بين الطائف ومكة وجدة وعسفان أربعة برد ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر قال الشافعي ﵀: وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة ﵀ لا يبيح القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام فإن كان للبلد الذي يقصده طريقان يقصر في أحدهما وفي الآخر لا يقصر فسلك الأبعد لغرض يقصد في العادة قصر وإن سلكه ليقصر ففيه قولان: قال في الإملاء: له أن يقصر لأنها مسافة يقصر في مثلها الصلاة فجاز له القصر فيها كما لو لم يكن له طريق سواه وقال في الأم: ليس له أن يقصر لأنه طول الطريق للقصر فلا يقصر كما لو مشى في مسافة قريبة طولاً وعرضاً حتى طال وإن سافر إلى بلد يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إن لقي عبده أو صديقه في بعض الطريق رجع لم يقصر لأنه لم يقطع على سفر تقصر فيه الصلاة وإن نوى السفر إلى بلد ثم منه إلى بلد آخر فهما سفران فلا يقصر حتى يكون كل واحد منهما مما تقصر فيه الصلاة.
فصل: إذا كان السفر مسيرة ثلاثة أيام فالقصر أفضل من الإتمام لما روى عمران بن الحصين قال: حججت مع رسول الله ﷺ فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عثمان ﵁ فصلى ركعتين ست سنين ثم أتم بمنى فكان الاقتداء برسول الله ﷺ أفضل فإن ترك القصر وأتم جاز لما روت عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت: يا رسول الله ﷺ أفطرت وصمت وقصرت وأتممت؟ فقال "أحسنت يا عائشة" ولأنه تخفيف أبيح السفر فجاز تركه كالمسح على الخفين ثلاثاً.
فصل: ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق وقتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخيص بشيء من رخص المسافر لأن الرخص لا يجوز أن تتعلق بالمعاصي ولأن في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
فصل: ولا يجوز القصر إلا أن يفارق الإقامة لقوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ
стр. 212
فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] فعلق القصر على الضرب في الأرض وإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد فإن اتصل بحيطان البساتين حيطان البلد وفارق بنيان البلد جاز له القصر لأن البساتين ليست من البلد وإن كان في قرية وبقربها قرية ففارق قريته جاز له القصر وقال أبو العباس إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما والمذهب الأول لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى فإن كان من أهل الخيام فإن كانت خياماً مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها وإن كانت خياماً متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي: فإن خرجوا من البلد فأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لأنهم لم يقطعوا الطريق بالسفر وإن قالوا ننتظر يومين أو ثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا جاز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فصل: ولا يجوز القصر حتى تكون جميع الصلاة في السفر فأما إذا أحرم بالصلاة في سفينة في البلد ثم سارت السفينة وحصلت في السفر لم يجز له القصر وكذلك إن أحرم بها في سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة أو نوى الإقامة لزمه الاتمام لأنه اجتمع في صلاته ما يقتضي القصر والإتمام فغلب الإتمام.
فصل: ولا يجوز القصر حتى ينوي القصر عند الإحرام لأن الأصل التمام فإذا لم ينو القصر انعقد احرامه على التمام فلم يجز له القصر كالمقيم.
فصل: ولا يجوز القصر لمن ائتم بمقيم فإن ائتم به في جزء من صلاته لزمه التمام لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام وإن أراد أن يقصر الظهر خلف من يصلي الجمعة لم يجز لأنه مؤتم بمقيم ولأن الجمعة صلاة تامة فهو كما لو ائتم بمن يصلي الظهر تامة فإن لم ينو القصر أو نوى الإتمام او ائتم بمقيم ثم أفسد صلاته لزمه الإتمام لأنه فرض لزمه فلا يسقط عنه بالإفساد كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا وهل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام كحج التطوع وإن شك هل أحرم بالصلاة في السفر أو في الحضر أو نوى القصر أم لا أو هل إمامه مسافر أو مقيم لزمه الإتمام لأن الأصل هو التمام والقصر أجيز بشروط فإذا لم تتحقق الشروط رجع إلى الأصل فإن ائتم بمسافر أو بمقيم الظاهر منه أنه مسافر جاز أن ينوي القصر خلفه لأن الظاهر أن الإمام مسافر فإن
стр. 213
أتم الإمام تبعه في الإتمام لأنه بان أنه ائتم بمقيم أو بمن نوى الإتمام وإن أفسد الإمام صلاته وانصرف ولم يعلم المأموم أنه نوى القصر أو الاتمام لزمه أن يتم المنصوص وهو قول أبي إسحاق لأنه شك في عدد الصلاة ومن شك في عدد الصلاة لزمه البناء على اليقين لا على غلبة الظن والدليل عليه أنه إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً بنى على اليقين وهو الثلاث وإن غلب على ظنه أنه صلى أربعاً وحكي عن ابن عباس أنه قال: له أن يقصر لأنه ائتم بمن الظاهر منه أن يقصر.
فصل: قال الشافعي ﵀: وإن صلى مسافر بمقيمين فرعف واستخلف مقيماً أتم الراعف فمن أصحابنا من قال هذا على القول القديم أن صلاة الراعف لا تبطل فيكون في حكم المؤتم بمقيم ومن أصحابنا من قال تلزمه على القول الجديد أيضاً لأن المستخلف فرع للراعف فلا يجوز ولا يلزم الأصل وليس بشيء.
فصل: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج صار مقيماً وانقطعت عنه رخص السفر لأن بالثلاثة لا يصير مقيماً لأن المهاجرين حرم عليهم الإقامة بمكة ثم رخص لهم النبي ﷺ أن يقيموا ثلاثة أيام فقال: يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً وأجلى عمر ﵁ اليهود من الحجاز ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً وأما اليوم الذي يدخل فيه ويخرج فلا يحتسب به لأنه مسافر فيه فإقامته في بعضه لا تمنعه من كونه مسافراً لأنه ما من مسافر إلا ويقيم بعض اليوم ولأن مشقة السفر لا تزول إلا بإقامة يوم فإن نوى إقامة أربعة أيام على حرب ففيه قولان: أحدهما يقصر لما روى أنس ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة والثاني لا يقصر لأنه نوى إقامة أربعة أيام لا سفر فيها فلا يقصر كما لو نوى الإقامة في غير حرب وأما إذا أقام في بلد على حاجة إذا تنجزت رحل ولم ينو مدة ففيه قولان: أحدهما يقتصر سبعة عشر يوماً لأن الأصل التمام إلا فيما وردت فيه الرخصة وقد روى ابن عباس ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ فأقام سبعة عشر يوما يقصر الصلاة وبقي فيما زاد على حكم الأصل والثاني يقصر أبداً لأنها إقامة على تنجز حاجة يرحل بعدها فلم يمنع القصر كالإقامة في سبعة عشر يوماً وخرج أبو إسحاق قولاً ثالثاً إنه يقصر إلى أربعة أيام لأن الإقامة أبلغ من نية الإقامة لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ والنية يلحقها الفسخ ثم ثبت أنه لو نوى إقامة أربعة أيام لم يقصر فلأن لا يقصر إذا أقام أولى.
стр. 214
فصل: إذا فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر ففيه قولان: قال في القديم: له أن يقصر لأنها صلاة سفر فكان قضاؤها كأدائها في العدد كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر وقال في الجديد: لا يجوز له القصر وهو الأصح لأنه تخفيف تعلق في عذر فزال بزوال العذر كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان: أحدهما لا يقصر لأنه صلاة ردت من أربع إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة والثاني له أن يقصر وهو الأصح لأنه تخفيف يعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً كالقعود في صلاة المريض وإن فاتته في الحضر صلاة فأراد قضاءها في السفر لم يجز له القصر لأنه ثبت في ذمته صلاة تامة فلم يجز له القصر كما لو نذر أن يصلي أربع ركعات وقال المزني: له أن يقصر كما لو فاته قصر يوم في الحضر فذكره في السفر فإن له أن يفطر وهذا لا يصح لأن الصوم تركه في حال الأداء وقد كان له تركه وههنا في حال الأداء لم يكن له أن يقصر فوازنه من الصوم أن يتركه من غير عذر فلا يجوز له تركه في السفر فأما إذا دخل عليه وقت الصلاة وتمكن من فعلها ثم سافر فإن له أن يقصر وقال المزني: لا يجوز له أن يقصر ووافقه عليه أبو العباس لأن السفر يؤثر في الصلاة كما يؤثر في الحيض ثم لو طرأ الحيض بعد الوجوب والقدرة على فعلها لم يؤثر ذلك كذلك السفر والمذهب الأول لأن الاعتبار في صفة الصلاة بحال الأداء لا يحال الوجوب والدليل عليه أنه لو دخل عليه وقت الظهر وهو عبد فلم يصل حتى عتق صار فرضه الجمعة وهذا في حال الأداء مسافر فوجب أن يقصر ويفارق الحيض لأنه يؤثر في إسقاط الفرض فلو أثر ما طرأ منه بعد القدرة على الأداء أفضى إسقاط الفرض بعد الوجوب والقدرة والسفر يؤثر في العدد فلا يفضي إلى إسقاط الفرض بعد الوجوب ولأن الحائض تفعل القضاء والقضاء يتعلق بالوجوب والقدرة عليه والمسافر يفعل الأداء وكيفية الأداء تعتبر بحال الأداء والأداء في حال السفر وإن سافر بعد ما ضاق الوقت كان له أن يقصر وقال أبو الطيب بن سلمة: لا يقصر لأنه تعينت عليه صلاة حضر فلا يجوز له القصر والمذهب الأول لما زكرناه مع المزني ووأبي عباس وقوله تعينت عليه صلاة حضر يبطل بالعبد إذا عتق في وقت الظهر وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصلاة فإن قلنا إنه مؤد لجميع الصلاة جاز القصر وإن قلنا إنه مؤد لما فعل في الوقت قاض لما فعل بعد الوقت لم يجز له القصر.
стр. 215
فصل: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الذي تقصر فيه الصلاة لما روى ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر وفي السفر الذي لا تقصر فيه صلاة قولان: أحدهما يجوز لأنه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه إخراج عبادة عن وقتها فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم.
فصل: ويجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما وفي وقت الثانية غير أنه إن كان نازلاً في وقت الأولى فالأفضل أن يقدم الثانية وإن كان سائراً فالأفضل أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية لما روى ابن عباس ﵁ قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس في المنزل قدم العصر إلى وقت الظهر وجمع بينهما في الزوال وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما في وقت العصر ولأن هذا أرفق بالمسافر فكان أفضل وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أحدهما أن ينوي الجمع وقال المزني يجوز الجمع من غير نية الجمع وهذا خطأ لأنه جمع فلا يجوز من غير نية كالجمع في وقت الثانية ولأن العصر قد يفعل في وقت الظهر على وجه الخطأ فلا بد من نية الجمع ليتميز التقديم المشروع من غيره وفي وقت النية قولان: أحدهما يلزمه أن ينوي عند ابتداء الأولى لأنها نية واجبة للصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الإحرام كنية الصلاة ونية القصر والثاني يجوز أن ينوي قبل الفراغ من الأولى وهو الأصح لأن النية تقدمت على حال الجمع فأشبه إذا نوى عند الإحرام والشرط الثاني الترتيب وهو أن يقدم الأولى ثم يصلي الثانية لأن الوقت للأولى وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى فلا بد من تقديم المتبوع والشرط الثالث التتابع وهو أن لا يفرق بينهما والدليل عليه أنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرط بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر وإن أخر الأولى إلى الثانية لم يصح إلا بالنية لأنه قد يؤخر للجمع وقد يؤخر لغيره فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره ويجب أن ينوي في وقت الأولى وأما الترتيب فليس بواجب لأن وقت الثانية وقت الأولى فجاز البداية بما شاء منهما وأما التتابع فلا يجب لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة فجاز التفريق بينهما.
стр. 216
فصل: ويجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما لما روى ابن عباس ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعاً من غير خوف ولا سفر قال مالك ﵀: أرى ذلك في وقت المطر وهل يجوز أن يجمع بينهما في وقت الثانية؟ فيه قولان: قال في الإملاء: يجوز لأنه عذر يجوز الجمع به في وقت الأولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالسفر وقال في الأم: لا يجوز لأنه إذا أخر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر.
فصل: فإذا دخل في الظهر من غير مطر ثم جاء المطر لم يجز له الجمع لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول فلم يتعلق به كما لو دخل في صلاة ثم سافر فإن أحرم بالأولى مع المطر ثم انقطع في أثنائها ثم عاد قبل أن يسلم وأدام حتى أحرم بالثانية جاز الجمع لأن العذر موجود في حال الجمع وإن عدم فيما سواها من الأحوال لم يضر لأنه ليس بحال الدخول ولا بحال الجمع.
فصل: ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل الثياب وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لأجله لأنه لا يتأذى به وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله فأما الوحل والريح والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي ﷺ ولم ينقل أنه جمع لأجلها وإن كان يصلي في بيته أو في مسجد ليس في طريقه إليه مطر ففيه قولان: قال في القديم: لا يجوز لأنه مشقة عليه في فعل الصلاة في وقتها وقال في الإملاء: يجوز لأن النبي ﷺ كان يجمع في المسجد وبيوت أزواجه إلى المسجد وبجنب المسجد.
стр. 217
باب صلاة الخوف
تجوز صلاة الخوف في قتال الكفار لقوله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] وكذلك يجوز في كل قتال مباح كقتال أهل البغي وقتال قطاع الطريق لأنه قتال جائز فهو كقتال الكفار وأما في القتال المحظور كقتال أهل العدل وقتال
стр. 218
أصحاب الأموال لأخذ أموالهم فلا يجوز فيه صلاة الخوف لأن ذلك رحمة وتخفيف فلا يجوز أن يتعلق بالمعاصي وفيه إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
فصل: وإذا أراد الصلاة لم يخل إما أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غيرها فإن كان في غير جهة القبلة ولم يأمنوا وفي المسلمين كثرة جعل الإمام الناس طائفتين طائفة في وجه العدو وطائفة تصلي معه ويجوز أن يصلي بالطائفة التي معه جميع الصلاة ثم تخرج إلى وجه العدو ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم فيكون متنفلاً بالثانية وهم مفترضون والدليل عليه ما روى أبو بكر ﵁ أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين وبالذين جاؤوا ركعتين فكانت للنبي أربعاً ولهؤلاء ركعتين ويجوز أن يصلي بإحدى الطائفتين بعض الصلاة وبالأخرى البعض وهو أفضل من أن يصلي بكل واحدة منهم جميع الصلاة لأنه أخف فإن كانت الصلاة ركعتين صلى بالطائفة التي معه ركعة ويثبت قائماً وأتمت الطائفة لأنفسهم وتنصرف إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الأخرى ويصلي معهم الركعة التي بقيت من صلاته وثبت جالساً وأتمت الطائفة الأخرى ثم يسلم بهم والدليل عليه ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فذكر مثل ما قلنا.
فصل: وتفارق الطائفة الأولى الإمام حكماً وفعلاً فإن لحقها سهو بعد المفارقة لم يتحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لم يلزمهم سهوه وهل يقرأ الإمام في انتظاره؟ قال في موضع: إذا جاءت الطائفة الثانية قرأ وقال في موضع: يطيل القراءة حتى تدركه الطائفة الثانية فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما لا يقرأ حتى تجيء الطائفة الثانية فيقرأ معها لأنه قرأ مع الطائفة الأولى قراءة تامة فيجب أن يقرأ مع الثانية أيضاً قراءة تامة والقول الثاني أنه يقرأ وهو الأصح لأن أفعال الصلاة لا تخلو من ذكر والقيام لا يصلح لذكر غير القراءة فوجب أن يقرأ ومن أصحابنا من قال: إذا أراد أن يقرأ سورة قصيرة لم يقرأ حتى لا يفوت القراءة على الطائفة الثانية وإن أراد أن يقرأ سورة طويلة قرأ لأنه لا يفوت عليهم القراءة وحمل القولين على هذين الحالين وأما الطائفة الثانية فإنهم يفارقون الإمام فعلاً ولا يفارقونه حكماً فإن سهوا تحمل عنهم الإمام وإن سها الإمام لزمهم سهوه ومتى يفارقونه؟ قال الشافعي ﵀: في سجود السهو يفارقونه بعد
стр. 219
التشهد لأن المسبوق لا يفارق الإمام إلا بعد التشهد وقال في الأم: يفارقونه عقيب السجود في الثانية وهو الأصح لأن ذلك أخف ويفارقون المسبوق لأن المسبوق لا يفارق حتى يسلم الإمام وهذا يفارق قبل التسليم فإذا قلنا بهذا فهل يتشهد الإمام في حال الانتظار؟ فيه طريقان: من جهة أصحابنا من قال فيه قولان كالقراءة ومنم من قال يتشهد قولاً واحداً ويخالف القراءة فإن في القراءة قد قرأ مع الطائفة الأولى فلم يقرأ حتى تدركه الطائفة الثانية فيقرأ معها والتشهد لم يفعله مع الطائفة الأولى فلا ينتظر.
فصل: وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بإحدى الطائفتين ركعة وبالأخرى ركعتين وفي الأفضل قولان: قال في الإملاء: الأفضل أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين لما روي أن علياً ﵁ صلى ليلة الهرير هكذا وقال في الأم: الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وهو الأصح لأن ذلك أخف لأنه تتشهد كل طائفة تشهدين وعلى القول الآخر تتشهد الطائفة الثانية ثلاث تشهدات فإن قلنا بقوله في الإملاء فارقته الطائفة الأولى في القيام في الركعة الثانية لأن ذلك موضع قيامها وإذا قلنا بقوله في الأم فارقته بعد التشهد لأنه موضع تشهدها وكيف ينتظر الإمام الطائفة الثانية؟ فيه قولان: قال في المختصر: ينتظرهم جالساً حتى يدركوا معه القيام من أول الركعة لأنه إذا انتظرهم قائماً فاتهم معه بعض القيام وقال في الأم: إن انتظرهم قائماً فحسن وإن انتظرهم جالساً فجائز فجعل الانتظار قائماً أفضل وهو الأصح لأن القيام أفضل من القعود ولهذا قال النبي ﷺ "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم١".
فصل: وإن كانت الصلاة ظهراً أو عصراً أو عشاء وكان في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين وإن جعلهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة ففي صلاة الإمام قولان: أحدهما أنها تبطل لأن الرخصة وردت بانتظارين فلا تجوز الزيادة عليهما والثاني أنها لا تبطل
стр. 220
وهو الأصح لأنه قد يحتاج إلى أربع انتظارات بأن يكون المسلمون أربعمائة والعدو ستمائة فيحتاج أن يقف بإزاء العدو ثلثمائة ويصلي بمائة ولأن الانتظار الثالث والرابع بالقيام والقراءة والجلوس والذكر وذلك لا يبطل الصلاة فإن قلنا إن صلاة الإمام لا تبطل صحت صلاة الطائفة الأخيرة لأنهم لم يفارقوا الإمام والطائفة الأولى والثانية والثالثة فارقوه بغير عذر ومن فارق الإمام بغير عذر ففي بطلان صلاته قولان فإن قلنا إن صلاة الإمام تبطل ففي وقت بطلانها وجهان: قال أبو العباس: تبطل بالانتظار الثالث فتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة وأما الرابعة فإن علموا ببطلان صلاته بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل وقال أبو إسحاق: المنصوص أنه تبطل صلاة الإمام بالانتظار الثاني لأن النبي ﷺ انتظر الطائفة الأولى حتى فرغت ورجعت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الخرى وانتظر بقدر ما أتمت صلاتها وهذا قد زاد على ذلك لأنه انتظر الطائفة الأولى حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو وانتظر الثانية حتى أتمت صلاتها ومضت إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الثالثة وهذا زائد على انتظار رسول الله ﷺ فعلى هذا إن علمت الطائفة الثالثة بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل.
فصل: وإن كان العدو من ناحية القبلة لا يسترهم عنهم شيء - وفي المسلمين كثرة - صلى بهم صلاة رسول الله بعسفان فيحرم بالطائفتين ويسجد معه الصف الذي يليه فإذا رفعوا سجد الصف الآخر فإذا سجد في الثانية حرس الصف الذي سجد في الأولى وسجد الصف الآخر فإذا رفعوا سجد الصف الآخر لما روى جابر وابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى هكذا.
فصل: ولا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس وهل يجب حمل ما سواه؟ قال في الأم: يستحب وقال بعده يجب قال أبو إسحاق المروزي فيه قولان: أحدهما يجب لقوله ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] فدل على أن عليهم جناحاً إذا وضعوا من غير أذى ولا مرض والثاني لا يجب لأن السلاح إنما يجب حمله للقتال
стр. 221
وهو غير مقاتل في حال الصلاة فلم يجب حمله ومن أصحابنا من قال: إن كان السلاح يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين وجب حمله وإن كان يدفع به عن نفسه وعن غيره كالرمح والسنان لم يجب وحمل القولين على هذين الحالين والصحيح ما قال أبو إسحاق.
فصل: وإن اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لقوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٩] قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وروى نافع عن ابن عمر ﵁ إذا كان الخوف أكثر من ذلك صلى راكباً وقائماً يومئ إيماء قال الشافعي ﵀: ولا بأس أن يضرب الضربة ويطعن الطعنة فإن تابع أو عمل ما يطول بطلت صلاته وحكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني عن أبي العباس رحمهما الله أنه قال: إن لم يكن مضطراً إليه بطلت صلاته وإن كان مضطراً إليه لم تبطل كالمشي وحكى عن بعض أصحابنا أنه قال: إن اضطر إليه فعل ولكن تلزمه الإعادة كما نقول فيمن لم يجد ماء ولا تراباً أنه يصلى ويعيد فإن استفتح الصلاة راكباً ثم أمن فنزل فإن استدبر القبلة في النزول بطلت صلاته لأنه ترك القبلة من غير خوف وإن لم يستدبر قال الشافعي ﵀: بنى على صلاته لأنه عمل قليل فلم يمنع البناء وإن استفتحها راجلاً فخاف فركب قال الشافعي: ابتدأ الصلاة وقال أبو العباس: إن لم يكن مضطراً إليه ابتدأ لأنه عمل كثير لا ضرورة به إليه وإن كان مضطراً لم تبطل لأنه مضطر إليه فلم تبطل كالمشي وقول أبي العباس أقيس والأولى أشبه بظاهر النص.
فصل: إذا رأوا سواداً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدواً ففيه قولان: أحدهما تجب الإعادة لأنه فرض فلم يسقط بالخطأ كما لو ظن أنه أتى بفرض ثم علم أنه لم يأت به والثاني لا إعادة عليه وهو الأصح لأن العلة في جواز الصلاة شدة الخوف والعلة موجودة في حال الصلاة فوجب أن يجزئه كما لو رأى عدواً فظن أنهم على قصده فصلى بالإيماء ثم علم أنهم لم يكونوا على قصده فأما إذا رأى العدو فخافهم فصلى صلاة شدة الخوف ثم بان أنه كان بينهم حاجز من خندق أو ماء
стр. 222
ففيه طريقان ومن أصحابنا من قال على قولين كالتي قبلها ومنهم من قال تجب الإعادة ههنا قولاً واحداً لأنه فرط في ترك تأمل المانع فلزمه الإعادة فأما إذا غشيه سيل أو طلبه سبع جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف فإذا أمن لم تلزمه الإعادة قال المزني: قياس قول الشافعي ﵀ أن الإعادة عليه لأنه عذر نادر والمذهب الأول لأن جنس الخوف معتاد فسقط الفرض بجميعه.
стр. 223
باب ما يكره لبسه وما لا يكره
يحرم على الرجل استعمال الديباج والحرير في اللبس والجلوس وغيرهما لما روى حذيفة قال نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة فإن كان بعض الثوب إبريسم وبعضه قطناً فإن كان الإبريسم أكثر لم يحل وإن كان أقل كالخز لحمته صوف وسداه إبريسم حل لما روي عن ابن عباس قال: إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم وسدا الثوب فليس به بأس ولأن السرف يظهر بالأكثر دون الأقل وإن كان نصفين ففيه وجهان:
أحدهما أنه يحرم لأنه ليس الغالب الحلال والثاني أنه يحل وهو الأصح لأن التحريم يثبت بغلبة المحرم والمحرم ليس بغالب وإن كان في الثوب قليل من الحرير والديباج كالجبة المكفوفة بالحرير والمجيب بالديباج وما أشبههما لم يحرم ذلك لما روى علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع وروي أنه كان للنبي ﷺ جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج فإن كان له جبة محشوة بالإبريسم لم يحرم لبسها لأن السرف فيها غير ظاهر.
стр. 224
فصل: قال في الأم: وإن توقى المحارب لبس الديباج كان أحب إلي فإن لبسه فلا بأس والدليل عليه أنه يحصنه ويمنع من وصول السلاح إليه وإن احتاج إلى لبس الحرير للحكة جاز لنا روى أنس أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في لبس الحرير من الحكة.
فصل: فأما الذهب فلا يحل للرجال استعماله لما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال في الحرير والذهب "الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثها١" ولا فرق في الذهب بين القليل والكثير لما روي أن النبي ﷺ نهى عن التختم بالذهب هذين الخاتم مع قتله ولأن السرف في الجميع ظاهر وإن كان في الثوب ذهب قد صدىء بحيث لا يبين لم يحرم لم يحرم لبسه لأنه ليس فيه سرف ظاهر وإن كان له درع منسوج بالذهب أو بيضة مطلية بالذهب وأراد لبسها في الحرب فإن وجد ما يقوم مقامه لم يجز وإن لم يجد وفاجأته الحرب جاز لأنه موضع ضرورة فإن اضطر إلى استعمال الذهب لما روى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب ويحل للنساء لبس الحرير ولبس الحلي من الذهب لحديث علي كرم الله وجهه.
فصل: ويجوز أن يلبس دابته وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير لأنه إن كان مدبوغاً فهو طاهر وإن كان غير مدبوغ فالمنع من استعماله للنجاسة ولا تعبد على الدابة والأداة وأما جلد الكلب والخنزير فلا يجوز استعماله في شيء من ذلك لأن الخنزير لا يحل الانتفاغ به والكلب لا يحل إلا لحاجة وهي الصيد وحفظ الماشية والدليل عليه قوله ﷺ "من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان٢" ولا حاجة إلى الانتفاع بجلده بعد الدباغ فلم يحل وبالله التوفيق.
стр. 225
باب صلاة الجمعة
صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال "اعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره١"
فصل: ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لأنه لا تجب عليهما سائر الصلوات فالجمعة أولى ولا تجب على المرأة لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض" ولأنها تختلط بالرجال وذلك لا يجوز ولا تجب على المسافر للخبر ولأنه مشغول بالسفر وأسبابه فلو أوجبنا عليه انقطع عنه ولا تجب على العبد للخبر ولأنه ينقطع عن خدمة مولاه ولا تجب على المريض للخبر ولأنه يشق عليه القصد وأما الأعمى فإنه إن كان له قائد لزمه وإن لم يكن له قائد لم تلزمه لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا تجب على المقيم في موضع لا يسمح النداء من البلد الذي تقام فيه الجمعة أو القرية التي تقام فيها الجمعة لما روى عبد الله ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من سمع النداء٢" والاعتبار في سماع النداء أن يقف المؤذن في طرف البلد والأصوات هادئة والريح ساكنة وهو مستمع فإذا سمع لزمه وإن لم يسمع لم يلزمه ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: خوف أو مرض٣" ولا تجب على من في طريقه إلى المسجد مطر يبل ثيابه لأنه يتأذى بالقصد ولا تجب على من له مريض يخاف ضياعه لأن حق المسلم آكد من فرض الجمعة ولا تجب على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته لما روي أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر
стр. 226
يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه وذلك لما بينهما من القرابة فإنه ابن عمه ولأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه من مرض أو أخذ مال.
فصل: ومن لا جمعة عليه لا تجب عليه وإن حضر الجامع إلا المريض ومن في طريقه مطر لأنه إنما لم تجب عليهم للمشقة وقد زالت بالحضور وإن اتفق يوم عيد ويوم جمعة فحضر أهل السواد فصلوا العيد فجاز أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة لما روي أن عثمان ﵁ قال في خطبته: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف ولم ينكر عليه أحد ولأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيأوا بالعيد فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة ومن أصحابنا من قال: تجب عليهم الجمعة لأن من لزمته الجمعة في غير يوم عيد وجبت عليه في يوم العيد كأهل البلد والمنصوص في الأم هو الأول.
فصل: ومن لا جمعة عليه مخير بين الظهر والجمعة فإن صلى الجمعة أجزأه عن الظهر لأن الجمعة إنما سقطت عنه لعذر فإن حمل على نفسه وفعل أجزأه كالمريض إذا حمل على نفسه فصلى من قيام وإذا أراد أن يصلي الظهر جاز لأنه فرضه غير أن المستحب أن لا يصلي حتى يعلم ان الجمعة قد فاتت لأنه ربما زال العذر فيصلي الجمعة فإن صلى في أول الوقت ثم زال عذره والوقت باق لم تجب عليه الجمعة وقال أبو بكر بن الحداد المصري: إذا صلى الصبي الظهر ثم بلغ والوقت باق لزمه الجمعة وإن صلى غيره من المعذورين لم تلزمه الجمعة لأن ما صلى الصبي ليس بفرض وما صلى غيره فرض والمذهب الأول لأن الشافعي نص على أن الصبي إذا صلى في غير يوم الجمعة الظهر ثم بلغ والوقت باق لم تجب عليه إعادة الظهر فكذلك الجمعة وإن صلى المعذور الظهر ثم صلى الجمعة سقط الفرض بالظهر وكانت الجمعة نافلة وحكى أبو إسحاق المروزي أنه قال في القديم: يحتسب الله له بأيتهما شاء والصحيح هو الأول وإن أخر المعذور الصلاة حتى فاتت الجمعة صلى الظهر في الجماعة قال الشافعي ﵀: وأحب إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين قال أصحابنا: فإن كان عذرهم ظاهراً
стр. 227
لم يكره إظهار الجماعة لأنهم لا يتهمون مع ظهور العذر وأما من تجب عليه الجمعة فلا يجوز أن يصلي الظهر قبل فوات الجمعة فإنه مخاطب بالسعي إلى الجمعة فإن صلى الظهر قبل صلاة الإمام ففيه قولان: قال في القديم: يجزئه لأن الفرض هو الظهر لأنه لو كان الفرض هو الجمعة لوجب قضاؤها كسائر الصلوات وقال في الجديد: لا يجزئه ويلزمه إعادتها وهو الصحيح لأن الفرض هو الجمعة لأنه لو كان الفرض هو الظهر والجمعة بدل عنه لما أثم بترك الجمعة إلى الظهر كما لا يأثم بترك الصوم إلى العتق في الكفارة وقال أبو إسحاق: إن اتفق أهل بلد على فعل الظهر أتموا بترك الجمعة إلا أنه يجزئهم لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة والصحيح أنه لا يجزئهم على قوله الجديد لأنهم صلوا فرض الظهر وفرض الجمعة متوجه عليهم.
فصل: ومن لزمته الجمعة وهو يريد السفر فإن كان يخاف فوت السفر جاز له ترك الجمعة لأنه ينقطع عن الصحبة فينتظر وإن لم يخف الفوت لم يجز أن يسافر بعد الزوال لأن الفرض توجه عليه فلا يجوز تفويته بالسفر وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان: أحدهما يجوز لأنه لم تجب عليه فلم يحرم التفويت كبيع المال قبل الحول والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه وقت لوجوب التسبب بدليل أنه من كان داره على بعد لزمه القصد قبل الزوال ووجوب التسبب كوجوب الفعل فإذا لم يجز السفر بعد وجوب الفعل لم يجز بعد وجوب التسبب.
فصل: وأما البيع فينظر فيه فإن كان قبل الزوال لم يكره له وإن كان بعد الزوال وقبل ظهور الإمام كره فإن ظهر الإمام وأذن المؤذن حرم لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] إن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثما جميعاً لأن أحدهما توجه عليه الفرض وقد اشتغل عنه والآخر شغله عن الفرض ولا يبطل البيع لأن النهي لا يختص بالعقد فلم يمنع الصحة كالصلاة في أرض مغصوبة.
فصل: ولا تصح الجمعة إلا في أبنية مجتمعة يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة في بلد أو قرية لأنه لم تقم الجمعة في عهد رسول الله ﷺ ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية ولم ينقل أنها أقيمت في بدو فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع الاستيطان.
فصل: ولا تصح إلا بأربعين نفساً لما روى جابر ﵁ قال: مضت السنة
стр. 228
أن في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطراً ومن شرط العدد أن يكونوا رجالاً أحراراً عقلاء مقيمين في الموضع فأما النساء والعبيد والمسافرون فلا تنعقد بهم الجمعة لأنه لا تجب عليهم الجمعة فلا تنعقد بهم كالصبيان وهل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين؟ فيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة تنعقد بهم لأنه تلزمهم الجمعة فانعقدت بهم كالمستوطنين وقال أبو إسحاق: لا تنعقد لأن النبي ﷺ خرج إلى عرفات وكان معه أهل مكة وهم في ذلك الموضع مقيمون غير مستوطنين فلو انعقد بهم الجمعة لأقامها فإن أحرم بالعدد ثم انفضوا عنه ففيه ثلاثة أقوال: أحدها إن نقص العدد عن أربعين لم تصح الجمعة لأنه شرط في الجمعة فشرط في جميعها كالوقت والثاني إن بقي معه اثنان أتم الجمعة لأنهم يصيرون ثلاثة وذلك جمع مطلق فأشبه الأربعين والثالث إن بقي معه واحد أتم الجمعة لأن الاثنين جماعة وخرج المزني ﵀ قولين آخرين أحدهما: إن بقي وحده جاز أن يتم الجمعة كما قال الشافعي ﵀ في إمام أحرم بالجمعة ثم أحدث أنهم يتمون صلاتهم وحداناً ركعتين والثاني إن كان قد صلى ركعة ثم انفضوا أتم الجمعة وإن انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة كما قال في المسبوق: إذا أدرك مع الإمام ركعة أتم الجمعة وإن لم يدرك ركعة أتم الظهر فمن أصحابنا من أثبت القولين وجعل في المسألة خمسة أقوال ومنهم من لم يثبت فقال إذا أحدث الإمام يبنون على صلاتهم لأن الاستخلاف لا يجوز على هذا القول فيبنون على صلاتهم على حكم الجماعة مع الإمام وههنا الإمام لا تتعلق صلاة بصلاة من خلفه وأما المسبوق فإنه يبني على جمعة تمت شروطها وهذه لم تتم جمعة فيبني الإمام عليها.
فصل: ولا تصح الجمعة إلا في وقت الظهر لأنهما فرضا وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة السفر وصلاة الحضر فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح لأن الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة فإن دخل فيها في وقتها ثم خرج الوقت لم يجز فعل الجمعة لأنه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلا يجوز إتمامها كالحج ويتم الظهر لأنه فرض رد من أربع إلى ركعتين بشرط يختص به
стр. 229
فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم وإن أحرم بها في الوقت ثم شك هل خرج الوقت أتم الجمعة لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض فلا يبطل الشك وإن ضاق وقت الصلاة ورأى أنه إن خطب خطبتين خفيفتين وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة وإذا رأى أنه لا يمكن ذلك صلى الظهر.
فصل: ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان لما روي أن النبي ﷺ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين وروى ابن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما ولأن السلف قالوا: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل ومن شرط الخطبة العدد الذي تنعقد به الجمعة لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] والذكر الذي يفعل بعد النداء هو الخطبة ولأنه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الإحرام فإن خطب بالعدد ثم انفضوا وعادوا قبل الإحرام فإن لم يطل الفصل صلى الجمعة لأنه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة وإن طال الفصل قال الشافعي ﵀: أحببت أن يبتديء الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة فإن لم يفعل صلى الظهر واختلف فيه أصحابنا فقال فيه أبو العباس: تجب إعادة الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة لأن الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة وما نقله المزني لا يعرف وقال أبو إسحاق: يستحب أن يعيد الخطبة لأنه لا يأمن أن ينفضوا مرة أخرى فجعل ذلك عذراً في جواز البناء وأما الصلاة فإنها واجبة لأنه يقدر على فعلها فإن صلى بهم الظهر جاز بناء على أصله إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ثم صلوا الظهر أجزأهم وقال بعض أصحابنا: يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص لأنهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانياً فصار ذلك عذراً في ترك الجمعة ومن شرطهما القيام مع القدرة والفصل بينهما بالجلسة لما روى جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيقرأ آيات ويذكر الله ولأنه إحدى فرضي الجمعة فوجب فيه القيام والقعود كالصلاة وهل تشترط فيه الطهارة فيه قولان: قال في القديم: تصح من غير طهارة لأنه لو افتقر إلى الطهارة لافتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة وقال في الجديد: لا تصح من غير طهارة لأنه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الإحرام وفرضها أربعة أشياء: أحدها أن يحمد الله تعالى لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 230
خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ثم يقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي" والثاني أن يصلي على رسول الله ﷺ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسول الله ﷺ كالأذان والصلاة والثالث الوصية بتقوى الله لحديث جابر ولأن القصد من الخطبة الموعظة فلا يجوز الإخلال بها والرابع أن يقرأ آية من القرآن لحديث جابر بن سمرة ولأنه أحد فرضي الجمعة فوجب فيه القراءة كالصلاة ويجب ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ والوصية في الخطبتين وفي قراءة القرآن وجهان أحدهما أنها تجب في الخطبتين لأن ما وجب في أحد الخطبتين وجب في الأخرى كذكر الله تعالى وذكر رسول الله ﷺ والوصية والثانية لا تجب إلا في إحدى الخطبتين وهو المنصوص لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ أكثر من أنه قرأ في الخطبة وهذا لا يقتضي أكثر من مرة ويستحب أن يقرأ سورة "ق" لأن النبي ﷺ كان يقرؤها في الخطبة فإن قرأ آية وفيها سجدة فنزل وسجد جاز لأن النبي ﷺ فعل ذلك ثم فعل عمر ﵁ بعده فإن فعل هذا وأطال الفصل ففيه قولان: قال في القديم: يبني وقال في الجديد يستأنف وهل يجب الدعاء؟ فيه وجهان: أحدهما يجب رواه المزني في أقل ما يقع عليه اسم الخطبة ومن أصحابنا من قال يستحب وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيراً.
فصل: وسننها أن تكون على منبر لأن النبي ﷺ كان يخطب على المنبر ولأنه أبلغ في الإعلام ومن سننها أنه إذا صعد على المنبر ثم أقبل على الناس أن يسلم عليهم لما
стр. 231
روي أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس قال السلام عليكم ولأنه استدبر الناس في صعوده فإذا أقبل عليهم يسلم ومن سننها أن يجلس إذا سلم حتى يؤذن المؤذن لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج يوم الجمعة جلس يعني على المنبر حتى يسكت المؤذن ثم قام فخطب ويقف على الدرجة التي تلي المستراح لأن ذلك أمكن ويستحب أن يعتمد على قوس أو عصاً لما روى الحكم بن حرب قال: وفدت على النبي ﷺ فشهدت معه الجمعة فقام متوكئاً على قوس أو عصاً فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ولأن ذلك أمكن له فإن لم يكن معه شيء سكن يديه ومن سننها أن يقبل على الناس ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً لما روى سمرة بن جندب أن النبي ﷺ كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر علا صوته واشتد غضبه ولأنه أبلغ في الإعلام قال الشافعي ﵀ ويكون كلامه مترسلاً مبيناً معرباً من غير تغن ولا تمطيط لأن ذلك أحسن وأبلغ ويستحب أن يقصر الخطبة لما روي عن عثمان ﵁ أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة١".
стр. 232
فصل: والجمعة ركعتان لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى ولأنه نقل الخلف عن السلف والسنة أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الجمعة وفي الثانية المنافقين لما روى عبد الله بن أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة فصلى بالناس الجمعة فقرأ بالجمعة والمنافقين فقلت: يا أبا هريرة قرأت سورتين سمعت علياً قرأهما قال: سمعت حبيبي أبا القاسم ﷺ قرأهما والسنة أن تجهر فيهما بالقراءة لأنه نقل الخلف عن السلف.
стр. 233
باب هيئة الجمعة والتكبير
السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" ووقته ما بعد طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزه لقوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم١" فعلقه على اليوم والأفضل أن يغتسل عند الرواح لحديث ابن عمر ﵁ ولأنه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود فإن ترك الغسل جاز لما روى سمرة أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل٢" فإن كان جنباً فنوى بالغسل الجنابة والجمعة أجزأه عنهما كما لو
стр. 234
اغتسلت المرأة فنوت الجنابة والحيض وإن نوى الجنابة ولم ينوي الجمعة أجزأه عن الجنابة وفي الجمعة قولان: أحدهما يجزئه لأنه يراد للتنظيف وقد حصل ذلك والثاني لا يجزئه لأنه لم ينوه فأشبه إذا اغتسل من غير نية وإن نوى الجمعة ولم ينو الجنابة لم يجزئه عن الجنابة وفي الجمعة وجهان: أحدهما وهو المذهب أنه يجزئه عنها لأنه نواها والثاني لا يجزئه لأن غسل الجمعة يراد للتنظيف والتنظيف لا يحصل مع بقاء الجنابة ويستحب أن يتنظف بسواك وأخذ الظفر والشعر وقطع الروائح ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه وخرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينهما وبين الجمعة١" وأفضل الثياب البياض لما روى سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب٢" ويستحب للإمام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره لأنه يقتدي به والأفضل أن يعتم ويرتدي ببرد لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
فصل: ويستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة
стр. 235
ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر وطويت الصحف١" وتعتبر الساعات من حين طلوع الفجر لأنه أول اليوم وبه يتعلق جواز الغسل ومن أصحابنا من قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا٢" ويستحب أن لا يركب من غير عذر لما روى أوس بن أوس عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها٣" ولا يشبك
стр. 236
بين أصابعه لقوله ﷺ "إن أحدكم في الصلاة ما دام يعمد إلى الصلاة١" ويستحب أن يدنو من الإمام لحديث أوس ولا يتخطى رقاب الناس لحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قال الشافعي ﵀: وإذا لم يكن للإمام طريق لم يكره له أن يتخطى رقاب الناس فإن دخل رجل وليس له موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى رجل أو رجلين لم يكره له لأنه يسير وإن كان بين يديه خلق كثير فإذا رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا وإن لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطى ليصل إلى الفرجة ولا يجوز أن يقوم رجلاً من موضعه ليجلس فيه لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول تفسحوا أو توسعوا٢" فإن قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس وأما صاحب الموضع فإنه إن كان الموضع الذي ينتقل إليه دون الموضع الذي كان فيه في القرب من الإمام كره له ذلك لأنه آثر غيره في القربة وإن فرش لرجل ثوب فجاء آخر لم يجلس عليه فإن أراد أن ينحيه ويجلس مكانه جاز وإن قام رجل من موضعه لحاجة فجلس رجل مكانه ثم عاد فالمستحب أن يرد الموضع إليه لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع فهو أحق٣" قال الشافعي ﵀: وأحب إذا نعس ووجد موضعاً لا يتخطى فيه غيره أن يتحول لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره "٤.
стр. 237
فصل: وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله والصلاة ويستحب أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة" ويكثر من الصلاة على رسول الله ﷺ في يوم الجمعة لما روى أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي١" ويكثر من الدعاء لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعوة فلعله يصادف ذلك وإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك قال: قعود الإمام يقطع السبحة وكلامه يقطع الكلام وأنهم كانوا لا يزالون يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب ﵁ جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين فإذا أقيمت الصلاة ونزل عمر تكلموا ولأن النفل في هذه الحالة يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكره فإن دخل رجل والإمام على المنبر صلى تحية المسجد لما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين٢" فإن دخل والإمام في آخر الخطبة لم يصل لأنه يفوته أول الصلاة مع الإمام وهو فرض فلا يجوز أن يشتغل عنها بالنفل.
فصل: ويجوز الكلام قبل أن يبتدئ الخطبة لما رويناه من حديث ثعلبة بن أبي مالك ويجوز إذا جلس الإمام بين الخطبتين وإذا نزل من المنبر قبل أن يدخل في الصلاة لما روى أنس قال: كان رسول الله ﷺ ينزل من المنبر يوم الجمعة فيقوم معه الرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي ولأنه ليس بحال صلاة ولا حال إسماع فلم يمنع من الكلام وإذا بدأ بالخطبة أنصت لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أنصت لإمام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته كفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" وهل يجب الإنصات؟ فيه قولان: أحدهما يجب لما روى جابر قال: دخل ابن مسعود والنبي ﷺ يخطب فجلس إلى أبي فسأله عن شيء فلم يرد عليه فسكت حتى صلى النبي ﷺ فقال له: ما منعك أن ترد علي؟ فقال: إنك لم تشهد معنا الجمعة قال: ولم؟ قال: لأنك تكلمت والنبي ﷺ
стр. 238
يخطب فقام ابن مسعود فدخل على النبي ﷺ فذكر له فقال: "صدق أبي وأطع أبياً" والثاني يستحب وهو الأصح لما روى أنس ﵁ قال: دخل رجل والنبي ﷺ قائم على المنبر يوم الجمعة فقال متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت فقال له رسول الله ﷺ عند الثالثة: "ما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال: إنك مع من أحببت" فإن رأى رجلاً ضريراً يقع في بئر أو رأى عقرباً تدب إليه لم يحرم عليه كلامه قولاً واحداً لأن الإنذار يجب لحق الآدمي والإنصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة وإن سلم عليه رجل أو عطس فإن قلنا يستحب الإنصات رد السلام وشمت العاطس وإن قلنا يجب الإنصات لم يرد السلام ولم يشمت العاطس لأن المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الإنصات الواجب ومن أصحابنا من قال لا يرد السلام لأن المسلم مفرط ويشمت العاطس لأن العاطس غير مفرط في العطس وليس بشيء.
فصل: ومن دخل والإمام في الصلاة أحرم بها فإن أدرك معه الركوع من الثانية فقد أدرك الجمعة فإذا سلم الإمام أضاف إليها أخرى وإن لم يدرك الركوع فقد فاتت الجمعة فإذا سلم الإمام أتم الظهر لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى"١.
فصل: فإن زوحم المأموم عن السجود في الجمعة نظرت فإن قدر أن يسجد على ظهر إنسان لزمه أن يسجد لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه وقال بعض أصحابنا: فيه قول آخر قاله في القديم أنه بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان وإن شاء ترك حتى يزول الزحام لأنه إذا سجد حصلت له فضيلة المتابعة وإذا انتظر زوال الزحمة حصلت له فضيلة السجود على الأرض فخير بين الفضيلتين والأول أصح لأن ذلك يبطل بالمريض إذا عجز عن السجود على الأرض فإنه يسجد على حسب حاله ولا يؤخر وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض وإن لم يقدر على السجود بحال انتظر حتى يزول الزحام فإن زال الزحام لم يخل إما أن يدرك الإمام قائماً أو راكعاً أو رافعاً من الركوع أو ساجداً فإن أدركه قائماً سجد ثم تبعه لأن النبي ﷺ أجاز ذلك بعسفان للعذر والعذر ههنا موجود
стр. 239
فوجب أن يجوز فإن فرغ من السجود فأدرك الإمام راكعاً في الثانية ففيه وجهان: أحدهما يتبعه في الركوع ولا يقرأ كمن حضر والإمام راكع والثاني يشتغل بما عليه من القراءة لأنه أدرك مع الإمام محل القراءة بخلاف من حضر والإمام راكع.
فصل: فإن زال الزحام فأدرك الإمام رافعاً من الركوع أو ساجداً معه لأن هذا موضع سجوده وحصلت له ركعة ملفقة وهل يدرك بها الجمعة؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يدرك لقوله ﷺ : "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى١" وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يدرك لأن الجمعة صلاة كاملة فلا تدرك إلا بركعة كاملة وهذه ركعة ملفقة.
فصل: وإن زال الزحام وأدرك الإمام راكعاً ففيه قولان: أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته ثم يركع لأنه شارك الإمام في جزء من الركوع فوجب أن يسجد كما لو زالت الزحمة فأدركه قائماً والثاني يتبع الإمام في الركوع لأنه أدرك الإمام راكعاً فلزمه متابعته كمن دخل في صلاة والإمام فيها راكع فإن قلنا إنه يركع معه نظرت فإن فعل ما قلناه وركع حصل له ركوعان وبأيهما يحتسب؟ فيه قولان: أحدهما يحتسب بالثاني كالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً فركع معه والثاني يحتسب بالأول لأنه قد صح الأول فلم يبطل بترك ما بعده كما لو ركع ونسي السجود فقام وقرأ وركع ثم سجد فإن قلنا أنه يحتسب بالثاني حصل له مع الإمام ركعة فإذا سلم أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا يحتسب بالأول حصل له ركعة ملفقة لأن القيام والقراءة والركوع حصل له من الركعة الأولى وحصل له السجود من الثانية وهل يصير مدركاً للجمعة؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق: يكون مدركاً: وقال ابن أبي هريرة: لا يكون مدركاً فإذا قلنا بقول أبي إسحاق أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة قام وصلى ثلاث ركعات وجعلها ظهراً ومن أصحابنا من قال: يجب أن يكون فيه وجهان بناءً على القولين فيمن صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة وهذا قد صلى ركعة من الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة فلزمه أن يستأنف الظهر بعد فراغه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري الصحيح هو الأول والبناء على القولين لا يصح لأن القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة من
стр. 240
غير عذر والمزحوم معذور فلم تجب عليه إعادة الركعة التي صلاها قبل فراغ الإمام ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفرداً وهذا قد دخل مع الإمام في الجمعة فلم تجب عليه إعادة ما فعل كما لو أدرك الإمام ساجداً في الركعة الأخيرة فإنه يتابعه ثم يبني الظهر على ذلك الإحرام ولا يلزمه الاستئناف وإن خالف ما قلناه واشتغل بقضاء ما فاته فإن اعتقد أن السجود فرضه لم يعد سجوده لأنه سجد في موضع الركوع ولا تبطل صلاته لأنه زاد فيها زيادة من جنسها جاهلاً فهو كمن زاد في صلاته من جنسها ساهياً وإن اعتقد أن فرضه المتابعة فإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته لأنه سجد في موضع الركوع عامداً وإن نوى مفارقة الإمام ففيه قولان: أحدهما تبطل صلاته والثاني لا تبطل ويكون فرضه الظهر وهل يبني أو يستأنف الإحرام بعد فراغ الإمام على القولين في غير المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة الإمام وأما إذا قلنا إن فرضه الاشتغال بما فاته نظرت فإن فعل ما قلناه وأدرك الإمام راكعاً تبعه فيه ويكون مدركاً للركعتين وإن أدركه ساجداً فهو يشتغل بقضاء ما فاته أو يتبعه في السجود فيه وجهان: أحدهما يشتغل بقضاء ما فاته لأن على هذا القول الاشتغال بالقضاء أولى من المتابعة ومنهم من قال يتبعه في السجود وهو الأصح لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئاً يحتسب له به فهو كالمسبوق إن أدرك الإمام ساجداً بخلاف الركعة الأولى فإن هناك أدرك الركوع وما قبله فلزمه أن يفعل ما بعده من السجود فإذا قلنا يسجد كان مدركاً للركعة الأولى إلا أن بعضها أدركه فعلاً وبعضه أدركه حكماً لأنه تابعه إلى السجود ثم انفرد بفعل السجدتين وهل يدرك بهذه الركعة الجمعة؟ على وجهين لأنه إدراك ناقص فهو كالتلفيق في الركعة وإن سلم الإمام قبل أن يسجد المأموم السجدتين لم يكن مدركاً لجمعة قولاً واحداً وهل يستأنف الإحرام أو يبني على ما ذكرناه من الطريقين فإن خالف ما قلناه وتبعه في الركوع فإن كان معتقداً أن فرضه الاشتغال بالسجود بطلت صلاته لأنه ركع في موضع السجود عامداً وإن اعتقد أن فرضه المتابعة لم تبطل صلاته لأنه زاد في الصلاة من جنسها جاهلاً ويحتسب بهذا السجود ويحصل له ركعة ملفقة وهل يصير مدركاً للجمعة على الوجهين وإن زحم عن السجود وزالت الزحمة والإمام قائم في الثانية وقضى ما عليه وأدركه قائماً أو راكعاً فتابعه فلما سجد في الثانية زحم عن السجود فزال الزحام وسجد ورفع رأسه وأدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الركعتين بعضهما فعلاً وبعضهما حكماً وهل يكون مدركاً للجمعة على الوجهين وإن ركع مع الإمام الركعة الأولى ثم سها حتى صلى الإمام هذه الركعة وحصل في الركوع في الثانية قال القاضي أبو حامد: يجب أن يكون على قولين
стр. 241
كالزحام ومن أصحابنا من قال يتبعه قولاً واحداً لأنه مفرط في السهو فلم يعذر في الانفراد عن الانفراد عن الإمام وفي الزحام غير مفرط فعذر في الانفراد عن الإمام
فصل: إذا أحدث الإمام في الصلاة ففيه قولان: قال في القديم: لا يستخلف وقال في الجديد: يستخلف وقد بينا وجه القولين في باب صلاة الجماعة فإن قلنا لا يستخلف نظرت فإن أحدث بعد الخطبة وقبل الإحرام لم يجز أن يستخلف لأن الخطبتين مع الركعتين كالصلاة الواحدة فلما لم يجز أن يستخلف في الظهر بعد الركعتين لم يجز أن يستحلف في الجمعة بعد الخطبتين وإن أحدث بعد الإحرام ففيه قولان: أحدهما يتمون الجمعة فرادى لأنه لما لم يجز الاستخلاف بقوا على حكم الجماعة فجاز لهم أن يصلوا فرادى والثاني أنه إذا كان الحدث قبل أن يصلي بهم ركعة صلوا الظهر وإن كان بعد الركعة صلوا ركعة أخرى فرادى كالمسبوق إذا لم يدرك ركعة أتم الظهر وإن أدرك ركعة أتم الجمعة وإن قلنا بقوله الجديد فإن كان الحدث بعد الخطبتين وقبل الإحرام فاستخلف من حضر الخطبة جاز وإن استخلف من لم يحضر الخطبة لم يجز لأن من حضر كمل بالسماع فانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر لم يكمل فلم تنعقد به الجمعة ولهذا لو خطب بأربعين فقاموا وصلوا الجمعة جاز ولو حضر أربعون لم يحضروا الخطبة فصلوا الجمعة لم يجز وإن كان الحدث بعد الإحرام فإن كان في الركعة الأولى فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز له لأنه من أهل الجمعة وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لأنه ليس من أهل الجمعة ولهذا لو صلى بانفراده الجمعة لم تصح وإن كان الحدث في الركعة الثانية فإن كان قبل الركوع فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز وإن استخلف من لم يكن معه قبل الحدث ولم يكن معه قبل الركوع فإن فرضه الظهر وفي جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر وجهان: فإن قلنا يجوز جاز أن يستخلفه وإن قلنا لا يجوز لم يجز أن يستخلفه.
فصل: والسنة أن لا تقام الجمعة بغير إذن السلطان فإن فيه افتياتاً عليه فإن أقيمت الجمعة من غير إذنه جاز لما روي أن علياً ﵁ صلى العيد وعثمان ﵁ محصور ولأنه فرض لله تعالى لا يختص بفعل الإمام فلم يفتقر إلى إذنه كسائر العبادات.
فصل: قال الشافعي ﵀: ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد والدليل عليه أنه لم يقمها رسول الله ﷺ ولا الخلفاء من بعده في أكثر
стр. 242
من موضع واختلف أصحابنا في بغداد فقال أبو العباس: يجوز في مواضع لأنه بلد عظيم ويشق الاجتماع في موضع واحد وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز في كل جانب جمعة لأنه كالبلدين ولا يجوز أكثر من ذلك وقال بعضهم: كانت قرى متفرقة في كل موضع منها جمعة ثم اتصلت العمارة فبقيت على حكم الأصل.
فصل: وإن عقدت جمعتان في بلد إحداهما قبل الأخرى وعرفت الأولى منها نظرت فإن لم يكن مع واحدة منها إمام أو كان الإمام مع الأولى فالجمعة هي الأولى والثانية باطلة وبأي شيء يعتبر السبق؟ فيه قولان: أحدهما بالفراغ لأنه لا يحكم بصحتها إلا بعد الفراغ منها فوجب أن يعتبر السبق بالفراغ والثاني يعتبر بالإحرام لأنها بالإحرام تنعقد فلا يجوز أن تنعقد بعدها جمعة فإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان: أحدهما أن الجمعة هي الأولى لأنها جمعة أقيمت شروطها فكانت هي الجمعة والثاني أن الجمعة هي الثانية لأن في تصحيح الأولى افتياتاً على الإمام وتفويتاً للجمعة على عامة الناس وإن كانت الجمعتان في وقت واحد من غير إمام بطلتا لأنه ليس إحداهما أولى من الأخرى فوجب إبطالهما كما نقول فيمن جمع بين أختين في عقد واحد وإن لم يعلم هل كانتا في وقت واحد أو في وقتين بطلتا لأنه ليس كونهما في وقت واحد بأولى من تقدم إحداهما على الأخرى فحكم ببطلانهما وإن علم أن إحداهما قبل الأخرى ولم تتعين حكم ببطلانهما لأن كل واجدة من الطائفتين شك في إسقاط الفرض والفرض لا يسقط بالشك وفيما يجب عليهم قولان: أحدهما تلزمهم الجمعة إن كان الوقت باقياً لأن التي تقدمت لما لم تتعين لم يثبت حكمها فصارت كأن لم تكن والثاني يصلون الظهر لأنا تيقنا أن المتقدمة منهما جمعة صحيحة فوجب أن يصلوا الظهر احتياطاً وإن علمت السابقة منهما ثم أشكلت حكم ببطلانهما لأنه لا يمكن التوقف إلى أن تعرف لأنه يؤدي إلى فوات الوقت أو فواتهما بالموت فوجب الحكم ببطلانهما وبالله التوفيق.
стр. 243
باب صلاة العيدين
صلاة العيدين سنة وقال أبو سعيد الاصطخري: هي فرض على الكفاية والمذهب
стр. 244
الأول لما روى طلحة بن عبيد الله ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام فقال ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على عباده فقال: هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع١" ولأنها صلاة مؤقتة لا تشرع لها الإقامة فلم تجب بالشرع كصلاة الضحى وإن اتفق أهل بلد على تركها وجب قتالهم على قول الاصطخري وهل يقاتلن على المذهب؟ فيه وجهان: أحدهما لا يقاتلون لأنه تطوع فلا يقاتلون على تركها كسائر التطوع والثاني يقاتلون لأنه من شعائر الإسلام ولأن في تركها تهاوناً بالشرع بخلاف سائر التطوع لأنها تفعل فرادى فلا يظهر تركها كما يظهر في صلاة العيد.
فصل: وقتها ما بين طلوع الشمس إلى أن تزول والأفضل أن يؤخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح والسنة أن يؤخر صلاة الفطر ويعجل الأضحى لما روى عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب أن يقدم الأضحى ويؤخر الفطر ولأن الأفضل أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة فإذا أخر الصلاة اتبع الوقت لإخراج صدقة الفطر والسنة أن يضحي بعد صلاة الإمام فإذا عجل بادر إلى الأضحية.
فصل: والسنة أن تصلي صلاة العيد في المصلى إذا كان مسجد البلد ضيقاً لما روي أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ولأن الناس يكثرون في صلاة العيد فإذا كان المسجد ضيقاً تأذى الناس فإن كان في الناس ضعفاء استخلف في مسجد البلد من يصلي بهم لما روي أن علياً ﵁ استخلف أبو مسعود الأنصاري ﵁ ليصلي بضعفة الناس في المسجد وإن كان يوم مطر صلى في المسجد لما روي أبو هريرة ﵁ قال: أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد وروي أن عمر وعثمان ﵄ صليا في المسجد في المطر وإن كان المسجد واسعا فالمسجد أفضل
стр. 245
من المصلى لأن الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بمكة في المسجد ولأن المسجد أشرف وأنظف قال الشافعي ﵀: فإن كان المسجد واسعاً فصلى في الصحراء فلا بأس وإن كان ضيقاً فصلى فيه ولم يخرج إلى المصلى كرهت لأنه إذا ترك المسجد وصلى في الصحراء لم يكن عليهم ضرر وإذا ترك الصحراء وصلى في المسجد الضيق تأذوا بالزحام وربما فات بعضهم الصلاة فكره.
فصل: والسنة أن يأكل في يوم الفطر قبل الصلاة ويمسك في يوم النحر حتى يفرغ من الصلاة لما روى بريدة قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويوم النحر لا يأكل حتى يرجع فيأكل من لحم نسيكته والسنة أن يأكل التمر ويكون وتراً لما روى أنس أن النبي ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً.
فصل: والسنة أن يغتسل للعيدين لما روي أن علياً وابن عمر ﵄ كانا يغتسلان ولأنه يوم عيد يجمع فيه الكافة للصلاة فسن فيه الغسل لحضورها كالجمعة وفي وقت الغسل قولان: أحدهما بعد الفجر كغسل الجمعة وروى البويطي أنه يجوز أن يغتسل قبل الفجر لأن الصلاة تقام في أول النهار وتقصدها الناس من البعد فيجوز تقديم الغسل حتى لا يفوتهم فجوز على هذا القول أن يغتسل بعد نصف الليل كما يقول في أذان الصبح ويستحب ذلك لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضر لأن القصد إظهار الزينة والجمال والسنة أن يتنظف بحلق الشعر ويقلم الأظافر وقطع الرائحة لأنه يوم عيد فسن فيه ما ذكرناه كيوم الجمعة والسنة أن يتطيب لما روى الحسن بن علي ﵇ قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد.
فصل: والسنة أن يلبس أحسن ثيابه لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يلبس في العيدين برد حبرة.
فصل: ويستحب أن يحضر النساء غير ذوات الهيآت لما روت أم عطية قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد فأما الحيض فكن
стр. 246
يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين وإذا أردنا الحضور تنظفن بالماء ولا يتطيبن ولا يلبسن الشهرة من الثياب لقوله ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وليخرجن "تفلات" أي غير عطرات ولأنها إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب دعا ذلك إلى الفساد قال الشافعي ﵀: ويزين الصبيان بالمصبغ والحلي ذكوراً أو إناثاً لأنه يوم زينة وليست على الصبيان تعبد فلا يمنعون من لبس الذهب.
فصل: والسنة أن يبكر إلى الصلاة ليأخذ موضعه كما قلنا في الجمعة والمستحب أن يمشي ولا يركب لأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة ولا بأس أن يركب في العود لأنه غير قاصد إلى قربة.
فصل: وإذا حضر جاز أن يتنفل إلى أن يخرج الإمام لما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام لأنه ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه ولا هناك ما هو أهم من الصلاة فلم يمتنع من الصلاة كما بعد العيد والسنة أن لا يخرج الإمام إلا في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة والسنة أن يمضي إليهما في طريق ويرجع في أخرى لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يخرج يوم الفطر الأضحى فيخرج من طريق ويرجع في أخرى.
فصل: ولا يؤذن لها ولا يقام لما روى ابن عباس ﵁ شهدت العيد مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم صلوا قبل الخطبة بلا أذان
стр. 247
ولا إقامة والسنة أن ينادي لها الصلاة جامعة لما روي عن الزهري أنه كان ينادي به.
فصل: وصلاة العيد ركعتان لقول عمر ﵁ صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى والسنة أن تصلى جماعة لنقل الخلف عن السلف والسنة أن يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام والركوع لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة الصلاة والتكبيرات قبل القراءة لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً قبل القراءة فإن حضر وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض لأنه ذكر مسنون فات محله فلم يقضه كدعاء الاستفتاح وقال في القديم: يقضي لأن محله القيام وقد أدركه وليس بشيء والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة لما روي أن عمر ﵁ كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ويستحب أن يقف بين كل تكبيرتين بقدر أن يذكر الله تعالى لما روي أن الوليد بن عقبة خرج يوماً على عبد الله وحذيفة الأشعري وقال: إن هذا العيد غداً فكيف التكبير؟ فقال عبد الله بن مسعود: تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ وتكبر وتفعل مثل ذلك فقال الأشعري وحذيفة: صدق والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة بقاف واقتربت لما روى أبو واقد الليثي قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى ب "ق" "واقتربت الساعة" والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.
فصل: والسنة إذا فرغ من الصلاة أن يخطب لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ ثم أبا بكر ثم عمر ﵄ كانوا يصلون العيد قبل الخطبة والمستحب أن يخطب على المنبر لما روى جابر ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ الأضحى فلما قضى خطبته نزل عن منبره وسلم على الناس إذا أقبل عليهم كما قلنا في الجمعة وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجلس لأن في الجمعة إنما يجلس لفراغ المؤذن من الأذان وليس في العيد أذان والثاني يجلس وهو المنصوص في الأم لأنه يستريح بها ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ويجوز أن يخطب من قعود لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب يوم العيد على راحلته لأن صلاة العيد تجوز قاعداً فكذلك خطبتها بخلاف الجمعة والمستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع لما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال:
стр. 248
هو من السنة ويأتي ببقية الخطبة على ما ذكرناه في الجمعة من ذكر الله تعالى وذكر رسوله ﷺ والوصية بتقوى الله وقراءة القرآن فإن كان في عيد الفطر علمهم صدقة الفطر وإن كان في الأضحى علمهم الأضحية لأن النبي ﷺ قال في خطبته "لا يذبحن أحدكم حتى يصلي١" ويستحب للناس استماع الخطبة لما روي عن ابن مسعود البدري أنه قال: يوم عيد من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة فإن دخل رجل والإمام يخطب فإن كان في المصلى استمع الخطبة ولا يشتغل بصلاة العيد لأن الخطبة من سنن العيد ويخشى فوتها فكان الاشتغال بالخطبة أولى وإن كان في المسجد ففيه وجهان: قال أبو علي بن أبي هريرة يصلي تحية المسجد ولا يصلي صلاة العيد لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد فلا يشتغل بالقضاء وقال أبو إسحاق المروزي: يصلي العيد لأنها أهم من تحية المسجد وآكد وإذا صلاها سقط بها التحية فكان الاشتغال بها أولى كما لو حضر وعليه مكتوبة.
فصل: روى المزني أنه تجوز صلاة العيد للمنفرد والمسافر والعبد والمرأة وقال في الإملاء والقديم والصيد والذبائح: لا يصلي العبد حيث لا تصلى الجمعة فمن أصحابنا من قال فيها قولان: أحدهما أنهم لا يصلون لأن النبي ﷺ كان بمنى مسافراً يوم النحر فلم يصل ولأنها صلاة تشرع لها الخطبة واجتماع الكافة لم يفعلها المسافر كالجمعة والثاني أنهم يصلون وهو الصحيح لأنها صلاة نفل فجاز لهم فعلها كصلاة الكسوف ومن أصحابنا من قال: يجوز لهم فعلها قولاً واحداً وتأول ما قال في الإملاء والقديم على أنه أراد أن لا يصلي بالاجتماع والخطبة حيث لا تصلي الجمعة لأن في ذلك افتياتاً على السلطان.
فصل:إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين بعد الزوال برؤية الهلال ففيه قولان: أحدهما لا يقضي والثاني يقضي وهو الصحيح فإن أمكن جمع الناس صلى بهم في يومهم فإن لم يمكن صلى بهم من الغد لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومته قالوا: قامت بينة عند النبي ﷺ بعد الظهر أنهم رأوا الهلال هلال شوال فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد إلى المصلى وإن شهد ليلة الحادي والثلاثين صلوا قولاً واحداً ولا يكون ذلك قضاء لأن فطرهم غداً لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
стр. 249
"فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون ١".
стр. 250
باب التكبير
التكبير سنة في العيدين لما روى نافع عن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعبد الله بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ﵃ رافعاً صوته بالتكبير فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر لقوله : ﴿ولِتُكْمِلوا العِدّة ولِتُكبِّروا الله على مَا هَدَاكم﴾ "البقرة: ١٨٥" إكمال العدة بغروب الشمس من ليلة الفطر وأما آخره ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها ما روى المزني أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لأنه إذا حضر فالسنة أن يشتغل بالصلاة فلا معنى للتكبير والثاني ما رواه البويطي أنه يكبر حتى تفتتح الصلاة لأن الكلام مباح قبل أن تفتتح الصلاة فكن التكبير مستحباً والثالث قاله في القديم حتى ينصرف الإمام لأن الإمام والمأمومين مشغولون بالذكر إلى أن يفرغوا من الصلاة فسن لمن لم يكن في الصلاة أن يكبر ومن أصحابنا من قال هو على قول واحد أنه يكبر إلى أن تفتتح الصلاة وتأول رواية المزني على ذلك لأنه إذا خرج إلى المصلى افتتح الصلاة وقوله في القديم حتى ينصرف الإمام لأنه ما لم ينصرف مشغول بالتكبير في الصلاة ويسن التكبير المطلق في عيد الفطر وهل يسن التكبير المقيد في أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما لا يسن لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ والثاني أنه يسن لأنه عيد يسن له التكبير المطلق فيسن له التكبير المقيد كالأضحى والسنة في التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً لما روى ابن عباس أنه قال: الله أكبر ثلاثا وعن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: رأيت الأئمة ﵃ يكبرون أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً وعن الحسن مثله قال في الأم: وإن زاد زيادة فليقل بعد الثلاث الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر لأن النبي ﷺ قال ذلك على الصفا ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما روي أن