← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11813

المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (1 598 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فصل: ولا يصح التيمم إلا بالنية لما ذكرناه في الوضوء وينوي بالتيمم إستباحة الصلاة فإن نوى به رفع الحدث ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأنه لا يرفع الحدث والثاني يصح لأن نية رفع الحدث تتضمن إستباحة الصلاة ولا يصح التيمم للفرض إلا بنية الفرض فإن نوى بتيممه صلاة مطلقة أو صلاة نافلة لم يستبح الفريضة وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني ﵀ أن أبا يعقوب البارودي حكى عن الإملاء قولاً آخر أنه يستبيح به الفرض ووجهه أنه طهارة فلم يفتقر إلى نية الفرض كالوضوء والذي يعرفه البغداديون من أصحابنا كالشيخ أبي حامد الإسفراييني وشيخنا القاضي أبي الطيب رحمهما الله أنه لا يستبيح به الفرض لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع وهل يحتاج إلى تعيين الفرضة فيه وجهان: أحدهما أنه يحتاج إلى تعيينها لأن كل موضع افتقر إلى نية الفريضة افتقر إلى تعيينها كأداء الصلاة والثاني لا يحتاج إلى تعيينها ويدل عليه قوله في البويطي فإن تيمم للنفل كان له أن يصلي على الجنازة نص عليه في البويطي لأن صلاة الجنازة كالنافلة وإن تيمم لصلاة الفرض استباح به النفل لأن النفل تابع للفرض فإذا استباح المتبوع استباح التابع كما إذا أعتق الأم عتق الحمل. فصل: وإذا أراد التيمم فالمستحب له أن يسمي الله لأنه طهارة عن حدث فاستحب فيها اسم الله عليه كالوضوء ثم ينوي ويضرب يديه على التراب ويفرق أصابعه فإن كان التراب ناعماً فترك الضرب ووضع اليدين جاز ويمسح بهما وجهه ويوصل التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه وإلى ما ظهر من الشعر ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والشارب والعذارين والعنفقة ومن أصحابنا من قال يجب ذلك كما يجب إيصال الماء إليه في الوضوء والمذهب الأول لأن النبي ﷺ وصف التيمم واقتصر على ضربتين ومسح وجهه بإحداهما ومسح إحدى اليدين بالأخرى وبذلك لا يصل التراب إلى باطن هذه الشعور ويخالف الوضوء لأنه لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحت هذه الشعور وعليه مشقة في إيصال التراب فسقط وجوبه ثم يضرب ضربة أخرى فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهر الكف فإذا بلغ الكوع جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع ثم يمر ذلك إلى المرافق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمره عليه ويرفع إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم يمسح بكفه اليمنى يده اليسرى مثل

стр. 72

ذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل أصابعهما لما روى أسلم قال: قلت لرسول الله ﷺ أنا جنب فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هكذا فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه ثم أمرهما على لحيته ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض ثم دلك إحداهما بالأخرى ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما". فصل: والفرض مما ذكرناه النية ومسح الوجه ومسح اليدين بضربتين أو أكثر وتقديم الوجه على اليدين وسنته التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى. فصل: قال في الأم: فإن أمر غيره حتى يممه ونوى هو جاز كما يجوز في الوضوء وقال ابن القاص ﵀: لا يجوز قلته تخريجاً قال في الأم: وإن سفت الريح عليه تراباً ناعماً فأمر يديه على وجهه لم يجزه لأنه لم يقصد الصعيد وقال القاضي أبو حامد ﵀: هذا محمول عليه إذا لم يقصد فأما إذا صمد للريح فسفت عليه التراب أجزأه وهذا خلاف المنصوص. فصل: ولا يجوز التيمم للمكتوبة إلا بعد دخول الوقت لأنه قبل دخول الوقت مستغن عن التيمم فلم يصح تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء وإن تيمم قبل دخول الوقت لفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة ففيه وجهان: قال أبو بكر ابن الحداد ﵀: يجوز أن يصلي به الحاضرة بعد دخول الوقت لأنه تيمم وهو غير مستغن عن التيمم فأشبه إذا تيمم للحاضرة بعد دخول الوقت ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنها فريضة تقدم التيمم على وقتها فأشبه إذا تيمم لها قبل دخول الوقت. فصل: ولا يجوز التيمم بعد دخول الوقت إلا للعادم للماء أو للخائف من استعماله فأما الواجد فلا يجوز له التيمم لقوله ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء١" فإن وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فهو كالعادم لأنه ممنوع من استعماله فأشبه إذا وجد ماء وحال بينهما سبع. فصل: ولا يجوز للعادم للماء أن يتيمم إلا بعد الطلب لقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب ولأنه بدل أجيز عند عدم المبدل فلا يجوز فعله إلا بعد ثبوت العدم كالصوم في الكفارة لا يفعله حتى يطلب الرقبة ولا يصح الطلب إلا بعد دخول الوقت لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو

стр. 73

عدم الماء فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غير صعده ونظر حواليه وإن كان معه رفيق سأله عن الماء فإن بذله لزمه قبوله لأنه لا منة عليه في قبوله فإن باعه منه بثمن المثل وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة والطعام للمجاعة فإن لم يبذله له وهو غير محتاج إليه لنفسه لم يجز له أن يكابره على أخذه كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة وصاحبه لا يحتاج إليه لأن الطعام ليس له بدل وللماء بدل فإن دل على ماء ولم يخف فوات الوقت ولا انقطاعاً عن الرفقة لا ضرراً على نفسه وماله لزمه طلبه وإن طلب ولم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجده معهم أعاد التيمم لأنه لما توجه عليه الطلب بطلب التيمم وإن طلب ولم يجد جاز له التيمم لقوله : "فلم تجدوا ماء فتيمموا" "المائدة: ٦" وهل الأفضل أن يقدم التيمم والصلاة أم لا؟ ينظر فيه فإن كان على ثقة من وجود الماء أخر الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم لأن الصلاة في أول وقتها فضيلة والطهارة بالماء فريضة فكان انتظار الفريضة الأولى وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يتيمم ويصلي لأن الظاهر أنه لا يجد الماء فلا يضيع فضيلة أول الوقت لأمر لا يرجوه وإن كان يشك في وجوده ففيه قولان: أحدهما أن تأخيرها أفضل لأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة فكان تقديم الفريضة أولى والثاني أن تقديم الصلاة بالتيمم أفضل وهو الأصح لأن فعلها في أول الوقت فضيلة متيقنة والطهارة بالماء مشكوك فيها فكان تقديم الفضيلة المتيقنة أولى فإن تيمم وصلى ثم علم أنه كان في رحله ماء نسيه لم تصح صلاته وعليه الإعادة على المنصوص لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالنسيان كما لو نسي عضواً من أعضائه فلم يغسله وروى أبو ثور عن الشافعي ﵀ أنه قال: تصح صلاته ولا إعادة عليه لأن النسيان عذر حال بينه وبين الماء فسقط الفرض بالتيمم كما لو حال بينهما سبع وإن كان في رحله ماء فأخطأ رحله فطلبه فلم يجده فتيمم وصلى ففيه وجهان: قال أبو علي الطبري ﵀: لم تلزمه الإعادة لأنه غير مفرط في الطلب ومن أصحابنا من قال تلزمه لأنه فرط في حفظ الرحل فلزمته الإعادة. فصل: وإن وجد بعض ما يكفيه للطهارة ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه استعمال ما معه ثم يتيمم لقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] وهذا واجد للماء فيجب أن لا يتيمم وهو واجد له ولأنه مسح أبيح للضرورة فلا ينوب إلا في موضع

стр. 74

الضرورة كالمسح على الجبيرة وقال في القديم والإملاء: يقتصر على التيمم لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل كما تقول فيمن وجد بعض الرقبة في الكفارة. فصل: وإن اجتمع ميت وجنب أو ميت وحائض انقطع دمها وهناك ما يكفي أحدهما فإن كان لأحدهما كان صاحبه أحق به لأنه محتاج إليه لنفسه فلا يجوز له بذله لغيره فإن بذله للآخر وتيمم لم يصح تيممه وإن كان الماء لهما كانا فيه سواء وإن كان الماء مباحاً أو لغيرهما وأراد أن يجود على أحدهما فالميت أولى لأنه خاتمة طهارته والجنب والحائض يرجعان إلى الماء ويغتسلان وإن اجتمع ميت وحي على بدنه نجاسة والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان: أحدهما أن صاحب النجاسة أولى لأنه ليس لطهارته بدل ولطهارة الميت بدل وهو التيمم فكان صاحب النجاسة أحق بالماء والثاني أن الميت أولى وهو ظاهر المذهب لأنه خاتمة طهارته وإن اجتمع حائض وجنب والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان: قال أبو إسحاق ﵀: الجنب أولى لأن غسله منصوص عليه في القرآن ومن أصحابنا من قال إن الحائض أولى لأنها تستبيح بالغسل ما يستبيح الجنب وزيادة وهو الوطء فكانت أولى وإن اجتمع جنب ومحدث وهناك ماء يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أولى لأن حدثه يرتفع به ولا يرتفع به حدث الجنب وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل عنه شيء ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض بدنه ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن الجنب أولى لأنه يستعمل جميع الماء بالإجماع فإذا دفعناه إلى المحدث بقي ماء مختلف في وجوب استعماله في الجنابة والثاني أن المحدث أولى لأن فيه تشريكاً بينهما في الماء والثالث أنهما سواء فيدفع الماء إلى من شاء منهما لأنه يرفع حدث كل واحد منهما ويستعمله كل واحد منهما بالإجماع. فصل: وإن لم يجد ماء ولا تراباً صلى على حسب حاله وأعاد الصلاة لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة واستقبال القبلة والقيام والقراءة فصل: وأما الخائف من استعمال الماء فهو أن يكون به مرض أو قروح يخاف معها من استعمال الماء أو في برد شديد يخاف من استعمال الماء فينظر فيه فإن خاف التلف من استعمال الماء جاز له التيمم لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] قال ابن عباس ﵁: إذا

стр. 75

كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قروح أو جدري فيجنب فيخاف أن يغتسل فيموت فإنه يتيمم بالصعيد وروي عن عمرو بن العاص ﵀ أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح فذكرت ذلك للنبي فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فقلت سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] ولم ينكر عليه النبي ﷺ وإن خاف الزيادة في المرض وإبطاء البرء قال في الأم: لا يتيمم وقال في القديم والبويطي والإملاء: يتيمم إذا خاف الزيادة فمن أصحابنا من قال هما قولان: أحدهما يتيمم لأنه يخاف الضرر من استعمال الماء فأشبه إذا خاف التلف والثاني لا يجوز لأنه واجد للماء لا يخاف التلف من استعماله فأشبه إذا خاف أنه يجد البرد ومنهم من قال لا يجوز قولاً واحداً وما قال في القديم والبويطي والإملاء محمول على ما إذا خاف زيادة مخوفة وحكى أبو علي في الإفصاح طريقاً آخر أنه تيمم قولاً واحداً وإن خاف من استعمال الماء شيئاً فاحشاً في جسمه فهو كما لو خاف الزيادة في المرض لأنه يألم قلبه بالشين الفاحش كما يألم قلبه بزيادة المرض وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من استعمال الماء فيه التلف غسل الصحيح وتيمم عن الجريح وقال أبو إسحاق يحتمل قولاً آخر أنه يقتصر على التيمم كما لو عجز عن الماء في بعض بدنه للإعواز والأول أصح لأنه العجز هناك ببعض الأصل وههنا العجز ببعض البدن وحكم الأمرين مختلف ألا ترى أن الحر إذا عجز عن بعض الأصل في الكفارة جعل كالعاجز عن جميعه في الاقتصار على البدل ولو كان نصفه حراً ونصفه عبداً لم يكن العجز بالرق في البعض كالعجز في الجميع بل إذا ملك بنصفه الحر مالاً لزمه أن يكفر بالمال. فصل: ولا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة وقال المزني: يجوز وهذا خطأ لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: من السنة أن لا يصلي

стр. 76

بتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ ولأنه طهارة ضرورة فلا يصلي بها فريضتين من فرائض الأعيان كطهارة المستحاضة فإن نسي صلاة من صلاة اليوم والليلة لا يعرف عينها قضى خمس صلوات وفي التيمم وجهان: أحدهما أنه يكفيه تيمم واحد لأن المنسية واحدة وما سواها ليس بفرض والثاني أنه يجب لكل واحدة تيمم لأنه صار كل واحد منها فرضاً وإن نسي صلاتين من صلاة اليوم والليلة ولا يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات قال ابن القاص: يجب أن يتيمم لكل واحدة منها لأنه أي صلاة بدأ بها يجوز أن تكون هي المنسية فزال بفعلها حكم التيمم ويجوز أن تكون الثانية هي التي تليها فلا يجوز أداؤها بتيمم مشكوك فيه ومن أصحابنا قال يمكن أن يصلي ثماني صلوات بتيممين فيزيد ثلاث صلوات وينقص ثلاث تيممات فيتيمم ويصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب ثم يتيمم ويصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيكون قد صلى إحداهما بالتيمم الأول والثانية بالتيمم الثاني وإن نسي صلاتين من يومين فإن كانتا مختلفتين فهما بمنزلة الصلاتين من يوم وليلة وإن كانتا متفقتين لزمه أن يصلي عشر صلوات فيصلي خمس صلوات بتيمم ثم يتيمم ويصلي خمس صلوات وإن شك هل هما متفقتان أو مختلفتان لزمه أن يأخذ بالأشد وهو أنهما متفقتان. فصل: ويجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل لأنها غير محصورة فخف أمرها ولهذا أجيز ترك القيام فيها فإن نوى بالتيمم بالفريضة والنافلة جاز أن يصلي النافلة قبل الفريضة وبعدها لأنه نواها بالتيمم وإن نوى بالتيمم الفريضة ولم ينو النافلة جاز أن يصلي النفل بعدها وهل يجوز أن يصليها قبلها؟ فيه قولان: قال في الأم: له ذلك لأن كل طهارة جاز أن ينتفل بها بعد الفريضة جاز قبلها كالوضوء وقال في البويطي: ليس له ذلك لأنه يصليها على وجه التبع للفريضة فلا يجوز أن يتقدم على متبرعها ويجوز أن يصلي على جنائز بتيمم واحد إذا لم يتعين عليه لأنه يجوز تركها فهي كالنوافل وإن تعينت عليه ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجوز أن يصلي بتيم واحد أكثر من صلاة لأنها فريضة تعينت عليه فهي كالمكتوبة والثاني يجوز وهو ظاهر المذهب لأنها ليست من جنس فرائض الأعيان. فصل: إذا تيمم عن الحدث استباح ما يستبيح بالوضوء فإن أحدث بطل تيممه كما يبطل وضوؤه ويمنع مما كان يمنع من قبل التيمم وإن تيمم عن الجنابة استباح ما يستبيح

стр. 77

بالغسل من الصلاة وقراءة القرآن فإن أحدث منع من الصلاة ولم يمنع من قراءة القرآن لأن تيمم قام مقام الغسل ولو اغتسل ثم أحدث لم يمنع من القراءة فكذلك إذا تيمم ثم أحدث وإن تيمم ثم ارتد بطل تيممه لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة والمرتد ليس من أهل الاستباحة. فصل: وإن تيمم لعدم الماء ثم رأى الماء فإذا كان قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه لأنه لم يحصل في المقصود فصار كما لو رأى الماء في أثناء التيمم وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة نظرت فإن كان في الحضر أعاد الصلاة لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل فلم يسقط معه فرض الإعادة كما لو صلى بنجاسة نسيها وإن كان في السفر نظرت فإن كان في سفر طويل لم يلزمه الإعادة لأن عدم الماء في السفر عذر عام فسقط معه فرض الإعادة كالصلاة مع سلس البول وإن كان في سفر قصير ففيه قولان: أشهرهما أنه لا تلزمه الإعادة لأنه موضع يعدم فيه الماء غالباً فأشبه السفر الطويل وقال في البويطي: لا يسقط الفرض عنه لأنه لا يجوز له القصر فلا يسقط الفرض عنه بالتيمم كما لو كان في الحضر وإن كان في سفر معصية ففيه وجهان: أحدهما تجب عليه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر والسفر معصية فلا تجوز أن تتعلق به رخصة والثاني لا يجب لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا تلزمه الإعادة وإن كان معه في السفر ماء ودخل عليه وقت الصلاة فأراقه أو شربه من غير حاجة وتيمم وصلى ففيه وجهان: أحدهما تلزمه الإعادة لأنه مفرط في إتلافه والثاني لا تلزمه الإعادة لأنه تيمم وهو عادم للماء فصار كما لو أتلفه قبل دخول الوقت وإن رأى الماء في أثناء الصلاة نظرت فإن كان ذلك في الحضر بطل تيممه وصلاته لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء وقد وجد الماء فوجب أن يشتغل بالإعادة وإن كان في السفر لم يبطل تيممه وقال المزني: يبطل والمذهب الأول لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود فلا يلزمه الانتقال إليه كما لو حكم بشهادة شهود الفرع ثم وجد شهود الأصل وهل يجوز الخروج منها؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز وإليه أشار في البويطي لأن ما لا يبطل الطهارة والصلاة لم يبح الخروج منها كسائر الأشياء وقال أكثر أصحابنا: يستحب الخروج منها كما قال الشافعي ﵀ فيمن دخل في صوم الكفارة ثم وجد الرقبة أن الأفضل أن يعتق فإن رأى الماء في الصلاة في السفر ثم نوى الإقامة بطل تيممه وصلاته لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة فوجب أن يغلب حكم الحضر ويصير كأنه تيمم وصلى وهو حاضر ثم رأى الماء وإن رأى الماء في أثناء الصلاة في

стр. 78

السفر فأتمها وقد فنى الماء لم يجز له أن يتننفل حتى يجدد للتيمم لأن برؤيته الماء حرم عليه افتتاح الصلاة وإن رأى الماء في صلاة نافلة فإن كان قد نوى عدداً أتمها كالفريضة وإن لم ينو عدداً سلم من ركعتين ولم يزد عليهما وإن تيمم للمرض ثم برئ لم تلزمه الإعادة لأن المرض من الأعذار العامة فهو كعدم الماء في السفر وإن تيمم لشدة البرد وصلى ثم زال البرد فإن كان في الحضر لزمه الإعادة لأن ذلك من الأعذار النادرة وإن كان في السفر ففيه قولان: أحدهما لا يجب لأن عمرو بن العاص تيمم وصلى لشدة البرد وذكر للنبي ﷺ فلم يأمره بالإعادة والثاني يجب لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل فهو كعدم الماء في الحضر ومن صلى بغير طهارة لعدم الماء والتراب لزمه الإعادة لأن ذلك عذر نادر غير متصل فصار كما لو نسي الطهارة فصلى مع القدرة على الطهارة. فصل: إذا كان على بعض أعضائه كسر يحتاج إلى وضع الجبائر وضع الجبيرة على طهر فإن وضعها على طهر ثم أحدث وخاف من نزعها أو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح على الجبائر لأن النبي ﷺ أمر علياً كرم الله وجهه أن يمسح الجبائر ولأنه تلحق المشقة في نزعها فجاز المسح عليها كالخف وهل يلزمه مسح الجميع أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما يلزمه مسح الجميع لأنه مسح أجيز للضرورة فوجب فيه الاستيعاب كالمسح في التيمم والثاني أنه يجزيه ما يقع عليه الاسم لأنه مسح على حائل منفصل فهو كمسح الخف وهل يجز التيمم مع المسح؟ فيه قولان: قال في القديم: لا يتيمم كما لا يتيمم مع المسح على الخف وقال في الأم: يتيمم لحديث جابر ﵁ أن رجلاً أصابه حجز فشجه في رأسه ثم احتلم فاغتسل فمات فقال النبي ﷺ "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" ولأنه يشبه الجريح لأنه يترك غسل العضو لخوف الضرر ويشبه لابس الخف لأنه لا يخاف الضرر من غسل العضو وإنما يخاف المشقة في نزع الحائل كلابس الخف فلما أشبهها وجب عليه بين المسح والتيمم فإن نوى وقدر على الغسل فإن كان قد وضع الجبائر على غير طهر لزمه إعادة الصلاة وإن كان قد وضع على طهر ففيه قولان: أحدهما لا يلزمه كما لا يلزم ماسح الخف والثاني يلزمه لأنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل فكان كما لو ترك غسل العضو ناسيا

стр. 79

باب الحيض إذا حاضت المرأة حرم عليها الطهارة لأن الحيض يوجب الطهارة وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول ويحرم عليها الصلاة لقوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" ويسقط فرض الصلاة لما روت عائشة ﵂ قالت: كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بالقضاء ولأن الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها لشق وضاق ويحرم عليها الصوم لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فدل على أنهن كن يفطرن ولا يسقط فرضه لحديث عائشة ﵂ ولأن الصوم في السنة مرة فلا يشق قضاؤه فلم يسقط ويحرم عليها الطواف لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت١" ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح منها الطهارة ويحرم عليها قراءة القرآن لقوله ﷺ : "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن٢" ويحرم عليها حمل المصحف ومسه لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] ويحرم عليها اللبث في المسجد لقوله ﷺ : "لا أحل المسجد لجنب ولا

стр. 80

لحائض١" فأما العبور فيه فإنها إن استوثقت من نفسها بالشد والتلجم جاز لأنه حدث يمنع اللبث في المسجد فلا يمنع العبور كالجنابة ويحرم الوطء في الفرج لقوله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] فإن وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان: قال في القديم: إن كان في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار وإن كان في آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقال في الجديد: لا تجب عليه الكفارة لأنه وطء محرم للأذى فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر ويحرم الاستمتاع فيما بين السرة والركبة وقال أبو إسحاق: لا يحرم غير الوطء في الفرج لقوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح٢" ولأنه وطء محرم للأذى فاختص به الفرج كالوطء في الدبر والمذهب الأول لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار" وإذا طهرت من الحيض حل لها الصوم لأن تحريمه بالحيض وقد زال الحيض ولا تحل الصلاة والطواف وحمل المصحف وقراءة القرآن لأن المنع منها لأجل الحدث والحدث باق ولا يحل الاستمتاع بها حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] الآية قال مجاهد حتى يغتسلن فإن لم تجد الماء فتيممت حل لها ما يحل بالغسل لأن التيمم قائم مقام الغسل فاستبيح به ما يستباح بالغسل وإن تيممت وصلت فريضة لم يحرم وطؤها ومن أصحابنا من قال يحرم وطؤها بفعل الفريضة كما يحرم فعل الفريضة بعدها والأول أصح لأن الوطء ليس بفرض فلم يحرم بفعل الفريضة كصلاة النفل. فصل: أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين قال الشافعي ﵀: أعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة فإنهن يحضن لتسع سنين فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد لا يتعلق به أحكام الحيض وأقل الحيض يوم وليلة وقال في موضع

стр. 81

آخر يوم فمن أصحابنا من قال هما قولان ومنهم من قال هو يوم وليلة قولاً واحداً وقوله يوم أراد بليلته ومنهم من قال يوم قولاً واحداً وإنما قال يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم فلما ثبت عنده اليوم رجع إليه والدليل على ذلك أن المرجع في ذلك إلى الوجود وقد ثبت الوجود في هذا القدر قال الشافعي ﵀: رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوماً لا تزيد عليه وقال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقال عطاء رأيت من النساء من تحيض يوماً وتحيض خمسة عشر يوماً وقال أبو عبد الله الزبيري ﵀: كان في نسائنا من تحيض يوماً وتحيض خمسة عشر يوماً وأكثره خمسة عشر يوماً لما روينا عن عطاء وأبي عبد الله الزبيري وغالبه ست أو سبع لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش "تحيضي في علم الله تعالى ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرن" وأقل طهر فاصل بين الدمين خمسة عشر يوماً لا أعرف فيه خلافاً فإن صح ما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال في النساء "نقصان دينهن أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي" دل ذلك على أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه وفي الدم الذي تراه الحامل قولان: أحدهما أنه حيض لأنه دم لا يمنعه الرضاع فلا يمنعه الحمل كالنفاس والثاني أنه دم فساد لأنه لو كان ذلك حيضاً لحرم الطلاق وتعلق به انقضاء العدة فإن رأت يوماً طهراً أو يوماً دماً ولم يعبر خمسة عشر يوماً ففيه قولان: أحدهما أنه لا يلفق الدم بل يجعل الجميع حيضاً لأنه لو كان ما رأته من النقاء طهراً لانقضت العدة بثلاثة منها والثاني أنه يلفق الدم إلى الدم والطهر إلى الطهر فتكون أيام النقاء طهراً وأيام الدم حيضاً لأنه لو جاز أن يجعل أيام النقاء حيضاً لجاز أن يجعل أيام الدم طهراً ولما لم يجز أن تجعل أيام الدم طهراً لم يجز أن تجعل أيام النقاء حيضاً فوجب أن يجزي كل واحد منهما على حكمه. فصل: إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيه أمسكت عما تمسك عنه الحائض فإن انقطع لدون اليوم والليلة كان ذلك دم فساد فتتوضأ وتصلي وإن انقطع ليوم وليلة أو لخمسة عشر يوماً أو لما بينهما فهو حيض فتغتسل عند انقطاعه سواء كان

стр. 82

الدم على صفة دم الحيض أو على غير صفته وسواء كان لها عادة فخالفت عادتها أو لم تكن وقال أبو سعيد الاصطخري ﵀: إن رأت الصفرة أو الكدرة في غير وقت العادة لم يكن حيضاً لما روي عن أم عطية قالت: كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل شيئاً ولأنه ليس فيه أمارة الحيض فلم يكن حيضاً والمذهب أنه حيض لأنه دم صادف زمان الإمكان ولم يجاوزه فأشبه إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام عادتها وحديث أم عطية يعارضه ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً وقوله إنه ليس فيه أمارة غير مسلم بل وجوده في أيام الحيض أمارة لأن الظاهر من حالها الصحة والسلامة وأن ذلك دم الجبلة دون العلة وإن عبر الدم الخمسة عشر فقد اختلط حيضها بالاستحاضة فلا تخلو إما أن تكون مبتدأة غير مميزة أو مبتدأة مميزة أو معتادة غير مميزة أو ناسية مميزة فإن كانت مبتدأة غير مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر والدم على صفة واحدة ففيها قولان: أحدهما أنها تحيض أقل الحيض لأنه يقين وما زاد مشكوك فيه فلا يحكم بكونه حيضاً والثاني أنها ترد إلى غالب عادة النساء وهي ست أو سبع وهو الأصح لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرن" ولأنه لو كانت لها عادة ردت إليها لأن الظاهر أن حيضها في هذا الشهر كحيضها فيما تقدم فإذا لم يكن لها عادة فالظاهر أن حيضها كحيض نسائها ولداتها فردت إليها وإلى أي عادة ترد فيه وجهان: أحدهما إلى غالب عادة النساء لحديث حمنة والثاني إلى غالب عادة نساء بلدها وقومها لأنها أقرب إليهن فإن استمر بها الدم في الشهر الثاني اغتسلت عند انقضاء اليوم والليلة في أحد القولين وعند انقضاء الست أو السبع في الآخر لأنا قد علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة وأن حكمها ما ذكرناه فتصلي وتصوم ولا تقضي الصلاة وأما الصوم فلا تقضي ما تأتي به بعد الخمسة عشر وفيما تأتي به قبل الخمسة عشر وجهان: أحدهما تقضيه لجواز أن يكون قد صادف زمان الحيض فلزمها قضاؤه كالناسية والثاني لا تقضي وهو الأصح لأنها صامت في زمان حكمنا بالطهر فيه بخلاف الناسية فإنا لم نحكم لها بحيض ولا طهر. فصل: فإن كانت مبتدأة مميزة وهي التي بدأ بها الدم وعبر الخمسة عشر ودمها

стр. 83

في بعض الأيام دم الحيض وهو المحتدم القاني الذي يضرب إلى السواد وفي بعضها أحمر مشرق أو أصفر فإن حيضها أيام السواد بشرطين: أحدهما أن يكون الأسود لا ينقص عن أقل الحيض والثاني أن لا يزيد على أكثره والدليل عليه ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : إني أستحاض فأدع الصلاة؟ فقال ﷺ : "إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق١" ولأنه خارج يوجب الغسل فجاز أن يرجع إلى صفته عند الإشكال كالمني فإذا رأت في الشهر الأول يوماً وليلة دماً أسود ثم أحمر أو أصفر أمسكت عن الصلاة والصوم لجواز أن لا يجاوز الخمسة عشر يوماً فيكون الجميع حيضاً وفي الشهر الثاني يلزمها أن تغتسل عند تغير الدم وتصلي وتصوم لأنا قد علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة فإن رأت في الشهر الثالث السواد في ثلاثة أيام ثم أحمر أو أصفر وفي الشهر الرابع رأت السواد في أربعة أيام ثم أحمر أو أصفر كان حيضها في كل شهر الأسود وإن رأت خمسة أيام دماً أحمر أو أصفر ثم رأت خمسة أيام دماً أسود ثم احمر الدم إلى آخر الشهر فالحيض هو الأسود وما قبل الأسود وما بعده استحاضة وخرج أبو العباس ﵁ وجهين ضعيفين: أحدهما أنه لا تمييز لها لأن الخمسة الأول حيض لأنه دم بدأ بها في وقت يصلح أن يكون حيضاً والخمسة الثانية أولى أن تكون حيضاً لأنه في وقت يصلح للحيض وقد انضم إليه علامة الحيض وما بعدهما بمنزلتهما فيصير كأن الدم كله مبهم فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة والوجه الثاني أن حيضها العشر الأول لأن الخمسة الأول حيض بحكم البداية في وقت يصلح أن يكون حيضاً والخمسة الثانية حيض باللون وإن رأت خمسة أيام دماً أحمر ثم رأت دماً أسود إلى آخر الشهر فهي غير مميزة لأن السواد زاد على الخمسة عشر يوماً فبطلت دلالته فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة وخرج أبو العباس فيه وجهاً آخر إن ابتداء حيضها من أول الأسود إما يوم وليلة وإما ست أو سبع لأنه بصفة دم الحيض

стр. 84

وهذا لا يصح لأن هذا اللون لا حكم له إذا اعتبر الخمسة عشر وإن رات خمسة يوماً دماً أحمر وخمسة عشر يوماً دماً أسود وانقطع فحيضها الأسود وإن استمر الأسود ولم ينقطع لم تكن مميزة فيكون حيضها من ابتداء الدم يوماً وليلة في أحد القولين أو ستاً أو سبعاً في القول الآخر وعلى الوجه الذي خرجه أبو العباس ﵁ يكون حيضها من أول الدم الأسود يوماً وليلة أو ستاً أو سبعاً في الآخر وإن رأت سبعة عشر يوماً دماً أحمر ثم رأت دماً أسود واتصل لم يكن لها تمييز فيكون حيضها يوماً وليلة من أول الدم الأمر في أحد القولين أو ستاً أو سبعاً في الآخر وقال أبو العباس ﵁: يكون حيضها يوماً وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهراً وتبتدئ من أول الدم الأسود حيضاً آخر في أحد القولين يوماً وليلة وفي القول الآخر يجعل حيضها ستاً أو سبعاً والباقي استحاضة إلا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين فإنه إذا كان ابتداء الأسود من الثالث والعشرين فعلى قول أبي العباس ﵁ يكون حيضها من أول الأحمر سبعة وخمسة عشر طهراً وتبتدئ من أول الأسود حيضاً آخر يوماً وليلة في أحد القولين وستاً أو سبعاً في القول الآخر. فصل: فإن كانت معتادة غير مميزة وهي التي كانت تحيض من كل شهر أياماً ثم عبر الدم عادتها وعبر الخمسة عشر فلا تمييز لها فإنها لا تغتسل لمجاوزة الدم عادتها لجواز أن ينقطع الدم لخمسة عشر يوماً فإذا عبر الخمسة عشر ردت إلى عادتها فتغتسل بعد الخمسة عشر وتقضي صلاة ما زاد على عادتها لما روي أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت أم سلمة ﵂ فقال النبي ﷺ : "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك" فإن استمر بها الدم في الشهر الثاني وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة لأنا قد علمنا بالشهر الأول أنها مستحاضة فتغتسل في كل شهر عند مجاوزة العادة فتصلي وتصوم وتثبت العادة بمرة واحدة فإذا حاضت في شهر مرة خمسة أيام ثم استحيضت في شهر بعده ردت إلى الخمسة ومن أصحابنا من قال: لا تثبت إلا بمرتين فإن لم تحض الخمسة مرتين لم تكن معتادة بل هي مبتدأة لأن العادة لا تستعمل في مرة والمذهب الأول لحديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة فإن النبي ﷺ ردها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة ولأن ذلك أقرب إليها فوجب ردها إليه وتثبت العادة بالتمييز كما تثبت بانقطاع الدم فإن رأت المبتدأة خمسة أيام دماً أسود ثم أصفر واتصل ثم رأت في الشهر الثاني دماً منهما كانت عادتها أيام السواد ويثبت الطهر بالعادة كما يثبت

стр. 85

الحيض فإذا حاضت خمسة أيام وطهرت خمساً وخمسين يوماً ثم رأت الدم وعبر الخمسة عشر جعل حيضها في كل شهرين خمسة أيام والباقي طهر ويجوز أن تنتقل العادة فتتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص فترد إلى آخر ما رأت من ذلك لأن ذلك أقرب إلى شهر الاستحاضة وإن كانت عادتها الخمسة الثانية من الشهر فرأت الدم من أول الشهر واتصل فالحيض هي الخمسة المعتادة وقال أبو العباس ﵁: فيه وجه آخر أن حيضها هي الخمسة الأول لأنه بدأ بها في زمان يصلح أن يكون حيضاً والأول أصح لأن العادة قد ثبتت في الخمسة الثانية فوجب الرد إليها كما لو لم يتقدمها دم وإن كانت عادتها خمسة أيام من أول كل شهر ثم رأت في بعض الشهور الخمسة المعتادة ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم رأت الدم وعبر الخمسة عشر يوماً فإنها ترد إلى عادتها وهي الخمسة الأول من الشهر وخرج أبو العباس ﵁ وجهاً آخر أن الخمسة الأول من الدم الثاني حيض لأنها رأته في وقت يصلح أن يكون حيضاً والأول هو المذهب لأن العادة قد تثبت في الحيض من أول كل شهر فلا تتغير إلا بحيض صحيح. فصل: فإن كانت معتادة مميزة وهي أن تكون لها عادة في كل شهر أن تحيض خمسة أيام ثم رأت في شهر عشرة أيام دماً أسود ثم رأت دماً أحمر أو أصفر واتصل ردت إلى التمييز وجعل حيضها أيام السواد وهي العشرة وقال أبو علي بن خيران ﵀: ترد إلى العادة وهي الخمس والأول أصح لأن التمييز علامة قائمة في شهر الاستحاضة فكان اعتباره أولى من اعتبار عادة قد انقضت. فصل: وإن كانت ناسية مميزة وهي التي كانت لها عادة ونسيت عادتها ولكنها تميز الحيض من الاستحاضة باللون فإنها ترد إلى التمييز لأنها لو ذكرت عادتها لردت إلى التمييز فإذا نسيت أولى وعلى قول من قال تقدم العادة على التمييز حكمها وحكم من لا تمييز لها واحد ونحن نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. فصل: وإن كانت ناسية للعادة غير مميزة لم يخل إما أن تكون ناسية للوقت والعدد أو ناسية للوقت ذاكرة للعدد أو ناسية ذاكرة للوقت فإن كانت ناسية للوقت والعدد وهي المتحيرة ففيها قولان: أحدهما أنها كالمبتدأة التي لا تمييز لها نص عليه في العدد فيكون حيضها من أول كل هلال يوماً وليلة في أحد القولين أو ستاً أو سبعاً في الآخر فإن عرفت متى رأت الدم جعلنا ابتداء شهرها من ذلك الوقت وعددنا لها ثلاثين يوماً وحيضناها لأنه ليس بعض الأيام بأن يجعل حيضاً بأولى من البعض فسقط حكم الجميع وصارت كمن لا عادة لها ولا تمييز والثاني وهو المشهور المنصوص في الحيض أنه لا

стр. 86

حيض لها ولا طهر بيقين فتصلي وتغتسل لكل صلاة لجواز أن يكون ذلك وقت انقطاع الحيض ولا يطؤها الزوج وتصوم مع الناس شهر رمضان فيصح لها أربعة عشر يوماً لجواز أن يكون يوم الخامس عشر من حيضها بعضه من أول يوم من الشهر وبعضه من السادس عشر فيفسد عليها بذلك يومان ثم تصوم شهراً آخر فيصح لها منه أربعة عشر يوماً فإن كان الشهر الذي صامه الناس ناقصاً صح لها منه ثلاثة عشر يوماً من الصوم لجواز أن يكون ابتداء الحيض من بعض اليوم الأول وانتهاؤه في بعض السادس عشر فيبطل عليها صوم ستة عشر يوماً ويصح لها ثلاثة عشلا يوماً فإن كان شهر قضائها كاملاً بقي عليها قضاء يومين وإن كان ناقصاً بقي قضاء ثلاثة أيام وإن كانا كاملين بقي قضاء يومين وإن كان شهر الأداء كاملاً وشهر القضاء ناقصاً بقي قضاء ثلاثة أيام وإن قضت في شوال صح لها صوم ثلاثة عشر يوماً إن كمل واثني عشر إن نقص وإن قضت في ذي الحجة فعشرة إن كمل وتسعة إن نقص فإن كان الشهر الذي صامه الناس ناقصاً وجب عليها قضاء يوم فتصوم أربعة أيام من سبعة عشر يوماً يومين في أولها ويومين في آخرها وإن كان الشهر تاماً وجب عليها قضاء يومين فتصوم ستة أيام من ثمانية عشر يوماً ثلاثة في أولها وثلاثة في آخرها فيصح لها صوم الشهر وإن لزمها صوم ثلاثة أيام قضتها من تسعة عشر يوماً أربعة من أولها وأربعة من آخرها وإن لزمها صوم أربعة أيام قضتها من عشرين يوماً في أولها وخمسة في آخرها وكلما زاد في المدة يوم زاد في الصوم يومان في أولها ويوم في آخرها وعلى هذا القياس يعمل في طوافها. فصل: وإن كانت ناسية لوقت الحيض ذاكرة للعدد فكل زمان تيقنا فيه الحيض ألزمناها اجتناب ما تجتنبه الحائض وكل زمان تيقنا طهرها أبحنا فيه ما يباح للطاهر وأوجبنا ما يجب على الطاهر وكل زمان شككنا في طهرها حرمنا وطأها وأوجبنا ما يجب على الطاهر احتياطاً وكل زمان جوزنا فيه انقطاع الحيض أوجبنا عليها أن تغتسل فيه للصلاة ويعرف ذلك بتنزيل أحوالها ونذكر من ذلك مسائل تدل على جميع أحوالها إن شاء الله وبه التوفيق: فإن قالت كان حيضي عشرة أيام من الشهر لا أعرف وقتها لم يكن لها حيض ولا طهر بيقين لأنه يمكن في كل وقت أن تكون حائضاً ويمكن أن تكون طاهراً فيجعل زمانها في الصوم والصلاة زمان الطهر فتتوضأ في العشر الأول لكل فريضة ولا تغتسل لأنه لا يمكن انقطاع الدم فيه فإذا مضت العشر أمرناها بالغسل لإمكان انقطاع الدم ثم نلزمها بعد ذلك أن تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر لأن كل وقت من ذلك يمكن انقطاع الدم فيه فإن عرفت وقتاً من اليوم كان ينقطع فيه دمها

стр. 87

ألزمناها أن تغتسل كل يوم في ذلك الوقت ولا نلزمها أن تغتسل في غيره لأنا علمنا وقت انقطاع دمها من اليوم وإن قالت كنت أحيض إحدى العشرات الثلاث من الشهر فهذه ليس لها حيض ولا طهر بيقين فنجعل زمانها زمان الطهر فتصلي من أول الشهر وتتوضأ لكل صلاة وتغتسل في آخر كل عشر لإمكان انقطاع الدم فيه وإن قالت كان حيضي ثلاثة أيام من الشهر الأول فهذه ليس لها حيض ولا طهر بيقين في هذه العشر فتصلي من أول العشر ثلاثة أيام بالوضوء ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر إلا أن تعرف انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل لذلك الوقت في كل يوم وتتوضأ في غيره وإن قالت كان حيضي أربعة أيام من العشرة الأولى صلت بالوضوء أربعة أيام ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر وعلى هذا التنزيل في الخمس والست والسبع والثمان والتسع فإن عرفت يقين طهرها في وقت من الشهر بأن قالت كان حيضي عشرة أيام في كل شهر وأعلم أني كنت في العشر الأخيرة طاهراً فإنها في العشر الأول تتوضأ لكل صلاة لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه فإذا مضت العشر اغتسلت لكل صلاة إلا أن تعلم انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل فيه دون غيره وفي العشر الثالثة طاهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة وإن قالت كان حيضي خمسة أيام في العشر الأول وكنت في اليوم الأول من العشر الأول طاهراً ففي اليوم الأول طهر بيقين فتتوضأ فيه لكل صلاة فريضة وفي اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس طهر مشكوك فيه فتتوضأ فيه لكل فريضة والسادس حيض بيقين فإنه على أي تنزيل نزلنا لم يخرج اليوم السادس منه فتترك فيه ما تترك الحائض ثم تغتسل في آخره لإمكان انقطاع الدم فيه ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة إلى آخر العاشر ثم تدخل في طهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة وإن قالت كان حيضي ستة أيام في العشر الأول كان لها يومان حيض بيقين وهما الخامس والسادس لأنه إن ابتدأ الحيض من أول العشر فآخره السادس وإن ابتدأ من الخامس فآخره العاشر والخامس والسادس داخلان فيه بكل حال وإن قالت كان حيضي سبعة أيام من العشر الأول حصل لها أربعة أيام حيض بيقين وهي من الرابع إلى السابع وإن قالت ثمانية كان حيضها بيقين ستة من الثالث إلى آخر الثامن فإن قالت تسعة كان ثمانية من الثاني إلى آخر التاسع لما بينا وإن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام لا أعرفها وكنت في اليوم السادس طاهراً فإنها من أول الشهر إلى آخر السادس في طهر بيقين ومن السابع إلى آخر الشهر في طهر مشكوك فيه فتتوضأ لكل فريضة إلى أن تمضي عشرة أيام بعد السادس ثم تغتسل لإمكان انقطاع الدم فيه ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة إلا أن تعرف الوقت الذي

стр. 88

كان ينقطع فيه الدم فتغتسل كل يوم فيه دون غيره وإن قالت كان حيضي في كل شهر خمسة أيام لا أعرف موضعها وأعلم أني كنت في الخمسة الأخيرة طاهراً وأعلم أن لي طهراً صحيحاً غيرها في كل شهر فإنه يحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الأولى والباقي طهر ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الثانية والباقي طهر ولا يجوز أن يكون في الخمسة الثالثة لأن ما قبلها وما بعدها دون أقل الطهر ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الرابعة ويكون ما قبلها طهراً ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الخامسة ويكون ما قبلها طهراً فلزمها أن تتوضأ لكل صلاة في الخمسة الأولى وتصلي لأنه طهر مشكوك فيه ثم تغتسل لكل فريضة من أول السادس إلى آخر العاشر لأنه طهر مشكوك فيه ويحتمل انقطاع الدم في كل وقت منه ومن أول الحادي عشر إلى آخر الخامس عشر تتوضأ لكل فريضة لأنه طهر بيقين ومن أول السادس عشر تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه لا يحتمل انقطاع الحيض فيه ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه وتغتسل لكل صلاة لأنه يحتمل انقطاع الحيض في كل وقت منها ومن أول السادس والعشرين إلى آخر الشهر تتوضأ لكل فريضة لأنه طهر بيقين وإن علمت يقين الحيض في بعض الأيام بأن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام وكنت أكون في اليوم العاشر حائضاً فإنه يحتمل أن يكون العاشر آخر حيضها ويكون ابتداؤها من أول الشهر ويحتمل أن يكون العاشر أول حيضها فيكون آخره التاسع عشر ويحتمل أن يكون ابتداؤها ما بين اليوم الأول من الشهر واليوم العاشر فهي من أول الشهر إلى اليوم التاسع في طهر مشكوك فيه ولا يحتمل انقطاع الدم فيه فتتوضأ لكل صلاة وتصلي واليوم العاشر يكون حيضاً بيقين تترك فيه ما يجب على الحائض تركه وتغتسل في آخره ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع عشر إلا أن تعلم انقطاع الدم في وقت بعينه فتغسل فيه من الوقت إلى الوقت ثم بعد ذلك في طهر بيقين إلى آخر الشهر فتتوضأ لكل صلاة فريضة فإن قالت كان حيضي في كل شهر عشرة أيام ولي في كل شهر طهر صحيح وكنت في اليوم الثاني عشر حائضاً فإنها في خمسة عشر يوماً من آخر الشهر في طهر بيقين وفي اليوم الأول والثاني من أول الشهر في طهر بيقين وفي الثالث والرابع والخامس في طهر مشكوك فيه تتوضأ فيه لكل فريضة وفي السادس إلى تمام الثاني عشر في حيض بيقين ومن الثالث عشر إلى تمام الخامس عشر في طهر مشكوك فيه ويحتمل انقطاع الحيض في كل وقت منها فتغتسل لكل صلاة وإن قالت كان حيضي خمسة أيام من العشر الأول وكنت في اليوم الثاني من

стр. 89

الشهر طاهراً وفي الخامس حائضاً فإنه يحتمل أن يكون ابتداء حيضها من الثالث وآخره إلى تمام السابع ويحتمل أن يكون من الرابع وآخره إلى تمام الثامن ويحتمل ان يكون ابتداؤه من الخامس وآخره من التاسع فاليوم الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه والخامس والسادس والسابع حيض بيقين ثم تغتسل في آخر السابع فيكون ما بعده إلى تمام التاسع طهراً مشكوكاً فيه تغتسل فيه لكل صلاة وإن قالت كان لي في كل شهر حيضتان ولا أعلم موضعهما ولا عددهما فإن الشيخ أبا حامد الإسفراييني ﵀ ذكر أن أقل ما يحتمل أن يكون حيضها يوماً من أول الشهر ويوماً من آخره ويكون ما بينهما طهراً وأكثر ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يوماً من أول الشهر أو من آخره ويوماً وليلة من أول الشهر أو من آخره ويكون ما بينهما خمسة عشر يوماً طهراً ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهراً بيقين لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فاليوم السادس عشر آخره وإن كان من الخامس عشر فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر ومن السابع عشر إلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري ﵀: هذا خطأ لأنا إذا نزلنا هذا التنزيل لم يجب أن يكون هذا حالها في الشهر وتصوم رمضان وتقضيه على ما بيناه. فصل: فإن كانت ذاكرة للوقت ناسية للعدد نظرت فإن كانت ذاكرة لوقت ابتدائه بأن قالت كان ابتداء حيضي من أول يوم من الشهر حيضناها يوماً وليلة وليلة من أول الشهر لأنه يقين ثم تغتسل بعده فتحصل في طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس عشر وتصلي وتغتسل لكل صلاة لجواز انقطاع الدم فيه وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر فتتوضأ لكل صلاة وإن كانت ذاكرة لوقت انقطاعه بأن قالت كان حيضي ينقطع في آخر الشهر قبل غروب الشمس حيضناها قبل ذلك يوماً وليلة وكانت طاهراً من أول الشهر إلى آخر الخامس عشر تتوضأ لكل صلا ة فريضة ثم تحصل في طهر مشكوك إلى آخر التاسع والعشرين تتوضأ لكل صلاة لأنه لا يحتمل انقطاع الدم ولا يجب الغسل إلا في آخر الشهر في الوقت الذي تيقنا انقطاع الحيض فيه وإن قالت كان حيضي في كل شهر خمسة عشر يوما وكنت أخلط أحد النصفين فيه بالآخر أربعة عشر في أحد النصفين ويوماً في النصف الآخر ولا أدري أن اليوم في النصف الأول أو الأربعة عشر فهذه يحتمل أن يكون اليوم في النصف الثاني والأربعة عشر في النصف الأول فيكون ابتداء الحيض من

стр. 90

اليوم الثاني من الشهر وآخره تمام السادس عشر ويحتمل أن يكون اليوم في النصف الأول والأربعة عشر في النصف الثاني فيكون ابتداء الحيض من أول الخامس عشر وآخره التاسع والعشرون فاليوم الأول والآخر من الشهر طهر بيقين والخامس عشر والسادس عشر حيض بيقين ومن الثاني إلى الخامس عشر طهر مشكوك فيه ومن أول السابع عشر إلى آخر التاسع والعشرين طهر مشكوك فيه فتغسل في آخر السادس عشر وفي آخر التاسع والعشرين لأنه يحتمل انقطاع الدم فيهما وعلى هذا التنزيل والقياس فإن قالت كان حيضي خمسة عشر يوماً وكنت أخلط اليوم وأشك هل كنت أخلط بأكثر من يوم فالحكم فيه كالحكم في المسألة قبلها إلا في شيء واحد وهو أن ههنا يلزمها أن تغتسل لكل صلاة بعد السادس عشر لجواز أن يكون الخلط بأكثر من يوم فيكون ذلك الوقت وقت انقطاع الحيض إلا أن تعلم انقطاع الحيض في وقت بعينه من اليوم فتغتسل فيه في مثله. فصل: هذا الذي ذكرناه في المستحاضة إذا عبر دمها الخمسة عشر ولم يتخللها طهر فأما إذا تخللها طهر بأن رأت يوماً وليلة دماً ورأت يوماً وليلة نقاء إلى أن عبر الخمسة عشر فهي مستحاضة وقال ابن بنت الشافعي ﵁: الطهر في اليوم السادس عشر يفصل بين الحيض وبين ما بعده فيكون الدم في الخمسة عشر حيضاً وفي النقاء الذي بينهما قولان في التلفيق لأنا حكمنا في اليوم السادس عشر لما رأت النقاء بطهارتها وأمرناها بالصوم والصلاة وما بعده ليس بحيض بل هو طهر فكان بمنزلة ما لو انقطع الدم بعد الخمسة عشر لم يعد والمنصوص أنها مستحاضة اختلط حيضها بالاستحاضة لأنه لو كان النقاء في اليوم السادس عشر يميز لوجب أن يميز في الخمسة عشر كالتميز باللون فعلى هذا ينظر فيها فإن كانت مميزة بأن ترى يوماً وليلة دماً أسود ثم ترى النقاء عشرة أيام ثم ترى يوماً وليلة دماً أسود ثم أحمر فترد إلى التمييز فيكون الحيض أيام الأسود وما بينها على القولين وإن كان لها عادة في كل شهر خمسة أيام ردت إلى عادتها فإن قلنا لا يلفق كانت الخمسة كلها حيضاً وإن قلنا يلفق كانت أيام الدم حيضاً وذلك ثلاثة أيام ونقص يومان من العادة ومن أصحابنا من قال: يلفق لها قدر العادة من الخمسة عشر يوماً فيحصل لها خمسة أيام من تسعة أيام وإن كانت عادتها ستة أيام فإن قلنا لا يلفق كان حيضها خمسة أيام لأن اليوم السادس من أيام العادة لا دم فيه لأن الدم في الإفراد فلم يجز أن يجعل حيضاً لأن النقاء إنما يجعل حيضاً على هذا القول إذا كان الدم واقعاً بين الدمين فعلى هذا ينقص من عادتها يوم وإذا قلنا يلفق من أيام العادة كان حيضها ثلاثة أيام وينقص يومان وإذا قلنا يلفق من خمسة عشر حصل لها ستة أيام

стр. 91

من أحد عشر يوماً وإن كانت عادتها سبعة أيام فإن قلنا إن الجميع حيض كان حيضها سبعة أيام لا ينقص منها شيء لأن اليوم السابع دم فيمكن استيفاء جميع أيام عادتها وإن قلنا يلفق لها من أيام العادة كان حيضها أربعة أيام وإن قلنا يلفق من خمسة عشر كان لها سبعة أيام من ثلاثة عشر يوماً وعلى هذا القياس وإن كانت مبتدأ لا تمييز لها ولا عادة ففيها قولان: أحدهما ترد إلى يوم وليلة فيكون حيضها من أول ما رأت يوماً وليلة والباقي طهر وإن قلنا ترد إلى ست أو سبع فهي كمن عادتها ستة أيام أو سبعة أيام وقد بيناه فأما إذا رأت نصف يوم دماً ونصف يوم نقاء ولم تجاوز الخمسة عشر فهي على القولين في التلفيق وقال بعض أصحابنا: هذه مستحاضة هذه لا يثبت لها حكم الحيض حتى يتقدم لها أقل الحيض ومنهم من قال: لا يثبت لها حكم الحيض إلا أن يتقدمه أقل الحيض متصلاً ويتعقبه أقل الحيض متصلاً والصحيح هو الأول وأنها على القولين في التلفيق فإذا قلنا لا يلفق حصل لها أربعة عشر يوماً ونصف يوم حيضاً وإذا قلنا يلفق حصل لها سبعة أيام ونصف حيضاً وما بينهما من النقاء طهر وإن جاوز الخمسة عشر كانت مستحاضة فترد إلى التمييز إن كانت مميزة أو إلى العادة إن كانت معتادة وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها ولا عادة فإن قلنا إنها ترد إلى ست أو سبع كان ذلك كالعادة وإن قلنا ترد إلى يوم وليلة فإن قلنا لا يلفق فلا حيض لها لأنه لا يحصل لها يوم وليلة من غير تلفيق وإن قلنا يلفق من أيام العادة لم يكن لها حيض لأن اليوم والليلة كأيام العادة ولا يحصل لها من اليوم والليلة أقل الحيض وإن قلنا يلفق من الخمسة عشر لفق لها مقدار يوم وليلة من يومين وليلتين وإن رأت ساعة دماً وساعة نقاء ولم يجاوز الخمسة عشر فإن كان الدم بمجموعه يبلغ أقل الحيض فقد قال أبو العباس وأبو إسحاق: فيه قولان في التلفيق وإن كان لا يبلغ بمجموعه أقل الحيض مثل أن ترى ساعة دماً ثم ينقطع ثم ترى في آخر الخامس عشر ساعة دماً قال أبو العباس: إذا قلنا يلفق فهو دم فساد لأنه لا يتلفق منه ما يكون حيضاً وإذا قلنا لا يلفق احتمل وجهين: أحدهما يكون حيضاً لأن زمان النقاء على هذا القول حيض فلا ينقض الحيض عن أقله بل الخمسة عشر حيض والثاني لا يكون حيضاً لأن النقاء إنما يكون حيضاً على سبيل التبع للدم والدم لم يبلغ بمجموعه أقل الحيض فلم يجعل النقاء تابعاً له وإن رأت ثلاثة أيام دماً ثم انقطع اثني عشر يوماً ثم رأت ثلاثة أيام دماً وانقطع فالأول حيض لأنها رأته في زمان إمكانه والثاني دم فساد ولا يجوز أن يجعل ابتداء الحيض لأنه لم يتقدمه أقل الطهر ولا يمكن ضمه إلى ما رأته قبل الخمسة عشر لأنه خارج عن الخمسة عشر وإن رأت دون اليوم دماً ثم انقطع إلى تمام الخمسة عشر يوماً ثم رأت ثلاثة أيام دماً فإن الحيض هو الثاني والأول ليس بحيض

стр. 92

لأنه لا يمكن إضافته إلى ما بعد الخمسة عشر ولا يمكن أن يجعل بانفراده حيضاً لأنه دون أقل الحيض فصل: دم النفاس يحرم ما يحرمه الحيض ويسقط الحيض لأنه حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل فكان حكمه حكم الحيض فإن خرج قبل الولادة شيء لم يكن نفاساً وإن خرج بعد الولادة كان نفاساً وإن خرج مع الولد ففيه وجهان: أحدهما أنه ليس بنفاس لأنه ما لم ينفصل جميع الولد فهي في حكم الحامل ولهذا يجوز للزوج رجعتها فصار كالدم الذي تراه في حال الحمل وقال أبو إسحاق وأبو العباس بن أبي أحمد بن القاص: هو نفاس لأنه دم انفصل بخروج الولد فصار كالخارج بعد الولادة وإن رأت الدم قبل الولادة خمسة أيام ثم ولدت ورأت الدم فإن الخارج بعد الولادة نفاس وأما الخارج قبله ففيه وجهان: من أصحابنا من قال هو استحاضة لأنه لا يجوز أن يتوالى حيض ونفاس من غير طهر كما لا يجوز أن يتوالى حيضتان من غير طهر ومنهم من قال: إذا قلنا إن الحامل تحيض فهو حيض لأن الولد يقوم مقام الطهر في الفصل وأكثر النفاس ستون يوماً وقال المزني: أربعون يوماً والدليل على ما قلناه ما روي عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين وعن عطاء والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن أرطأة أن النفاس ستون يوماً وليس لأقله حد وقد تلد المرأة ولا ترى الدم وروي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر نفاساً فسميت ذات الجفوف فإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه: أحدها يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبرت المدة منه كما لو كان وحده والثاني يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس كالدم الذي تراه قبل الولادة والثالث أن يعتبر ابتداء المدة من الأول ثم يستأنف المدة من الثاني لأن كل واحد منهما سبب للمدة فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما كما لو وطئ امرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة فإن رأت دم النفاس ساعة ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم رأت الدم يوماً وليلة ففيه وجهان: أحدهما أن الأول نفاس والثاني حيض وما بينهما طهر والوجه الثاني أن الجميع نفاس لأن الجميع وجد في مدة النفاس وفيما بينهما القولان في التلفيق وإن نفست المرأة وعبر الدم الستين فحكمها حكم الحيض إذا عبر الخمسة عشر يوماً في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه وكذلك في الرد عند الأشكال فإن كانت عادتها أن تحيض خمسة أيام وتطهر خمسة عشر يوماً فإن شهرها عشرون يوماً فإن ولدت في وقت حيضها ورأت عشرين يوماً الدم ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم رأت الدم بعد ذلك واتصل وعبر الخمسة عشر كان حيضها وطهرها

стр. 93

على عادتها فتكون نفساء في مدة العشرين وطاهراً في مدة الخمسة عشر وحائضاً في الخمسة أيام بعدها وإن كانت عادتها أن تحيض عشرة أيام وتطهر عشرين يوماً فإن شهرها ثلاثون يوماً فإن ولدت في وقت حيضها فرأت عشرين يوماً دماً وانقطع وطهرت شهرين ثم رأت الدم بعد ذلك وعبر الخمسة عشر فإن حيضها لم يتغير بل هي في الحيض على عادتها ولكن زاد طهرها فصار شهرين بعد ما كان عشرين يوماً فتكون نفساء في العشرين الأول وطاهراً في الشهرين بعدها وحائضاً في العشر التي بعدها فصل: ويجب على المستحاضة أن تغسل الدم وتعصب الفرج وتستوثق بالشد والتلجم لما روي أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش ﵂ "أنعت لك الكرسف" فقالت: إنه أكثر من ذلك فقال: "تلجمي" فإن استوثقت ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد لم تبطل صلاتها لما روت عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فقال رسول الله ﷺ : "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة" وتصلي حتى يجيء ذلك الوقت وإن قطر الدم على الحصير ولا تصلي بطهارة أكثر من فريضة لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ويجوز أن تصلي ما شاءت من النوافل لأن النوافل تكثر فلو ألزمناها أن تتوضأ لكل نافلة شق عليها ولا يجوز أن تتوضأ لفرض الوقت قبل الدخول لأنه طهارة ضرورية فلا يجوز قبل وقت الضرورة فإن توضأت في أول الوقت وأخرت الصلاة فإن كان لسبب يعود إلى مصلحة الصلاة كانتظار الجماعة وستر العورة والإقامة صحت صلاتها وإن كان لغير ذلك ففيه وجهان: أحدهما أن صلاتها باطلة لأنها تصلي مع نجاسة يمكن حفظ الصلاة منها والثاني تصح لأنه وسع في الوقت فلا يضيق عليها فإن أخرتها حتى خرج الوقت لم يجز أن تصلي به لأنه لا عذر لها في ذلك ومن أصحابنا من قال: يجوز أن تصلي بعد خروج الوقت لأنا لو منعناها من ذلك صارت طهارتها مقدرة بالوقت وذلك لا يجوز عندنا وإن دخلت في الصلاة ثم انقطع دمها ففيه وجهان: أحدهما لا تبطل صلاتها كالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة والثاني تبطل لأن عليها طهارة حدث وطهارة نجس ولم تأت عن طهارة النجس بشيء وقد قدرت عليها فلزمها الإتيان بها وإن انقطع دمها قبل الدخول في الصلاة لزمها غسل

стр. 94

الدم وإعادة الوضوء فإن لم تفعل حتى عاد الدم فإن كان عوده بعد الفراغ من الصلاة لا تصح صلاتها لأنه اتسع الوقت للوضوء والصلاة من غير حدث ولا نجس وإن كان عود الدم قبل الفراغ من الصلاة ففيه وجهان: أحدهما أنها تصح لأنا تيقنا بعود الدم أن الإنقطاع لم يكن له حكم لأنه لا يصلح للطهارة والصلاة والثاني وهو الأصح أن صلاتها باطلة لأنها استفتحت الصلاة وهي ممنوعة منها فلم تصح بالتبين كما لو استفتح لابس الخف الصلاة وهو شاك في انقضاء مدة المسح ثم تبين أن المدة لم تنقض. فصل: وسلس البول وسلس المذي حكمهما حكم المستحاضة فيما ذكرناه ومن به ناصور أو جرح يجري منه الدم حكمهما حكم المستحاضة في غسل النجاسة عند كل فريضة لأنها نجاسة متصلة لعلة فهو كالاستحاضة.

стр. 95

باب إزالة النجاسة النجاسة هي البول والغائط والقيء والمذي والودي ومني غير الأدمي والدم والقيح وماء القروح والعلقة والميتة والخمر والنبيذ والكلب والخنزير وما توالد منهما وما توالد من أحدهما ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ورطوبة فرج المرأة وما تنجس بذلك فأما البول فهو نجس لقوله صلى اله عليه وسلم "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه " وأما الغائط فهو نجس لقوله ﷺ لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والمذي والدم والقيء" وأما سرجين البهائم وذرق الطيور كالغائط في النجاسة لما روى ابن مسعود ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "إنها ركس١" فعلل نجاستها بأنه ركس والركس الرجيع وهذا رجيع فكان نجسا ولأنه

стр. 96

خارج من الدبر أحالته الطبيعة فكان نجساً كالغائط وأما القيء فهو نجس لحديث عمار ولأنه طعام استحال في الجوف إلى النتن والفساد فكان نجساً كالغائط أما المذي فهو نجس لما روي عن علي ﵁ أنه قال: كنت رجلاً مذاء فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال "إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة١" ولأنه خارج من سبيل الحدث لا يخلق منه طاهر فهو كالبول وأما الودي فهو نجس لما ذكرت من العلة ولأنه يخرج مع البول فكان حكمه حكم البول وأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عن عائشة ﵂ الله عنها أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي ولو كان نجساً لما انعقدت معه الصلاة ولأنه مبدأ خلق بشر فكان طاهراً كالطين وأما مني غير الآدمي ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن الجميع طاهر إلا مني الكلب والخنزير لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أصله فكان طاهراً كالبيض ومني الآدمي والثاني أن الجميع نجس لأنه من فضول الطعام المستحيل وإنما حكم بطهارته من الآدمي لحرمته وكرامته كما أحل لبنه معه كونه لا يؤكل لحرمته وكرامته وهذا لا يوجد في غيره والثالث ما أكل لحمه فمنيه طاهر كلبنه وما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس كلبنه وأما الدم فهو نجس لحديث عمار وفي دم السمك وجهان: أحدهما أنه نجس كغيره والثاني أنه طاهر لأنه ليس بأكثر من الميتة وميتة السمك طاهرة فكذلك دمه وأما القيح فهو نجس لأنه دم استحال إلى النتن فإذا كان الدم نجساً فالقيح أولى وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس كالقيح وإن لم يكن له رائحة فهو طاهر كرطوبة البدن ومن أصحابنا من قال فيه قولان:

стр. 97

أحدهما أنه طاهر كالعرق والثاني أنه نجس لأنه تحلل بعلة فهو كالقيح وأما العلقة ففيها وجهان: قال أبو إسحاق: هي نجسة لأنه دم خارج من الرحم فهو كالحيض وقال أبو بكر الصيرفي: هي طاهرة لأنه دم غير مسفوح فهو كالكبد والطحال فأما الميتة سوى السمك والجراد والآدمي فهي نجسة للآية لأنها محرمة الكل من غير ضرر فكانت نجسة كالدم وأما السمك والجراد فهما طاهران لأنه يحل أكلهما ولو كانا نجسين لم يحل أكلهما وأما الآدمي ففيه قولان: أحدهما أنه نجس لأنه ميت لا يحل أكله فكان نجساً لما غسل كسائر الميتات وأما الخمر فهو نجس لقوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] ولأنه يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجساً كالدم وأما النبيذ فهو نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة فكان نجساً كالخمر وأما الكلب فهو نجس لما روي أن النبي ﷺ دعي إلى دار فأجاب ودعى إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك فقال: "إن في دار فلان كلباً" فقيل وفي دار فلان هرة فقال: "الهرة ليست بنجسة" فدل على أن الكلب نجس وأما الخنزير فهو نجس لأنه أسوأ حالاً من الكلب لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه ومنصوص على تحريمه فإذا كان الكلب نجساً فالخنزير أولى وأما ما توالد منهما أو من أحدهما فهو نجس لأنه مخلوق من نجس فكان مثله وأما لبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ففيه وجهان: قال أبو سعيد الإصطخري: هو طاهر لأنه حيوان طاهر فكان لبنه طاهراً كالشاة والبقرة والمنصوص أنه نجس لأن اللبن كاللحم المذكي بدليل أنه يتناول من الحيوان ويؤكل كما يتناول اللحم المذكي ولحم ما لا يؤكل نجس فكذلك لبنه وأما رطوبة فرج المرأة فالمنصوص أنها نجس لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة فكانت نجسة ومن

стр. 98

أصحابنا من قال: هي طاهرة كسائر رطوبات البدن وأما ينجس بذلك فهي الأعيان الطاهرة إذا لاقاها شيء من هذه النجاسات وأحدهما رطب والآخر يابس فينجس بملاقاتها. فصل: ولا يطهر شيء من النجاسة بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما جلد الميتة إذا دبغ وقد دللنا عليه في موضعه والثاني الخمر إذا استحالت بنفسها خلاً فتطهر بذلك لما روي عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: لا يحل خل من خمر أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها فعند ذلك يطيب الخل ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلاً ما لم يتعمدوا إلى إفساده ولأنه إنما حكم بتحريمها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها فوجب أن يحكم بطهارتها وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر لما روي أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً فقال "أهرقها" قال: أفلا أخللها؟ قال لا فنهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز ولأنه لو جاز لندبه إليه لما فيه من إصلاح مال اليتيم ولأنه إذا طرح فيها الخل نجس الخل فإذا زالت الشدة المطربة بقيت نجاسة الخل النجس فلم تطهر فإن نقلها من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس حتى تخللت ففيه وجهان: أحدهما تطهر لأن الشدة قد زالت من غير نجاسة خلفتها والثاني لا تطهر لأنه لو فعل محظور توصل به إلى استعجال ما يخل في الثاني فلم يحل كما لو قتل مورثه أو نفر صيداً حتى خرج من الحرم إلى الحل وإن أحرق العذرة أو السرجين حتى صار رماداً لم يطهر لأن نجاستهما لعينهما وتخالف الخمر فإن نجاستهما لمعنى معقول وقد زال ذلك وأما دخان النجاسة إذا أحرقت ففيه وجهان: أحدهما أنه نجس لأنه أجزاء متحللة من النجاسة فهو كالرماد والثاني أنه ليس بنجس لأنه بخار نجاسة فهو كالبخار الذي يخرج من الجوف. فصل: وإذا ولغ الكلب في إناء أو أدخل عضواً منه فيه وهو رطب لم يطهر الإناء حتى يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب١" فعلق طهارته

стр. 99

بسبع مرات فدل على أنه لا يطهر بما دونه والأفضل أن يجعل التراب في غير السابعة ليرد عليه ما ينظفه وفي أيها جعل جاز لعموم الخبر وإن جعل بدل التراب الجص أو الأشنان وما أشبههما ففيه قولان: أحدهما لا يجزئه لأنه تطهير نص فيه على التراب فاختص به كالتيمم والثاني أن يجزئه لأنه تطهير نجاسة نص فيه على جامد فلم يختص به كالإستنجاء والدباغ وفي موضع القولين وجهان: أحدهما أن القولين في حال عدم التراب فأما مع وجود التراب فلا يجوز بغيره قولاً واحداً والثاني أن القولين في الأحوال كلها لأنه جعله في أحد القولين كالتيمم وفي الآخر جعله كالإستنجاء والدباغ وفي الأصلين جميعاً لا فرق بين وجود المنصوص عليه وبين عدمه وإن غسل بالماء وحده ففيه وجهان: أحدهما أنه يجزئه لأن الماء أبلغ من التراب فهو بالجواز أولى والثاني لا يجزئه لأنه أمر بالتراب ليكون معونة للماء لتغلظ النجاسة وهذا لا يحصل بالماء وحده وإن ولغ كلبان ففيه وجهان: أحدهما أنه يجب لكل كلب سبع مرات كما أمر في بول الرجل بذنوب ثم يجب في بول رجلين ذنوبان والثاني أنه يجزئه للجميع سبع مرات وهو المنصوص في حرملة لأن النجاسة لا تتضاعف بعد الكلب بخلاف البول وإن ولغ الكلب في إناء ووقعت فيه نجاسة أخرى أجزأه سبع مرات للجميع لأن الطهارة تتداخل ولهذا لو وقع فيه بول ودم أجزأه لهما غسل مرة واحدة وإن أصاب الثوب من ماء الغسلات ففيه وجهان: احدهما يغسل من كل غسلة مرة لأن كل غسلة تزيل سبع النجاسة فيغسل منه بقدر السبع والثاني حكمه حكم الإناء الذي انفصل عنه لأن المنفصل كالبلل الباقي في الإناء وذلك لا يطهر إلا بما بقي من العدد فكذلك المنفصل فإن جمع ماء الغسلات ففيه وجهان: أحدهما أن الجميع طاهر لأنه ماء انفصل من الإناء وهو طاهر والثاني أنه نجس وهو الصحيح لأن السابع طاهر والباقي نجس فإذا اختلط بعضه ببعض ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجساً. فصل: وإن ولغ الخنزير فقد قال ابن القاص: قال في القديم: يغسل مرة واحدة وقال سائر أصحابنا يحتاج إلى سبع مرات وقوله في القديم مطلق لأنه قال يغسل وأراد به سبع مرات والدليل عليه أن الخنزير أسوأ من الكلب على ما بيناه فهو باعتبار العدد أولى.

стр. 100

فصل: ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضح وهو أن يبله بالماء وإن لم ينزل عنه ولا يجزئ في بول الصبية إلا الغسل لما روي عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال في بول الرضيع "يغسل من بول الجارية وينضج من بول الغلام١" فصل: وما سوى ذلك من النجاسات ينظر فيها فإن كانت جامدة كالعذرة أزيلت ثم غسل موضعها على ما بينته وإذا كانت ذائبة كالبول والدم والخمر فإنه يستحب أن يغسل منه ثلاثاً لما روي أن النبي ﷺ قال "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده٢" فندب إلى الثلاث للشك في النجاسة فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن ويجوز الاقتصار على غسل مرة واحدة لما روى ابن عمر ﵁ قال: كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل الثوب من البول سبع مرات فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً والغسل من الجنابة مرة والغسل من الثوب من البول مرة والغسل الواجب في ذلك أن يكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه فإن كانت النجاسة على الأرض أجزأته المكاثرة لما روي أن النبي ﷺ أمر في بول الأعرابي بذنوب من ماء وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول ويستهلك فيه وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو القاسم الأنماطي: الذنوب تقدير فيجب في بول واحد ذنوب وفي بول اثنين ذنوبان والمذهب أن ذلك ليس بتقدير لأن ذلك يؤدي إلى أن يطهر البول الكثير من الرجل بذنوب وما دون ذلك من رجلين لا يطهر إلا بذنوبين وإن كانت النجاسة على الثوب ففيه وجهان: أحدهما يجزئه المكاثرة كالأرض والثاني لا يجزئه حتى يعصر لأنه يمكن عصره بخلاف الأرض والأول أصح وإن كانت النجاسة في إناء فيه شيء ففيه وجهان: أحدهما تجزئ فيه المكاثرة كالأرض والثاني لا تجزئ حتى يراق ما فيه ثم يغسل لقوله ﷺ في الكلب يلغ في الإناء: فليهرقه

стр. 101

ثم ليغسله سبع مرات وإن كانت النجاسة خمراً فغسلها وبقيت الرائحة ففيه قولان: أحدهما لا يطهر كما لو بقي اللون والثاني يطهر لأن الخمر لها رائحة شديدة فيجوز أن يكون لقوة رائحتها تبقى الرائحة غير جزء من النجاسة وإن كانت النجاسة دماً فغسله فلم يذهب الأثر أجزاءه لما روي أن خولة بنت يسار قالت: يارسول الله أرأيت لو بقي أثر فقال صلى اله عليه وسلم: "الماء يكفيك ولا يضرك أثره" وإن كان الثوب نجساً فغمسه في إناء فيه دون القلتين من الماء نجس الماء ولا يطهر الثوب ومن أصحابنا من قال: إن قصد إزالة النجاسة لم ينجسه وليس بشيء لأن القصد لا يعتبر في إزالة النجاسة ولذلك يطهر بماء المطر وبغسل المجنون قال أبو العباس بن القاص: إذا كان ثوب كله نجس فغسل بعضه في جفنة ثم عاد فغسل ما بقي لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة لأنه إذا صب على بعضه ماءً ورد جزء من البعض الآخر على الماء فنجسه وإذا نجس الماء نجس الثوب. فصل: إذا أصاب الأرض نجاسة ذائبة في موضع ضاح فطلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح فذهب أثرها ففيه قولان: قال في القديم والإملاء: يطهر لأنه لم يبق شيء من النجاسة فهو كما لو غسل بالماء وقال في الأم: لا يطهر وهو الأصح لأنه محل نجس فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس وإن طبخ البن الذي خلط بطينه السرجين لم يطهر لأن النار لا تطهر النجاسة وقال أبو الحسن بن المرزبان: إذا غسل طهر ظاهره فتجوز الصلاة عليه ولا تجوز الصلة فيه لأن ما فيه من السرجين كالزئبر في الثوب

стр. 102

فيحترق بالنار لذلك يتثقب موضعه وإذا غسل طهر فجازت الصلاة عليه والمذهب الأول وإن أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه على الأرض نظرت فإن كانت النجاسة رطبة لم يجز وإن كانت يابسة ففيه قولان: قال في الجديد: لا يجوز حتى يغسله لأنه ملبوس نجس فلا يجزيء فيه المسح كالثوب وقال في الإملاء والقديم: يجوز لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر نعليه فإن كان بهما خبث فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما١" ولأنه تتكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه المسح كموضع الاستنجاء.

стр. 103

كتاب الصلاة مدخل ... كتاب الصلاة الصلوات المكتوبات خمس لما روى طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: أتى رسول ﷺ رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا من النبي ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ "خمس صلوات كتبهن الله عليك في اليوم والليلة" فقال: هل علي غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تطوع١" فصل: ولا يجب ذلك إلا على مسلم بالغ عاقل طاهر فأما الكافر فإن كان أصلياً لم تجب عليه وإذا أسلم لم يخاطب بقضائها لقوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيراً عن الإسلام فعفى عنه وإن كان مرتداً وجبت عليه وإذا أسلم لزمه قضاؤه لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق٢" ولا يجب عليه القضاء إذا بلغ لأن زمان الصغر يطول فلو أوجبنا القضاء لشق فعفي عنه وأما من زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض فلا تجب عليه لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة" فنص على المجنون وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح ومن زال عقله بمحرم كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله وجب عليه القضاء إذا أفاق لأنه زال

стр. 104

عقله بمحرم فلم يسقط عنه الفرض وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما فعل الصلاة لما ذكرناه في باب الحيض فإن جن في حال الردة ففاته صلوات لزمه قضاؤها وإن حاضت المرأة في حال الردة ففاتها صلوات لم يلزمها قضاؤها لأن سقوط الصلاة عن المجنون للتخفيف والمرتد لا يستحق التخفيف وسقوط الصلاة عن الحائض عزيمة ليس لأجل التخفيف والمرتد من أهل العزائم. فصل: ولا يؤمر أحد ممن لا يجب عليه فعل الصلاة بفعلها إلا الصبي فإنه يؤمر بفعلها لسبع ويضرب على تركها لعشر لما روى سمرة الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر١" فإن دخل في الصلاة ثم بلغ في أثنائها قال الشافعي رحمه الله تعالى: أحببت أن يتم ويعيد ولا يبين لي أن عليه الإعادة قال أبو إسحاق: يلزمه الإتمام ويستحب له أن يعيد وقوله أحببت يرجع إلى الجمع بين الإتمام والإعادة وهو الظاهر من المنصوص والدليل عليه أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلزمه الإتمام ولا يلزمه أن يعيد لأنه صلى الواجب بشروطه فلا يلزمه الإعادة وعلى هذا لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره أجزأه ذلك عن الفرض لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا يلزمه الإعادة وحكي عن أبي العباس مثل قول أبي إسحاق وحكي عنه أنه قال: يستحب الإتمام وتجب الإعادة فعلى هذا إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره لزمه أن يعيد لأن ما صلى قبل البلوغ نفل فاستحب إتمامه ويلزمه أن يعيد لأنه أدرك وقت الفرض ولم يأت به فلزمه أن يأتي به ومن أصحابنا من قال: إن خرج منها ثم بلغ ولم يبق من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لم يلزمه الإعادة وإن بقي من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لزمه الإعادة وهذا غير صحيح لأنه لو وجبت الإعادة إذا بقي من الوقت قدر الصلاة لوجبت الإعادة إذا أدرك من الوقت مقدار ركعة. فصل: ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها

стр. 105

وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله ﷺ : نهيت عن قتل المصلين ولأنها إحدى دعائم الإسلام لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين ومتى يقتل؟ فيه وجهان قال أبو سعيد الأصطخري: يقتل بترك الصلاة الرابعة إذا ضاق وقتها فيقال له إن صليت وإلا قتلناك لأنه يجوز أن يكون ما دون ذلك تركه لعذر وقال أبو إسحاق يقتل بترك الصلاة الثانية إذا ضاق وقتها فيقال له إن صليت وإلا قتلناك ويستتاب كما يستتاب المرتد لأنه ليس بأعظم من المرتد وفي استتابة المرتد قولان: أحدهما ثلاثة أيام والثاني يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل وكيف يقتل؟ المنصوص أنه يقتل ضرباً بالسيف وقال أبو العباس: لا يقصد قتله لكن يضرب بالخشب وينخس بالسيف حتى يصلي أو يموت كما يفعل بمن قصد النفس أو المال ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفره ومن أصحابنا من قال يكفر بتركها لقوله ﷺ : "بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر١" والمذهب الأول والخبر متأول.

стр. 106

باب مواقيت الصلاة أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون للشخص عند الزوال والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل ﵇ عند باب البيت مرتين فصلى بين الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل شيء مثله". فصل: وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وصلى بي جبريل العصر حين كان ظل كل شيء مثله ثم صلى بي المرة الأخيرة حين كان ظل كل

стр. 107

شيء مثليه١" ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والأداء إلى غروب الشمس وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا صار ظل كل شيء مثليه فاتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: "ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى٢". فصل: وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لما روي أن جبريل ﵇ صلى المغرب حين غابت الشمس وأفطر الصائم وليس لها إلا وقت واحد وهو بمقدار ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم الصلاة ويدخل فيها فإن أخر الدخول عن هذا الوقت أثم لما روى ابن عباس أن جبريل ﵇ صلى في المرة الأخيرة كما صلاها في المرة الأولى ولم يغير ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين في سائر الصلوات فإن دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق لأن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز أن يستديمها أكثر من قدر ثلاث ركعات لأن جبريل ﵇ صلى ثلاث ركعات والثالث أن له أن يصلي مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لأنه لا يكون مؤخراً في هذا القدر ويكون مؤخراً فيما زاد عليه ويكره أن يسمى صلاة المغرب العشاء لما روى عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب٣" ويقول الأعراب العشاء. فصل: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وهو الحمرة وقال المزني: الشفق البياض والدليل عليه أن جبريل ﵇ صلى العشاء الأخيرة حين غاب الشفق والشفق هو الحمرة والدليل عليه ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "وقت

стр. 108

المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق" ولأنها صلاة تتعلق بإحدى النيرين المتفقين في الاسم الخاص فتعلقت بأظهرهما وأنورهما كالصبح وفي آخره قولان: قال في الجديد إلى ثلث الليل لما روي أن جبريل ﵇ صلى في المرة الأخيرة العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل وقال في القديم والإملاء: إلى نصف الليل لما روى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل" ثم يذب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني وقال سعيد الاصطخري: إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء والمذهب الأول لما رويناه من حديث أبي قتادة ويكره أن يسمى العشاء العتمة لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم" قال ابن عيينة إنها العشاء وإنهم يعتمون بالإبل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو هريرة قال: نهانا رسول الله ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها. فصل: ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق الذي يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخره إذا أسفر الصبح لما روي أن جبريل ﵇ صلى الصبح حين طلع الفجر وصلى من الغد حين أسفر ثم التفت وقال: هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك وفيما بين هذين وقت ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى حين طلوع الشمس وقال أبو سعيد الاصطخري: يذهب الوقت وما بعده وقت القضاء والمذهب الأول لحديث أبي قتادة ويكره أن تسمى صلاة الغداة لأن الله تعالى سماها بالفجر فقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] وسماها رسول الله ﷺ الصبح فقال: "من أدرك ركعة من الصبح فقد أدركها١" فصل: وتجب الصلاة في أول الوقت لأن الأمر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه والأفضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لما روى عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها٢" ولأن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها قال الشافعي رحمه الله تعالى: ومن المحافظة عليها تقديمها في أول الوقت لأنه إذا أخرها عرضها للنسيان وحوادث الزمان وأما الظهر فإنه إن كان في غير حر شديد فتقديمها أفضل لما ذكرناه وإن كان في حر شديد ويصلي في جماعة

стр. 109

في موضع يقصده الناس من البعد فالمستحب الإبراد بها بمقدار ما يحصل فيء يمشي فيه القاصد إلى الصلاة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم١" وفي صلاة الجمعة وجهان: أحدهما أنها كالظهر لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا اشتد البرد بكر بها وإذا اشتد الحر أبرد بها والثاني أن تقديمها أفضل بكل حال لأن الناس لا يتأخرون عنها لأنهم قد ندبوا إلى التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه وأما العشاء ففيها قولان: قال في القديم والإملاء: تقديمها أفضل وهو الأصح لما ذكرناه في سائر الصلوات وقال في الجديد: تأخيرها أفضل لقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة٢". فصل: وآكد الصلاة في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لأن الله خصها بالذكر فقال: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والصلاة الوسطى هي الصبح والدليل عليه أن الله تعالى قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح ولأن الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة عليها حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خصت بالتثويب فدل على ما قلناه فصل: ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله ﷺ "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله٣" ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس فسمح لهم بالتأخير فإن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان: أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول أبي علي بن خيران أنه يكون مؤدياً للجميع لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ومن أصحابنا من قال: يكون مؤدياً لما صلى في الوقت قاضياً لما صلى بعد خروج الوقت اعتباراً بما أدركه من الوقت وبما صلى بعد خروج الوقت

стр. 110

فصل: ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها إلا نائم أو ناس أو مكروه أو من يؤخرها للجمع لعذر السفر والمطر لقوله ﷺ "ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى١" فنص على النائم وقسنا عليه الناسي والمكروه لأنهما في معناه وأما من يؤخرها لسفر أو مطر فإنما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل: إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر٢" فإن بقي من الوقت دون الركعة ففيه قولان: روى المزني عنه أنه لا يلزمه لحديث أبي هريرة ﵁ ولأنه بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا وقال في كتاب استقبال القبلة: يلزمه بقدر تكبيرة لأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة وتخالف الجمعة فإنه إدراك فعل فاعتبر فيه الركعة وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة وأما الصلاة التي قبلها فينظر فيها فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم يلزمه ما قبلها لأن ذلك ليس بوقت لا قبلها وإن كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد: يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان: أحدهما ركعة والثاني تكبيرة والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتاً لها في حقهم وقال في القديم: فيه قولان: أحدهما يجب بركعة وطهارة والثاني يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات أربع للظهر وركعة للعصر وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب وركعة للعشاء لأن الوقت اعتبر لإدراك الصلاتين فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى وغلط أبو إسحاق في هذا فقال أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر لأن العصر تجب بركعة فدل على أن الأربع للظهر وخرج أبو إسحاق في المسألة قولاً خامساً أنه يدرك الظهر والعصر بمقدار إحدى الصلاتين وتكبيرة.
следующие страницы →