جاز وهل يفتقر إلى السلام؟ فيه قولان: قال في البويطي: لا يسلم كما لا يسلم منه في الصلاة وروى المزني عنه أنه قال: يسلم لأنها صلاة تفتقر إلى الإحرام فافتقرت إلى السلام كسائر الصلوات وهل يفتقر إلى التشهد؟ المذهب أنه لا يتشهد لأنه لا قيام فيه فلم يكن فيه تشهد ومن أصحابنا من قال يتشهد لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فافتقر إلى التشهد كسجود الصلاة.
فصل: ويستحب لمن مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى ولمن مر بآية عذاب أن يستعيذ منه لما روى حذيفة ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فقرأ البقرة فما مر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا استعاذ ويستحب للمأموم أن يتابع الإمام في سؤال الرحمة والاستعاذة من العذاب لأنه دعاء فساوى المأموم الإمام فيه كالتأمين ويستحب لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة أن يسجد شكراًً لله لما روى أبو بكرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا جاءه الشيء يسر به خر ساجداً شكراً لله تعالى وحكم سجود الشكر في الشروط والصفات حكم سجود التلاوة خارج الصلاة.
стр. 177
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
إذا قطع شرطاً من شروطها كالطهارة والستارة وغيرهما بطلت صلاته فإن سبقه الحدث ففيه قولان: قال في الجديد: تبطل صلاته لأنه حدث يبطل الطهارة فأبطل الصلاة كحدث العمد وقال في القديم: لا تبطل صلاته بل ينصرف ويتوضأ ويبني على صلاته لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى ما لم يتكلم" ولأنه حدث حصل بغير اختياره فأشبه سلس البول فإن أخرج على هذا القول بقية الحدث لم تبطل صلاته لأن حكم البقية حكم الأول فإذا لم تبطل بالأول لم تبطل بالبقية ولأن به حاجة إلى إخراج البقية
стр. 178
ليكمل طهارته فإن وقعت عليه نجاسة يابسة فنحاها لم تبطل صلاته لأنها ملاقاة نجاسة هو معذور فيها فلم تقطع الصلاة كسلس البول وإن كشفت الريح الثوب عن العورة ثم رده لم تبطل صلاته لأنه معذور فيه فلم يقطع الصلاة كما لو غصب منه الثوب في الصلاة فإن ترك فرضاً من فروضها كالركوع والسجود وغيرهما بطلت صلاته لقوله ﷺ للأعرابي المسيء صلاته أعد صلاتك فإنك لم تصل وإن ترك القراءة ناسياً ففيه قولان وقد مضى في القراءة.
فصل: وإن تكلم في صلاته أو قهقه فيها أو شهق بالبكاء وهو ذاكر للصلاة عالم بالتحريم بطلت صلاته لما روي أن النبي ﷺ قال "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" وروي الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء فإن فعل ذلك وهو ناس أنه في الصلاة ولم يطل لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ "أصدق ذو اليدين"؟ فقالوا: نعم فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين ثم سلم وإن فعل ذلك وهو جاهل بالتحريم ولم يطل لم تبطل صلاته لما روى عن معاوية بن الحكم ﵁ قال: بينما أنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله فحدقني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أماه ما لكم تنظرون إلي فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم فلما انصرف رسول الله ﷺ دعاني بأبي وأمي وما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه والله ما ضربني ﷺ ولا كهرني ثم قال "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" وإن سبق لسانه من غير قصد إلى الكلام أو غلبه الضحك ولم يطل لم تبطل صلاته لأنه غير مفرط فهو كالناسي والجاهل وإن طال الكلام وهو ناس أو جاهل بالتحريم أو مغلوب ففيه وجهان: المنصوص في البويطي أن صلاته تبطل لأن كلام الناسي والجاهل والمسبوق كالعمل القليل ثم العمل القليل إذا كثر أبطل الصلاة وكذلك الكلام ومن
стр. 179
أصحابنا من قال: لا تبطل كأكل الناسي لا يبطل الصوم قل أو كثر فإن تنحنح أو تنفس أو نفخ أو بكى أو تبسم عامداً ولم يبن منه حرفان لم تبطل صلاته لما روى عبد الله بن عمرو ﵁ قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فلما سجد جعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية فلما قضى صلاته قال: فوالذي نفسي بيده لقد عرض على النار حتى إني لأطفئها خشية أن تغشاكم ولأن ما لم يتبين منه حرفان ليس بكلام فلا يبطل الصلاة فإن كلمه رسول الله ﷺ فأجابه لم تبطل صلاته لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سلم على أبي بن كعب ﵁ وهو يصلي فلم يجبه فخفف الصلاة وانصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: ما منعك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله: كنت أصلي قال: أفلم تجد فيما أوحي إلي استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم قال: بلى يا رسول الله لا أعود فإن رأى المصلي ضريراً يقع في بئر فأنذره بالقول ففيه وجهان: قال أبو إسحاق المروزي ﵀: لا تبطل صلاته لأنه واجب عليه فهو كإجابة النبي ﷺ ومن أصحابنا من قال: تبطل صلاته لأنه لا يجب عليه لأنه قد لا يقع في البئر وليس بشيء فإن كلمه إنسان وهو في الصلاة وأراد أن يعلمه أنه في الصلاة أو سها الإمام فأراد أن يعلمه بالسهو استحب له إن كان رجلاً أن يسبح وتصفق إن كانت امرأة فتضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها الأيسر لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء" فإذا فعل ذلك للإعلام لم تبطل صلاته لأنه مأمور به فإن صفق الرجل وسبحت المرأة لم تبطل الصلاة لأنه ترك سنة فإن أراد الإذن لرجل في الدخول فقال ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦] فإن قصد التلاوة والإعلام لم تبطل صلاته لأن قراءة القرآن لا تبطل الصلاة وإن لم يقصد القرآن بطلت صلاته لأنه من كلام الآدميين وإن شمت عاطساً بطلت صلاته لحديث معاوية بن الحكم ﵁ ولأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي فهو كرد السلام وروى يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: لا تبطل الصلاة لأنه دعاء بالرحمة فهو كالدعاء لأبويه بالرحمة.
стр. 180
فصل: وإن كان أكل عامداً بطلت صلاته لأنه أبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال فلأن يبطل الصلاة أولى وإن كان أكل ناسياً لم تبطل كما لا يبطل الصوم.
فصل: وإن عمل في الصلاة عملاً ليس منها نظرت فإن كان من جنس أفعالها بأن ركع أو سجد في غير موضعها فإن كان عامداً بطلت صلاته لأنه متلاعب بالصلاة وإن كان ناسياً لم تبطل لأن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فسبحوا له وبنى على صلاته وإن قرأ فاتحة الكتاب مرتين عامداً فالمنصوص أنه لا تبطل صلاته لأنه تكرار ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين ومن أصحابنا من قال تبطل لأنه ركن زاده في الصلاة فهو كالركوع والسجود وإن عمل عملاً ليس من جنسها فإن كان قليلاً مثل أن دفع ماراً بين يديه أو ضرب حية أو عقرباً أو خلع نعليه أو أصلح رداءه أو حمل شيئاً أو سلم عليه رجل فرد عليه بالإشارة وما أشبه ذلك لم تبطل صلاته لأن النبي ﷺ أمر بدفع المار بين يديه وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة وخلع نعليه وحمل أمامه بنت أبي العاص في الصلاة فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وسلم عليه الأنصار فرد عليهم بالإشارة في الصلاة ولأن المصلي لا يخلوا من عمل قليل فلم تبطل صلاته بذلك وإن عمل عملاً كثيراً بأن مشى خطوات متتابعات أو ضرب ضربات متواليات بطلت صلاته لأن ذلك لا تدعو الحاجة إليه في الغالب وإن مشى خطوتين أو ضرب ضربتين ففيه وجهان: أحدهما لا تبطل صلاته لأن النبي ﷺ خلع نعليه ووضعهما إلى جانبه وهذان فعلان متواليان والثاني تبطل لأنه عمل متكرر فهو كالثلاث وإن عمل عملاً كثيراً متفرقاً لم تبطل صلاته لحديث أمامة ابنة أبي العاص ﵂ فإنه تكرر منه الحمل والوضع ولكنه لما تفرق لم يقطع الصلاة ولا فرق في العمل بين السهو والعمد لأنه فعل بخلاف الكلام فإنه قول والفعل أقوى من القول ولهذا ينفذ إحبال المجنون لكونه فعلاً ولا ينفذ إعتاقه لأنه قول.
فصل: ويكره أن يترك شيئاً من سنن الصلاة ويكره أن يلتفت في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الله تعالى مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت صرف الله عنه وجهه١" وإن كان لحاجة لم
стр. 181
يكره لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره ويكره أن يرفع بصره إلى السماء لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة حتى اشتد قوله في ذلك لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم١" ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ قال "ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي الجهم وأتوني بأنبجانيته" ويكره أن يصلي ويده على خاصرته لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصراً ويكره أن يكف شعره وثوبه لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أمر أن يسجد على سبعة أعضاء ونهى أن يكف شعره وثوبه ويكره أن يمسح الحصا في الصلاة لما روى معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال "لا تمسح الحصا وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة تسوية الحصا" ويكره أن يعد الآي في الصلاة
стр. 182
لأنه يشتغل عن الخشوع فكان تركه أولى ويكره التثاؤب فيها لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرد ما استطاع فإن أحدكم إذا قال هاها ضحك الشيطان منه" فإن بدره البصاق فإن كان في المسجد لم يبصق فيه بل يبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض وإن كان في غير المسجد لم يبصق تلقاء وجهه ولا عن يمينه بل يبصق تحت قدمه اليسرى فإن بدره بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ دخل مسجداً يوماً فرأى في قبلة المسجد نخامة فحتها بعرجون معه ثم قال: يحب أحدكم أن يبصق رجل في وجهه إذا صلى أحدكم فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه فإن الله تعالى تلقاء وجهه والملك عن يمينه وليبصق تحت قدمه اليسرى أو عن يساره فإن أصابته بادرة بصاق فليبصق في ثوبه ثم يقول به هكذا فعلمهم أن يفركوا بعضه ببعض فإن خالف وبصق في المسجد دفنه لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال "البصاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه١" وبالله التوفيق.
стр. 183
باب سجود السهو
إذا ترك ركعة من الصلاة ساهياً فذكرها وهو فيها لزمه أن يأتي بها فإن شك في تركها بأن شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثاً أو أربعاً لزمه أن يأخذ بالأقل ويأتي بما بقي لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين٢" فإن استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة له والسجدتان وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماماً لصلاته والسجدتان ترغمان أنف الشيطان وإن ترك ركعة ناسياً وذكرها بعد التسليم
стр. 184
نظرت فإن لم يتطاول الفصل أتى بها وإن تطاول استأنف واختلف أصحابنا في التطاول فقال أبو إسحاق: هو أن يمضي قدر ركعة وعليه نص في البويطي وقال غيره: يرجع فيه إلى العادة فإن كان قد مضى ما يعد تطاولاً استأنف الصلاة وإن مضى ما لا يعد تطاولاً بنى لأنه ليس له حد في الشرع فرجع فيه إلى العادة وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن مضى مقدار الصلاة التي نسي فيها استأنف وإن كان دون ذلك بنى لأن آخر الصلاة يبنى على أولها وما زاد على ذلك لا يبنى عليه فجعل ذلك حداً وإن شك بعد السلام في تركها لم يلزمه شيء لأن الظاهر أنه أداها على التمام فلا يضره الشك الطارئ بعده ولأنا لو اعتبرنا حكم الشك الطارئ بعدها شق ذلك وضاق فلم يعتب
فصل: وإن ترك فرضاً ساهياً أو شك في تركه وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه ثم يأتي بما بعده لأن الترتيب مستحق في أفعال الصلاة فلا يعتد بما فعل حتى يأتي بما تركه فإن ترك سجدة من الركعة الأولى وذكرها وهو قائم في الثانية نظرت فإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى خر ساجداً وقال أبو إسحاق: يلزمه أن يجلس ثم يسجد ليكون السجود عقيب الجلوس والمذهب الأول لأن المتروك هو السجدة وحدها فلا يعيد ما قبلها كما لو قام من الرابعة إلى الخامسة ساهياً ثم ذكر فإنه يجلس ثم يتشهد ولا يعيد السجود قبله وإن لم يكن قد جلس عقيب السجدة الأولى حتى قام ثم ذكر جلس ثم سجد ومن أصحابنا من قال يخر ساجداً لأن الجلوس يراد للفصل بين السجدتين وقد حصل الفصل بالقيام إلى الثانية والمذهب الأول لأن الجلوس فرض مأمور به فلم يجز تركه وإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى وهو يظن أنها جلسة الاستراحة ففيه وجهان: قال أبو العباس: لا يجزئه بل يلزمه أن يجلس ثم يسجد لأن جلسة الاستراحة نفل فلا يجزئه عن الفرض كسجود التلاوة لا يجزئه عن سجدة الفرض ومن أصحابنا من قال يجزئه كما لو جلس في الرابعة وهو يظن أنه جلس للتشهد الأول وتعليل أبي العباس يبطل بهذه المسألة وأما سجود التلاوة فلا يسلم فإن من أصحابنا من قال يجزئه عن الفرض ومنهم من قال لا يجزئه لأنه ليس من الصلاة وإنما هو عارض فيها وجلسة الاستراحة من الصلاة وإن ذكر ذلك بعد السجود في الثانية تمت له ركعة لأن عمله بعد المتروك كلا عمل حتى يأتي بما ترك فإذا سجد في الثانية ضممنا سجدة
стр. 185
من الثانية إلى الأولى فتمت له الركعة وإن ترك سجدة من أربع ركعات ونسي موضعها لزمه ركعة لأنه يجوز أن يكون قد ترك من الأخيرة فيكفيه سجدة ويحتمل أن يكون قد ترك من غير الأخيرة فتبطل عليه الركعة التي بعدها وفي الصلاة يجب أم يحمل الأمر على الأشد ليسقط الفرض بيقين ولهذا أمر النبي ﷺ من شك في عدد الركعات أن يأخذ بالأقل ليسقط الفرض بيقين وإن ترك سجدتين جعل إحداهما من الأولى والأخرى من الثالثة فيتم الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة فيحصل له ركعتان وتلزمه ركعتان وإن ترك ثلاث سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدة ومن الرابعة سجدة وتلزمه ركعتان وإن ترك أربع سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدة فيلزمه سجدة وركعتان وإن ترك خمس سجدات جعل من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين ومن الرابعة سجدتين فيلزمه سجدتان وركعتان وإن نسي ست سجدات فقد أتى بسجدتين فجعل إحداهما من الأولى والأخرى من الرابعة وتلزمه ثلاث ركعات وإن نسي سبع سجدات حصل له ركعة إلا سجدة وإن نسي ثماني سجدات حصل له ركعة القيام والركوع ويلزمه أن يأتي بما بقي فإن ذكر ذلك بعد السلام أو شك في تركه بعد السلام فالحكم فيه على ما ذكره في الركعة.
فصل: وإن نسي سنة نظرت فإن ذكر ذلك وقد تلبس بغيرها مثل أن يترك دعاء الاستفتاح فذكر وهو في التعوذ أو ترك التشهد الأول فذكر وقد انتصب قائماً لم يعد إليه والدليل عليه ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال "إذا قام أحدكم من الركعتين ولم يستتم قائماً فليجلس وإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتين" ففرق بين أن ينتصب وبين أن لا ينتصب لأنه إذا انتصب حصل في غيره وإذا لم ينتصب لم يحصل في غيره فدل على ما ذكرناه وإن نسي تكبيرات العيد حتى افتتح القراءة ففيه قولان: قال في القديم: يأتي بها لأن محلها القيام والقيام باق في الجديد لا يأتي بها لأنه ذكر مسنون قبل القراءة فسقط بالدخول في القراءة كدعاء الاستفتاح.
فصل: الذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان فأما الزيادة فضربان: قول وفعل فالقول أن يسلم في غير موضع السلام ناسياً أو يتكلم ناسياً فيسجد للسهو والدليل أن النبي ﷺ سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين وأتم صلاته وسجد سجدتين وإن قرأ في غير موضع القراءة سجد لأنه قول في غير موضعه فصار كالسلام وأما الفعل فضربان: ضرب لا يبطل عمده الصلاة وضرب يبطل فما لا يبطل عمده الصلاة كالالتفات والخطوة والخطوتين فلا يسجد له لأن عمده لا يؤثر فسهوه لا يقتضي
стр. 186
السجود وأما ما يبطل عمده فضربان: متحقق ومتوهم فالمتحقق أن يسهو فيزيد في صلاته ركعة أو ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً أو يطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو فيسجد للسهو والدليل عليه ما روى عبدا لله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له صليت خمساً فسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم وأما المتوهم فهو أن يشك هل صلى ركعة أو ركعتين فيلزمه أن يصلي ركعة أخرى ثم يسجد للسهو لحديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه في أول الباب فإن قام من الركعتين فرجع إلى القعود قبل أن ينتصب قائماً ففيه قولان: أحدهما يسجد للسهو لأنه زاد في صلاته فعلاً تبطل الصلاة بعمده فيسجد كما لو زاد قياماً أو ركوعاً والثاني لا يسجد وهو الأصح لأنه عمل قليل فهو كالالتفات والخطوة.
فصل: وأما النقصان فهو أن يترك سنة مقصودة وذلك شيئان: أحدهما أن يترك التشهد الأول ناسياً فيسجد للسهو لما روى ابن بحينة أن النبي ﷺ قام من اثنتين فلما جلس من أربع انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم والثاني أن يترك القنوت ساهياً فيسجد للسهو لأنه سنة مقصودة في محلها فتعلق السجود بتركها كالتشهد الأول وإن ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول فإن قلنا ليست بسنة فلا يسجد وإن قلنا إنها سنة سجد لأنه ذكر مقصود في موضعه فهو كالتشهد الأول فإن ترك التشهد الأول أو القنوت عامداً سجد للسهو ومن أصحابنا من قال لا يسجد لأنه مضاف إلى السهو فلا يفعل مع العمد والمذهب الأول لأنه إذا سجد لتركه ساهياً فلأن يسجد لتركه عامداً أولى وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش وما أشبهها لم يسجد لأنه ليس بمقصود في موضعه فلم يتعلق بتركه الجبران وإن شك هل سها نظرت فإن كان في زيادة هل زاد أم لا لم يسجد لأن الأصل أنه لم يزد وإن كان في نقصان هل ترك التشهد أو القنوت أم لا سجد لأن الأصل أنه لم يفعل فسجد لتركه.
فصل: وإن اجتمع سهوان أو أكثر كفاه الجميع سجدتان لأن النبي ﷺ سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين واقتصر على سجدتين ولأنه لو لم يتداخل لسجد عقيب السهو فلما أخر إلى آخر الصلاة دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة وإن سجد للسهو ثم سها فيه ففيه وجهان: قال أبو العباس بن القاص: بعيد لأن السجود لا يجبر ما بعده وقال أبو عبد الله الختن: لا يعيد لأنه لو لم يجبر كل سهو لم يؤخر.
стр. 187
فصل: إذا سها خلف الإمام لم يسجد لأن معاوية بن الحكم شمت العاطس في الصلاة خلف رسول الله ﷺ فقال له: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس١" ولم يأمره بالسجود وإن سها الإمام لزم المأموم حكم السهو لأنه لما تحمل عنه الإمام سهوة لزم المأموم أيضاً سهوه فإن لم يسجد الإمام لسهوه سجد المأموم وقال المزني وأبو حفص البابشامي: لا يسجد لأنه إنما يسجد تبعاً للإمام وقد ترك الإمام فلم يسجد المأموم والمذهب الأول لأنه لما سها الإمام دخل النقص على صلاة المأموم لسهوه فإذا لم يجبر الإمام صلاته جبر المأموم صلاته وإن سبقه الإمام ببعض الصلاة وسها فيما أدركه معه وسجد معه ففيه قولان: قال في الأم: يعيد لأن الأول فعله متابعة لإمامه ولم يكن موضع سجوده وقال في الإملاء والقديم: لا يعيد لأن الجبران حصل بسجوده فلم يعد وإن سها الإمام فيما أدركه وسجد سجد معه ثم سها المأموم فيما انفرد فإن قلنا لا يعيد السجود سجد لسهوه وإن لم يسجد الإمام أو سجد وقلنا يعيد فالمنصوص أنه تكفيه سجدتان لأن السجدتين يجبران كل سهو ومن أصحابنا من قال يسجد أربع سجدات لأن إحداهما من جهة الإمام والأخرى من جهته وإن سها الإمام ثم أدركه المأموم فالمنصوص في صلاة الخوف أنه يلزم المأموم وحكم سهوه لأنه دخل في صلاة ناقصة فنقصت بها صلاته ومن أصحابنا من قال لا يلزمه لأنه لو سها المأموم فيما انفرد به بعد مفارقة الإمام لم يتحمل عنه الإمام فإذا سها الإمام فيما انفرد به لم يلزم المأموم وإن صلى ركعة منفرداً في صلاة رباعية فسها فيها ثم نوى متابعة إمام مسافر فسها الإمام ثم قال ثم قام إلى رابعته فسها فيها ففيه ثلاثة أوجه أصحها أنه يكفيه سجدتان والثاني يسجد أربع سجدات لأنه سها سهواً في جماعة وسهواً في جماعة وسهواً في الانفراد والثالث يسجد ست سجدات لأنه سها في ثلاثة أحوال.
فصل: وسجود السهو سنة لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري كانت الركعة نافلة له والسجدتان ولأنه يفعل لما لا يجب فلا يجب.
فصل: ومحله قبل التسليم لحديث أبي سعيد ولحديث ابن بحينة ولأنه يفعل لإصلاح الصلاة فكان قبل التسليم كما لو نسي سجدة من الصلاة ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر إنه إن كان السهو زيادة كان محله بعد السلام والمشهور هو الأول لأن بالزيادة يدخل النقص في الصلاة كما يدخل بالنقصان فإن لم يسجد حتى سلم ولم يتطاول الفصل سجد لأن النبي ﷺ صلى خمساً وسلم ثم سجد وإن تطاول الفصل ففيه
стр. 188
قولان: أحدهما يسجد لأنه جبران فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج وقال في الجديد: لا يسجد وهو الأصح لأنه يفعل لتكميل الصلاة فلم يفعل بعد تطاول الفصل كما لو نسي سجدة من الصلاة فذكرها بعد التسليم وبعد تطاول الفصل وكيف يسجد بعد التسليم فيه وجهان: قال أبو العباس بن القاص: يسجد ثم يتشهد لأن السجود في الصلاة بعده تشهد وكذلك هذا وقال أبو إسحاق: لا يتشهد وهو الأصح لأن الذي ترك هو السجود فلا يعيد معه غيره والنفل والفرض في سجود السهو واحد ومن أصحابنا من حكى قولاً في القديم أنه لا يسجد للسهو في النفل وهذا لا وجه له لأن النفل كالفرض في النقصان فكان كالفرض في الجبران.
стр. 189
باب الساعات التي نهى الله عن الصلاة فيها
وهي خمس: اثنتان نهى عنهما لأجل الفعل وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵁ قال: حدثني أناس أعجبهم إلي عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وثلاثة نهى عنها لأجل الوقت وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند الاستواء حتى تزول وعند الاصفرار حتى تغرب والدليل ما روى عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهى أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة وحتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب وهل يكره التنفل لمن
стр. 190
صلى ركعتي الفجر؟ فيه وجهان: أحدهما يكره لما روى ابن عمر رضي اله عنه أن النبي ﷺ قال "ليبلغ الشاهد منكم الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين" والثاني لا يكره لأن النبي ﷺ لم ينه إلا بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
فصل: ولا يكره في هذه الأوقات ما لها سبب كقضاء الفائتة والصلاة المنذورة وسجود التلاوة وصلاة الجنازة وما أشبهها لما روي عن قيس بن فهر قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال: ما هاتان الركعتان قلت: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان ولم ينكر عليه فدل على جوازه فإن دخل إلى المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة له غيرها ففيه وجهان: أحدهما يصلي لأنه وجد سبب الصلاة وهو الدخول والثاني لا يصلي لأن النبي ﷺ قال: "لا يتحرى أحدكم بصلاته طلوع الشمس وغروبها١" وهذا يتحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها.
فصل: ولا تكره يوم الجمعة يوم الاستواء حتى لو حضر الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة ولأنه يشق عليه مع كثرة الخلق أن يخرج لمراعاة الشمس ويغلبه النوم إن قعد فعفى عن الصلاة وإن لم يحضر الصلاة ففيه وجهان: أحدهما يجوز للخبر والثاني لا يجوز لأنه لا مشقة عليه في مراعاة الشمس.
فصل: ولا تكره الصلاة في هذه الأوقات بمكة لما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة٢" ولأن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة٣" ولا خلاف أن الطواف يجوز فكذلك الصلاة
стр. 191
باب صلاة الجماعة
إختلف أصحابنا في الجماعة فقال أبو عباس وأبو إسحاق: هي فرض على الكفاية يجب إظهارها في الناس فإن امتنعوا من إظهارها قوتلوا عليها وهو المنصوص في الإمامة والدليل عليه ما روى أبو الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال "ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحذوا عليهم الشيطان عليك بالجماعة فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم١" ومن أصحابنا من قال هي سنة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة٢".
فصل: وأقل الجماعة اثنان إمام ومأموم لما روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة٣" وفعلها للرجال في المسجد أفضل لأنهم أكثر جمعاً وفي المساجد التي يكثر الناس فيها أفضل لما روى أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى٤"
стр. 192
فإن كان في جواره مسجد تختل فيه الجماعة ففعلها في مسجد الجوار أفضل من فعلها في المسجد الذي يكثر فيه الناس لأنه صلى في مسجد الجوار حصلت الجماعة في موضعين وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل لما روى ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن١" فإن أرادت المرأة حضور المسجد مع الرجال فإن كانت شابة أو كبيرة يشتهى مثلها كره لها الحضور وإن كانت عجوزاً لا تشتهى لم يكره لما روي أن النبي ﷺ نهى النساء عن الخروج إلا عجوزاً في منقلها.
فصل: ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الجماعة لأنه يريد أن يتبع غيره فلا بد من نية الإتباع فإن رأى رجلين يصليان على الانفراد فنوى الائتمام بهما لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه أن يقتدي بهما في وقت واحد وإن نوى الاقتداء بأحدهما بغير عينه لم تصح صلاته لأنه إذا لم يعين لم يمكنه الاقتداء به وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى الاقتداء بالمأموم منهما لم تصح صلاته لأنه تابع لغيره فلا يجوز أن يتبعه غيره فإن صلى رجلان فنوى كل واحد منهما أنه هو الإمام لم تبطل صلاته لأنه كل واحد منهما يصلي لنفسه وإن نوى كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام.
فصل: وتسقط الجماعة بالعذر وهو أشياء فمنها المطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة والدليل عليه ما روى ابن عمر ﵁ قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه أن صلوا في رحالكم ومنها أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه أو يدافع الخبثين لما روت عائشة ﵂
стр. 193
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين١" ومنها أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو مرضاً يشق معه القصد والدليل عليه ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر" قالوا يا رسول الله وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض" ومنها أن يكون قيماً بمريض يخاف ضياعه لأنه حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة ومنها أن يكون له قريب مريض يخاف موته لأنه يتألم عليه بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال.
فصل: ويستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار وقال أبو إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود اشتد إلى الصلاة وقال: بادروا حد الصلاة يعني التكبيرة الأولى والأول أصح لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا٢" وإن حضر والإمام لم يحضر فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة افتياتاً عليه وإفساداً للقلوب وإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر لأن النبي ﷺ ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر ﵁ وحضر النبي ﷺ وهم في الصلاة فلم ينكر عليهم وإن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة لأن الجماعة أفضل وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة فإن نوى الدخول في الجماعة
стр. 194
من غير أن يقطع ففيه قولان: قال في الإملاء: لا يجوز وتبطل صلاته لأن تحريمته سبقت تحريمة الأمام فلم يجز كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله وقال في القديم والجديد: يجوز وهو الأصح لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ثم يصير إماماً بأن يجئ من يلأتم به جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً ثم يصير مأموماً ومن أصحابنا من قال: إن كان قد ركع في حال الانفراد لم يجز قولاً واحداً لأنه يغير ترتيب صلاته بالمتابعة والصحيح أنه لا فرق لأن الشافعي ﵀ لم يفرق ويجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة كالمسبوق بركعة وإن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة لما روي أن النبي ﷺ قال "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة١" فإن أدركه في القيام وخشي أن تفوته القراءة ترك دعاء الاستفتاح واشتغل بالقراءة لأنها فرض فلا يشتغل عنها بالنفل فإن قرأ بعض الفاتحة فركع الإمام ففيه وجهان: أحدهما يركع ويترك القراءة لأن متابعة الإمام آكد ولهذا لو أدركه راكعاً سقط عنه فرض القراءة والثاني يلزمه أن يتم القراءة لأنه لزمه بعض القراءة فلزمه إتمامها وإن أدركه وهو راكع كبر للإحرام وهو قائم ثم كبر للركوع ويركع فإن كبر تكبيرة واحدة نوى بها الإحرام وتكبيرة الركوع لم تجزئه عن الفرض لأنه أشرك في النية بين الفرض والنفل وهل تنعقد له صلاة نفل؟ فيه وجهان: أحدهما تنعقد كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع والثاني لا تنعقد لأنه أشرك في النية بين تكبيرة هي شرط وتكبيرة ليست بشرط وإن أدرك معه مقدار الركوع الجائز فقد أدرك الركعة إن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع فليصل الظهر أربعاً" وإن كان الإمام قد ركع ونسي تسبيح الركوع فرجع إلى الركوع ليسبح فأدركه في هذا الركوع فقد قال أبو علي الطبري: يحتمل أن يكون مدركاً كما لو قام إلى الخامسة فأدركه المأموم فيها والمنصوص في الأم أنه لا يكون مدركاً لأن ذلك غير محتسب للإمام ويخالف الخامسة لأن هناك قد أتى بها المأموم وههنا لم يأت بما فاته مع الإمام وإن أدركه ساجدا كبر للإحرام ثم سجد من غير تكبير ومن أصحابنا من قال: يكبر كما يكبر للركوع والمذهب الأول لأنه لم يدرك محل التكبير في السجود ويخالف إذا أدركه راكعا فإن
стр. 195
هذا موضع ركوعه ألا ترى يجزئه عن فرضه فصار كالمنفرد وإن أدركه في آخر الصلاة كبر للإحرام وقعد وحصل له فضيلة الجماعة فإن أدرك معه الركعة الأخيرة كان ذلك أول صلاته لما روي عن علي ﵁ أنه قال: ما أدركت فهو أول صلاتك وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته فإن كان ذلك في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته لأن ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة فإذا بلغ إلى موضعه أعاد كما لو تشهد مع الإمام ثم قام إلى ما بقي فإنه يعيد التشهد وإن حضر وقد فرغ الإمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كره أن يستأنف فيه جماعة لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد وإن كان المسجد في سوق أو ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لأنه لا يحمل الأمر فيه على الكياد وإن حضر ولم يجد إلا من صلى استحب لبعض من حضر أن يصلي معه ليحصل له الجماعة والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً جاء وقد صلى النبي ﷺ فقال من يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه.
فصل: ومن صلى منفرداً ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصلي معهم وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كان صبحاً أو عصراً لم يستحب لأنه منهي عن الصلاة في ذلك الوقت والمذهب الأول لما روى يزيد بن الأسود العامري أن النبي ﷺ صلى صلاة الغداة في مسجد الخيف فرأى في آخر القوم رجلين لم يصليا معه فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا فقال "لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة" فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجهان: احدهما يعيد للخبر والثاني لا يعيد لأنه قد حاز فضيلة الجماعة وإذا صلى وأعاد مع الجماعة فالفرض هو الأول في قوله الجديد للخبر ولأنه أسقط الفرض بالأولى فوجب أن تكون الثانية نفلاً وقال في القديم: يحتسب الله له بأيتهما شاء وليس بشيء.
فصل: ويستحب للإمام أن يأمر من خلفه بتسوية الصفوف لما روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء
стр. 196
ظهري١" قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه والمستحب أن يخفف في القراءة والأذكار لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذاصلى لنفسه فليطول ما شاء٢" فإن صلى بقوم يعلم أنهم يؤثرون التطويل لم يكره التطويل لأن المنع لأجلهم وقد رضوا وإن أحس بداخل وهو راكع ففيه قولان: أحدهما يكره أن ينتظر لأن فيه تشريكاً بين الله وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] والثاني يستحب أن ينتظر وهو الأصح لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلم يكره كالانتظار في صلاة الخوف وتعليل الأول يبطل بإعادة الصلاة لمن فاتته الجماعة برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه فإن فيه تشريكاً ثم يستحب وإن أحس به وهو قائم لم ينتظره لأن الإدراك يحصل له بالركوع وهو يتشهد ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يستحب لما فيه من التشريك والثاني يستحب الإدراك يحصل له بالركوع فإن أدركه وهو يتشهد ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يستحب لما فيه من التشريك والثاني يستحب لأنه يدرك به الجماعة.
فصل: وينبغي للمأموم أن يتبع الإيمام ولا يتقدمه في شيء من الأفعال لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإن كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ولا تختلفوا عليه فإذا قال سمع الله لمن حمد فقولوا ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا ترفعوا قبله٣" فإن كبر قبله أوكبر معه للإحرام لم تنعقد صلاته لأنه علق صلاته بصلاته قبل أن تنعقد فلم تصح وإن سبقه بركن بأن ركع قبله أو سجد قبله لم يجز ذلك لقوله: "أما يخشى أحدكم أن يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار٤" ويلزمه أن يعود إلى متابعته لأن ذلك
стр. 197
فرض فإن لم يفعل لحقه فيه لم تبطل لأن ذلك مفارقة قليلة وإن ركع قبل الإمام فلما أراد الإمام أن يركع رفع فلما أراد الإمام أن يرفع سجد فإن كان عالماً بتحريمه بطلت صلاته لأن ذلك مفارقة كثيرة وإن كان جاهلاً بذلك لم تبطل صلاته ولا يعتد له بهذه الركعة لأنه لم يتابع الإمام في معظمها وإن ركع قبله فلما ركع الإمام رفع ووقف حتى رفع الإمام واجتمع معه في القيام لم تبطل صلاته لأنه تقدم بركن واحد وذلك قدر يسير وإن سجد الإمام سجدتين وهو قائم ففيه وجهان: أحدهما تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما وقال أبو إسحاق: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود وإن سها الإمام في صلاته فإن كان في قراءة فتح عليه المأموم لما روى أنس ﵁ قال: كان أصحاب رسول ﷺ يلقن بعضهم بعضاً في الصلاة وإن كان في ذكر غيره جهر به المأموم ليسمعه الإمام فتقوله وإن سها في فعل سبح له ليعلمه لم يقع للإمام أنه سها لم يعمل بقول المأموم لأن من شك في فعل نفسه لم يرجع فيه إلى قوله غيره كالحاكم إذا نسي حكماً حكم به فشهد شاهدان عليه أنه حكم به وهو لا يذكر وأما المأموم فإنه ينظر فيه فإن كان سهو الإمام في ترك فرض مثل أن يقعد وفرضه أن يقوم أو يقوم وفرضه أن يقعد لم يتابعه لأنه إنما تلزمه متابعته في أفعال الصلاة وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة وإن كان سهوه في ترك سنة لزمه متابعته لأن المتابعة فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بسنة فإن نسي الإمام التسليمة الثانية أو سجود السهو لم يتركه المأموم لأنه يأتي به وقد سقط عنه المتابعة فإن نسيا جميعاً التشهد الأول ونهضا للقيام وذكر الإمام قبل أن يستتم القيام والمأموم قد استتم القيام ففيه وجهان: أحدهما لا يرجع لأنه قد حصل في فرض والثاني يرجع وهو الأصح لأن متابعة الإمام آكد ألا ترى أنه إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام لزمه العود إلى متابعته وإن كان قد حصل في فرض.
فصل: وإن أحدث الإمام واستحلف ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لأن المستحلف كان لا يجهر ولا يقرأ السورة ولا يسجد للسهو فصار يجهر ويقرأ السورة ويسجد للسهو وذلك لا يجوز في صلاة واحدة وقال في الأم: يجوز لما روت عائشة ﵂ قالت: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي توفي فيه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله إنه رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر عمر فليصل بالناس فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فمر علياً فليصل بالناس قال إنكن
стр. 198
لأنتن صويحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" فوجدوا رسول الله ﷺ من نفسه خفة فخرج فلما رآه أبو بر فذهب ليستأخر فأومأ إليه بيده فأتى رسول الله ﷺ حتى جلس إلى جنبه فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير فإن استخلف من لم يكن معه في الصلاة فإن كان في الركعة الأولى أو الثالثة جاز على قوله في الأم وإن كان في الركعة الثانية أو الرابعة لم يجز لأنه لا يوافق ترتيب الأول فيشوش وإن سلم الإمام وبقي على بعض المأمومين بعض الصلاة فقدموا من يتم بهم ففيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز في الصلاة والثاني لا يجوز لأن الجماعة الأولى قد تمت فلا حاجة إلى الاستخلاف.
فصل: وإن نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم لنفسه فإن كان لعذر لم تبطل صلاته لأن معاذاً ﵁ أطال القراءة فانفرد عنه أعرابي فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم ينكر عليه وإن كان لغير عذر ففيه قولان: أحدهما تبطل لأنهما صلاتان مختلفتان في الحكم فلا يجوز أن ينتقل من إحداهما إلى الأخرى من غير عذر كالظهر والعصر والثاني يجوز وهو الأصح لأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائماً ثم قعد.
стр. 199
باب صفة الأئمة
إذا بلغ الصبي حداً يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته لما روي عن عمر بن سلمة قال: أممت على عهد رسول الله ﷺ وأنا غلام بن سبع سنين وفي الجمعة قولان: قال في الأم: لا يجوز إمامته لأن صلاته نافلة وقال في الإملاء: يجوز لأنه يجوز أن يكون إماماً في غير الجمعة كالبالغ ولا تصح إمامة الكافر لأنه ليس من أهل الصلاة فلا يجوز أن يعلق صلاته على صلاته فإن تقدم وصلى بقوم لم يكن ذلك
стр. 200
إسلاماً منه لأنها من فروع الإيمان فلا يصير بفعلها مسلماً كما لوصام رمضان أو زكى المال وأما من صلى خلفه فإنه إن علم بحالة لم تصح صلاته لأنه علق صلاته بصلاة باطلة وإن لم يعلم ثم علم نظرت فإن كان كافراً متظاهراً بكفره لزمته الإعادة لأنه مفرط في صلاته خلفه لأن على كفره أمارة من الغيار وإن كان مستتراً ففيه وجهان: أحدهما لا تصح صلاته لأنه ليس من أهل الصلاة فلا تصح الصلاة خلفه كما لو كان متظاهراً بكفره والثاني تصح لأنه غير مفرط في الائتمام به وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله ﷺ "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله" ولأن ابن عمر ﵁ صلى خلف الحجاج مع فسقه ولا يجوز للرجل أن يصلي خلف المرأة لما روى جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "لا تؤم امرأة رجلاً١" فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة فلم يعذر في صلاته خلفها ولا تجوز صلاة الرجل خلف الخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة ولا صلاة خلف الخنثى لجواز أن يكون المأموم رجلاً والإمام امرأة.
فصل: ولا تجوز خلف المحدث لأنه ليس من أهل الصلاة فإن صلى خلفه غير الجمعة ولم يعلم ثم علم فإن كان ذلك في أثناء الصلاة نوى مفارقته وأتم وإن كان بعد الفراغ لم تلزمه الإعادة لأنه ليس على حدثه أمارة فعذر في صلاته خلفه فإن كان في الجمعة فقد قال الشافعي ﵀ في الأم: إن تم العدد به لم تصح الجمعة لأنه فقد شرط الجمعة وإن تم العدد دونه صحت لأن العدد وجد وحدثه لا يمنع صحة الجمعة كما لا يمنع في سائر الصلوات ويجوز للمتوضئ أن يصلي خلف المتيمم لأنه أتى عن طهارته ببدل فهو كغاسل الرجل إذا صلى خلف الماسح على الخف وفي صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان: أحدهما يجوز للمتوضئ خلف المتيمم والثاني لا يجوز لأنها لم تأت بطهارة على النجس ولأنها تقوم مقامها فهو كالمتوضئ خلف المحدث ويجوز للقائم أن يصلي خلف القاعد لأن النبي ﷺ صلى جالسا والناس خلفه قيام
стр. 201
ويجوز للراكع والساجد أن يصلي خلف المومي إلى الركوع والسجود لأنه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام وفي صلاة القارئ خلف الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة وخلف الأرت والألثغ قولان: أحدهما يجوز لأنه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه كالقيام والثاني لا يجوز لأنه يحتاج أن يتحمل قراءته وهو يعجز عن ذلك فلا يجوز أن ينتصب للتحمل كالإمام الأعظم إذا عجز عن تحمل أعباء الأمة وتجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل والمفترض بالمفترض في صلاة أخرى لما روى جابر بن عبد الله ﵁ أن معاذاً كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الأخيرة ثم يأتي قومه في بني سلمة يصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة العشاء ولأن الاقتداء يقع بالأفعال الظاهرة وذلك يمكن مع اختلاف النية فأما إذا صلى صلاة الكسوف خلف من يصلي الصبح أو الصبح خلف من يصلي الكسوف لم يجز لأنه لا يمكن الإئتمام مع اختلاف الأفعال ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر لأن الإمام شرط في الجمعة والإمام ليس معهم في الجمعة فيصير كالجمعة بغير إمام ومن أصحابنا من قال: تجوز كما يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر وفي فعلها خلف المتنفل قولان: أحدهما يجوز لأنهما متفقان في الأفعال الظاهرة والثاني لا يجوز لأن من شرط الجمعة الإمام والإمام ليس معهم في الجمعة ويكره أن يصلي الرجل بقوم وأكثرهم له كارهون لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال:
стр. 202
"ثلاثة لا يرفع الله صلاتهم فوق رؤوسهم فذكر فيهم رجلا أمَّ قوماً وهم له كارهون١" فإن كان الذي يكرهه الأقل لم يكره أن يؤمهم لأن أحداً لا يخلو ممن يكرهه ويكره أن يصلي الرجل بامرأة أجنبية لما روي أن النبي ﷺ قال "لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان٢" ويكره أن يصلي خلف التمتام والفأفاء لما يزيدان في الحروف فإن صلى خلفهما صحت صلاته لأنها زيادة هو مغلوب عليها.
فصل: والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي ﷺ قال "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وأكثرهم قراءة فإن كانت قراءتهم سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً٣" وكان أكثر الصحابة قراءة أكثرهم فقهاً لأنهم كانوا يقرأون ويتعلمون أحكامها ولأن الصلاة تفتقر صحتها إلى القراءة والفقه فقدم أهلهما على غيرهما فإن زاد أحدهما في القراءة والفقه قدم على الآخر وإن زاد أحدهما في الفقه وزاد الآخر في القراءة فالأفقه أولى لأنه ربما حدثت في الصلاة حادثة تحتاج إلى الاجتهاد فإن استويا في الفقه ففيه قولان: قال في القديم يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وهو الأصح لأنه قدم الهجرة على السن في حديث أبي مسعود البدري ولا خلاف أن الشرف مقدم على الهجرة فإذا قدمت الهجرة على السن فلأن يقدم عليه الشرف أولى وقال في الجديد: يقدم الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة لما روى مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال "صلوا كما رأيتموني أصلي وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم٤" ولأن الأكبر أخشع في الصلاة فكان أولى والسن الذي يستحق به التقديم السن في الإسلام فأما إذا شاخ في الكفر ثم
стр. 203
أسلم لم يقدم على شاب في الإسلام والشرف الذي يستحق به التقديم أن يكون من قريش والهجرة أن يكون ممن هاجر من مكة إلى رسول الله ﷺ أو من أولادهم فإن استويا في ذلك فقد قال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال أحسنهم صورة ومنهم من قال أراد أحسنهم ذكراً.
فصل: فإن اجتمع هؤلاء مع صاحب البيت فصاحب البيت أولى منهم لما روى أبو مسعود البدري أن النبي ﷺ قال "لا يؤم الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذن١" فإن حضر مالك الدار والمستأجر فالمستأجر أولى لأنه أحق بالتصرف في المنافع وإن حضر مالك العبد والعبد في دار جعلها السيد لسكنى العبد فالسيد أولى لأنه هو المالك في الحقيقة دون العبد وإن اجتمع غير السيد مع العبد في الدار فالعبد أولى لأنه أحق بالتصرف فإن اجتمع هؤلاء مع إمام المسجد فإمام المسجد أولى لما روي أن ابن عمر كان له مولى يصلي في مسجد فحضر فقدمه مولاه فقال له ابن عمر ﵁: أنت أحق بافمامة في مسجدك وإن اجتمع إمام المسلمين مع صاحب البيت أو مع إمام المسجد فالإمام أولى لأن ولايته عامة ولأنه راع وهم رعيته فكان تقديم الراعي أولى وإن اجتمع مسافر ومقيم فالمقيم أولى لأنه إذا تقدم المقيم أتموا كلهم فلا يختلفون وإذا تقدم المسافر اختلفوا في الصلاة وإن اجتمع حر وعبد فالحر أولى لأنه موضع كمال والحر أكمل وإن اجتمع عدل وفاسق فالعدل أولى لأنه أفضل وإن اجتمع ولد الزنا مع غيره فغيره أولى لأنه كرهه عمر بن عبد العزيز ومجاهد فكان غيره أولى منه وإن اجتمع بصير وأعمى فالمنصوص في الإمامة أنهما سواء لأن في الأعمى فضيلة وهو أن لا يرى ما يلهيه وفي البصير فضيلة وهو أن يتجنب النجاسة قال أبو إسحاق المروزي الأعمى أولى وعندي أن البصير أولى لأنه يتجنب النجاسة التي تفسد الصلاة والأعمى يترك النظر إلى ما يلهيه وذلك لا يفسد الصلاة.
стр. 204
باب موقف الإمام والمأموم
السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام لما روى ابن عباس ﵁ قال: بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه فإن وقف على يساره رجع إلى يمينه فإن لم يحسن علمه الإمام كما فعل النبي ﷺ بابن عباس ﵁ فإن جاء آخر أحرم عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخر الملموم لما روى جابر ﵁ قال: قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي وأدارني حتى أقامني عن يمينه وجاء جابر بن صخر حتى قام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذنا بيديه جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه لأنه قبل أن يحرم الثاني لم يتغير موقف الأول فلا يزال عن موضعه فإن حضر رجلان اصطفا خلفه لحديث جابر وإن حضر رجل وصبي اصطفا خلفه لما روى أنس ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين فإن حضر رجال وصبيان تقدم الرجال لقوله ﷺ "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم١" وإن كانت معهم امرأة وقفت خلفهم لحديث أنس ﵁ فإن كان معهم خنثى وقف خلف الرجل والمرأة خلف الخنثى لأنه يجوز أن يكون امرأة فلا تقف مع الرجال والسنة أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم لما روي أن حذيفة ﵁ صلى على دكن والناس أسفل منه فجذبه سلمان ﵁ حتى أنزله فلما انصرف قال له "أما علمت أن أصحابك يكرهون أن يصلي الإمام على شيء وهم أسفل منه؟ قال حذيفة: بلى قد ذكرت حين جذبتني وكذلك لا يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام لأنه إذا كره أن يعلو الإمام فلأن يكره أن يعلو المأموم أولى فإن أراد الإمام تعليم
стр. 205
المأمومين أفعال الصلاة فالسنة أن يقف الإمام على موضع عال لما روى سهل بن سعد الساعدي قال ﷺ على المنبر والناس وراءه فجعل يصلي عليه ويركع ثم يرفع ثم يرجع القهقرى ويسجد على الأرض ثم يرفع فيرقى عليه فقال "أيها الناس إنما صنعت هكذا كيما تروني فأتموا بي" ولأن الارتفاع في هذه الحالة أبلغ في الإعلام فكان أولى.
فصل: والسنة أن تقف إمامة النساء وسطهن لما روي أن عائشة وأم سلمة ﵄ أمتا نساء فقامتا وسطهن وكذلك إذا اجتمع الرجال وهم عراة فالسنة أن يقف الإمام وسطهم لأنه أستر.
فصل: فإن خافوا فيما ذكرناه فوقف الرجل عن يسار الإمام أو خلفه وحده أو وقفت المرأة مع الرجل أو أمامه لم تبطل الصلاة لما روي أن ابن عباس ﵁ وقف على يسار النبي ﷺ فلم تبطل صلاته وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف فقال له النبي ﷺ "زادك الله حرصاً ولا تعد" ولأن هذه المواضع كلها مواقف لبعض المأمومين فلا تبطل الصلاة بالانتقال إليها وإن تقدم المأموم على الإمام ففيه قولان: قال في القديم: لا تبطل الصلاة كما لو وقف خلف الإمام وحده وقال في الجديد: تبطل لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فأشبه إذا وقف في موضع نجس.
فصل: والمستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة١" وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول٢" والمستحب أن يعتمد يمين الإمام لما روى البراء قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله ﷺ لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه ويسلم عليه فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أتموا الصف الأول فإن كان نقص
стр. 206
ففي المؤخرة١" فإن تباعدت الصفوف أو تباعد الصف الأول عن الإمام نظرت فإن كان لا حائل بينهما وكانت الصلاة في المسجد وهو عالم بصلاة الإمام صحت الصلاة لأن كل موضع من المسجد موضع الجماعة وإن كان في غير المسجد فإن كان بينه وبين الإمام أو بينه وبين آخر صف مع الإمام مسافة بعيدة لم تصح صلاته فإن كانت مسافة قريبة صحت صلاته وقدر الشافعي ﵀ القريب بثلثمائة ذراع والبعيد ما زاد على ذلك لأن ذلك قريب في العادة وما زاد بعيد وهل هو تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: أحدهما أنه تحديد فلو زاد على ذلك ذراع لم يجزه والثاني أنه تقريب فإن زاد ثلاثة أذرع جاز وإن كان بينهما حائل نظرت فإن كانت الصلاة في المسجد بأن كان أحدهما في المسجد والآخر على سطحه أو في بيت لم يضر وإن كان في غير المسجد نظرت فإن كان الحائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته لما روي عن عائشة ﵂ أن نسوة كن يصلين في حجرتها بصلاة الإمام فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب وإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأن بينهما حائلاً يمنع الاستطراق فأشبه الحائط والثاني يجوز لأنه يشاهدهم فهو كما لو كان معهم وإن كان بين الإمام والمأموم نهر ففيه وجهان: قال أبو سعيد الاصطخري: لا يجوز لأن الماء يمنع الاستطراق فهو كالحائط والمذهب أنه يجوز لأن الماء لم يخلق للحائل وإنما خلق للمنفعة فلا يمنع الإئتمام كالنار.
стр. 207
باب صلاة المريض
إذا عجز عن القيام صلى قاعداً لما روي أن النبي ﷺ قال لعمران بن الحصين "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب٢" وكيف يقعد؟ فيه قولان: أحدهما يقعد متربعاً لأنه بدل عن القيام والقيام يخالف قعود الصلاة فيجب أن يكون بدله
стр. 208
مخالفاً له والثاني يقعد مفترشاً لأن التربع قعود العادة والافتراش جلوس قعود العبادة فكان الافتراش أولى فإن لم يمكنه ان يركع أو يسجد أومأ إليهما وقرب وجهه إلى الأرض على قدر طاقته فإن سجد على مخدة أجزأه لأن أم سلمة ﵂ سجدت على مخدة لرمد بها قال في الأم: عن قدر أن يصلي منفرداً قائماً ويخفف القراءة وإذا صلى مع الجماعة صلى بعضها من قعود فالأفضل أن يصلي منفرداً لأن القيام فرض والجماعة نفل فكان الانفراد أولى وإن صلى مع الإمام وقعد في بعضها صحت صلاته فإن كان في ظهره علة لا تمنع من القيام وتمنعه من الركوع والسجود لزمه القيام ويركع ويسجد على قدر طاقته فإن لم يمكنه أن يحني ظهره حتى رقبته فإن أراد أن يتكئ على عصا كان له ذلك وإن تقوس ظهره حتى صار كأنه راكع رفع رأسه في موضع القيام على قدر طاقته ويحني ظهره في الركوع على قدر طاقته وإن كان بعينه وجع وهو قادر على القيام فقيل له إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز له ترك القيام لما روي أن ابن عباس ﵁ لما وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك أطباء على البرد فقيل له إنك تمكث سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقياً فسأل عائشة وأم سلمة ﵄ فنهتاه والثاني يجزيه لأنه يخاف الضرر من القيام فأشبه المريض.
فصل: وإن عجز عن القيام والقعود صلى على جنبه ويستقبل القبلة بوجهه ومن أصحابنا من قال يستلقي على ظهره ويستقبل القبلة برجليه والمنصوص في البويطي هو الأول والدليل عليه ما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال "يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع صلى جالساً فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه١" ولأنه إذا اضطجع على جنبه استقبل القبلة بجميع بدنه وإذا استلقى لم يستقبل القبلة إلا برجليه ويومئ إلى الركوع والسجود فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه لحديث علي ﵁.
стр. 209
فصل: وإن افتتح الصلاة قائماً ثم عجز قعد وأتم صلاته وإن افتتحها قاعداً ثم قدر على القيام وأتم صلاته لأنه يجوز أن يؤدي جميع صلاته قاعداً عند العجز وجميعها قائماً عند القدرة فجاز أن يؤدي بعضها قاعداً عند العجز وبعضها قائماً عند القدرة وإن افتتح الصلاة قاعداً ثم عجز اضطجع وإن افتتحها مضطجعاً ثم قدر على القيام أو القعود قام أو قعد والتعليل ما ذكرناه.
стр. 210
باب صلاة المسافر
يجوز القصر في السفر لقوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] قال ثعلبة بن أمية: قلت لعمر ﵁ قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء:١٠١] وقد أمن النساء قال عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ولا يجوز القصر إلا في الظهر والعصر والعشاء لإجماع الأمة ويجوز ذلك في سفر الماء كما يجوز للراكب في البر.
فصل: ولا يجوز ذلك إلا في مسيرة يومين وهو أربعة برد كل بريد أربعة فرسخ فذلك ستة عشر فرسخاً لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وسأل عطاء بن عباس أأقصر إلى عرفات؟ فقال: لا فقال: إلى منى؟ فقال: لا لكن إلى جدة وعسفان والطائف قال مالك ﵀:
стр. 211
بين الطائف ومكة وجدة وعسفان أربعة برد ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر قال الشافعي ﵀: وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة ﵀ لا يبيح القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فإن كان للبلد الذي يقصده طريقان يقصر في أحدهما وفي الآخر لا يقصر فسلك الأبعد لغرض يقصد في العادة قصر وإن سلكه ليقصر ففيه قولان: قال في الإملاء: له أن يقصر لأنها مسافة يقصر في مثلها الصلاة فجاز له القصر فيها كما لو لم يكن له طريق سواه وقال في الأم: ليس له أن يقصر لأنه طول الطريق للقصر فلا يقصر كما لو مشى في مسافة قريبة طولاً وعرضاً حتى طال وإن سافر إلى بلد يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إن لقي عبده أو صديقه في بعض الطريق رجع لم يقصر لأنه لم يقطع على سفر تقصر فيه الصلاة وإن نوى السفر إلى بلد ثم منه إلى بلد آخر فهما سفران فلا يقصر حتى يكون كل واحد منهما مما تقصر فيه الصلاة.
فصل: إذا كان السفر مسيرة ثلاثة أيام فالقصر أفضل من الإتمام لما روى عمران بن الحصين قال: حججت مع رسول الله ﷺ فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عثمان ﵁ فصلى ركعتين ست سنين ثم أتم بمنى فكان الاقتداء برسول الله ﷺ أفضل فإن ترك القصر وأتم جاز لما روت عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت: يا رسول الله ﷺ أفطرت وصمت وقصرت وأتممت؟ فقال "أحسنت يا عائشة" ولأنه تخفيف أبيح السفر فجاز تركه كالمسح على الخفين ثلاثاً.
فصل: ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق وقتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخيص بشيء من رخص المسافر لأن الرخص لا يجوز أن تتعلق بالمعاصي ولأن في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
فصل: ولا يجوز القصر إلا أن يفارق الإقامة لقوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ
стр. 212
فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] فعلق القصر على الضرب في الأرض وإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد فإن اتصل بحيطان البساتين حيطان البلد وفارق بنيان البلد جاز له القصر لأن البساتين ليست من البلد وإن كان في قرية وبقربها قرية ففارق قريته جاز له القصر وقال أبو العباس إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما والمذهب الأول لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى فإن كان من أهل الخيام فإن كانت خياماً مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها وإن كانت خياماً متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي: فإن خرجوا من البلد فأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لأنهم لم يقطعوا الطريق بالسفر وإن قالوا ننتظر يومين أو ثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا جاز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فصل: ولا يجوز القصر حتى تكون جميع الصلاة في السفر فأما إذا أحرم بالصلاة في سفينة في البلد ثم سارت السفينة وحصلت في السفر لم يجز له القصر وكذلك إن أحرم بها في سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة أو نوى الإقامة لزمه الاتمام لأنه اجتمع في صلاته ما يقتضي القصر والإتمام فغلب الإتمام.
فصل: ولا يجوز القصر حتى ينوي القصر عند الإحرام لأن الأصل التمام فإذا لم ينو القصر انعقد احرامه على التمام فلم يجز له القصر كالمقيم.
فصل: ولا يجوز القصر لمن ائتم بمقيم فإن ائتم به في جزء من صلاته لزمه التمام لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام وإن أراد أن يقصر الظهر خلف من يصلي الجمعة لم يجز لأنه مؤتم بمقيم ولأن الجمعة صلاة تامة فهو كما لو ائتم بمن يصلي الظهر تامة فإن لم ينو القصر أو نوى الإتمام او ائتم بمقيم ثم أفسد صلاته لزمه الإتمام لأنه فرض لزمه فلا يسقط عنه بالإفساد كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا وهل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا أو هل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام لأن الأصل هو التمام والقصر أجيز بشروط فإذا لم تتحقق الشروط رجع إلى الأصل فإن ائتم بمسافر أو بمقيم الظاهر منه أنه مسافر جاز أن ينوي القصر خلفه لأن الظاهر أن الإمام مسافر فإن
стр. 213
أتم الإمام تبعه في الإتمام لأنه بان أنه ائتم بمقيم أو بمن نوى الإتمام وإن أفسد الإمام صلاته وانصرف ولم يعلم المأموم أنه نوى القصر أو الاتمام لزمه أن يتم المنصوص وهو قول أبي إسحاق لأنه شك في عدد الصلاة ومن شك في عدد الصلاة لزمه البناء على اليقين لا على غلبة الظن والدليل عليه أنه إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً بنى على اليقين وهو الثلاث وإن غلب على ظنه أنه صلى أربعاً وحكي عن ابن عباس أنه قال: له أن يقصر لأنه ائتم بمن الظاهر منه أن يقصر.
فصل: قال الشافعي ﵀: وإن صلى مسافر بمقيمين فرعف واستخلف مقيماً أتم الراعف فمن أصحابنا من قال هذا على القول القديم أن صلاة الراعف لا تبطل فيكون في حكم المؤتم بمقيم ومن أصحابنا من قال تلزمه على القول الجديد أيضاً لأن المستخلف فرع للراعف فلا يجوز ولا يلزم الأصل وليس بشيء.
فصل: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج صار مقيماً وانقطعت عنه رخص السفر لأن بالثلاثة لا يصير مقيماً لأن المهاجرين حرم عليهم الإقامة بمكة ثم رخص لهم النبي ﷺ أن يقيموا ثلاثة أيام فقال: يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً وأجلى عمر ﵁ اليهود من الحجاز ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب به لأنه مسافر فيه فإقامته في بعضه لا تمنعه من كونه مسافراً لأنه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم ولأن مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم فإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان: أحدهما يقصر لما روى أنس ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة والثاني لا يقصر لأنه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلا يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا تنجزت رحل ولم ينو مدة ففيه قولان: أحدهما يقتصر سبعة عشر يوماً لأن الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة وقد روى ابن عباس ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة وبقي فيما زاد على حكم الأصل والثاني يقصر أبداً لأنها إقامة على تنجز حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر يوماً وخرج أبو إسحاق قولاً ثالثاً إنه يقصر إلى أربعة أيام لأن الإقامة أبلغ من نية الإقامة لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ والنية يلحقها الفسخ ثم ثبت أنه لو نوى إقامة أربعة أيام لم يقصر فلأن لا يقصر إذا أقام أولى.
стр. 214
فصل: إذا فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر ففيه قولان: قال في القديم: له أن يقصر لأنها صلاة سفر فكان قضاؤها كأدائها في العدد كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر وقال في الجديد: لا يجوز له القصر وهو الأصح لأنه تخفيف تعلق في عذر فزال بزوال العذر كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان: أحدهما لا يقصر لأنه صلاة ردت من أربع إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة والثاني له أن يقصر وهو الأصح لأنه تخفيف يعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في الحضر صلاة فأراد قضاءها في السفر لم يجز له القصر لأنه ثبت في ذمته صلاة تامة فلم يجز له القصر كما لو نذر أن يصلي أربع ركعات وقال المزني: له أن يقصر كما لو فاته قصر يوم في الحضر فذكره في السفر فإن له أن يفطر وهذا لا يصح لأن الصوم تركه في حال الأداء وقد كان له تركه وههنا في حال الأداء لم يكن له أن يقصر فوازنه من الصوم أن يتركه من غير عذر فلا يجوز له تركه في السفر فأما إذا دخل عليه وقت الصلاة وتمكن من فعلها ثم سافر فإن له أن يقصر وقال المزني: لا يجوز له أن يقصر ووافقه عليه أبو العباس لأن السفر يؤثر في الصلاة كما يؤثر في الحيض ثم لو طرأ الحيض بعد الوجوب والقدرة على فعلها لم يؤثر ذلك كذلك السفر والمذهب الأول لأن الاعتبار في صفة الصلاة بحال الأداء لا يحال الوجوب والدليل عليه أنه لو دخل عليه وقت الظهر وهو عبد فلم يصل حتى عتق صار فرضه الجمعة وهذا في حال الأداء مسافر فوجب أن يقصر ويفارق الحيض لأنه يؤثر في إسقاط الفرض فلو أثر ما طرأ منه بعد القدرة على الأداء أفضى إسقاط الفرض بعد الوجوب والقدرة والسفر يؤثر في العدد فلا يفضي إلى إسقاط الفرض بعد الوجوب ولأن الحائض تفعل القضاء والقضاء يتعلق بالوجوب والقدرة عليه والمسافر يفعل الأداء وكيفية الأداء تعتبر بحال الأداء والأداء في حال السفر وإن سافر بعد ما ضاق الوقت كان له أن يقصر وقال أبو الطيب بن سلمة: لا يقصر لأنه تعينت عليه صلاة حضر فلا يجوز له القصر والمذهب الأول لما زكرناه مع المزني ووأبي عباس وقوله تعينت عليه صلاة حضر يبطل بالعبد إذا عتق في وقت الظهر وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصلاة فإن قلنا إنه مؤد لجميع الصلاة جاز القصر وإن قلنا إنه مؤد لما فعل في الوقت قاض لما فعل بعد الوقت لم يجز له القصر.
стр. 215
فصل: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الذي تقصر فيه الصلاة لما روى ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر وفي السفر الذي لا تقصر فيه صلاة قولان: أحدهما يجوز لأنه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه إخراج عبادة عن وقتها فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم.
فصل: ويجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما وفي وقت الثانية غير أنه إن كان نازلاً في وقت الأولى فالأفضل أن يقدم الثانية وإن كان سائراً فالأفضل أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية لما روى ابن عباس ﵁ قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس في المنزل قدم العصر إلى وقت الظهر وجمع بينهما في الزوال وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما في وقت العصر ولأن هذا أرفق بالمسافر فكان أفضل وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أحدهما أن ينوي الجمع وقال المزني يجوز الجمع من غير نية الجمع وهذا خطأ لأنه جمع فلا يجوز من غير نية كالجمع في وقت الثانية ولأن العصر قد يفعل في وقت الظهر على وجه الخطأ فلا بد من نية الجمع ليتميز التقديم المشروع من غيره وفي وقت النية قولان: أحدهما يلزمه أن ينوي عند ابتداء الأولى لأنها نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية القصر والثاني يجوز أن ينوي قبل الفراغ من الأولى وهو الأصح لأن النية تقدمت على حال الجمع فأشبه إذا نوى عند الإحرام والشرط الثاني الترتيب وهو أن يقدم الأولى ثم يصلي الثانية لأن الوقت للأولى وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى فلا بد من تقديم المتبوع والشرط الثالث التتابع وهو أن لا يفرق بينهما والدليل عليه أنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرط بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر وإن أخر الأولى إلى الثانية لم يصح إلا بالنية لأنه قد يؤخر للجمع وقد يؤخر لغيره فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره ويجب أن ينوي في وقت الأولى وأما الترتيب فليس بواجب لأن وقت الثانية وقت الأولى فجاز البداية بما شاء منهما وأما التتابع فلا يجب لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة فجاز التفريق بينهما.