والمستحب أن يخلل لحيته لما روي أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته فإن كان بعضها خفيفاً وبعضها كثيفاً غسل ما تحت الخفيف وأفاض الماء على الكثيف ولا يجب غسل ما تحت الشعر الكثيف في الوضوء إلا في خمسة مواضع: الحاجب والشارب والعنفقة والعذار واللحية الكثة للمرأة لأن الشعر في هذه المواضع يخف في العادة وإن كثف لم يكن إلا نادراً فلم يكن له حكم فإن استرسلت اللحية ونزلت عن حد الوجه ففيها قولان: أحدهما لا تجب إفاضة الماء عليها لأنه شعر لا يلاقي محل الفرض فلم يكن محلاً للفرض كالذؤابة والثاني يجب لأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه فأشبه شعر الخد.
فصل: ثم يغسل يديه وهو فرض لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ويستحب أن يبدأ باليمنى ثم اليسرى لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم١" فإن بدأ باليسرى أجزأه لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما ويجب إدخال المرفقين في الغسل لما روى جابر قال: كان النبي ﷺ إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه وإن طالت أظافره وخرجت عن رؤوس الأصابع ففيه طريقان: قال أبو علي بن خيران يجب غسلها قولاً واحداً لأن ذلك نادر ومن أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة وإن كان له إصبع زائدة أو كف زائد لزمه غسلها لأنه في محل الفرض فإن كانت له يدان متساويتان على منكب أو مرفق لزمه غسلهما لوقوع اسم اليد عليهما وإن كانت إحاهما تامة والأخرى ناقصة فالتامة هي الأصلية وينظر في الناقصة فإن كانت خلقت على محل لزمه غسلها كالإصبع الزائدة وإن خلقت على العضد ولم تحاذ محل الفرض لم يلزمه غسلها وإن حاذت بعض محل الفرض وإن تقلع من الذراع وبلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى منه لم يلزمه غسله لأنه صار من العضد وإن تقلع من العضد وتدلى منه لم يلزمه غسله لأن
стр. 37
محل الفرض لأنه بمنزلة الجلد الذي على الذراع إلى العضد فإن كان ذلك متجافياً عن ذراعه لزمه غسل ما تحته وإن لم كان أقطع اليد لم يبق من محل الفرض شيء فلا فرض عليه والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة وإن لم يقدر الأقطع على الوضوء ووجد من يوضئه بأجهزة المثل لزمه كما يلزمه شراء الماء بثمن المثل وإن لم يجد صلى وأعاد كما لو لم يجد ماء ولا تراباً وإن توضأ ثم قطعت يده لم يلزمه غسل ما ظهر بالقطع من الحدث وكذلك لو مسح شعور رأسه ثم حلقه لم يلزمه مسح ما ظهر لأن ذلك ليس ببدل عما تحته فلم يلزمه بظهوره طهارة كما لو غسل يده ثم كشط جلده فإن أحدث بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر بالقطع لأنه صار ظاهراً وإن حصل في يده ثقب لزمه غسل باطنه لأنه صار ظاهراً.
فصل: ثم يمسح برأسه وهو فرض لقوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] والرأس ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد والنزعتان منه لأنه في سمت الناصية والصدغ من الرأس لأنه من منابت شعره والواجب منه أن يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح وإن قل وقال أبو العباس بن القاص: أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحلق في الإحرام والمذهب أنه لا يتقدر لأن الله تعالى أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير والمستحب أن يمسح جميع الرأس فيأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق طرف سبابته بطرف سبابته الأخرى ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه لما روي أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله ﷺ فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما
стр. 38
إلى قفاه ولأن منابت شعر الرأس مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي على مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره ولا يستقبل الشعر من مؤخر رأسه فيقع المسح على ظاهر الشعر فإذا رد يديه حصل المسح على ما لم يمسحه في ذهابه فإن كان عليه شعر فمسح ما نزل منها عن الرأس لم يجزه لأنه لا يقع عليها اسم الرأس وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح أطرافه أجزأه لأن اسم الرأس يتناوله ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه لأنه مسح على شعر في غير منبته فهو كطرف الذؤابة وليس بشيء وإن كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها مسح بناصيته والمستحب أن يتمم المسح بالعمامة لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ توضأ ومسح بناصيته وعلى عمامته فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه لأنها ليست برأس ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلا يجوز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليد.
فصل: ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لما روى المقداد بن معدي كرب أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعين في جحري أذنيه ويكون ذلك بماء جديد غير الماء الذي مسح به الرأس لما روي أن النبي ﷺ مسح رأسه وأمسك مسبحتيه لأذنيه ولأنه عضو تميز عن الرأس في الاسم والخلقة فلا يتبعه في الطهارة كسائر الأعضاء قال في الأم والبويطي ويأخذ لصماخيه ماء جديداً غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذن وباطنه لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه فكما أفرد الفم والأنف عن الوجه بالماء فكذلك الصماخ فإن ترك مسح الأذن جاز لما روي أن النبي ﷺ قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" وليس فيما أمر الله تعالى مسح الأذنين.
فصل: ثم يغسل رجليه وهو فرض لما روى جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] قال أهل التفسير: مع الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان عند
стр. 39
مفصل الساق والقدم والدليل عليه ما روى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه وقال: "أقيموا صفوفكم" فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه فدل على أن الكعب ما قلناه ويستحب أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لما ذكرناه في اليد فإن كانت أصابعه منفرجة فالمستحب أن يخلل بين أصابعه لقوله ﷺ للقيط بن صبرة "خلل بين الأصابع١" وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل وجب التخليل لقوله ﷺ : "خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار" والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله ﷺ "تأتي أمتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل٢ ".
فصل: والمستحب أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً لما روى أبي بن كعب أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل الصلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم ﵇" فإن اقتصر على مرة وأسبغ أجزأه لقوله ﷺ "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" فإن خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً جاز لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثم قال: "هذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم "
فصل: ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وحكى أبو العباس بن القاص قولاً آخر أنه إن نسي الترتيب جاز والمشهور هو الأول والدليل عليه قوله ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] الآية
стр. 40
فأدخل المسح بين الغسلين وقطع النظر عن النظير فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ولأنها عبادة تشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج فإن غسل أربعة أنفس أعضاءه الأربعة دفعة واحدة لم يجزه إلا غسل الوجه لأنه لم يرتب وإن اغتسل وهو محدث من غير ترتيب ونوى الوضوء ففيه وجهان: أحدهما أنه يجزئه لأنه إذا جاز ذلك عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأدنى أولى والثاني لا يجزئه وهو الأصح لأنه أسقط ترتيباً واجباً بفعل ما ليس بواجب.
فصل: ويوالي بين أعضائه وإن فرق تفريقاً يسيراً لم يضر لأنه لا يمكن الاحتراز منه وإن فرق تفريقاً كثيراً وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ففيه قولان: قال في القديم: لا يجزيه لأنه عبادة يبطلها الحدث فأبطلها التفريق كالصلاة وقال في الجديد: يجزيه لأنه عبادة لا يبطلها التفريق القليل فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة فإذا قلنا إنه يجوز فهل يلزمه استئناف النية؟ وفيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه لأنها انقطعت بطول الزمان والثاني لا يستأنف لأنه لم يقطع حكم النية فلم يلزمه الاستئناف.
فصل: والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله لما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله خالصاً من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الحنة يدخلها من أي باب شاء١" ويستحب أن يقول أيضاً سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من توضأ وقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم
стр. 41
طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة" ويستحب لمن توضأ أن لا ينفض يده لقوله ﷺ : "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم".
فصل: ويستحب أن لا ينشف أعضاءه من بلل الوضوء لما روت ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسلاً من الجنابة فأتيته بالمنديل فرده ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى فإن تنشف جاز لما روى قيس بن سعد قال: أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلاً فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فالتحف بها فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه.
فصل: والفرض مما ذكرناه ستة أشياء: النية وغسل الوجه وغسل اليدين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين والترتيب وأضاف إليه في القديم الموالاة فجعلها سبعاً وسننه إثنتا عشرة: التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق وتخليل اللحية الكثة ومسح جميع الرأس ومسح الأذنين وإدخال الماء في صماخي أذنيه وتخليل أصابع الرجلين وتطويل الغرة والابتداء بالميامن والتكرار وزاد أبو العباس بن القاص مسح العنق بعد مسح الأذنين فجعلها ثلاث عشرة وزاد غيره أن يدعو على وضوئه فيقول عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه وعلى غسل اليد اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني بشمالي وعلى مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعلى مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعلى غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم فجعلها أربعة عشر وبالله التوفيق.
стр. 42
باب المسح على الخفين
يجوز المسح على الخفين في الوضوء لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسح على الخفين فقلت: يا رسول الله ﷺ نسيت؟ فقال: "بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي" ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر ولا يجوز ذلك في غسل الجنابة لما روى صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا
стр. 43
إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم ثم تحدث بعد ذلك وضوءاً ولأن غسل الجنابة يندر فلا تدعو الحاجة فيه إلى المسح على الخف فلم يجز.
فصل: وهل هو مؤقت أم لا؟ فيه قولان: قال في القديم: غير مؤقت لما روى أبي بن عمارة قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخف؟ قال: نعم قلت: يوماً؟ قال ويومين قلت: وثلاثة؟ قال: "نعم وما شئت" وروي وما بدا لك وروي حتى بلغ سبعاً قال: نعم وما بدا لك ولأنه مسح بالماء فلم يتوقت كمسح الجبائر ورجع عنه قبل أن يخرج إلى مصر وقال يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن لما روى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من يوم وليلة للمقيم وإلى أكثر من ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر فلم تجز الزيادة عليه وإن كان السفر معصية لم يجز أن يمسح أكثر من يوم وليلة لأن ما زاد يستفيده بالسفر والسفر معصية فلا يجوز أن يستفاد به رخصة ويعتبر ابتداء المدة من حين يحدث بعد لبس الخف لأنها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة.
فصل: فإن لبس الخف في الحضر وأحدث ومسح ثم سافر أتم مسح مقيم لأنه بدأ بالعبادة في الحضر فلزمه حكم الحضر كما لو أحرم بالصلاة في الحضر ثم سافر وإن أحدث في الحضر ثم سافر ومسح في السفر قبل خروج وقت الصلاة أتم مسح مسافر من حين أحدث في الحضر لأنه بدأ بالعبادة في السفر فثبت له رخصة السفر وإن سافر بعد خروج وقت الصلاة ثم مسح ففيه وجهان قال أبو إسحاق: يتم مسح مقيم لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام فكذلك في المسح وقال أبو علي ابن أبي هريرة: يتم مسح مسافر لأنه تلبس بالمسح وهو مسافر فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت ويخالف الصلاة لأن الصلاة تفوت وتقضى فإذا فاتت في الحضر ثبتت في الذمة صلاة الحضر فلزمه قضاؤها والمسح لا يفوت ولا
стр. 44
يثبت في الذمة فصار كالصلاة قبل فوات الوقت وإن أحدث في السفر ومسح ثم أقام أتم مسح مقيم وقال المزني إن مسح يوماً وليلة مسح ثلث يومين وليلتين وهو ثلثا يوم وليلة لأنه لو مسح ثم أقام في الحال مسح ثلث ما بقي له وهو يوم وليلة فإذا بقي له يومان وليلتان وجب أن يمسح ثالثهما ووجه المذهب أنها عبادة تتغير بالسفر والحضر فإذا اجتمع فيها السفر والحضر غلب حكم الحضر ولم يقسط عليهما كالصلاة وإن شك هل مسح في الحضر أو في السفر بنى الأمر على أنه مسح في الحضر لأن الأصل غسل الرجلين والمسح رخصة بشرط فإذا لم يتقن شرط الرخصة رجع إلى أصل الفرض وهو الغسل وإن شك هل أحدث في وقت الظهر أو في وقت العصر بنى الأمر على أنه أحدث في وقت الظهر لأن الأصل غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا فيما تيقن وإن لبس خفيه فأحدث ومسح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم شك هل كان مسحه قبل الظهر أو بعده بنى الأمر في الصلاة أنه صلاها قبل المسح فتلزمه الإعادة لأن الأصل بقاؤها في ذمته وبنى الأمر في المدة أنها من الزوال ليرجع إلى الأصل وهو غسل الرجلين.
فصل: ويجوز المسح على كل خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه سواء كان من الجلود أو اللبد أو الخرق أو غيرها فأما الخف المخرق ففيه قولان: قال في القديم: إن كان الخرق لا يمنع متابعة المشي عليه جاز المسح عليه لأنه خف يمكن متابعة المشي عليه فأشبه الصحيح وقال في الجديد: إن ظهر من الرجل شيء لم يجز المسح عليه لأن ما انكشف حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل كما لو انكشف إحدى الرجلين واستترت الأخرى وإن تخرقت الظهارة فإن كانت البطانة صفيقة جاز المسح عليه وإن كانت تشف لم يجز لأنه كالمكشوف وإن لبس خفاً له شرج في موضع القدم فإن كان مشدوداً بحيث لا يظهر شيء من الرجل واللفافة إذا مشي فيه جاز المسح عليه وإن لبس جورباً جاز عليه المسح عليه بشرطين: أحدهما أن يكون صفيفاً لا يشف والثاني أن يكون منعلاً فإن اختل أحد هذين الشرطين لم يجز المسح عليه وإن لبس خفاً لا يمكن متابعة المشي عليه إما لرقته أو لثقله لم يجز
стр. 45
المسح عليه لأن الذي تدعو الحاجة إليه ما يمكن متابعة المشي عليه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة وفي الجرموقين وهو الخف الذي يلبس فوق الخف وهما صحيحان قولان: قال في القديم: والأصلي يجوز المسح عليه لأنه خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه فأشبه المنفرد وقال في الجديد: لا يجوز لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب وإنما تدعو الحاجة إليه في النادر فلا تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة فإن قلنا بقوله الجديد وأدخل يده في ساق الجرموق ومسح على الخف ففيه وجهان: قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني ﵀: لا يجوز وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري: يجوز لأنه مسح على ما يجوز المسح عليه فأشبه إذا نزع الجرموق ثم مسح عليه فإذا قلنا يجوز المسح على الجرموق فلم يمسح عليه وأدخل يده إلى الخف ومسح عليه ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه يجوز المسح على الظاهر فإذا أدخل يده ومسح على الباطن لم يجز كما لو كان في رجله خف منفرد فأدخل يده إلى باطنه ومسح الجلد الذي يلي الرجل والثاني يجوز لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح على ما شاء منهما وإن لبس خفاً مغصوباً ففيه وجهان: قال ابن القاص: لا يجوز المسح عليه لأن لبسه معصية فلم تتعلق به رخصة وقال سائر أصحابنا: يجوز لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع صحة العبادة كالصلاة في الدار المغصوبة.
فصل: ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة فإن غسل إحدى الرجلين وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها الخف لم يجز المسح عليه حتى يخلع ما لبسه قبل كمال الطهارة ثم يعيده إلى رجله والدليل عليه ما روى أبو بكرة أن النبي ﷺ فرض للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما فإن لبس الخفين على طهارة ثم أحدث ثم لبس الجرموقين لم يجز المسح عليه قولاً واحداً لأنه لبس الجرموقين على غير طهارة وإن مسح على الخفين ثم لبس الجرموقين ثم أحدث وقلنا يجوز المسح على الجرموقين ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز المسح عليه لأن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فكأنه لبس على حدث والثاني يجوز لأن مسح الخف قائم مقام غسل الرجلين وإن تطهر فلبس خفيه فأحدث قبل أن تبلغ الرجل إلى قدم الخف لم يجز له المسح نص عليه في الأم لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ باللبس وهو محدث.
فصل: وإذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثاً غير حدث الاستحاضة ومسحت على الخفين جاز لها أن تصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاءت من
стр. 46
النوافل وإن تيمم المحدث ولبس الخف ثم وجد الماء لم يجز له المسح على الخف لأن التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فتصير كما لو لبس الخف على حدث وقال أبو العباس بن سريج: يصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاء من النوافل كالمستحاضة.
فصل: والمستحب أن يمسح أعلى الخف وأسفله فيغمس يديه في الماء ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف وكفه اليمين على أطراف أصابعه ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه لما روى المغيرة بن شعبة قال: وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله وهل يمسح على عقب الخف؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال: يمسح عليه قولاً واحداً لأنه خارج من الخف يلاقي محل الفرض فهو كغيره ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما يمسح عليه وهو الأصح لما ذكرناه والثاني لا يمسح لأنه صقيل وبه قوام الخف فإذا تكرر المسح عليه بلي وخلق وأضر به وإن اقتصر على مسح القليل من أعلى الخف أجزأه لأن الخبر ورد بالمسح وهذا يقع عليه اسم المسح فإن اقتصر على مسح ذلك من أسفله ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يجزيه لأنه خارج من الخف محاذ محل الفرض فهو كأعلاه وقال أبو العباس بن سريج لا يجزيه وهو المنصوص في البويطي وهو ظاهر ما نقله المزني.
فصل: إذا مسح على الخف ثم خلعه أو انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح قال في الجديد: يغسل قدميه وقال في القديم: يستأنف الوضوء واختلف أصحابنا في القولين: فقال أبو إسحاق هي مبينية على القولين في تفريق الوضوء فإن قلنا يجوز التفريق كفاه غسل القدمين وإن قلنا لا يجوز التفريق لزمه استئناف الوضوء وقال سائر أصحابنا: القولان أصل في أنفسهما أحدهما يكفيه غسل القدمين لأن المسح قائم مقام غسل القدمين فإذا بطل المسح عاد إلى ما قام المسح مقامه كالتيمم إذا رأى الماء والثاني يلزمه استئناف الوضوء لأن ما أبطل بعض الوضوء أبطل جميعه كالحدث فإن مسح على خفيه ثم أخرج الرجلين من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح على المنصوص لأنه لم تظهر الرجل من الخف وقال القاضي أبو حامد في جامعه: يبطل
стр. 47
وهو اختبار شيخنا القاضي أبي الطيب ﵀ لأن استباحة المسح تتعلق باستقرار القدم في الخف ولهذا لو بدأ باللبس فأحدث قبل أن تبلغ الرجل إلى قدم الخف ثم أقرها لم يجز المسح عليه وإن مسح على الجرموق فوق الخف وقلنا يجوز المسح عليه ثم نزع الجرموق في أثناء المدة ففيه ثلاث طرق: أحدها أن الجرموق كالخف المنفرد فإذا نزعه كان على قولين: أحدهما يستأنف الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويمسح على الخفين والثاني لا يستأنف الوضوء فعلى هذا يكفيه الوضوء والمسح على الخفين والطريق الثاني إن نزع الجرموق لا يؤثر لأن الجرموق مع الخف تحته بمنزلة الظهارة مع البطانة ولو تعلقت الظهارة بعد المسح لم يؤثر في طهارته والطريق الثالث أن الجرموق فوق الخف كالخف فوق اللفافة فعلى هذا إذا نزع الجرموق نزع الخف كما ينزع اللفافة وهل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل الرجلين فيه قولان.
стр. 48
باب الأحداث التي تنقض الوضوء
والأحداث التي تنقض الوضوء خمسة: الخارج من السبيلين والنوم والغلبة على العقل بغير النوم ولمس النساء ومس الفرج فأما الخارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء لقوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ "المائدة:٦] ولقوله ﷺ "لا وضوء إلا من صوت أو ريح١" فإذا انسد المخرج المعتاد وانفتح دون المعدة مخرج انتقض الوضوء بالخارج منه لأنه لا بد للإنسان من مخرج يخرج منه البول والغائط فإذا انسد المعتاد صار
стр. 49
هذا هو المخرج فانتقض الوضوء بالخارج منه وإن انفتح فوق المعدة ففيه قولان: أحدهما ينتقض الوضوء بالخارج منه لما ذكرناه وقال في حرملة: لا ينتقض لأنه في معنى القيء وإن لم ينسد المعتاد وانفتح فوق المعدة لم ينتقض الوضوء بالخارج منه وإن كان دون المعدة ففيه وجهان: أحدهما لا ينتقض الوضوء بالخارج منه لأن ذلك كالجائفة فلا ينتقض الوضوء بما يخرج منه والثاني ينتقض لأنه مخرج يخرج منه الغائط فهو كالمعتاد وإن أدخل في إحليله مسباراً وأخرجه أو زرق فيه شيئاً وخرج منه انتقض وضوءه.
فصل: وأما النوم فينظر فيه فإن وجد منه وهو مضطجع أو مكب أو متكئ انتقض وضوؤه لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ١" وإن وجد منه وهو قاعد ومحل الحدث متمكن من الأرض فإنه قال في البويطي ينتقض وضوؤه وهو اختيار المزني لحديث علي كرم الله وجهه ولأن ما نقض الوضوء في حال الاضطجاع نقضه في حال القعود كالأحداث والمنصوص في الكتب أنه لا ينتقض وضوؤه لما روى أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء فينامون قعوداً ثم يصلون ولا يتوضئون وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من نام جالساً فلا وضوء عليه ومن وضع جنبيه فعليه الوضوء" ويخالف الأحداث فإنها تنقض الوضوء لعينها والنوم ينقض لأنه يصحبه خروج الخارج وذلك لا يحسب به إذا نام زائلاً عن مستوى الجلوس ويحس به إذا نام جالساً وإن نام راكعاً أو ساجداً أو قائماً في الصلاة ففيه قولان: قال في الجديد لا ينتقض وضوؤه لقوله ﷺ "إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ملائكته يقول عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي" فلو انتقض وضوءه لما جعله ساجداً.
فصل: وأما زوال العقل بغير النوم فهو أن يجن أو يغمى عليه أو يسكر أو يمرض فيزول عقله فينتقض وضوؤه لأنه إذا انتقض الوضوء بالنوم فلأن ينتقض بهذه الأسباب
стр. 50
أولى ولا فرق في ذلك بين القاعد وغيره ويخالف النوم فإن النائم إذا كلم تكلم وإذا نبه تنبه فإذا خرج منه الخارج وهو جالس أحس به بخلاف المجنون والسكران قال الشافعي ﵀: قد قيل إنه قل من يجن إلا وينزل فالمستحب أن يغتسل احتياطاً.
فصل: وأما لمس النساء فإنه ينقض الوضوء وهو أن يلمس الرجل بشرة المرأة أو المرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما فينتقض وضوء اللامس منهما لقوله ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ "النساء:٤٣] وفي الملموس قولان: أحدهما ينتقض وضوؤه لأنه لمس بين الرجل والمرأة ينقض طهر اللامس فينقض طهر الملموس كالجماع وقال في حرملة: لا ينتقض لأن عائشة ﵂ قالت: افتقدت رسول الله ﷺ في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه فلما فرغ من صلاته قال: أتاك شيطانك ولو انتقض طهره لقطع الصلاة ولأنه لمس ينقض الوضوء فنقض طهر اللامس دون الملموس كما لو لمس ذكر غيره وإن لمس شعرها أو ظفرها لم ينتقض الوضوء لأنه لا يلتذ بمسه وإنما يلتذ بالنظر إليه وإن لمس ذات رحم محرم ففيه قولان: أحدهما ينتقض وضوؤه للآية والثاني لا ينتقض لأنها ليست بمحل لشهوته فأشبه لمس الرجل والمرأة المرأة وإن لمس صغيرة لا تشتهى أو عجوزاً لا تشتهى ففيه وجهان: أحدهما ينتقض لعموم الآية والثاني لا ينتقض لأنه لا يقصد بلمسها الشهوة فأشبه الشعر.
فصل: وأما مس الفرج فإنه إن كان ببطن الكف نقض الوضوء لما روت بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ١" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون" قالت عائشة ﵂ الله عنها: بأبي وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء قال: "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" وإن كان بظهر الكف لم ينتقض الوضوء لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة٢".
والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف ولأن ظهر الكف ليس بآلة لمسه فهو كما لو أولج الذكر في غير الفرج فإن مس بما بين الأصابع ففيه وجهان: المذهب أنه لا ينتقض لأنه
стр. 51
ليس بباطن الكف والثاني ينتقض لأن خلقته خلقة الباطن وإن مس حلقه الدبر انتقض وضوؤه وحكى ابن القاص قولاً أنه لا ينتقض وهو غير مشهور ووجهه أنه لا يلتذ بمسه والدليل على أنه ينتقض أنه أحد السبيلين فأشبه القبل وإن انسد المخرج المعتاد انفتح دون المعدة مخرج فمسه ففيه وجهان: أحدهما لا ينتقض لأنه ليس بفرج والثاني ينتقض لأنه سبيل للحدث فأشبه الفرج وإن مس فرج غيره من صغير أو كبير أو حي أو ميت انتقض وضوؤه لأنه إذا انتقض بمس ذلك من نفسه ولم يهتك به حرمته فلأن ينتقض بمس ذلك من غيره وقد هتك حرمته أولى وإن مس ذكراً مقطوعاً ففيه وجهان: أحدهما لا ينتقض وضوؤه كما لو مس يداً مقطوعة من امرأة والثاني ينتقض لأنه قد وجد مس الذكر ويخالف اليد المقطوعة فإنه لم يوجد لمس المرأة وإن مس فرج بهيمة لم يجب الوضوء وحكى ابن عبد الحكيم قولاً آخر أنه يجب الوضوء وليس بشيء لأن البهيمة لا حرمة لها ولا تعبد عليها وإن مس الخنثى المشكل فرجه أو ذكره أو مس ذلك منه غيره لم ينتقض الوضوء حتى يتحقق أنه مس الفرج الأصلي أو الذكر الأصلي ومتى جوز أن يكون الذي مسه غير الأصلي لم ينتقض الوضوء وكذا لو تيقنا أنه انتقض طهر أحدهما ولم نعرفه بعينه لم نوجب الوضوء على واحد منهما لأن الطهارة متيقنة فلا يزال ذلك بالشك.
فصل: وما سوى هذه الأشياء الخمسة لا ينقض الوضوء كدم الفصد والحجامة
стр. 52
والقيء لما روى أنس أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه وكذلك أكل شيء من اللحوم لا ينقض الوضوء وحكى ابن القاضي قولاً آخر أن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء وليس بمشهور والدليل على أنه لا ينقض الوضوء ما روى جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار ولأنه إذا لم ينتقض الوضوء بأكل لحم الخنزير وهو حرام فلأن لم ينتقض بغيره أولى وكذلك لا ينتقض الطهر بقهقهة المصلي لما روى جابر أن النبي ﷺ قال "الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة ومن الكلام القبيح لما روى عن عبد الله بن مسعد ﵁ أنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب وقالت عائشة ﵂ الله عنها: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء وقال ابن عباس: الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان.
فصل: ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة لأن الطهارة يقين فلا يزال ذلك بالشك وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقين الحدث لأن الحدث يقين فلا يزال بالشك وإن تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما نظر فإن كان قبلهما طهارة فهو الآن محدث لأنه قد تيقن أن الطهارة قبلهما ورد عليها حدث فأزالها وهو يشك هل ارتفع هذا الحدث بطهارة بعده أم لا فلا يزال يقين الحدث بالشك وإن كان قبلهما حدث فهو الآن متطهر لأنه قد تيقن أن الحدث قبلهما قد ورد عليه طهارة فأزالته وهو يشك هل ارتفعت هذه الطهارة بحدث بعدها أم لا فلا يزال يقين الطهارة بالشك وهذا كما تقول في رجل أقام بينة بدين وأقام المدعي عليه بينة بالبراءة فإنا نقدم بينة البراءة لأنا تيقنا أن البراءة وردت على دين واجب فأزالته ونحن نشك هل اشتغلت ذمته بعد البراءة بدين بعدها فلا نزيل يقين البراءة بالشك.
فصل: إذا أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" ١ ويحرم عليه الطواف لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة٢" إلا أن الله تعالى أباح فيه
стр. 53
الكلام ويحرم عليه مس المصحف لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] ولما روى حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر١" ويحرم عليه حمله في كمه لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله وهو في الهتك أبلغ أولى ويجوز أن يتركه بين يديه ويتصفح أوراقه بخشبة لأنه غير مباشر له ولا حامل له وهل يجوز للصبيان حمل الألواح وهم محدثون؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز كما لا يجوز لغيرهم والثاني يجوز لأن طهارتهم لا تنحفظ وحاجتهم إلى ذلك ماسة وإن حمل رجل متاعاً وفي جملته مصحف وهو محدث جاز لأن القصد نقل المتاع فعفى عما فيه من القرآن كما لو كتب كتاباً إلى دار الشرك وفيه آيات من القرآن وإن حمل كتاباً من كتب الفقه وفيه آيات من القرآن أو حمل الدراهم الأحدية أو الثياب التي طرزت بآيات من القرآن ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز لأنه يحمل القرآن والثاني يجوز لأن القصد منه غير القرآن وإن كان على موضع من بدنه نجاسة فمس المصحف بغيره جاز وقال القاضي أبو القاسم الصيمري ﵀: لا يجوز كما لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهره وإن كانت الطهارة تجب في غيره وهذا لا يصح لأن حكم الحدث يتعدى وحكم النجاسة لا يتعدى محلها.
стр. 54
باب الاستطابة
إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء عليه ذكر الله فالمستحب له أن ينحيه لما روى أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما وضعه لأنه كان عليه محمد رسول الله ويستحب أن يقول إذا دخل الخلاء باسم الله لقوله ﷺ "ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن باسم الله" ويستحب أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لما روى أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال ذلك ويقول إذا خرج
стр. 55
غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني لما روى أبو داود ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" وروت عائشة ﵂ الله عنها قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من الغائط إلا قال: "غفرانك" ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى وفي الخروج رجله اليمنى لأن اليسار للأذى واليمنى لما سواه وإن كان في الصحراء أبعد لما روى المغيرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد ويستتر عن العيون بشيء لما روى أبو هريرة رضي اللهى عنه أن النبي ﷺ قال: "من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستتر به ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول١" ويجوز ذلك في البنيان لما روت عائشة ﵂ الله عنه أن ناساً كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال رسول الله ﷺ "وقد فعلوها حولوا بمقعدتي إلى القبلة" ولأن في الصحراء خلقاً من الملائكة والجن يصلون فيستقبلهم بفرجه وليس في البنيان ذلك ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ويرتاد موضعاً للبول فإن كانت الأرض صلبة دقها بعود أو حجر حتى
стр. 56
لا يترشش عليه البول لما روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" ويكره أن يبول قائماً من غير عذر لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: ما بلت قائماً منذ أسلمت ولأنه لا يأمن أن يترشش عليه ولا يكره ذلك للعذر لما روي أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً لعلة بمأبضيه ويكره أن يبول في ثقب أو سرب لما روي عن عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ نهى عن البول في جحر ولأنه خرج منه ما يلسعه أو يرد عليه البول ويكره أن يبول في الطريق والظل والموارد لما روى معاذ أن النبي ﷺ قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل١" ويكره أن يبول في مساقط الثمار لأنه يقع عليه فينجس ويكره أن يتكلم لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله ﵎ يمقت على ذلك٢" ويكره أن يرد السلام أو يحمد الله إذا عطس أو يقول مثل ما يقول المؤذن لأن النبي ﷺ سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى توضأ ثم قال: كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر والمستحب أن يتكئ على رجله اليسرى لما روى سراقة بن مالك رحمه الله تعالى قال: علمنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسار ولأنه أسهل في قضاء الحاجة ولا يطيل القعود لما روي عن لقمان ﵇ أنه قال: طول القعود على الحاجة ييجع
стр. 57
منه الكبد ويأخذ منه الباسور فاقعد هويناً واخرج وإذا بال تنحنح حتى يخرج إن كان هناك شيء ويمسح ذكره من مجامع العروق ثم ينتره والمستحب أن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة لما روى عبدا لله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فإن عامة الوسواس منه١"
فصل: والاستنجاء واجب من البول والغائط لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وليستنج بثلاثة أحجار٢" ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالباً فلم تصح الصلاة معها كسائر النجاسات وإن خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معها ففيه قولان: أحدهما يجب الاستنجاء لأنه لا تخلو من رطوبة والثاني لا يجب وهو الأصح لأنه خارج من غير رطوبة فأشبه الريح ويستنجي قبل أن يتوضأ فإن توضأ ثم استنجى صح الوضوء وإن تيمم ثم استنجى لم يصح التيمم قال الربيع فيه قول آخر أنه يصح قال أبو إسحاق: هو من كيسه والأول هو المنصوص عليه في الأم ووجهه أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو فلا تستباح مع بقاء المانع ويخالف الوضوء فإنه يرفع الحدث فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير موضع الاستنجاء ففيه وجهان: أحدهما أنه كنجاسة النجو
стр. 58
والثاني أنه يصح التيمم لأن التيمم لا تستباح به الصلاة من هذه النجاسة فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسة النجو وإن أراد الاستنجاء نظرت فإن كانت النجاسة بولاً أو غائطاً ولم تجاوز الموضع المعاتد جاز بالماء والحجر والأفضل أن يجمع بينهما لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء فقال فيهم ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] فسألهم النبي ﷺ عما يصنعون فقالوا: نتبع الحجارة الماء فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه أبلغ في الإنقاء وإن اقتصر على الحجر جاز لما روت عائشة ﵂ قالت: بال رسول الله ﷺ فقام عمر ﵁ خلفه بكوز من ماء فقال: "ما هذا يا عمر"؟ فقال: ماء تتوضأ به قال: "ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت لكان سنة" ولأنه قد يبتلى بالخارج في موضع لا يلحق الماء فيه فسقط وجوبه وإن أراد الاقتصار على الحجر لزمه أمران: أحدهما أن يزيل العين حتى لا يبقى إلا أثر لاصق لا يزيله إلا الماء والثاني أن يستوفي ثلاث مسحات لما روي أن رجلاً قال لسلمان رضي اله عنه: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال: أجل نهانا أن نجترئ بأقل من ثلاثة أحجار فإن استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه لأن القصد عدد المسحات وقد وجد ذلك وفي كيفية الاستنجاء بالحجر وجهان: قال أبو علي ابن أبي هريرة ﵁: يضع حجراً على مقدم صفحته اليمنى ويمرها إلى آخرها ثم يدير الحجر إلى الصفحة اليسرى ويمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ويأخذ الثاني فيمره على الصفحة اليسرى ويمره إلى آخرها ثم يديره إلى الصفحة اليمنى فيمره عليها إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين والمسربة لقوله ﷺ : يقبل بواحد ويدبر بآخر ويحلق بالثالث وقال أبو إسحاق: يمر حجراً على الصفحة اليمنى وحجراً على الصفحة اليسرى وحجراً على المسربة لقوله ﷺ : أو لا يجد ثلاثة أحجار حجرين للصفحتين وحجراً للمسربة والأول أصح لأنه يمر كل حجر على المواضع الثلاثة ولا يجوز أن يستنجي بيمينه ولما روت عائشة ﵂ قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى فإن يستنجي بغير الماء أخذ ذكره بيسراه ومسحه
стр. 59
على ما يستنجي به من أرض أو حجر فإن كان الحجر صغيراً غمز عقبه عليه أو مسكه بين إبهامي رجليه ومسح ذكره عليه بيساره وإن كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره فإن خالف واستنجى بيمينه أجزأه لأن الاستنجاء يقع بما في اليد لا باليد فلم يمنع صحته.
فصل: ويجوز الإستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه قال أصحابنا: يقوم مقامه كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان فأما غير الماء من المائعات فلا يجوز الإستنجاء به لأنه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة وما ليس بطاهر كالروث والحجر النجس لا يجوز الإستنجاء به لنهيه ﷺ عن الاستنجاء بالروث ولأنه نجس فلا يستنجي به كالماء النجس فإن استنجى بذلك لزمه بعد ذلك أن يستنجي بالماء لأن الموضع قد صار نجساً بنجاسة نادرة فوجب غسله بالماء ومن أصحابنا من قال يجزي فيه الحجر لأنها نجاسة فلم يؤثر وما لا يزيل العين لا يجوز به الاستنجاء كالزجاج والحممة لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الإستنجاء بالحممة ولأن ذلك لا يزيل النجو وما له حرمة من المطعومات كالخبز والعظم لا يجوز به الاستنجاء لأن النبي ﷺ نهى عن الإستنجاء بالعظم وقال: "هو زاد إخوانكم من الجن" فإن خالف واستنجى به لم يجزئه لأن الاستنجاء بغير الماء رخصة والرخصة لا تتعلق بالمعاصي وما هو جزء من الحيوان كذنب حمار يجوز الإستنجاء به ومن أصحابنا من قال يجوز والأول أصح لأنه جزء من حيوان فلم يجز الإستنجاء به كما لو استنجى بيده ولأن له حرمة فهو كالطعام وإن استنجى بجلد مدبوغ ففيه قولان: قال في حرملة: لا يجوز لأنه كالرمة وقال في الأم: يجوز لأنه إن كان ليناً فهو كالخرق وإن استنجى بجلد حيوان مأكول اللحم مذكى غير مدبوغ ففيه قولان: قال في الأم: وحرملة لا يجوز لأنه لا
стр. 60
يقلع النجو لزوجته وقال في البويطي: يجوز والأول هو المشهور
فصل: وإن جاوز الخارج الموضع المعتاد فإن كان غائطاً فخرج إلى ظاهر الألية لم يجز فيه إلا الماء لأن ذلك نادر فهو كسائر النجاسات: وإن خرج إلى باطن الألية ولم يخرج إلى ظاهرها ففيه قولان: أحدهما أنه لا يجزئ فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كما لو خرج إلى ظاهر الألية والثاني يجزئ فيه الحجر لأن المهاجرين ﵃ هاجروا إلى المدينة فأكلوا التمر ولم يكن ذلك عادتهم ولا شك أنه رقت بذلك أجوافهم ولم يؤمروا بالاستنجاء بالماء ولأن ما يزيد على المعتاد لا يمكن ضبطه فجعل الباطن كله حداً ووجب الماء فيما زاد وإن كان بولاً ففيه طريقان: قال أبو إسحاق: إذا جاوز مخرجه حتى رجع على الذكر أعلاه أو أسفله لم يجز فيه إلا الماء لأن ما يخرج من البول لا ينتشر إلا نادراً بخلاف ما يخرج من الدبر فإنه لا بد من أن ينتشر ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما لا يجوز فيه إلا الماء نص عليه في البويطي ووجهه ما قال أبو إسحاق والثاني أنه يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز موضع الحشفة نص عليه في الأم لأنه لما جاز الحجر في الغائط ما لم يجاوز باطن الألية لتعذر الضبط وجب أن يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة لتعذر الضبط وإن كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودي أو دوداً أو حصاة وقلنا إنه يجب منه الإستنجاء فهل يجزئ فيه الحجر أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كالبول والغائط وقد بيناهما والثاني: لا يجزئ فيه إلا الماء لأنه نادر فهو كسائر النجاسات.
стр. 61
باب ما يوجب الغسل
стр. 62
والذي يوجب الغسل: إيلاج الحشفة في الفرج وخروج المني والحيض والنفاس فأما إيلاج الحشفة فإنه يوجب الغسل لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل١" والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وذلك أن ختان الرجل هو الجلد الذي يبقى بعد الختان وختان المرأة جلدة كعرف الديك فوق الفرج فتقطع منها في الختان فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها فإذا تحاذيا فقد التقيا ولهذا يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم يتضاما فإن أولج في فرج امرأة ميتة وجب عليه الغسل لأنه فرج آدمية فأشبه فرج الحية وإن أولج في دبر امرأة أو رجل أو بهيمة وجب عليه الغسل لأنه فرج حيوان فأشبه فرج المرأة وإن أولج في دبر خنثى مشكل وجب عليه الغسل وإن أولج في فرجه لم يجب لجواز أن يكون ذلك عضواً زائداً فلا يجب الغسل بالشك.
فصل: وأما خروج المني فإنه يوجب الغسل على الرجل والمرأة في النوم واليقظة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الماء من الماء٢" وروت
стр. 63
أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ "قال نعم إذا رأت الماء" فإن احتلم ولم ير المني أو شك هل خرج المني لم يلزمه الغسل وإن رأى المني ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال: يغتسل وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل قال: "لا غسل عليه" وإن رأى المني في فراش نام فيه هو وغيره لم يلزمه الغسل لأن الغسل لا يجب بالشك والأولى أن يغتسل وإن كان لا ينام فيه غيره لزمه الغسل وإعادة الصلاة من آخر يوم نام فيه ولا يجب الغسل من المذي وهو الماء الذي يخرج بأدنى شهوة لما روي عن علي كرم الله وجهه قال: كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي ﷺ قال: "لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا نضحت الماء فاغتسل١" ولا من الودي وهو ما يقطر منه عند البول لأن الإيجاب بالشرع ولم يرد بالشرع إلا في المني فإذا خرج منه ما يشبه المني والمذي ولم يتميز له فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال يجب عليه الوضوء منه لأن وجوب غسل الأعضاء متيقن وما زاد على أعضاء الوضوء مشكوك في وجوبه فلا يجب بالشك ومنهم من قال: هو مخير بين أن يجعله منياً فيجب الغسل منه وبين أن يجعله مذياً فيجب الوضوء وغسل الثوب منه لأنه يحتمل الأمرين احتمالاً واحداً وقال الشيخ الإمام أحسن الله توفيقه: وعندي أنه يجب أن يتوضأ مرتباً ويغسل سائر بدنه ويغسل الثوب منه لأنا إذا جعلناه منياً أوجبنا عليه غسل ما زاد على أعضاء الوضوء بالشك والأصل عدمه وإن جعلناه مذياً أوجبنا عليه غسل الثوب والترتيب
стр. 64
في الوضوء بالشك والأصل عدمه وليس أحد الأصليين أولى من الآخر ولا سبيل إلى إسقاط حكمهما لأن الذمة قد اشتغلت بفرض الطهارة والصلاة والتخيير لا يجوز لأنه إذا جعله مذياً لم يأمن من أن يكون منياً فلم يغتسل له وإن جعله منياً لم يأمن أن يكون مذياً ولم يغسل الثوب منه ولم يرتب الوضوء منه واجب أن يجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين.
فصل: وأما الحيض فإنه يوجب الغسل لقوله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢] الآية قيل في التفسير هو الاغتسال ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي١" وأما دم النفاس فإنه يوجب الغسل لأنه حيض مجتمع ولأنه يحرم الصوم والوطء ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض وأما إذا ولدت المرأة ولداً ولم تر دماً ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب عليها الغسل لأن الولد مني منعقد والثاني: لا يجب لأنه لا يسمى منياً وإن استدخلت المرأة المني ثم خرج منها لم يلزمها الغسل.
فصل: وإن أسلم الكافر ولم يجب عليه غسل في حال الكفر فالمستحب أن يغتسل لما روي أنه أسلم قيس بن عاصم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل ولا يجب ذلك لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي ﷺ بالغسل وإن وجب عليه غسل في حال الكفر ولم يغتسل لزمه أن يغتسل وإن كان قد اغتسل في حال الكفر فهل يجب عليه إعادته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب الإعادة لأنه غسل صحيح بدليل أنه تتعلق به إباحة الوطء في حق الحائض إذا طهرت فلم تجب إعادته كغسل المسلم والثاني تجب الإعادة وهو الأصح لأنه عبادة محضة فلم تصح من الكافر في حق الله تعالى كالصوم والصلاة.
فصل: ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث فلأن يحرم على الجنب أولى ويحرم عليه قراءة القرآن لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن٢" ويحرم عليه اللبث في المسجد ولا يحرم عليه العبور لقوله :
стр. 65
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: من الآية٤٣] وأراد موضع الصلاة وقال في البويطي: ويكره له أن ينام حتى يتوضأ لما روي أن عمر ﵁ قال يا رسول الله: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد" قال أبو علي الطبري: وإذا أراد أن يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ ولا يستحب ذلك للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنه يخففه ويزيله عن أعضاء الوضوء.
стр. 66
باب صفة الغسل
إذا أراد الرجل أن يغتسل من الجنابة فإنه يسمي الله وينوي الغسل من الجنابة أو الغسل لاستباحة أمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن والجلوس في المسجد ويغسل كفيه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء ثم يغسل ما على فرجه من الأذى ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه العشر في الماء فيغرف بها غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ثم يفيض الماء على سائر جسده ويمر يديه على ما قدر عليه من بدنه ثم يتحول من مكانه ثم يغسل قدميه لأن عائشة وميمونة ﵄ وصفتا غسل رسول الله ﷺ نحو ذلك والواجب من ذلك ثلاثة أشياء: النية وإزالة النجاسة - إن كانت - وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته وما زاد على ذلك سنة لما روى جبير بن مطعم قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: "أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثاً ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي" وإن كانت امرأة تغتسل من الجنابة كان غسلها كغسل الرجل فإن كان لها ضفائر فإن كان الماء يصل إليها من غير نقض لم يلزمها نقضها لأن أم سلمة ﵂ قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال النبي ﷺ "لا إنما يكفيك أن
стр. 67
تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت" وإن لم يصل إليها الماء إلا بنقضها لزمها نقضها لأن إيصال الماء إلى الشعر والبشرة واجب وإن كانت تغتسل من الحيض فالمستحب لها أن تأخذ فرصة من المسك فتتبع بها أثر الدم لما روت عائشة ﵂ الله عنها أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت كيف أتطهر بها؟ فقال ﷺ : "سبحان الله تطهري بها" قالت عائشة ﵂ قلت تتبعي بها أثر الدم فإن لم تجد مسكاً فطيباً غيره لأن القصد تطييب الموضع فإن لم تجد فالماء كاف ويستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد لأن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد فإن أسبغ بما دونه أجزأه لما روي أن النبي ﷺ توضأ بما لا يبل الثرى قال الشافعي ﵀: وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي.
فصل: ويجوز أن يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد لما روى ابن عمر ﵁ قال كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ من إناء واحد ويجوز أن يتوضأ أحدهما بفضل وضوء الآخر لما روت ميمونة ﵂ قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي ﷺ يغتسل منه فقلت إني قد اغتسلت منه فقال "الماء ليس عليه جنابة" واغتسل منه.
فصل: فإن أحدث وأجنب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يجب الغسل ويدخل فيه
стр. 68
الوضوء وهو المنصوص في الأم لأنهما طهارتان فتدخلتا كغسل الجنابة وغسل الحيض والثاني أنه يجب عليه الوضوء والغسل لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين فلم يتداخل أحدهما في الأخر كحد الزنا والفرقة والثالث أنه يجب عليه أن يتوضأ مرتبا ويغسل سائر البدن لأنهما متفقان في الغسل ومختلفان في الترتيب فما اتفقا فيه تداخلا وما اختلفا فيه لم يتدخلا قال الشيخ الإمام ﵀ وأحسن توفيقه: وسمعت شيخنا أبا حاتم القزويني ﵀ يحكي فيه وجهاً رابعاً أنه يقتصر على الغسل إلا أنه يحتاج أن ينويهما ووجهه أنهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية كالحج والعمرة فإن توضأ من الحديث ثم ذكر أنه كان جنباً أو اغتسل من الحدث ثم ذكر أنه كان جنباً أجزأه ما غسل من الحدث عن الجنابة لأن فرض الغسل في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد وبالله التوفيق.
стр. 69
باب التيمم
يجوز التيمم عن الحدث الأصغر لقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء:٤٣] ويجوز عن الحديث الأكبر وهو الجنابة والحيض لما روي عن عمار بن ياسر ﵁ قال: أجنبت فتمعكت في التراب فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: "إنما كان يكفيك هكذا" وضرب يديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه ولأنها طهارة عن حدث فناب عنها التيمم كالوضوء ولا يجوز ذلك عن إزالة النجس لأنها طهارة فلا يؤمر بها للنجاسة في غير محل النجاسة كالغسل.
فصل: والتيمم مسح الوجه واليدين مع المرفقين بالتراب بضربتين أو بأكثر والدليل عليه ما روى أبو أمامة وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان ضربة
стр. 70
للوجه وضربة اليدين إلى المرفقين" وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي ﵀ أنه قال في القديم: التيمم ضربتان ضربة للكفين ووجهه في حديث عمار وأنكر الشيخ أبو حامد الأسفراييني ﵀ ذلك وقال: المنصوص في القديم والجديد هو الأول ووجهه أنه عضو في التيمم فوجب استعيابه كالوجه وحديث عمار ﵁ يتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر
فصل: ولا يجوز إلا بالتراب لما روى حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال: "فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض مسجداً وجعل ترابها لنا طهوراً وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة١" فعلق الصلاة على الأرض ثم نزل في التيمم إلى التراب فلو جاز التيمم بجميع الأرض لما نزل عن الأرض إلى التراب ولأنه طهارة عن الحدث فاختص بجنس واحد كالضوء فأما الرمل فقد قال في القديم والإملاء: يجوز التيمم به وقال في الأم: لا يجوز فمن أصحابنا من قال لا يجوز قولاً واحداً وما قال في القديم والإملاء محمول على رمل يخالطه التراب ومنهم من قال على قولين أحدهما يجوز لما روى أبو هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ إنا بأرض الرمل وفينا الجنب والحائض ونبقى أربعة أشهر لا نجد الماء فقال النبي ﷺ : "عليكم بالأرض" والثاني لا يجوز لأنه ليس بتراب فأشبه الجص وإن أحرق الطين وتيمم بمدقوقه ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز كما لا يجوز بالخزف المدقوق والثاني يجوز لأن إحراقه لم يزل اسم الطين والتراب عن مدقوقه بخلاف الخزف ولا يجوز إلا بتراب له غبار يعلق بالعضو فإن تيمم بطين رطب أو بتراب ندي لا يعلق غباره ولم يجزه لقوله : ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [النساء٤٣] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد ولأنه طهارة فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة كمسح الرأس ولا يجوز بتراب نجس لأنه طهارة فلا تجوز بالنجس كالوضوء ولا يجوز بما خالطه دقيق أو جص لأنه ربما حصل بالعضو فمنع من وصول التراب إليه ولا يجوز بما استعمل في العضو فأما ما تناثر من أعضاء من أعضاء المتيمم ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز التيمم به كما لا يجوز الوضوء بما تساقط من أعضاء المتوضئ والثاني يجوز لأن المستعمل منه ما بقي على العضو وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به ويخالف الماء لأنه لا يدفع بعضه بعضاً والتراب يدفع بعضه بعضاً فدفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه
стр. 71
فصل: ولا يصح التيمم إلا بالنية لما ذكرناه في الوضوء وينوي بالتيمم إستباحة الصلاة فإن نوى به رفع الحدث ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأنه لا يرفع الحدث والثاني يصح لأن نية رفع الحدث تتضمن إستباحة الصلاة ولا يصح التيمم للفرض إلا بنية الفرض فإن نوى بتيممه صلاة مطلقة أو صلاة نافلة لم يستبح الفريضة وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني ﵀ أن أبا يعقوب البارودي حكى عن الإملاء قولاً آخر أنه يستبيح به الفرض ووجهه أنه طهارة فلم يفتقر إلى نية الفرض كالوضوء والذي يعرفه البغداديون من أصحابنا كالشيخ أبي حامد الإسفراييني وشيخنا القاضي أبي الطيب رحمهما الله أنه لا يستبيح به الفرض لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع وهل يحتاج إلى تعيين الفرضة فيه وجهان: أحدهما أنه يحتاج إلى تعيينها لأن كل موضع افتقر إلى نية الفريضة افتقر إلى تعيينها كأداء الصلاة والثاني لا يحتاج إلى تعيينها ويدل عليه قوله في البويطي فإن تيمم للنفل كان له أن يصلي على الجنازة نص عليه في البويطي لأن صلاة الجنازة كالنافلة وإن تيمم لصلاة الفرض استباح به النفل لأن النفل تابع للفرض فإذا استباح المتبوع استباح التابع كما إذا أعتق الأم عتق الحمل.
فصل: وإذا أراد التيمم فالمستحب له أن يسمي الله لأنه طهارة عن حدث فاستحب فيها اسم الله عليه كالوضوء ثم ينوي ويضرب يديه على التراب ويفرق أصابعه فإن كان التراب ناعماً فترك الضرب ووضع اليدين جاز ويمسح بهما وجهه ويوصل التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه وإلى ما ظهر من الشعر ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والشارب والعذارين والعنفقة ومن أصحابنا من قال يجب ذلك كما يجب إيصال الماء إليه في الوضوء والمذهب الأول لأن النبي ﷺ وصف التيمم واقتصر على ضربتين ومسح وجهه بإحداهما ومسح إحدى اليدين بالأخرى وبذلك لا يصل التراب إلى باطن هذه الشعور ويخالف الوضوء لأنه لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحت هذه الشعور وعليه مشقة في إيصال التراب فسقط وجوبه ثم يضرب ضربة أخرى فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهر الكف فإذا بلغ الكوع جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع ثم يمر ذلك إلى المرافق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمره عليه ويرفع إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم يمسح بكفه اليمنى يده اليسرى مثل
стр. 72
ذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل أصابعهما لما روى أسلم قال: قلت لرسول الله ﷺ أنا جنب فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هكذا فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه ثم أمرهما على لحيته ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض ثم دلك إحداهما بالأخرى ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما".
فصل: والفرض مما ذكرناه النية ومسح الوجه ومسح اليدين بضربتين أو أكثر وتقديم الوجه على اليدين وسنته التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى.
فصل: قال في الأم: فإن أمر غيره حتى يممه ونوى هو جاز كما يجوز في الوضوء وقال ابن القاص ﵀: لا يجوز قلته تخريجاً قال في الأم: وإن سفت الريح عليه تراباً ناعماً فأمر يديه على وجهه لم يجزه لأنه لم يقصد الصعيد وقال القاضي أبو حامد ﵀: هذا محمول عليه إذا لم يقصد فأما إذا صمد للريح فسفت عليه التراب أجزأه وهذا خلاف المنصوص.
فصل: ولا يجوز التيمم للمكتوبة إلا بعد دخول الوقت لأنه قبل دخول الوقت مستغن عن التيمم فلم يصح تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء وإن تيمم قبل دخول الوقت لفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الحاضرة ففيه وجهان: قال أبو بكر ابن الحداد ﵀: يجوز أن يصلي به الحاضرة بعد دخول الوقت لأنه تيمم وهو غير مستغن عن التيمم فأشبه إذا تيمم للحاضرة بعد دخول الوقت ومن أصحابنا من قال لا يجوز لأنها فريضة تقدم التيمم على وقتها فأشبه إذا تيمم لها قبل دخول الوقت.
فصل: ولا يجوز التيمم بعد دخول الوقت إلا للعادم للماء أو للخائف من استعماله فأما الواجد فلا يجوز له التيمم لقوله ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء١" فإن وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فهو كالعادم لأنه ممنوع من استعماله فأشبه إذا وجد ماء وحال بينهما سبع.
فصل: ولا يجوز للعادم للماء أن يتيمم إلا بعد الطلب لقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب ولأنه بدل أجيز عند عدم المبدل فلا يجوز فعله إلا بعد ثبوت العدم كالصوم في الكفارة لا يفعله حتى يطلب الرقبة ولا يصح الطلب إلا بعد دخول الوقت لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو
стр. 73
عدم الماء فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غير صعده ونظر حواليه وإن كان معه رفيق سأله عن الماء فإن بذله لزمه قبوله لأنه لا منة عليه في قبوله فإن باعه منه بثمن المثل وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة والطعام للمجاعة فإن لم يبذله له وهو غير محتاج إليه لنفسه لم يجز له أن يكابره على أخذه كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة وصاحبه لا يحتاج إليه لأن الطعام ليس له بدل وللماء بدل فإن دل على ماء ولم يخف فوات الوقت ولا انقطاعاً عن الرفقة لا ضرراً على نفسه وماله لزمه طلبه وإن طلب ولم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجده معهم أعاد التيمم لأنه لما توجه عليه الطلب بطلب التيمم وإن طلب ولم يجد جاز له التيمم لقوله : "فلم تجدوا ماء فتيمموا" "المائدة: ٦" وهل الأفضل أن يقدم التيمم والصلاة أم لا؟ ينظر فيه فإن كان على ثقة من وجود الماء أخر الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم لأن الصلاة في أول وقتها فضيلة والطهارة بالماء فريضة فكان انتظار الفريضة الأولى وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يتيمم ويصلي لأن الظاهر أنه لا يجد الماء فلا يضيع فضيلة أول الوقت لأمر لا يرجوه وإن كان يشك في وجوده ففيه قولان: أحدهما أن تأخيرها أفضل لأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة فكان تقديم الفريضة أولى والثاني أن تقديم الصلاة بالتيمم أفضل وهو الأصح لأن فعلها في أول الوقت فضيلة متيقنة والطهارة بالماء مشكوك فيها فكان تقديم الفضيلة المتيقنة أولى فإن تيمم وصلى ثم علم أنه كان في رحله ماء نسيه لم تصح صلاته وعليه الإعادة على المنصوص لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالنسيان كما لو نسي عضواً من أعضائه فلم يغسله وروى أبو ثور عن الشافعي ﵀ أنه قال: تصح صلاته ولا إعادة عليه لأن النسيان عذر حال بينه وبين الماء فسقط الفرض بالتيمم كما لو حال بينهما سبع وإن كان في رحله ماء فأخطأ رحله فطلبه فلم يجده فتيمم وصلى ففيه وجهان: قال أبو علي الطبري ﵀: لم تلزمه الإعادة لأنه غير مفرط في الطلب ومن أصحابنا من قال تلزمه لأنه فرط في حفظ الرحل فلزمته الإعادة.
فصل: وإن وجد بعض ما يكفيه للطهارة ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه استعمال ما معه ثم يتيمم لقوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] وهذا واجد للماء فيجب أن لا يتيمم وهو واجد له ولأنه مسح أبيح للضرورة فلا ينوب إلا في موضع
стр. 74
الضرورة كالمسح على الجبيرة وقال في القديم والإملاء: يقتصر على التيمم لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل كما تقول فيمن وجد بعض الرقبة في الكفارة.
فصل: وإن اجتمع ميت وجنب أو ميت وحائض انقطع دمها وهناك ما يكفي أحدهما فإن كان لأحدهما كان صاحبه أحق به لأنه محتاج إليه لنفسه فلا يجوز له بذله لغيره فإن بذله للآخر وتيمم لم يصح تيممه وإن كان الماء لهما كانا فيه سواء وإن كان الماء مباحاً أو لغيرهما وأراد أن يجود على أحدهما فالميت أولى لأنه خاتمة طهارته والجنب والحائض يرجعان إلى الماء ويغتسلان وإن اجتمع ميت وحي على بدنه نجاسة والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان: أحدهما أن صاحب النجاسة أولى لأنه ليس لطهارته بدل ولطهارة الميت بدل وهو التيمم فكان صاحب النجاسة أحق بالماء والثاني أن الميت أولى وهو ظاهر المذهب لأنه خاتمة طهارته وإن اجتمع حائض وجنب والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان: قال أبو إسحاق ﵀: الجنب أولى لأن غسله منصوص عليه في القرآن ومن أصحابنا من قال إن الحائض أولى لأنها تستبيح بالغسل ما يستبيح الجنب وزيادة وهو الوطء فكانت أولى وإن اجتمع جنب ومحدث وهناك ماء يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أولى لأن حدثه يرتفع به ولا يرتفع به حدث الجنب وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل عنه شيء ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض بدنه ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن الجنب أولى لأنه يستعمل جميع الماء بالإجماع فإذا دفعناه إلى المحدث بقي ماء مختلف في وجوب استعماله في الجنابة والثاني أن المحدث أولى لأن فيه تشريكاً بينهما في الماء والثالث أنهما سواء فيدفع الماء إلى من شاء منهما لأنه يرفع حدث كل واحد منهما ويستعمله كل واحد منهما بالإجماع.
فصل: وإن لم يجد ماء ولا تراباً صلى على حسب حاله وأعاد الصلاة لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة واستقبال القبلة والقيام والقراءة
فصل: وأما الخائف من استعمال الماء فهو أن يكون به مرض أو قروح يخاف معها من استعمال الماء أو في برد شديد يخاف من استعمال الماء فينظر فيه فإن خاف التلف من استعمال الماء جاز له التيمم لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] قال ابن عباس ﵁: إذا
стр. 75
كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قروح أو جدري فيجنب فيخاف أن يغتسل فيموت فإنه يتيمم بالصعيد وروي عن عمرو بن العاص ﵀ أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح فذكرت ذلك للنبي فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فقلت سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] ولم ينكر عليه النبي ﷺ وإن خاف الزيادة في المرض وإبطاء البرء قال في الأم: لا يتيمم وقال في القديم والبويطي والإملاء: يتيمم إذا خاف الزيادة فمن أصحابنا من قال هما قولان: أحدهما يتيمم لأنه يخاف الضرر من استعمال الماء فأشبه إذا خاف التلف والثاني لا يجوز لأنه واجد للماء لا يخاف التلف من استعماله فأشبه إذا خاف أنه يجد البرد ومنهم من قال لا يجوز قولاً واحداً وما قال في القديم والبويطي والإملاء محمول على ما إذا خاف زيادة مخوفة وحكى أبو علي في الإفصاح طريقاً آخر أنه تيمم قولاً واحداً وإن خاف من استعمال الماء شيئاً فاحشاً في جسمه فهو كما لو خاف الزيادة في المرض لأنه يألم قلبه بالشين الفاحش كما يألم قلبه بزيادة المرض وإن كان في بعض بدنه قرح يخاف من استعمال الماء فيه التلف غسل الصحيح وتيمم عن الجريح وقال أبو إسحاق يحتمل قولاً آخر أنه يقتصر على التيمم كما لو عجز عن الماء في بعض بدنه للإعواز والأول أصح لأنه العجز هناك ببعض الأصل وههنا العجز ببعض البدن وحكم الأمرين مختلف ألا ترى أن الحر إذا عجز عن بعض الأصل في الكفارة جعل كالعاجز عن جميعه في الاقتصار على البدل ولو كان نصفه حراً ونصفه عبداً لم يكن العجز بالرق في البعض كالعجز في الجميع بل إذا ملك بنصفه الحر مالاً لزمه أن يكفر بالمال.
فصل: ولا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة وقال المزني: يجوز وهذا خطأ لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: من السنة أن لا يصلي