يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحو من ستة أذرع فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم يمشي حتى يصعد المروة لما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه فإذا صعد مشى حتى يأتي المروة والمستحب أن يقول بين الصفا والمروة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبي ﷺ قال ذلك فإن ترك السعي ومشى في الجميع جاز لما روي أن ابن عمر ﵁ كان يمشي بين الصفا والمروة وقال: إن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير وإن سعى راكباً جاز لما روى جابر قال: طاف النبي ﷺ في طواف حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس ويسألوه والمستحب إذا صعد المروة أن يفعل مثل ما فعل على الصفا لما روى جابر أن النبي ﷺ فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا قال في الأم: فإن سعى بين الصفا والمروة ولم يرق عليهما أجزأه وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يجزئه حتى يرقى عليهما ليتيقن أنه استوفى السعي بينهما وهذا لا يصح لأن المستحق هو السعي بينهما وقد فعل ذلك وإن كانت امرأة ذات جمال فالمستحب أن تطوف وتسعى ليلاً فإن فعلت ذلك نهاراً مشت في موضع السعي وإن اقيمت الصلاة أو عرض عارض قطع السعي فإذا فرغ بنى لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ ثم قام فأتم على ما مضى.
فصل: ويخطب الإمام اليوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر بمكة ويأمر الناس بالغدو من الغد إلى منى وهي إحدى الخطب الأربع المسنونة في الحج والدليل عليه ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم ويخرج إلى منى في اليوم الثامن ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويثبت بها إلى أن يصلي الصبح لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى يوم التروية بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة فإذا طلعت الشمس سار إلى الموقف لما روى جابر ﵁ قال: ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ثم ركب فأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها فإذا زالت الشمس
стр. 457
خطب الإمام وهي الخطبة الثانية من الخطب الأربع فيخطب خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم إلى الثانية ويبتدئ المؤذن بالأذان حتى يكون فراغ الإمام مع فراغ المؤذن لما روي أن سالم بن عبد الله قال للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر ﵄: صدق ثم يصلي الظهر والعصر اقتداء برسول الله ﷺ .
فصل: ثم يروح إلى عرفة ويقف والوقوف ركن من أركان الحج لما روى عبد الرحمن الديلي أن رسول الله ﷺ قال: "الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج١" والمستحب أن يغتسل لما روى نافع أن ابن عمر ﵄ كان يغتسل إذا راح إلى عرفة ولأنه قربة يجتمع بها الخلق في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيد ويصح الوقوف في جميع عرفة لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "عرفة كلها موقف٢" والأفضل أن يقف عند الصخرات لأن رسول الله ﷺ وقف عند الصخرات وجعل بطن ناقته إلى الصخرات ويستحب أن يستقبل القبلة لأن النبي ﷺ استقبل القبلة ولأنه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى لأن النبي ﷺ قال: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ويستحب الإكثار من الدعاء وأفضله لا إله إلا الله وحده لا شريك له لما روى طلحة بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة وافضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله
стр. 458
وحده لا شريك له١" ويستحب أن يرفع يديه لما روى ابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ترفع الأيدي عند الموقفين" يعني عرفة والمشعر الحرام وهل الأفضل أن يكون راكباً أم لا؟ فيه قولان: قال في الأم: النازل والراكب سواء وقال في القديم والإملاء: الوقوف راكباً أفضل وهو الصحيح لأن رسول الله ﷺ وقف راكباً ولأن الراكب أقوى على الدعاء فكان الركوب أولى ولهذا كان الإفطار بعرفة أفضل لأن المفطر أقوى على الوقوف والدعاء وأول وقته إذا زالت الشمس لما روي أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال وقد قال ﷺ خذوا عني مناسككم وآخر وقته إلى أن يطلع الفجر الثاني لحديث عبد الرحمن الديلي فإن حصل بعرفة في وقت الوقوف قائماً أو قاعداً أو مجتازاً فقد أدرك الحج لقوله ﷺ : "من صلى هذه الصلاة معنا وقد قام قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" وإن وقف وهو مغمى عليه لم يدرك الحج وإن وقف وهو نائم فقد أدرك الحج لأن المغمى عليه ليس من أهل العبادات والنائم من أهل العبادات ولهذا لو أغمي عليه في جميع نهار الصوم لم يصح صومه وإن نام في جميع النهار صح صومه وإن وقف وهو لا يعلم أنه عرفة فقد أدرك لأنه وقف بها وهو مكلف فأشبه إذا علم أنها عرفة والسنة أن يقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس لما روى علي كرم الله وجهه قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة ثم أفاض حين غابت الشمس فإن دفع منها قبل الغروب نظرت فإن رجع إليها قبل طلوع الفجر لم يلزمه شيء لأنه جمع في الوقوف بين الليل والنهار فأشبه إذا أقام بها إلى أن غربت الشمس فإن لم يرجع قبل طلوع الفجر أراق دماً وهل يجب ذلك أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما يجب لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك نسكاً فعليه دم" لأنه نسك يختص بمكان فجاز أن يجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات والثاني أنه يستحب لأنه وقف في إحدى زماني الوقوف فلا يلزمه دم للزمان الآخر كما لو وقف في الليل دون النهار.
فصل: وإذا غربت الشمس دفع إلى المزدلفة لحديث علي كرم الله وجهه ويمشي
стр. 459
وعليه السكينة لما روى الفضل ابن العباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا "عليكم بالسكينة" فإذا وجد فرجة أسرع لما روى أسامة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ويجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة على ما بيناه في كتاب الصلاة فإن صلى كل واحدة منهما في وقتها جاز لأن الجمع رخصة لأجل السفر فجاز له تركه ويثبت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني لما روى جابر أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء واضجع حتى إذا طلع الفجر صلى الفجر وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر١" وهل يجب المبيت بمزدلفة أم لا؟ فيه قولان: أحدهما يجب لأنه نسك مقصود في موضع فكان واجباً كالرمي والثاني أنه سنة لأنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة فإن قلنا إنه يجب وجب تركه الدم وإن قلنا أنه سنة لم يجب بتركه الدم ويستحب أن يؤخذ منها
стр. 460
حصى جمرة العقبة لما روى الفضل بن العباس أن النبي ﷺ قال غداة يوم النحر القط لي حصى فلقطت له حصيات مثل حصى الحذف ولأن السنة إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمي فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشغل عن الرمي وإن أخذ الحصى من غيرها جاز لأن الاسم يقع عليه ويصلي الصبح بالمزدلفة في أول الوقت وتقديمها أفضل لما روى عبد الله قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها ولأنه يستحب الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر الدعاء فإن صلى وقف على قزح وهو المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويدعو الله تعالى لما روى جابر أن النبي ﷺ ركب القصواء حتى رقى على المشعر الحرام واستقبل القبلة فدعا الله وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس والمستحب أن يدفع قبل طلوع الشمس لحديث جابر فإن أخر الدفع حتى طلعت الشمس كره لما روى المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: "كانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس على رؤوس الجبال كأنهم عمائم الرجال في وجوههم وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ليخالف هدينا هدي أهل الأوثان والشرك" فإن قدم الدفع بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز لما روت عائشة ﵂ أن سودة ﵂ كانت امرأة ثبطة فاستأذنت سول الله ﷺ في تعجيل
стр. 461
الإفاضة ليلاً في ليلة المزدلفة فإذن لها والمستحب إذا دفع من المزدلفة أن يمشي وعليه السكينة لما ذكرناه من حديث الفضل بن العباس وإذا وجد فرجة أسرع كما يفعل في الدفع من عرفة والمستحب إذا بلغ وادي محسر أن يسرع إن كان ماشياً ويحرك دابته إذا كان راكباً بقدر رمية حجر لما روى جابر أن النبي ﷺ حرك قليلاً في وادي محسر.
فصل: وإذا أتى منى بدأ برمي مرة العقبة وهو من واجبات الحج لما روي أن النبي ﷺ رمى وقال خذوا عني مناسككم والمستحب أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث بضعفة أهله فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وإن رمى بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر أجزأه لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ﵂ يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ عندها والمستحب أن يرمي من بطن الوادي وأن يكون راكباً وأن يكبر مع كل حصاة لما روت أم سليم ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب وهو يكبر مع كل حصاة والمستحب أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه لأن ذلك أعون على الرمي ويقطع التلبية مع أول حصاة لما روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ جعل يلبي حتى رمى حتى رمى جمرة العقبة ولأن التلبية للإحرام فإذا رمى فقد شرع في التحلل فلا معنى للتلبية ولا يجوز الرمي إلا بالحجر فإن رمى بغيره من مدر أو حذف لم يجزه لأنه لا يقع عليه اسم الحجر والمستحب أن يرمي بمثل حصى الخذف وهو بقدر الباقلا لما روى الفضل بن العباس أن النبي ﷺ قال عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بمثل حصى الخذف فإن رمى بحجر كبير أجزأه لأنه يقع عليه اسم الحجر ولا يرمي بحجر قد رمى به لأن ما قبل منها يرفع ومالا يقبل منها يترك والدليل عليه ما روى أبو سعيد قال: قلنا يا رسول الله: إن هذه الجمار ترمى كل عام فنحسب أنها تنقص قال: أما إنه ما يقبل منها يرفع ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال فإن رمى بما رمى به أجزأه لأنه يقع عليه الاسم ويجب أن يرمي فإن أخذ الحصاة وتركها في المرمى لم يجزه لأنه لم يرم ويجب أن يرميها واحدة واحدة لأن النبي ﷺ رمى واحدة واحدة وقال: ﴿خذوا عني
стр. 462
مناسككم﴾ ويجب أن يقصد بالرمي إلى المرمى فإن رمى حصاة في الهواء فوقع في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى وإن رمى حصاة فوقعت على الأخرى ووقعت الثانية في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد رمي الثانية وإن رمى حصاة فوقعت على محمل أو أرض فازدلفت ووقعت على المرمى أجزأه لأنه حصل في المرمى بفعله وإن رمى فوق المرمى فتدحرج لتصويب المكان الذي أصابه فوقع في المرمى ففيه وجهان: أحدهما أنه يجزئه لأنه لم يوجد في حصوله في المرمى فعل غيره والثاني لا يجزئه لأنه لم يقع في المرمى بفعله وإنما أعان عليه تصويب المكان فصار كما لو وقع في ثوب رجل فنفضه حتى وقع في المرمى.
فصل: وإذا فرغ من الرمي ذبح هدياً إذا كان معه لما روى جابر أن رسول الله ﷺ رمى بسبع حصيات من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ويجوز النحر في جميع منى لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: مى كلها منحر.
فصل: ثم يحلق لما روى أنس قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شكه الأيمن فحلقه ثم أعطاه شقه الأيسر فحلقه فإن لم يحلق وقصر جاز لما روى جابر أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا والحلق افضل لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "رحم الله المحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال: "رحم الله المحلقين" قالوا يا رسول الله والمقصرين قال في الرابعة "والمقصرين" وأقل ما يحلق ثلاث شعرات لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فأشبهه الجميع والأفضل أن يحلق الجميع لحديث أنس وإن كان أصلع فالمستحب أن يمر الموسى على رأسه لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال في الأصلع يمر الموسى على رأسه ولا يجب ذلك لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته كغسل اليد إذا قطعت وإن كانت امرأة قصرت ولم تحلق لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير ولأن الحلق في النساء مثلة فلم يفعل وهل الحلاق نسك أو استباحة محظور؟ فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بنسك لأنه محرم في الإحرام فلم يكن نسكاً كالطيب والثاني أنه نسك وهو الصحيح لقوله ﷺ : "رحم الله المحلقين" فإن حلق قبل الذبح جاز لما روى عبد الله بن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى
стр. 463
فجاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت رأسي قبل أن أذبح فقال اذبح ولا حرج فجاء آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: "إرم ولا حرج" فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال إفعل ولا حرج فإن حلق قبل الرمي فإن قلنا إن الحلق نسك جاز لما روى ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل حلق قبل أن يذبح أو قبل أن يرمي يقول: "لا حرج لا حرج" وإن قلنا إنه استباحة محظور لم يجز لأنه فعل محظور فلم يجز قبل الرمي من غير عذر كالطيب.
فصل: والسنة أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى وهي أحد الخطب الأربع ويعلم الناس الإفاضة والرمي وغيرهما من المناسك لما روى ابن عمر ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر بعد رميه الجمرة فكان في خطبته: "إن هذا يوم الحج الأكبر" ولأن في هذا اليوم وما بعده مناسك تحتاج إلى العلم بها فسن فيه الخطبة لذلك.
فصل: ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ رمى الجمرة ثم ركب فأفاض إلى البيت وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به والأصل فيه قوله ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وروت عائشة أن صفية ﵄ حاضت فقال ﷺ : "أحابستنا هي"؟ فقلت يا رسول الله إنها قد أفاضت فقال: "فلا إذاً" فدل على أنه لابد من فعله وأول وقته إذا انتصفت ليلة النحر لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ﵂ يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت والمستحب أن يطوف يوم النحر لأن النبي ﷺ طاف يوم النحر فإن أخره إلى بعده وطاف جاز لأنه أتى به بعد دخول الوقت.
فصل: وإذا رمى وحلق وطاف حصل له التحلل الأول والثاني وبأي شيء حصل التحلل؟ إن قلنا إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول باثنتين من ثلاثة وهي الرمي والحلق والطواف وحصل له الخلل الثاني بالثالث وإن قلنا إن الحلق ليس بنسك حصل
стр. 464
له التحلل الأول بواحد من اثنين الرمي والطواف وحصل له التحلل الثاني بالثاني وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا دخل وقت الرمي حصل له التحلل الأول وإن لم يرم كما إذا فات وقت الرمي حصل له التحلل الأول وإن لم يرم والمذهب الأول لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" فعلق التحلل بفعل الرمي ولأن ما تعلق به التحلل لم يتعلق بدخول وقته كالطواف ويخالف إذا فات فإن بفوات الوقت يسقط فرض الرمي كما يسقط بفعله وبدخول الوقت لا يسقط الفرض فلم يحصل به التحلل وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان: أحدهما وهو الصحيح أنه يحل بالأول جميع المحظورات إلا الوطء وبالثاني يحل الوطء لحديث عائشة ﵂ والقول الثاني أنه يحل بالأول كل شيء إلا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء وقتل الصيد لما روى مكحول عن عمر ﵁ أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد أحل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء والصيد والصحيح هو الأول لأن حديث عمر مرسل ولأن السنة مقدمة عليه هذا إذا كان قد سعى عقيب طواف القدوم فأما إذا لم يسع وقف التحلل على الطواف والسعي لأن السعي ركن كالطواف.
فصل: وإذا فرغ من الطواف رجع إلى منى وأقام بها أيام التشريق يرمي في كل يوم الجمرات الثلاث كل جمرة بسبع حصيات فيرمي الجمرة الأولى وهي التي مسجد الخيف ويقف قدر سورة البقرة يدعو الله ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف ويدعو كما ذكرناه ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة ولا يقف عندها لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أقام بمكة حتى صلى الظهر ثم رجع إلى منى فأقام بها أيام التشريق الثلاث يرمي الجمار فيرمي الجمرة الأولى إذا زالت الشمس بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يقف ويدعو ثم يأتي الجمرة الثانية فيقول مثل ذلك ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها ولا يقف عندها ولا يجوز أن يرمي الجمار في هذه الأيام الثلاثة إلا مرتباً بالأولى ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة لأن النبي ﷺ رمى هكذا وقال: ﴿خذوا
стр. 465
عني منسككم﴾ فإن نسي حصاة ولم يعلم من أي الجمار تركها جعلها من الجمرة الأولى ليسقط الفرض بيقين ولا يجوز الرمي في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال لأن عائشة ﵂ قالت: أقام رسول الله ﷺ أيام التشريق الثلاثة يرمي الجمار الثلاث حين تزول الشمس فإن ترك الرمي في اليوم الثالث سقط الرمي لأنه فات أيام الرمي ويجب عليه دم لقوله ﷺ : "من ترك نسكاً فعليه دم" فإن ترك الرمي في اليوم الأول إلى اليوم الثاني أو ترك الرمي في اليوم الثاني إلى الثالث فالمشهور من المذهب أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد فما ترك في الأول يرميه في اليوم الثاني وما تركه في اليوم الثاني يرميه في اليوم الثالث والدليل عليه أنه يجوز لرعاة الإبل أن يؤخروا رمي يوم إلى يوم بعده فلو لم يكن اليوم الثاني وقتاً لرمي اليوم الأول لما جاز الرمي فيه وقال في الإملاء: رمي كل يوم مؤقت بيومه والدليل عليه أنه رمي مشروع في يوم ففات بفواته كرمي اليوم الثالث فإن تدارك عليه رمي يومين أو ثلاثة أيام فإن قلنا بالمشهور بدأ ورمي عن اليوم الأول ثم عن اليوم الثاني ثم عن اليوم الثالث فإن نوى بالرمي الأول عن اليوم الثاني ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجزئه لأنه ترك الترتيب والثاني أنه يجزئه عن الأول لأن الرمي مستحق عن اليوم الأول فانصرف إليه كما لو طاف بنية الوداع وعليه طواف الفرض وإن قلنا بقوله في الإملاء إن رمي كل يوم موقت بيومه وفات اليوم ولم يرم ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الرمي يسقط وينتقل إلى الدم كاليوم الخير والثاني أنه يرمي ويريق دماً للتأخير كما لو أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فإنه يصوم ويفدي والثالث أنه يرمي ولا شيء عليه كما لو ترك الوقوف بالنهار فإنه يقف بالليل ولا دم عليه فعلى هذا إذا رمى عن اليوم الثاني قبل اليوم الأول جاز لأنه قضاء فلا يجب فيه الترتيب كصلوات الفائتة وأما إذا نسي رمي يوم النحر ففيه طريقان: من أصحابنا من قال هو كرمي أيام التشريق فيرمي رمى يوم النحر في أيام التشريق وتكون أيام التشريق وقتاً له وعلى قوله في الإملاء يكون على الأقوال الثلاثة ومن أصحابنا من قال يسقط رمي يوم النحر قولاً واحداً لأنه خالف رمي أيام التشريق في المقدار والمحل خالفه في الوقت ومن ترك
стр. 466
رمي الجمار الثلاث في يوم لزمه دم لقوله ﷺ : "من ترك نسكاً فعليه دم" فإن ترك ثلاث حصيات فعليه دم لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فصار كما لو ترك الجميع وإن ترك حصاة ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يجب عليه ثلث دم والثاني مد والثالث درهم وإن ترك حصاتين لزمه في أحد الأقوال ثلثاً دم وفي الثاني مدان وفي الثالث درهمان وإن ترك الرمي في أيام التشريق وقلنا بالقول المشهور إن الأيام كاليوم الواحد لزمه دم كاليوم الواحد فإن قلنا بقوله في الإملاء إن رمي كل يوم موقت لزمه ثلاثة دماء وإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق فإن قلنا إن رمي يوم النحر كرمي أيام التشريق لزمه على القول المشهور دم واحد وإن قلنا إنه ينفرد عن رمي أيام التشريق فإن قلنا إن رمي أيام التشريق كرمي اليوم الواحد لزمه دمان وإن قلنا إن رمي كل يوم موقت بيومه لزمه أربعة دماء.
فصل: ومن عجز عن الرمي بنفسه لمرض مأيوس منه أو غير مأيوس جاز أن يستنيب من يرمي عنه لأن وقته ضيق وربما فات قبل أن يرمي بخلاف الحج فإنه على التراخي فلا يجوز لغير المأيوس أن يستنيب لأنه قد يبرأ فيؤديه بنفسه والأفضل أن يضع كل حصاة في يد النائب ويكبر ويرمي النائب فإن رمى عنه النائب ثم بريء من المرض فالمستحب أن يعيد بنفسه وإن أغمي عليه فرمى عنه غيره فإن كان بغير إذنه لم يجزه وإن كان قد أذن له فيه قبل أن يغمى عليه جاز.
فصل: ويبيت بمنى ليال الرمي لأن النبي ﷺ فعل ذلك وهل يجب ذلك أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما أنه مستحب لأنه مبيت فلم يجب كالمبيت ليلة عرفة والثاني أنه يجب لأن النبي ﷺ رخص للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية فدل على أنه لا يجوز لغيره تركه فإن قلنا إنه يستحب لم يجب بتركه الدم وإن قلنا يجب وجب بتركه الدم فعلى هذا إذا ترك المبيت في الليالي الثلاث وجب عليه دم وإن ترك ليلة ففيه ثلاثة أقوال على ما ذكرناه في الحصاة.
فصل: ويجوز لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس ﵁ أن يدعو المبيت ليالي
стр. 467
منى ويرموا يوماً ويدعوا يوماً ثم يرموا ما فاتهم والدليل عليه ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ رخص للعباس أن يبيت بمكة ليلة منى من أجل سقايته وروى عاصم بن عدي أن النبي ﷺ رخص لرعاة الإبل في ترك البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون يوم النفر فإن أقام الرعاة إلى أن تغرب الشمس لم يجز لهم ترك المبيت وإن أقام أهل السقاية إلى أن تغرب الشمس جاز لهم ترك المبيت لأن حاجة أهل السقاية بالليل موجودة وحاجة الرعاة لا تكون بالليل لأن الراعي لا يكون بالليل ومن أبق له عبد ومضى في طلبه أو خاف أمراً يفوته ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يجوز له ما يجوز للرعاة وأهل سقاية العباس لأن النبي ﷺ رخص للرعي وأهل السقاية والثاني أنه يجوز لأنه صاحب عذر فأشبه الرعاة وأهل السقاية.
فصل: والسنة أن يخطب الإمام يوم النفر الأول وهو اليوم الأوسط من أيام التشريق وهي إحدى الخطب الأربع ويودع الحاج ويعلمهم جواز النفر ولأنه يحتاج فيه إلى بيان من يجوز له النفر ومن لا يجوز ومن أراد أن ينفر مع النفر الأول فنفر في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل غروب الشمس سقط عنه الرمي في اليوم الثالث ومن لم ينفر
стр. 468
حتى غربت الشمس لزمه أن يقيم حتى يرمي في اليوم الثالث لقوله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] وإن نفر قبل الغروب ثم عاد زائراً أو ليأخذ شيئاً نسيه لم يلزمه المبيت لأنه حصلت له الرخصة بالغفر فإن بات لم يلزمه أن يرمي لأنه لم يلزمه المبيت فلا يلزمه الرمي ويستحب إذا خرج من منى أن ينزل بالمحصب لما روى أنس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به فإن ترك النزول بالمحصب لم يؤثر ذلك في نسكه لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المحصب ليس بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ وقالت عائشة ﵂: نزول المحصب ليس من النسك إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ .
فصل: إذا فرغ من الحج فأراد المقام لم يكلف طواف الوداع فإن أراد الخروج طاف للوداع وصلى ركعتي الطواف للوداع وهل يجب طواف الوداع أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه يجب لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت١" والثاني لا يجب لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه فإن قلنا إنه واجب وجب بتركه الدم لقوله ﷺ : "من ترك نسكاً فعليه دم" وإن قلنا لا يجب لم يجب بتركه دم لأنه سنة فلا يجب بتركه دم كسائر سنن الحج وإن طاف الوداع ثم أقام لم يعتد بعد طوافه عن الوداع لأنه لا توديع مع المقام فإذا أراد أن يخرج أعاد طواف الوداع وإن طاف ثم صلى في طريقه أو اشترى زاداً لم يعد الطواف لأنه لا يصير بذلك مقيماً وإن نسي الطواف وخرج ثم ذكر فإن قلنا إنه واجب نظرت فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة استقر عليه دم فإن عاد وطاف لم يسقط الدم لأن الطواف الثاني للخروج الثاني فلا يجزئه عن الخروج الأول فإن ذكر وهو على مسافة لا تقصر فيها الصلاة فعاد وطاف سقط عنه الدم لأنه في حكم المقيم ويجوز للحائض أن تنفر بلا وداع لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض فإن نفرت الحائض ثم طهرت فإن كانت في بنيان مكة عادت وطافت وإن خرجت من البنيان لم يلزمها الطواف فإذا
стр. 469
فرغ من طواف الوداع فالمستحب أن يقف في الملتزم وهو ما بين الركن والباب فيدعو ويقول: اللهم إن البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى وإلا فمن الآن قبل أن ينأى عن بيتك داري هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم أصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني فإنه قد روي ذلك عن بعض السلف ولأنه دعاء يليق بالحال ثم يصلي على النبي ﷺ .
فصل: وإن كان محرماً بالعمرة وحدها وأراد دخول مكة فعلى ما ذكرناه في الدخول للحج فإذا دخل مكة طاف وسعى وحلق وذلك جميع أفعال العمرة والدليل عليه ما روت عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل رسول الله ﷺ بالحج فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة وأما من أهل بالحج والعمرة فلم يحلوا إلا يوم النحر فإن كان قارناً بين الحج والعمرة فعل ما يفعله المفرد بالحج فيقتصر على طواف واحد وسعي واحد والدليل عليه ما روي أن النبي ﷺ قال: من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد ولأنه يدخل فيهما بتلبية واحدة ويخرج منهما بحلاق واحد فوجب أن يطوف لهما طوافاً واحداً ويسعى لهما سعياً واحداً كالمفرد بالحج.
فصل: وأركان الحج أربعة: الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة والسعي
стр. 470
بين الصفا والمروة وواجباته الإحرام من الميقات والرمي والوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى في ليالي الرمي وفي طواف الوداع قولان: أحدهما أنه واجب والثاني أنه ليس بواجب وسنته الغسل وطواف القدوم والرمل والاضطباع في الطواف والسعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق فمن ترك ركناً لم يتم نسكه ولم يتحلل حتى يأتي به ومن ترك واجباً لزمه الدم ومن ترك سنة لم يلزمه شيء.
فصل: ويستحب دخول البيت لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له" ويستحب أن يصلي فيه لما روى ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإنه أفضل بمائة صلاة١" ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما روي أن النبي ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له٢".
فصل: ويستحب إذا خرج من مكة أن يخرج من أسفلها لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة من أعلاها وخرج من أسفلها قال أبو عبد الله الزبيري: ويخرج وبصره إلى البيت حتى يكون آخر عهده بالبيت.
فصل: ويستحب زيارة قبر رسول الله ﷺ لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" ويستحب أن يصلي في مسجد رسول الله ﷺ لقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد" وبالله التوفيق.
стр. 471
باب الفوات والإحصار
من أحرم بالحج ولم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بعمل عمرة وهي الطواف والسعي والحلق ويسقط عنه المبيت والرمي
стр. 472
وقال المزني: لا يسقط المبيت والرمي كما لا يسقط الطواف والسعي وهذا خطأ لما روى الأسود عن عمر ﵁ أنه قال لمن فاته الحج: تحلل بعمل عمرة وعليك الحج من قابل وهدي ولأن المبيت والرمي من توابع الوقوف ولهذا لا يجب على المعتمر حين لم يجب عليه الوقوف وقد سقط الوقوف ههنا فسقطت توابعه بخلاف الطواف والسعي فإنهما غير تابعين للوقوف فبقي فرضهما ويجب عليه القضاء لحديث عمر ﵁ ولأن الوقوف معظم الحج والدليل عليه قوله ﷺ : "الحج عرفة" وقد فاته ذلك فوجب قضاؤه وهل يجب القضاء على الفور أم لا؟ فيه وجهان كما ذكرناه فيمن أفسد الحج ويجب هدي لقول عمر ﵁ ولأنه تحلل من الإحرام قبل التمام فلزمه الهدي كالمحصر ومتى يجب الهدي فيه وجهان: أحدهما يجب مع القضاء لقول عمر ﵁ ولأنه كالمتمتع ودم التمتع لا يجب إلا إذا أحرم بالحج والثاني يجب في عامه كدم الإحصار فإن أخطأ الناس فوقفوا في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر لم يجب عليهم القضاء لأن الخطأ في ذلك إنما يكون بأن يشهد اثنان برؤية الهلال قبل الشهر بيوم فوقفوا يوم الثامن بشهادتهما ثم بان كذبهما أو غم عليهم الهلال فوقفوا يوم العاشر ومثل هذا لا يؤمن في القضاء فسقط.
فصل: ومن أحرم فأحصره عدو نظرت فإن كان العدو من المسلمين فالأولى أن يتحلل ولا يقاتله لأن التحلل أولى من قتال المسلمين وإن كان من المشركين لم يجب عليه القتال لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدءوا بالحرب وإن كان بالمسلمين ضعف وفي العدو قوة فالأولى أن لا يقابلهم لأنه ربما انهزم المسلمون فيلحقهم وهن وإن كان في المسلمين قوة وفي المشركين ضعف فالأفضل أن يقاتلهم ليجمع بين نصرة الإسلام وإتمام الحج فإن طلبوا مالاً لم يجب إعطاء المال لأن ذلك ظلم ولا يجب الحج مع احتمال الظلم فإن كانوا مشركين كره أن يدفع إليهم لأن في ذلك صغاراً على الإسلام
стр. 473
فلا يجب احتماله من غير ضرورة وإن كانوا مسلمين لم يكره
فصل: وإن أحصره العدو عن الوقوف أو الطواف أو السعي فإن كان له طريق آخر يمكنه الوصول منه إلى مكة لم يجز له التحلل قرب أو بعد لأنه قادر على أداء النسك فلا يجوز له التحلل بل يمضي ويتم النسك وإن سلك الطريق الآخر ففاته الحج تحلل بعد عمرة وفي القضاء قولان: أحدهما يجب عليه لأنه فاته الحج فأشبه إذا أخطأ العدد والثاني لا يجب عليه لأنه تحلل من غير تفريط فلم يلزمه القضاء كما لو تحلل بالإحصار فإن أحصر ولم يكن له طريق آخر جاز له أن يتحلل لقوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ولأن النبي ﷺ أحصره المشركون في الحديبية فتحلل ولأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام ربما طال الحصر سنين فتلحقه المشقة العظيمة في البقاء على الإحرام وقد قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] فإن كان الوقت واسعاً فالأفضل أن لا يتحلل لأنه ربما زال الحصر وأتم النسك وإن كان الوقت ضيقاً فالأفضل أن يتحلل حتى لا يفوته الحج فإن اختار التحلل نظرت فإن كان واجداً للهدي لم يجز له أن يتحلل حتى يهدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] فإن كان في الحرم ذبح الهدي فيه وإن كان في غير الحرم ولم يقدر على الوصول إلى الحرم ذبح الهدي حيث أحصر لأن النبي ﷺ نحر هديه بالحديبية وهي خارج الحرم وإن قدر على الوصول إلى الحرم ففيه وجهان: أحدهما إنه يجوز أن يذبح في موضعه لأنه موضع تحلله فجاز فيه الذبح كما لو أحصر في الحرم والثاني لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم لأنه قادر على الذبح في الحرم فلا يجوز أن يذبح في غيره كما لو أحصر فيه ويجب أن ينوي بالهدي التحلل لأن الهدي قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره فوجب أن ينوي ليميز بينهما ثم يحل لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحالت كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية فإن قلنا إن الحلق نسك حصل له التحلل بالهدي والنية والحلق وإن قلنا إنه ليس بنسك حصل له التحلل بالنية والهدي وإن كان عادماً للهدي ففيه قولان: أحدهما لا بدل للهدي لقوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] فذكر الهدي ولم يذكر له بدلاً ولو كان بدل لذكره كما ذكره في جزاء الصيد والقول الثاني له بدل لأنه دم يتعلق وجوبه بالإحرام فكان له بدل كدم التمتع فإن قلنا لا بدل للهدي فهل يتحلل فيه قولان: أحدهما لا يتحلل حتى يجد الهدي لأن الهدي شرط في التحلل فلا يجوز التحلل قبله والثاني أنه يتحلل لأنا لو ألزمناه البقاء على
стр. 474
الإحرام إلى أن يجد الهدي أدى ذلك إلى المشقة فإن قلنا له بدل ففي بدله ثلاثة أقوال: أحدها الإطعام والثاني الصيام والثالث أنه مخير بين الصيام والإطعام وإن قلنا إن بدله الإطعام ففي الإطعام وجهان: أحدهما إطعام التعديل كالإطعام في جزاء الصيد لأنه أقرب إلى الهدي ولأنه يستوفي قيمة الهدي والثاني إطعام فدية الأذى لأنه وجب للترفه فهو كفدية الأذى وإن قلنا إن بدله الصوم ففي صومه ثلاثة أوجه أحدها صوم التمتع لأنه وجب للتحلل كما وجب صوم التمتع للتحلل بين الحج والعمرة في أشهر الحج والثاني صوم التعديل لأن ذلك أقرب إلى الهدي لأنه يستوفي قيمة الهدي ثم يصوم عن كل مد يوماً والثالث صوم فدية الأذى لأنه وجب للترفه فهو كصوم فدية الأذى فإن قلنا أنه مخير فهو بالخيار بين صوم فدية الأذى وبين إطعامها لأنا بينا أنه في معنى فدية الأذى فإن أوجبنا عليه الإطعام - وهو واجد - أطعم وتحلل وإن كان عادماً له فهل يتحلل أم لا يتحلل حتى يجد الطعام على القولين كما قلنا في الهدي وإن أوجبنا الصيام فهل يتحلل قبل أن يصوم؟ فيه وجهان: أحدهما لا يتحلل كما لا يتحلل بالهدي حتى يهدي والثاني يتحلل لأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام إلى أن يفرغ من الصيام أدى إلى المشقة لأن الصوم يطول فإذا تحلل نظرت فإن كان في حج تقدم وجوبه بقي الوجوب في ذمته وإن كان في تطوع لم يجب القضاء لأنه تطوع أبيح له الخروج منه فإذا خرج لم يلزمه القضاء كصوم التطوع وإن كان الحصر خاصاً بأن منعه غريمه ففيه قولان: أحدهما لا يلزمه القضاء كما لا يلزمه في الحصر العام والثاني يلزمه لأنه تحلل قبل الإتمام بسبب يختص به فلزمه القضاء كما لو ضل الطريق ففاته الحج وإن أحصر فلم يتحلل حتى فاته الوقوف نظرت فإن زال العذر وقدر على الوصول تحلل بعمل عمرة ولزمه القضاء وهدي للفوات وإن فاته والعذر لم يزل تحلل ولزمه القضاء وهدي للفوات وهدي للإحصار فإن أفسد الحج ثم أحصر تحلل لأنه إذا تحلل من الحج الصحيح فلأن يتحلل من الفاسد أولى فإن لم يتحلل حتى فاته الوقوف لزمه ثلاثة دماء: دم الفساد ودم الفوات ودم الإحصار ويلزمه قضاء واحد لأن الحج واحد.
فصل: ومن أحرم فأحصره غريمه وحبسه ولم يجد ما يقضي دينه فله أن يتحلل لأنه يشق البقاء على الإحرام كما يشق بحبس العدو وإن أحرم وأحصره المرض لم يجز له أن يتحلل لأنه لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذي هو فيه فلا يتحلل كمن ضل الطريق.
فصل: وإن أحرم العبد بغير إذن المولى جاز للمولى أن يحلله لأن منفعته مستحقة
стр. 475
له فلا يملك إبطالها عليه بغير رضاه فإن ملكه السيد مالاً وقلنا إنه يملك تحلل بالهدي وإن لم يملكه أو ملكه وقلنا إنه لا يملك فهو كالحر المعسر وهل يتحلل قبل الهدي أو الصوم على ما ذكرناه من القولين في الحر ومن أصحابنا من قال يجوز للعبد أن يتحلل قبل الهدي والصوم قولاً واحداً لأن على المولى ضرراً في بقائه على الإحرام لأنه ربما يحتاج أن يستخدمه في قتل صيد أو إصلاح طيب وإن أحرم بإذن المولى لم يجز له أن يحلله لأنه عقد لازم عقده بإذن المولى فلم يملك إخراجه منه كالنكاح وإن أحرم المكاتب بغير إذن المولى ففيه طريقان: أحدهما أنه على قولين بناء على القولين في سفره للتجارة ومن أصحابنا من قال له أن يمنعه قولاً واحداً لأن في سفر الحج ضرراً على المولى من غير منفعة وسفر التجارة فيه منفعة للمولى.
فصل: وإن أحرمت المرأة بغير إذن الزوج فإن كان في تطوع جاز له أن يحللها لأن حق الزوج واجب فلا يجوز إبطاله عليه بتطوع وإن كان في حجة الإسلام ففيه قولان: أحدهما أن له أن يحللها لأن حقه على الفور والحج على التراخي فقدم حقه والثاني أنه لا يملك لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه كالصوم والصلاة وإن أحرم الولد بغير إذن الأبوين فإن كان في حج فرض لم يجز لهما تحليله لأنه حج فرض فلم يجز إخراجه منه كالصوم والصلاة وإن كان في حج تطوع ففيه قولان: أحدهما يجوز لهما تحليله لأن النبي ﷺ قال لمن أراد أن يجاهد وله أبوان قال: "ففيهما فجاهد" فمنع من الجهاد لحقهما وهو فرض فدل على أن المنع من التطوع لحقهما أولى والثاني لا يجوز لأنها قربة لا مخافة عليه فيها فلا يجوز لهما تحليله منها كالصوم.
فصل: إذا أحرم وشرط التحلل لغرض صحيح مثل إن شرط أنه إذا مرض تحلل أو إذا ضاعت نفقته تحلل ففيه طريقان: أحدهما أنه لا يثبت الشرط لأنه عبادة لا يجوز الخروج منها بغير عذر فلم يجز التحلل منها بالشرط كالصلاة المفروضة والثاني أنه يثبت الشرط لما روى ابن عباس ﵄ أن ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب قالت: يا رسول الله إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أن أهل؟ قال أهلي واشترطي أن تحلي حيث حبستني فدل على جواز الشرط ومنهم من قال: يصح الشرط قولاً واحداً لأنه علق أحد القولين على صحة حديث ضباعة وقد صح حديث ضباعة فعلى هذا إذا شرط أنه إذا مرض تحلل لم يتحلل إلا بالهدي وإن شرط أنه إذا مرض صار حلالاً فمرض صار حلالاً ومن أصحابنا من قال لا يتحلل إلا بالهدي لأنه مطلق كلام الآدمي يحمل على ما تقرر في الشرع والذي تقرر بالشرع أنه لا يتحلل إلا بالهدي وأما إذا
стр. 476
شرط أنه يخرج منه إذا شاء أو يجامع فيه إذا شاء لم يجز لأنه خروج من غير عذر فلم يصح شرطه.
فصل: إذا أحرم ثم ارتد ففيه وجهان: أحدهما أنه يبطل إحرامه لأنه إذا بطل الإسلام الذي هو الأصل فلأن يبطل الإحرام الذي هو فرع أولى والثاني أنه لا يبطل كما لا يبطل بالجنون والموت فعلى هذا إذا رجع إلى الإسلام بنى عليه.
стр. 477
باب الهدي
يستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام وينحره ويفرقه لما روي أن رسول الله ﷺ أهدى مائة بدنة والمستحب أن يكون ما يهديه سميناً حسناً لقوله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] قال ابن عباس في تفسيرها: الاستسمان والاستحسان والاستعظام فإن نذر وجب عليه لأنه قربة فلزمه بالنذر فإن كان من الإبل والبقر فالمستحب أن يشعرها في صفحة سنامها الأيمن ويقلدها نعلين لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى الظهر في ذي الحليفة ثم أتي ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ثم سلت الدم عنها ثم قلدها نعلين ولأنه ربما اختلط بغيره فإذا أشعر وقلد تميز وربما ند فيعرف بالأشعار والتقليد فيرد وإن كان غنماً قلدها لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أهدى مرة غنماً مقلدة وتقلد الغنم خرب القرب لأن الغنم يثقل عليها حمل النعال ولا يشعرها لأن الإشعار لا يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها.
فصل: فإن كان تطوعاً فهو باق على ملكه وتصرفه إلى أن ينحر وإن كان نذراً زال ملكه عنه وصار للمساكين فلا يجوز له بيعه ولا إبداله بغيره لما روى ابن عمر رضي الله
стр. 478
عنهما أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أهديت نجيبة وأعطيت بها ثلثمائة دينار أفأبيعها وأبتاع بثمنها بدناً وأنحرها؟ قال: "لا ولكن انحرها إياها" فإن كل مما يركب جاز له أن يركبه بالمعروف إذا احتاج لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الحج:٣٣] وسئل جابر ﵁ عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها" فإن نقصت بالركوب ضمن النقصان وإن نتجت تبعها الولد وينحره معها سواء حدث بعد النذر أو قبله لما روي أن علياً ﵁ رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها ولأنه معنى يزيل الملك فاستتبع الولد كالبيع والعتق فإن لم يمكنه أن يمشي حمله على ظهر الأم لما روي أن عمر كان يحمل ولد البدنة إلى أن يضحي عليها ولا يشرب من لبنها إلا ما لا يحتاج إليه الولد لقول علي كرم الله وجهه ولأن اللبن غذاء الولد والولد كالأم فإذا لم يجز أن يمنع الأم علفها لم يجز أن يمنع الولد غذاءه وإن فضل عن الولد شيء فله أن يشربه لقوله : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الحج:٣٣] ولقول علي ﵁ والأولى أن يتصدق به وإن كان لها صوف نظرت فإن كان في تركه صلاح بأن يكون في الشتاء وتحتاج إليه للدفء لم يجزه لأنه ينتفع به الحيوان في دفع البرد عنه وينتفع به المساكين عند الذبح وإن كان الصلاح في جزه بأن يكون في وقت الصيف وقد بقي إلى وقت النحر مدة طويلة جزه لأنه يترفه به الهدي ويستمر فتنتفع به المساكين فإن أحصر نحره حيث أحصر كما قلنا في هدي المحصر وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه لأنه أمانة عنده فإذا هلكت من غير تفريط لم تضمن كالوديعة وإن أصابه عيب ذبحه وأجزأه لأن ابن الزبير أتى في هداياه بناقة عوراء فقال: إن كان أصابها بعد ما اشتريتموها فامضوها وإن كان أصابها قبل أن تشتروها فابدلوها ولأنه لو هلك جميعه لم يضمنه فإذا نقص بعضه لم يضمنه كالوديعة.
فصل: وإن عطب وخاف أن يهلك نحره وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته لما روى أبو قبيصة أن رسول الله ﷺ كان يبعث بالهدي ثم يقول: "إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من
стр. 479
رفقتك١" ولأنه هدي معكوف عن الحرم فوجب نحره مكانه كهدي المحصر وهل يجوز أن يفرقه على فقراء الرفقة؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز لحديث أبي قميصة ولأن فقراء الرفقة يتهمون في سبب عطبها فلم يطعموا منها والثاني يجوز لأنهم من أهل الصدقة فجاز أن يطعموا كسائر الفقراء فإن أخر ذبحه حتى مات ضمنه لأنه مفرط في تركه فضمنه كالمودع إذا رأى من يسرق الوديعة فسكت عنه حتى سرقها وإن أتلفها لزمه الضمان لأنه أتلف مال المساكين فلزمه ضمانه ويضمنه بأكثر المرين من قيمته أو هدي مثله لأنه لزمه الإراقة والتفرقة وقد فوت الجميع فلزمه ضمانهما كما لو أتلف شيئين فإن كانت القيمة مثل ثمن مثله اشترى مثله وأهداه وإن كانت أقل لزمه أن يشتري مثله ويهديه وإن كانت أكثر من ذلك نظرت فإن كان يمكنه أن يشتري به هديين اشتراهما وإن لم يمكنه اشترى هدايا وفيما يفضل ثلاثة أوجه: أحدها يشتري به جزءاً من حيوان ويذبح لأن إراقة الدم مستحقة فإذا أمكن لم يترك والثاني أنه يشتري به اللحم لأن اللحم والإراقة مقصودان والإراقة تشق فسقطت والتفرقة لا تشق فلم تسقط والثالث أن يتصدق بالفاضل لأنه إذا سقطت الإراقة كان اللحم والقيمة واحداً وإن أتلفها أجنبي وجبت عليه القيمة فإن كانت القيمة مثل ثمن مثلها اشترى بها مثلها وإن كانت أكثر ولم تبلغ ثمن مثلين اشترى المثل وفي الفاضل الأوجه الثلاثة وإن كانت أقل من ثمن المثل ففيه الأوجه الثلاثة وإن كان الهدي الذي نذره اشتراه ووجد به عيباً بعد النذر لم يجز له الرد بالعيب لأنه قد أيس من الرد لحق الله ويرجع بالأرض ويكون الأرش للمساكين لأنه بدل عن الجزء الفائت الذي التزمه بالنذر فإن لم يمكنه أن يشتري به هدايا ففيه الأوجه الثلاثة.
فصل: وإن ذبحه أجنبي بغير إذنه أجزأه عن النذر لأن ذبحه لا يحتاج إلى قصده فإذا فعله بغير إذنه وقع الموقع كرد الوديعة وإزالة النجاسة ويجب على الذابح ضمان ما بين قيمته حياً ومذبوحاً ولأنه لو أتلفه ضمنه فإذا ذبحه ضمن نقصانه كشاة اللحم وفيما يؤخذ منه الأوجه الثلاثة.
فصل: وإن كان في ذمته هدي فعينه بالنذر في هدي تعين لأن ما وجب معيناً جاز أن يتعين به ما في الذمة كالبيع ويزول ملكه عنه فلا يملك بيعه ولا إبداله كما قلنا فيما أوجبه بالنذر فإن هلك بتفريط أو بغير تفريط رجع الواجب إلى ما في الذمة كما لو كان عليه دين فباع به عيناً ثم هلكت العين قبل التسليم فإن الدين يرجع إلى الذمة وإن حدث
стр. 480
به عيب يمنع الإجزاء لم يجزه عما في الذمة لأن الذي في الذمة سليم فلم يجزه عنه معيب وإن عطب فنحره عاد الواجب إلى ما في الذمة وهل يعود ما نحره إلى ملكه فيه وجهان: أحدهما يعود إلى ملكه لأنه إنما نحره ليكون عما في ذمته فإذا لم يقع عما في ذمته عاد إلى ملكه والثاني أنه لا يعود لأنه صار للمساكين فلا يعود إليه فإن قلنا إنه يعود إلى ملكه جاز له أن يأكله ويطعم من شاء ثم ينظر فيه فإن كان الذي في ذمته مثل الذي عاد إلى ملكه نحر مثله في الحرم وإن كان أعلى مما ذمته ففيه وجهان: أحدهما يهدي مثل ما نحر لأنه قد تعين عليه فصار ما في ذمته زائداً فلزمه نحر مثله والثاني أنه يهدي مثل الذي كان في ذمته لأن الزيادة فيما عينه وقد هلك من غير تفريط فسقط وإن نتجت فهل يتبعها ولدها أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما أنه يتبعها وهو الصحيح لأنه تعين بالنذر فصار كما لو وجب في النذر والثاني لا يتبعها لأنه غير مستقر لأنه يجوز أن يرجع إلى ملكه بعيب يحدث به بخلاف ما وجب بنذره لأن ذلك لا يجوز أن يعود إلى ملكه بنذره والله أعلم.
стр. 481
باب الأضحية
الأضحية سنة لما روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يضحي بكبشين قال أنس: وأنا أضحي بهما وليست بواجبة لما روي أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان مخافة أن يرى ذلك واجباً.
فصل: ويدخل وقتها إذا مضى بعد دخول وقت صلاة الأضحى قدر ركعتين وخطبتين فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه لما روى البراء بن عازب ﵁ قال: خطب النبي ﷺ يوم النحر بعد الصلاة فقال: "من صلى صلاتنا هذه ونسك نسكنا فقد أصاب سنتنا ومن نسك قبل صلاتنا فذلك شاة لحم فليذبح مكانها١" واختلف أصحابنا في مقدار الصلاة فمنهم من اعتبر قدر صلاة رسول الله ﷺ وهي ركعتان يقرأ فيهما (ق - واقتربت الساعة) وقدر خطبتيه ومنهم من اعتبر قدر ركعتين خفيفتين وخطبتين خفيفتين ويبقى
стр. 482
وقتها إلى آخر أيام التشريق لما روى جيبر بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أيام التشريق أيام ذبح" فإن لم يضح حتى مضت أيام التشريق نظرت فإن كان ما يضحي تطوعاً لم يصح لأنه ليس بوقت لسنة الأضحية وإن كان نذر لزمه أن يضحي لأنه وجب عليه ذبحه فلم يسقط بفوات الوقت.
فصل: ومن دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي فالمستحب أن لا يحلق شعره ولا يقلم أظفاره حتى يضحي لما روت أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده ذبح يريد أن يذبحه فرأى هلال ذي الحجة فلا يمس من شعره ولا من أظافره شيء حتى يضحي" ولا يجب عليه ذلك لأنه ليس بمحرم فلا يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر.
فصل: ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله : ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] ولا يجزئ فيها إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعاً من الضأن١" وعن علي ﵁ أنه قال: لا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذع من الضأن وعن علي ﵁ أنه قال: لا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذع من الضأن وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تضحوا بالجذع من المعز والإبل والبقر ويجوز فيها الذكر والأنثى لما روت أم كرز عن النبي ﷺ أنه قال: "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً٢" وإذا جاز ذلك في العقيقة بالخبر دل على جوازه في الأضحية ولأن لحم الذكر أطيب ولحم الأنثى أرطب.
فصل: والبدنة أفضل من البقرة لأنها أعظم والبقرة أفضل من الشاة لأنها بسبع من الغنم والشاة أفضل من مشاركة سبعة في بدنة أو بقرة لأنه يتفرد بإراقة دم والضأن
стр. 483
أفضل من المعز لما روى عبادة ابن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "خير الأضحية الكبش الأقرن١" وقالت أم سلمة ﵂: لأن أضحي بالجذع من الضأن أحب إلي من أن أضحي بالمسنة من المعز ولأن لحم الضان أطيب والسمينة أفضل من غير السمينة لما روى ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] قال: تعظيمها استسمانها واستحسانها وخطب علي ﵁ قال ثنياً فصاعداً واستسمن فإن أكلت أكلت طيباً وإن أطعمت أطعمت طيباً والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين والأملح الأبيض وقال أبو هريرة: دم البيضاء في الأضحية أفضل من دم سوداوين وقال ابن عباس: تعظيمها استحسانها والبيض أحسن.
فصل: ولا يجزئ ما فيه عيب ينقص اللحم كالعوراء والعمياء والجرباء والعرجاء التي تعجز عن المشي في المرعى لما روى البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسيرة التي لا تنقى٢" فنص على هذه الأربعة لأنها تنقص اللحم فدل على أن كل ما ينقص اللحم لا يجوز ويكره أن يضحي بالجلحاء وهي التي لم يخلق لها قرن وبالقصماء وهي التي انكسر غلاف قرنها وبالعضباء وهي التي انكسر قرنها وبالشرقاء
стр. 484
وهي التي انتقيت من الكي أذنها وبالخرقاء وهي التي تشق أذنها بالطول لأن ذلك كله يشينها وقد روينا عن ابن عباس رضي الله أن تعظيمها استحسانها فإن ضحى بما ذكرناه أجزأه لأن ما بها لا ينقص من لحمها فإن نذر أن يضحي بحيوان فيه عيب يمنع الأجزاء كالجرب وجب عليه ذبحه ولا يجزئه عن الأضحية فإن زال العيب قبل أن يذبح لم يجزه عن الأضحية لأنه أزال الملك فيها بالنذر وهي لا تجزئ فلم يتغير حكمها بما يحدث فيها كما لو أعتق في الكفارة عبداً أعمى ثم صار بعد العتق بصيراً.
فصل: والمستحب أن يضحي بنفسه لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر ويجوز أن يستنيب غيره لما روى جابر أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً ﵁ فنحر ما غبر منها والمستحب أن لا يستنيب إلا مسلماً لأنه قربة فكان الأفضل أن لا يتولاها كافر ولأنه يخرج بذلك من الخلاف لأن عند مالك ﵀ لا يجزئه ذبحه فإن استناب يهودياً أو نصرانياً جاز لأنه من أهل الذكاة ويستحب أن يكون عالماً لأنه أعرف بسنة الذبح والمستحب أنه إذا استناب غيره أن يشهد الذبح لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵂: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ضحوا وطيبوا أنفسكم فإنه ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وفرتها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة" ولأنها قربة لابد فيها من جهة فكانت القبلة فيها أولى ويستحب أن يسمي الله تعالى لحديث أنس أن النبي ﷺ سمى وكبر والمستحب أن يقول اللهم تقبل مني لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة ثم يقول: من الله وإلى الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا ضحى قال: من الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل مني.
فصل: وإذا نحر الهدي أو الأضحية نظرت فإن كان تطوعاً فالمستحب أن يأكل منه لما روى جابر أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً ﵁ فنحر ما غبر وأشركه في هديه وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فأكل من
стр. 485
لحمها وشرب من مرقها ولا يجب ذلك لقوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] فجعلها لنا وما هو للإنسان فهو مخير بين أكله وبين تركه وفي القدر الذي يستحب أكله قولان: قال في القديم: يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين وقال في الجديد: يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث لقوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] وقال الحسن: القانع الذي يسألك والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقال مجاهد: القانع الجالس في بيته والمعتر الذي يسألك فجعلها بين ثلاثة فدل على أنها بينهم أثلاثاً وأما القدر الذي يجوز أن يؤكل ففيه وجهان: قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص: يجوز أن يأكل الجميع لأنها ذبيحة يجوز أن يأكل منها فجاز أن يأكل جميعها كسائر الذبائح وقال عامة أصحابنا: يجب أن يبقى منها قدر ما يقع عليه اسم الصدقة لأن القصد منها القربة فإذا أكل الجميع لم تحصل القربة له فإن أكل الجميع لم يضمن على قول أبي العباس وابن القاص ويضمن على قول سائر أصحابنا وفي القدر الذي يضمن وجهان: أحدهما يضمن أقل ما يجزئ في الصدقة والثاني يضمن القدر المستحب وهو الثلث في أحد القولين والنصف في الآخر بناء على القولين فيمن فرق سهم الفقراء على اثنين وإن كان نذراً نظرت فإن كان قد عينه عما في ذمته لم تجز أن يأكل منه لأنه بدل عن واجب فلم يجز أن يأكل منه كالدم الذي يجب بترك الإحرام من الميقات وإن كان نذر مجازاة
стр. 486
كالنذر لشفاء المريض وقدوم الغائب لم يجز أن يأكل منه لأنه جزاء فلم يجز أن يأكل منه كجزاء الصيد فإن أكل شيئاً منه ضمنه وفي ضمانه ثلاثة أوجه: أحدها يلزمه قيمة ما أكل كما لو أكل منه أجنبي والثاني يلزمه مثله من اللحم لأنه لو أكل جميعه ضمنه بمثله فإذا أكل بعضه ضمنه بمثله والثالث يلزمه أن يشتري جزءاً من حيوان مثله ويشارك في ذبحه وإن كان نذراً مطلقاً ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه لا يجوز أن يأكل منه لأنه إراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس والثاني يجوز لأن مطلق النذر يحمل على ما تقرر في المشرع والهدي والأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها فحمل النذر عليه والثالث أنه إن كان أضحية جاز أن يأكل منها لأن الأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها وإن كان هدياً لم يجز أن يأكل منه لأن أكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الأكل منها فحمل النذر عليها.
فصل: ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذراً كان أو تطوعاً لما روي عن علي كرم الله وجهه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنة فأقسم جلالها وجلودها وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئاً وقال: نحن نعطيه من عندنا ولو جاز أخذ العوض منه لجاز أن يعطي الجازر منها في أجرته ولأنه إنما أخرج ذلك قربة فلا يجوز أن يرجع إليه ما رخص فيه وهو الأكل.
فصل: ويجوز أن ينتفع بجلدها فيضع منه النعال والخفاف والفراء لما روت عائشة ﵂ قالت: دفت دافة من أهل البادية حضرة الأضحى زمان رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا" فدل على أنه يجوز اتخاذ الأسقية منها.
فصل: ويجوز أن يشترك سبعة في بدنة وفي البقرة لما روى جابر رضي الله عنه
стр. 487
قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وإن اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وبعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة جاز لأن كل سبع منها قائم مقام الشاة فإن أرادوا القسمة وقلنا إن القسمة فرز النصيبين قسم بينهم وإن قلنا إن القسمة بيع لم تجز القسمة فيملك من يريد القربة نصيبه لثلاثة من الفقراء فيصيرون شركاء لمن يريد اللحم فإن شاءوا باعوا نصيبهم ممن يريد اللحم وإن شاءوا باعوا من أجنبي وقسموا الثمن وقال أبو العباس بن القاص: تجوز قولاً واحداً لأنه موضع ضرورة لأن بيعه لا يمكن وهذا خطأ لأنا بينا أنه يمكن البيع فلا ضرورة بهم إلى القسمة.
فصل: إذ نذر أضحية بعينها فالحكم فيها كالحكم في الهدي المنذور في ركوبها وولدها ولبنها وجز صوفها وتلفها وإتلافها وذبحها ونقصانها بالعيب وقد بينا ذلك في الهدي فأغنى عن الإعادة والله أعلم.
стр. 488
باب العقيقة
العقيقة سنة وهو ما يذبح عن المولود لما روى بريدة أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين ﵉ ولا يجب ذلك لما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك له فليفعل١" فعلق على المحبة فدل على أنها لا تجب ولأنه إراقة دم من غير جناية ولا نذر فلم يجب كالأضحية والسنة أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة لما روت أم كرز قالت: سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "للغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" ولأنه إنما شرع للسرور بالمولود والسرور بالغلام أكثر فكان الذبح عنه أكثر وإن ذبح عن كل واحد منهما شاة جاز لما روى ابن عباس ﵁ قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵉ كبشاً كبشاً ولا يجزئ فيه ما دون الجذعة من الضأن ودون الثنية من المعز ولا يجزئ فيه إلا السليم من العيوب لأنه إراقة دم بالشرع فاعتبر فيه ما ذكرناه كالأضحية والمستحب أن يسمي الله تعالى ويقول اللهم
стр. 489
لك وإليك عقيقة فلان لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين وقال: "قولوا بسم الله اللهم لك وإليك عقيقة فلان" والمستحب أن يفصل أعضاءها ولا يكسر عظمها لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولاً ولا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع ولأنه أول ذبيحة فاستحب أن لا يكسر عظم تفاؤلاً بسلامة أعضائه ويستحب أن يطبخ من لحمها طبيخاً حلواً تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه.
فصل: ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق لحديث عائشة ولأنه إراقة دم مستحب فكان حكمها ما ذكرناه كالأضحية.
فصل: والسنة أن يكون ذلك في اليوم السابع لما روت عائشة ﵂ قالت: عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵉ يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى فإن قدمه على اليوم السابع أو أخره أجزأه لأنه فعل ذلك بعد وجود السبب والمستحب أن يحلق شعره بعد الذبح لحديث عائشة ويكره أن يترك على بعض رأسه الشعر لما روى ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزع في الرأس والمستحب أن يلطخ رأسه بالزعفران ويكره أن يلطخ بدم العقيقة لما روت عائشة ﵂ قالت: كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقاً.
стр. 490
فصل: ويستحب لمن ولد له ولد أن يسميه بعبد الله أو عبد الرحمن لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن١" ويكره أن يسمى نافعاً وبشاراً ونجيحاً ورباحاً أو أفلح وبركة لما روى سمرة أن النبي ﷺ قال: "لا تسمين غلامك أفلح ولا نجيحاً ولا بشاراً ولا رباحاً فإنك إذا قلت أثم هو قالوا لا٢" ويكره أن يسمي باسم قبيح فإن سمي باسم قبيح غيره لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ غير اسم عاصية وقال أنت جميلة ويستحب لمن ولد له ولد أن يؤذن في أذنه لما روى أبو رافع أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة ﵉ بالصلاة ويستحب أن يحنك المولود بالتمر لما روى أنس قال: ذهبت بعبد الله ابن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ حين ولد فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله ﷺ : "حب الأنصار التمر" وسماه عبد الله.
стр. 491
باب النذر
ويصح النذر من كل مسلم بالغ عاقل فأما الكافر فلا يصح نذره ومن أصحابنا من قال يصح نذره لما روي أن عمر ﵁ قال لرسول الله ﷺ : إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له ﷺ : "أوف بنذرك" والمذهب الأول لأنه سبب وضع
стр. 492
لإيجاب القربة فلم يصح من الكافر كالإحرام وأما الصبي والمجنون فلا يصح نذرهما لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" ولأنه إيجاب حق بالقول فلا يصح من الصبي والمجنون كضمان المال.
فصل: ولا يصح النذر إلا بالقول وهو أن يقول لله علي كذا فإن قال علي كذا ولم يقل لله صح لأن القربة لا تكون إلا لله تعالى فحمل الإطلاق عليه وقال في القديم: إذا أشعر بدنة أو قلدها ونوى أنها هدي أو أضحية صارت هدياً أو أضحية لأن النبي ﷺ أشعر بدنة وقلدها ولم ينقل أنه قال: إنها هدي وصارت هدياً وخرج أبو العباس وجهاً آخر أنه يصير هدياً أو أضحية بمجرد النية ومن أصحابنا من قال: إن ذبح ونوى صار هدياً أو أضحية والصحيح هو الأول لأنه إزالة ملك يصح بالقول فلم يصح بغير القول مع القدرة عليه كالوقف والعتق ولأنه لو كتب على دار أنها وقف أو على فرس أنها في سبيل الله لم تصر وقفاً فكذلك ههنا.
فصل: ويجب بالنذر جميع الطاعات المستحبة لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه١" وأما المعاصي كالقتل والزنا وصوم يوم العيد وأيام الحيض والتصدق بما لا يملكه فلا يصح نذرها لما روى عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم" ولا يلزمه بنذره كفارة وقال الربيع: إذا نذرت المرأة صوم أيام الحيض وجبت عليها كفارة يمين ولعله خرج ذلك من قوله ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين٢" والمذهب الأول والحديث متأول فأما المباحات كالأكل والشرب فلا تلزم بالنذر لما روي أن النبي ﷺ مر برجل قائم في الشمس لا يستظل فسأل عنه فقيل هذا ابن اسرائيل نذر أن يقف ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال: "مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
فصل: فإن نذر طاعة نظرت فإن علق ذلك على إصابة خير أو دفع سوء فأصاب
стр. 493
الخير أو دفع السوء عنه لزمه الوفاء بالنذر لما روى ابن عباس ﵄ أن امرأة ركبت في البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهراً فماتت قبل أن تصوم فأتت أختها أو أمها إلى النبي ﷺ فأخبرته فأمرها النبي ﷺ أن تصوم عنها فإن لم يعلقه على شيء بأن قال لله علي أن أصوم أو أصلي ففيه وجهان: أحدهما أنه يلزمه وهو الأظهر لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه١" والثاني لا يلزمه وهو قول أبي إسحاق وأبي بكر الصيرفي لأنه التزام من غير عوض فلم يلزمه بالقول كالوصية والهبة وإن نذر طاعة في لجاج وغضب بأن قال إن كلمت فلاناً فعلي كذا فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين لما روى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة يمين٢" ولأنه يشبه من حيث إنه قصد المنع والتصديق ويشبه النذر من حيث إنه التزم قربة في ذمته فخير بين موجبهما ومن أصحابنا من قال: إن كانت القربة حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به لأن ذلك يلزم بالدخول فيه بخلاف غيره والمذهب الأول لأن العتق أيضاً يلزم إتمامه بالتقويم ثم لا يلزمه.
فصل: إذا نذر أن يصدق بماله لزمه أن يتصدق بالجميع لقوله ﷺ : "من نذر نذراً أن يطيع الله فليطعه" فإن نذر أن يعتق رقبة ففيه وجهان: أحدهما يجزئه ما يقع عليه من الاسم اعتباراً بلفظه والثاني لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة لأن الرقبة التي يجب عتقها بالشرع ما تجب في الكفارة فحمل النذر عليه فإن نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه أن يعتقها ولا يزول ملكه عنها حتى يعتقها فإن أراد بيعها أو إبدالها بغيرها لم يجز لأنه تعين للقربة فلا يملك بيعه كالوقف وإن تلف أو أتلفه لم يلزمه بدله لأن الحق للعبد فسقط بموته فإن أتلفه أجنبي وجبت عليه القيمة للمولى ولا يلزمه صرفها في عبد آخر لما ذكرناه.
فصل: وإن نذر هدياً نظرت فإن سماه كالثوب والعبد والدار لزمه ما سماه وإن أطلق الهدي ففيه قولان: قال في الإملاء والقديم: يهدي ما شاء لأن اسم الهدي يقع عليه
стр. 494
ولهذا يقال أهديت له داراً وأهدى لي ثوباً وأن الجميع يسمى قرباناً ولهذا قال ﷺ في الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" فإذا سمي قرباناً وجب أن يسمى هدياً وقال في الجديد: لا يجزئه إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر لأن الهدي المعهود في الشرع ما ذكرناه فحمل مطلق النذر عليه وإن نذر بدنة أو بقرة أو شاة فإن قلنا بالقول الأول أجزأه من ذلك ما يقع عليه الاسم وإن قلنا بالقول الثاني لم يجزه إلا ما يجزئ في الأضحية وإن نذر شاة فأهدى بدنة أجزأه لأن البدنة بسبع من الغنم وهل يجب الجميع؟ فيه وجهان: أحدهما أن الجميع واجب لأنه مخير بين الشاة والبدنة فأيهما فعل كان واجباً كما تقول في العتق والإطعام في كفارة اليمين والثاني أن الواجب هو السبع لأن كل سبع منها بشاة فكان الواجب هو السبع وإن نذر بدنة وهو واجد للبدنة ففيه وجهان: أحدهما أنه مخير بين البدنة والبقرة والسبع من الغنم لأن كل واحد من الثلاثة قائم مقام الآخر والثاني أنه لا يجزئه غير البدنة لأنه عينها بالنذر وإن كان عادماً للبدنة انتقل إلى البقر فإن لم يجد بقرة انتقل إلى سبع من الغنم ومن أصحابنا من قال لا يجزئه غير البدنة فإن لم يجد ثبتت في ذمته إلى أن يجد لأنه التزم ذلك بالنذر والمذهب الأول لأنه فرض له بدل فانتقل عند العجز إلى بدله كالوضوء.
فصل: فإن نذر الهدي للحرم لزمه في الحرم وإن نذر لبلد آخر لزمه في البلد الذي سماه لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا المكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: لصنم قالت لا قال: لوثن قالت: لا قال: أوفي بنذرك" فإن نذر لأفضل بلد لزمه بمكة لأنها أفضل البلاد والدليل عليه ما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجته: "أي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: بلدنا هذا فقال النبي ﷺ : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا١" ولأن مسجدها أفضل المساجد فدل على أنها أفضل البلاد وإن أطلق النذر ففيه وجهان: أحدهما يجوز حيث
стр. 495
شاء لأن الاسم يقع عليه والثاني لا يجوز إلا في الحرم لأن الهدي المعهود في الشرع هو الهدي في الحرم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] فحمل مطلق النذر عليه فإن كان قد نذر الهدي لرتاج الكعبة أو عمارة مسجد لزمه صرفه فيما نذر فإن أطلق ففيه وجهان: أحدهما أن له أن يصرفه فيما شاء من وجوه القرب في ذلك البلد الذي نذر الهدي فيه لأن الاسم يقع عليه والثاني أنه يفرقه على مساكين البلد الذي نذر أن يهدي إليه لأن الهدي المعهود في الشرع ما يفرق على المساكين فحمل مطلق النذر عليه وإن كان ما نذره مما لا يمكن نقله كالدار باعه ونقل ثمنه إلى حيث نذر.
فصل: وإن نذر النحر في الحرم ففيه وجهان: أحدهما يلزمه النحر دون التفرقة لأنه نذر أحد مقصودي الهدي فلم يلزمه الآخر كما لو نذر التفرقة والثاني يلزمه النحر والتفرقة وهو الصحيح لأنه نحر الهدي في الحرم في عرف الشرع ما يتبعه التفرقة فحمل مطلق النذر عليه وإن نذر النحر في بلد غير الحرم ففيه وجهان: أحدهما لا يصح لأن النحر في غير الحرم ليس بقربة يلزمه بالنذر والثاني يلزمه النحر والتفرقة لأن النحر على وجه القربة لا يكون إلا للتفرقة فإذا نذر النحر تضمن التفرقة.
فصل: وإن نذر صلاة لزمه ركعتان في أظهر القولين لأن أقل صلاة واجبة في الشرع ركعتان فحمل النذر عليه وتلزمه ركعة في القول الآخر لأن الركعة صلاة في الشرع وهي الوتر فلزمه ذلك وإن نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى جاز له أن يصلي في غيره لأن ما سوى المساجد الثلاثة في الحرمة والفضيلة واحدة فلم يتعين بالنذر وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه فعلها فيه لأنه يختص بالنسك والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره والدليل عليه ما روى عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا" فلا يجوز أن يسقط ما نذره