عاتقه ثوباً جاز لأن الستر يحصل به وإن لم يفعل ذلك لم تصح صلاته وإن كان القميص ضيق الفتح جاز أن يصلي فيه محلول الإزار لما روى ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي محلول الإزار فإن لم يكن القميص فالرداء أولى لأنه يمكنه أن يستر العورة به ويبقى منه ما يطرحه على الكتف فإن لم يكن فالإزار اولى من السراويل لأن الإزار يتجافى عنه فلا يصف الأعضاء والسراويل تصف الأعضاء وإن كان الإزار ضيقاً ائتزر به كان واسعاً التحف به وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعل القصار في الماء لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به" وروي عن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به مخالفاً بين طرفيه على منكبيه وإن كان ضيقاً فليأتزر به أو صلي في سراويل فالمستحب أن يطرح على عاتقه شيئاً لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء١" فإن لم يجد ثوباً يطرحه على عاتقه طرح حبلاً حتى لا يخلو من شيء. فصل: ويكره اشتمال الصماء وهو أن يلتحف بثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء ويكره أن يسدل في الصلاة وفي غيرها وهو أن يلقي طرفي الرداء من الجانبين لما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه رأى قوماً سدلوا في الصلاة فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم وعن ابن مسعود

стр. 135

أنه رأى أعرابياً عليه شملة قد ذيلها وهو يصلي قال: إن الذي يجر ثوبه من الخيلاء في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام ويكره أن يصلي الرجل وهو ملثم لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة لأن الوجه من المرأة ليس بعورة فهي كالرجل. فصل: ولا يجوز للرجل أن يصلي في ثوب حرير ولا على ثوب حرير لأنه يحرم عليه استعماله في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيه أو صلى عليه صحت صلاته لأن التحريم لا يختص بالصلاة ولا النهي يعود إليها فلم يمنع صحتها وتجوز للمرأة أن تصلي فيه وعليه لأنه لا يحرم عليها استعماله وتكره الصلاة في الثوب الذي عليه في الصور لما روت عائشة ﵂ قالت: كان لي ثوب في صورة وكنت أبسطه فكان رسول الله ﷺ يصلي إليه فقال لي: أخريه عني فجعلت منه وسادتين. فصل: إذا لم يجد ما يستر به العورة ووجد طيناً ففيه وجهان: يلزمه أن يستر به العورة لأنه سترة طاهرة فأشبهت الثوب وقال أبو إسحاق: لا يلزمه لأنه يتلوث به البدن وإن وجد ما يستر به بعض العورة يستر به القبل والدبر لأنهما أغلظ من غيرهما وإن وجد ما يكفي أحدهما ففيه وجهان أصحهما أن يستر به القبل لأنه يستقبل به القبلة ولأنه لا يستتر بغيره والدبر يستتر بالأليتين والثاني أنه يستر به الدبر لأنه أفحش في حال الركوع والسجود وإن اجتمع رجل وامرأة وهناك سترة تكفي أحدهما قدمت للمرأة لأن عورتها أعظم فإن لم يجد شيئاً يستر به العورة صلى عرياناً ولا يترك القيام وقال المزني: يلزمه أن يصلي قاعداً لأنه يحصل له بالقعود ستر بعض العورة وستر بعض العورة آكد من القيام لأن القيام يجوز تركه مع القدرة بحال والستر لا يجوز تركه بحال فوجب تقديم الستر وهذا لا يصح لأنه يترك القيام والركوع والسجود على التمام

стр. 136

ويحصل له ستر القليل من العورة والمحافظة على الأركان أولى من المحافظة على بعض الفرض فإن صلى عرياناً ثم وجد السترة لم تلزمه الإعادة لأن العري عذر عام وربما اتصل ودام فلو أوجبنا الإعادة لشق وضاق فإن دخل في الصلاة وهو عريان ثم وجد السترة في أثنائها فإن كانت بقربه ستر العورة وبنى على صلاته لأنه عمل قليل فلا يمنع البناء وإن كانت بعيدة بطلت صلاته لأنه يحتاج إلى عمل كثير وإن دخلت الأمة في الصلاة وهي مكشوفة الرأس فأعتقت في أثنائها فإن كانت السترة قريبة منها سترت وأتمت صلاتها وإن كانت بعيدة بطلت صلاتها وإن أعتقت ولم تعلم حتى فرغت من الصلاة ففيها قولان كما قلنا فيمن صلى بنجاسة ولم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة. فصل: وإن اجتمع جماعة عراة قال في القديم: الأولى أن يصلوا فرادى لأنهم إذا صلوا جماعة لم يمكنهم أن يأتوا بسنة الجماعة وهي تقديم الإمام وقال في الأم: يصلون جماعة وفرادى فسوى بين الجماعة والفرادى لأن في الجماعة إدراك فضيلة الجماعة وفوات فضيلة سنة الموقف وفي الفرادى إدراك فضيلة الموقف وفوات فضيلة الجماعة فاستويا فإن كان معهم مكتس يصلح للإمامة فالأفضل أن يصلوا جماعة لأنهم يمكنهم الجمع بين فضيلة الجماعة وفضيلة الموقف بأن يقدموه فإن لم يكن فيهم مكتس وأرادوا الجماعة استحب أن يقف الإمام وسطهم ويكون المأمومون صفاً واحداً حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض فإن لم يكن إلا صفين صلوا وغضوا الأبصار فإن اجتمع نساء عراة استحب لهن الجماعة لأن سنة الموقف في حقهن لا تتغير بالعري وإن اجتمع جماعة عراة ومع إنسان كسوة استحب أن يعيرهم فإن لم يفعل لم يغصب عليه لأن صلاتهم تصح من غير سترة فإن أعار واحداً بعينه لزمه قبوله فإن لم يقبل وصلى عرياناً بطلت صلاته لأنه ترك الستر مع القدرة عليه وإن وهبه له لم يلزمه قبوله لأن عليه في قبوله منة وفي احتمل المنة مشقة فلم يلزم وإن أعار جماعتهم صلى فيه واحد بعد واحد فإن خافوا إن صلى واحد أن يفوتهم الوقت قال الشافعي ﵀: ينظرون حتى يصلوا في الثوب وقال في قوم في سفينة وليس فيها موضع يقوم فيه إلا واحد أنهم يصلون من قعود ولا يؤخرون الصلاة فمن أصحابنا من نقل الجواب في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وقال فيهما قولان ومنهم من حملها على ظاهرهما

стр. 137

فقال في السترة ينتظرون وإن خافوا الفوات ولا ينتظرون في القيام لأن القيام يسقط مع القدرة في حال النافلة والستر لا يسقط مع القدرة بحال ولأن القيام يتركه إلى بدل وهو القعود والستر يتركه إلى غير بدل.

стр. 138

باب استقبال القبلة استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في حالين في شدة الخوف وفي النافلة في السفر والأصل فيه قوله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] فإن كان بحضرة البيت لزمه التوجه إلى عينه لما روى أسامة ﵁ أن النبي ﷺ دخل البيت ولم يصل وخرج وركع ركعتين قبل الكعبة وقال: هذه القبلة فإن دخل البيت وصلى فيه جاز لأنه متوجه إلى جزء من البيت والأفضل أن يصلي النفل في البيت لقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام١" والأفضل أن يصلي الفرض خارج البيت لأنه يكثر فيه الجمع فكان أعظم للأجر وإن صلى على سطحه نظرت فإن كان بين يديه سترة متصلة به جازت صلاته لأنه متوجه إلى جزء منه وإن لم يكن بين يديه سترة متصلة لم تجز لما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة" وذكر منها فوق بيت الله العتيق ولأنه صلى عليه ولم يصل إليه من غير عذر فلم يجز كما لو وقف على طرف السطح واستدبره وإن كان بين يديه عصاً مغروزة

стр. 139

غير مثبتة ولا مسمرة ففيه وجهان: أحدهما أنها تصح لأن المغروز من البيت ولهذا تدخل الأوتاد المغروزة في بيع الدار والثاني لا يصح لأنها غير متصلة بالبيت ولا منسوبة إليه وإن صلى في عرصة البيت وليس بين يديه سترة متصلة ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا يجوز وهو المنصوص لأنه صلى عليه ولم يصل إليه من غير عذر فأشبه إذا صلى على السطح وقال أبو العباس: يجوز لأنه صلى إلى ما بين يديه من أرض البيت فأشبه إذا خرج من البيت وصلى إلى أرضه. فصل: وإن لم يكن بحضرة البيت نظرت فإن عرف القبلة صلى إليها وإن أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد وإن رأى محاريب المسلمين في موضع صلى إليها ولا يجتهد لأن ذلك بمنزلة الخبر وإن لم يكن شيء من ذلك نظرت فإن كان ممن يعرف الدلائل فإن كان غائباً عن مكة اجتهد في طلب القبلة لأن له طريقاً إلى معرفتها بالشمس والقمر والجبال والرياح ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] فكان له أن يجتهد كالعالم في الحادثة وفي فرضه قولان: قال في الأم: فرضه إصابة العين لأن من لزمه فرض القبلة لزمه إصابة العين كالمكي وظاهر ما نقله المزني أن الفرض هو الجهة لأنه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل لأن فيهم من يخرج عن العين وإن كان في أرض مكة فإن كان بينه وبين البيت حائل أصلي كالجبل فهو كالغائب عن مكة وإن كان بينهما حائل طارئ وهو البناء ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجتهد لأنه في موضع كان فرضه الرجوع إلى العين فلا يتغير فرضه بالحائل الطارئ والثاني أنه يجتهد وهو ظاهر المذهب لأن بينه وبين البيت حائلاً يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل وإن اجتهد رجلان فاختلفا في جهة القبلة لم يقلد أحدهما صاحبه ولا يصلي أحدهما خلف الآخر لأن كل واحد منهما يعتقد بطلان اجتهاد صاحبه وبطلان صلاته وإن صلى

стр. 140

بالاجتهاد إلى جهة ثم حضرت صلاة أخرى ففيه وجهان: أحدهما أن يصلي بالاجتهاد الأول لأنه قد عرف بالاجتهاد الأول والثاني يلزمه أن يعيد الاجتهاد وهو المنصوص في الأم كما نقول في الحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدثت تلك الحادثة مرة أخرى فإن اجتهد للصلاة الثانية فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية ولا تلزمه إعادة ما صلى إلى الجهة الأولى كالحاكم إذا حكم باجتهاده ثم تغير اجتهاده لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول وإن تغير اجتهاده وهو في الصلاة ففيه وجهان: أحدهما يستأنف الصلاة لأنه لا يجوز أن يصلي صلاة واحدة باجتهادين كما لا يحكم الحاكم في قضية واحدة باجتهادين والثاني يجوز لأنا لو ألزمناه أن يستأنف الصلاة نقضنا ما أداه من الصلاة بالاجتهاد باجتهاد بعده وذلك لا يجوز كالحاكم في قضية ثم تغير اجتهاده لم ينقض ما حكم به بالاجتهاد الثاني وإن دخل في الصلاة باجتهاد ثم شك في اجتهاده أتم صلاته لأن الاجتهاد ظاهر والظاهر لا يزال بالشك وإن صلى ثم تيقن الخطأ ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه أن يعيد لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلم يعتد بما مضى كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه وقال في القديم: وفي باب الصيام من الجديد لا يلزمه لأنه جهة تجوز الصلاة إليها بالاجتهاد فأشبه إذا لم يتيقن الخطأ وإن صلى إلى جهة ثم بان له أن القبلة في يمينها أو شمالها لم يعد لأن الخطأ في اليمين والشمال لا يعلم قطعاً ولا ينقض به الاجتهاد وإن كان ممن لا يعرف الدلائل نظرت فإن كان ممن إذا عرف يعرف والوقت واسع لزمه أن يتعرف الدلائل ويجتهد في طلبها لأنه يمكنه أداء الفرض بالاجتهاد فلا يؤديه بالتقليد وإن كان ممن إذا عرف لا يعرف فهو كالأعمى لأنه لا فرق بين أن لا يعرف لعدم البصر وبين أن لا يعرف لعدم البصيرة وفرضهما التقليد لأنه لا يمكنهما الاجتهاد فكان فرضهما التقليد كالعامي في الأحكام الشرعية فإن صلى من غير تقليد وأصاب لم تصح صلاته لأنه صلى وهو شاك في صلاته وإن اختلف عليه اجتهاد رجلين قلد أوثفهما وأبصرهما فإن قلد الآخر جاز وإن عرف الأعمى القبلة بالمس صلى وأجزاه لأن ذلك بمنزلة التقليد فإن قلد غيره ودخل في الصلاة ثم أبصر فإن كان هناك ما يعرف به القبلة من محراب في مسجد أو نجم يعرف به أتم الصلاة وإن لم يكن شيء من ذلك بطلت صلاته لأنه صار من أهل الاجتهاد لا يجوز أن يصلي بالتقليد فإن لم يجد من فرضه التقليد من يقلده صلى على حسب حاله حتى لا يخلو الوقت من الصلاة فإذا وجد من يقلده أعادها. فصل: وإن كان ممن يعرف الدلائل ولكن خفيت عليه لظلمة أو غيم فقد قال في

стр. 141

موضع: ومن خفيت عليه الدلائل فهو كالأعمى أراد به كالأعمى في أنه يصلي ويعيد كالأعمى لا أنه يقلد وقال أبو العباس: إن ضاق الوقت قلد وإن اتسع الوقت لم يقلد وعليه تأول قول الشافعي ﵀ وقال المزني وغيره: المسألة على قولين وهو الأصح: أحدهما يقلد وهو اختيار المزني لأنه خفيت عليه الدلائل فهو كالأعمى والثاني لا يقلد لأنه يمكنه التوصل بالاجتهاد. فصل: فأما في شدة الخوف والتحام القتال فيجوز أن يترك القبلة إذا اضطر إلى تركها ويصلي حيث أمكنه لقوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال ابن عمر ﵁: مستقبلي القبلة وغير مستقبلها أو لأنه فرض اضطر إلى تركه فصلى مع تركه كالمريض إذا عجز عن القيام وأما النافلة فينظر فيها فإن كانت في السفر وهو على دابة نظرت فإن كان يمكنه أن يدور على ظهرها كالعمارية والمحمل الواسع لزمه أن يتوجه إلى القبلة لأنها كالسفينة وإن لم يمكنه ذلك جاز أن يترك القبلة ويصلي عليها حيث توجه لما روى عبد الله بن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به ويجوز ذلك في السفر الطويل والقصير لأنه أجيز حتى لا ينقطع عن السير وهذا موجود في السفر القصير والطويل ثم ينظر فيه فإن كان واقفاً نظرت فإن كان في قطار لا يمكنه أن يدير الدابة إلى القبلة صلى حيث توجه وإن كان منفرداً لزمه أن يدير رأسها إلى القبلة لأنه لا مشقة عليه في ذلك وإن كان سائراً فإن كان في قطار أو منفرداً والدابة حرون يصعب عليه إدارتها صلى حيث توجه وإن كان سهلاً ففيه وجهان: أحدهما يلزمه أن يدير رأسها إلى القبلة في حال الإحرام لما روى أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في السفر وأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به والمذهب أنه لا يلزمه أن يشق إدارة البهيمة في حال السير وإن صلى على الراحلة متوجهاً إلى مقصده فعدلت البهيمة إلى جهة أخرى نظرت فإن كانت جهة القبلة جاز لأن الأصل في فرضه جهة القبلة وإذا عدلت إليه فقد أتى بالأصل وإن لم تكن جهة القبلة فإن كان ذلك باختياره مع العلم بطلت صلاته لأنه ترك القبلة لغير عذر وإن نسي أنه في الصلاة أو ظن أن ذلك طريق

стр. 142

بلده أو غلبته الدابة لم تبطل صلاته فإذا علم رجع إلى جهة القصد قال الشافعي ﵀: وسجد للسهو وإن كان المسافر ماشياً جاز أن يصلي النافلة حيث توجه كالراكب لأن الراكب أجيز له ترك القبلة حتى لا ينقطع عن الصلاة في السفر وهذا المعنى موجود في الماشي غير أنه يلزم أن يحرم ويركع ويسجد على الأرض مستقبل القبلة لأنه يمكنه أن يأتي بذلك من غير أن ينقطع عن السير وإن دخل الراكب أو الماشي إلى البلد الذي يقصد وهو في الصلاة أتم صلاته إلى القبلة وإن دخل إلى بلد في طريقه جاز أن يصلي حيث توجه ما لم يقطع السير لأنه باق على السير وأما إذا كانت النافلة في الحضر لم يجز أن يصليها إلى غير القبلة وقال أبو سعيد الاصطخري ﵀: يجوز لأنه إنما رخص في السفر حتى لا ينقطع عن التطوع وهذا موجود في الحضر والمذهب الأول لأن الغالب من حال الحاضر اللبث والمقام فلا مشقة عليه في استقبال القبلة. فصل: والمستحب لمن يصلي إلى سترة أن يدنو منها لما روى سهل بن خيثمة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها حتى لا يقطع الشيطان عليه صلاته١" والمستحب أن يكون بينه وبينها قدر ثلاثة أذرع لما روى سهل بن سعد الساعدي قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بينه وبين القبلة قدر ممر العنز وممر العنز قدر ثلاثة أذرع فإن كان يصلي في موضع ليس فيه بين يديه بناء فالمستحب أن ينصب بين يديه عصاً لما روى أبو جحيفة أن النبي ﷺ خرج في حلة له حمراء فركز عنزة فجعل يصلي إليها بالبطحاء يمر الناس من ورائها والكلب والحمار والمرأة والمستحب أن يكون ما يستره قدر مؤخرة الرحل لما روى طلحة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك٢" قال عطاء: مؤخرة الرحل ذراع فإن لم يجد عصاً فليخط بين يديه خطاً إلى القبلة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد شيئاً فلينصب عصاً فإن لم يجد عصاً فليخط خطاً ولا يضره ما مر بين يديه٣" ويكره أن يصلي وبين يديه رجل يستقبله بوجه لما روي أن

стр. 143

عمر ﵁ رأى رجلاً يصلي ورجل جالس مستقبله بوجهه فضربهما بالدرة وإن صلى ومر بين يديه مار فدفعه لم تبطل صلاته بذلك لقوله ﷺ : "لا يقطع صلاة المره شيء وادرءوا ما استطعتم١".

стр. 144

باب صفة الصلاة إذا أراد أن يصلي في جماعة لم يقم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة لأنه ليس بوقت للدخول في الصلاة والدليل عليه ما روى أمامة ﵁ أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما قال قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ : أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة مثل ما يقوله فإذا فرغ المؤذن قام والقيام فرض في الصلاة المفروضة لما روى عمر أن ابن الحصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صل قائماً فإن لم تستطع فعلى جنب٢" فأما في النافلة فليس بفرض لأن النبي ﷺ كان يتنفل على الراحلة وهو قاعد ولأن النوافل تكثر فلو وجب فيها القيام شق وانقطعت النوافل. فصل: ثم ينوي والنية فرض من فروض الصلاة لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولأنها قربة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ومحل النية القلب فإن نوى بقلبه دون لسانه أجزأه ومن أصحابنا من قال: ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان وليس بشيء لأن النية هي القصد بالقلب ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير لأنه أول فرض من فروض الصلاة فيجب أن تكون النية مقارنة له فإن كانت الصلاة فريضة لزمه تعيين النية فينوي الظهر أو العصر لتتميز عن غيرها وهل يلزمه نية الفرض؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يلزمه لتتميز عن ظهر الصبي وظهر من صلى وحده ثم أدرك جماعة فصلاها معهم وقال أبو علي بن أبي هريرة: تكفيه نية الظهر أو العصر لأن الظهر والعصر لا يكونان في حق هذا إلا فرضاً ولا يلزمه أن ينوي الأداء والقضاء ومن

стр. 145

أصحابنا من قال يلزمه نية القضاء والأول هو المنصوص فإنه قال فمن صلى في يوم غيم بالاجتهاد فوافق ما بعد الوقت أنه يجزيه وإن كان عنده أنه يصليها في الوقت وقال في الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور فصام شهراً بالاجتهاد فوافق رمضان أو ما بعده إنه يجزيه وإن كان عنده أنه يصوم في شهر رمضان وإن كانت الصلاة سنة راتبة كالوتر وسنة الفجر لم تصح حتى يعين النية لتتميز عن غيرها وإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الصلاة وإن أحرم ثم شك هل نوى ثم ذكر أنه نوى فإن كان قبل أن يحدث شيئاً من أفعال الصلاة أجزأه وإن ذكر ذلك بعد ما فعل شيئاً من ذلك بطلت صلاته لأنه فعل ذلك وهو شاك في صلاته وإن نوى الخروج من الصلاة أو نوى أنه سيخرج أو شك هل يخرج أم لا بطلت صلاته لأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطع ذلك بما أحدث فبطلت صلاته كالطهارة إذا قطعها بالحدث وإن دخل في الظهر ثم صرف النية إلى العصر بطل الظهر لأنه قطع نيتها ولم يصح العصر لأنه لم ينو عند الإحرام وإن صرف نية الظهر إلى التطوع بطل الظهر لما ذكرناه وفي التطوع قولان: أحدهما لا يصح لما ذكرناه في العصر والثاني تصح لأن نية الفرض تتضمن نية النفل بدليل أن من دخل في الظهر قبل الزوال وهو يظن أنه بعد الزوال كانت صلاته نافلة. فصل: ثم يكبر والتكبير للإحرام فرض من فروض الصلاة لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم١" والتكبير هو أن يقول الله أكبر لأن النبي ﷺ كان يدخل به في الصلاة وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي٢" فإن قال الله أكبر أجزأه لأنه أتى بقوله الله أكبر وزاد زيادة لا تحيل المعنى فهو كقوله الله أكبر كبيراً وإن قال أكبر الله ففيه وجهان: أحدهما يجزيه كما لو قال عليكم السلام في آخر الصلاة والثاني لا يجزيه وهو ظاهر قوله في الأم لأنه ترك الترتيب في الذكر فهو كما لو قدم آية على آية وهذا يبطل بالتشهد والسلام وإن كبر بالفارسية وهو يحسن بالعربية لم يجز لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن لم يحسن بالعربية وضاق الوقت أن يتعلم كبر بلسانه لأنه عجز عن اللفظ
следующие страницы →