← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11813

المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (1 598 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الأم: التعيين أفضل لأنه إذا عين عرف ما دخل فيه والثاني أن الإبهام أفضل لأنه أحوط فإنه ربما عرض مرض أو إحضار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه فإن عين انعقد بما عينه والأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص لما روى نافع قال: سئل ابن عمر أيسمى أحدنا حجاً أو عمرة فقال: أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم ومن أصحابنا من قال الأفضل أن ينطق به لما روى أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة ولأنه إذا نطق به كان أبعد من السهو فإن أبهم الإحرام جاز أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه يصلح لهما فصرف إلى ما شاء منهما فإن قال إهلالاً كإهلال فلان إنعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه فإن مات الرجل الذي علق إهلاله بإهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به لزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين فإن بان أن فلاناً لم يحرم انعقد إحراماً مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لأنه عقد الإحرام وإن علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقي إحرامه مطلقاً فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة وإن أحرم بحجتين أو بعمرتين لم ينعقد الإحرام بهما لأنه لا يمكن المضي فيهما وينعقد بإحداهما لأنه يمكن المضي في إحداهما قال في الأم إذا استأجره رجلان للحج فأحرم بهما انعقد إحرامه عن نفسه لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقي إحرام مطلق فانعقد له قال: ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الإحرام عن نفسه لأنه تعارض التعيينان فسقطا وبقي مطلق الإحرام فانعقد له وإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان: قال في الأم: يلزمه أن يقرن لأنه شك لحقه بعد الدخول في العبادة فيبني فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعات الصلاة وقال في القديم: يتحرى لأنه يمكنه أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة فإن قلنا يقرن لزمه أن ينوي القران فإذا قرن أجزأه ذلك عن الحج وهل يجزئه عن العمرة؟ إذ قلنا يجوز إدخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضاً وإن قلنا لا يجوز ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لأنه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح وإذا شك لم يسقط الفرض والثاني أنه يجزئه لأن العمرة إنما لا يجوز إدخالها على الحج من غير

стр. 422

حاجة وهاهنا به حاجة إلى إدخال العمرة على الحج والمذهب الأول وإن قلنا إنه يجزئه عن العمرة لزمه الدم لأنه قارن وإن قلنا لا يجزئه عن العمرة هل يلزمه دم ففيه وجهان: أحدهما لا دم عليه وهو المذهب لأنا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم والثاني يلزمه دم لجواز أنه يكون قارناً فوجب عليه الدم احتياطاً وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم فإن نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجاً أو قارناً فقد إنعقد إحرامه بالحج وإن كان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة لأن إدخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزه وإن نسي بعد طواف القدوم وقبل الوقوف فإن قلنا إن إدخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لأنه يحتمل أنه كان معتمراً فلا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لأنه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها على حج فلا يصح وإن قلنا إنه يجوز إدخال العمرة على الحج لم يصح له الحج لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها فلا يجوز أن يدخل الحج عليها وتصح له العمرة لأنه أدخلها على الحج قبل الوقوف فإن أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه لأنه إن كان معتمراً فقد حل من العمرة وأحرم بالحج وإن كان حاجاً أو قارناً فلا يضره تجديد الإحرام بالحج ويجب عليه دم واحد لأنه إن كان معتمراً فقد حلق في وقته وصار متمتعاً فعليه دم التمتع دون الدم الحلاق وإن كان حاجاً فقد حلق في غير وقته فعليه دم الحلاق دون دم التمتع وإن كان قارناً فعليه دم الحلاق ودم القران فلا يجب عليه دمان بالشك ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان احتياطاً وليس بشيء. فصل: ويستحب أن يكثر من التلبية ويلبي عند اجتماع الرفاق وفي كل صعود وهبوط وفي أدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار لما روى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 423

يلبي إذا رأى ركباً أو صعد وهبط وادياً وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل ولأن في هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي ﷺ : "أفضل الحج العج والثج١" ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات وفيما عداها من المساجد قولان: قال في القديم لا يلبي وقال في الجديد يلبي لأنه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التلبية كالمساجد الثلاثة وفي حال الطواف قولان: قال في القديم يلبي ويخفض صوته وقال في الأم لا يلبي لأن للطواف ذكراً يختص به فكان الاشتغال به أولى ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله قال: "جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحاج" وإن كانت امرأة لم ترفع الصوت بالتلبية لأنه يخاف عليها الافتتان. فصل: والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لما روى ابن عمر ﵄ أن تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك

стр. 424

والملك لا شريك لك قال الشافعي ﵀: فإن زاد على هذا فلا بأس لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يزيد فيها لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغبة إليك وإذا رأى شيئاً يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة لما روي أن النبي ﷺ كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنهم أعجبه ما هم فيه فقال: لبيك إن العيش عيش الآخرة والمستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي ﷺ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر الرسول ﷺ كالأذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار لما روى خزيمة بن ثابت ﵁ قال: كان الرسول ﷺ إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار ثم يدعو بما أحب. فصل: وإذا أحرم الرجل حرم عليه حرم الرأس لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن لأنه حلق يتنظف به ويترفه به فلم يجز كحلق الرأس ويجب به الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]

стр. 425

ولما روى كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ قال: "لعلك آذاك هوام رأسك فقلت: نعم يا رسول الله فقال: أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" ويجوز له أن يحلق شعر الحلال لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه. فصل: ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لأنه جزء ينمى وفي قطعة ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ويجب به الفدية قياساً على الحلق. فصل: ويحرم عليه أن يستر رأسه لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره "لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً١" وتجب به الفدية لأنه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ويجوز أن يحمل على رأسه مكتلاً لأنه لا يقصد به الستر فلم يمنع منه كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع حين لم يقصد المصحف ويجوز أن يترك يده على رأسه لأنه يحتاج إلى وضع اليد على الرأس في المسح فعفى عنه ويحرم عليه لبس القميص لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في المحرم: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" وتجب به الفدية لأنه فعل محظور في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق ولا فرق بين أن يكون مخيطاً بالإبرة أو ملصقاً بعضه إلى بعض لأنه في معنى المخيط والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه لأنه في معنى القميص ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر ﵁ وتجب به الفدية لما ذكرناه من المعنى والتبان والران كالسراويل فيما ذكرناه لأنه في معنى السراويل وإن

стр. 426

شق الإزار وجعل له ذيلين وشدهما على ساقيه لم يجز لأنهما كالسراويل وما على الساقين كالبابكين ويجوز أن يعقد عليه إزاره لأن فيه مصلحة له وهو أن يثبت عيه ولا يعقد الرداء عليه لأنه لا حاجة به إليه وله أن يغرز طرفيه في إزاره وإن جعل لإزاره حجزة وأدخل فيها التكة واتزر به جاز وإن اتزر وشد فوقه تكة جاز قال في الإملاء وإن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز لأنه يصير كالمخيط وإن لم يجد إزاراً جاز أن يلبس السراويل ولا فدية عليه لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين١" فإن لم يجد رداء لم يلبس القميص لأنه يمكنه أن يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل فإن لبس السراويل ثم وجد الإزار لزمه خلعه ويحرم عليه لبس الخفين للخبر وتجب الفدية لما ذكرناه من القياس على الحلق فإن لم يجد نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين للخبر فإن لبس الخف مقطوعاً من أسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز على المنصوص وتجب عليه الفدية ومن أصحابنا من قال يجوز ولا فدية عليه لأنه قد صار كالنعل بدليل أنه لا يجوز المسح عليه وهذا خلاف المنصوص وخلاف السنة وما ذكره من المسح لا يصح لأنه وإن لم يجز المسح إلا أنه يترفه به في دفع الحر والبرد والأذى ولأنه يبطل بالخف المخرق فإنه لا يجوز المسح عليه ثم يمنع من لبسه ويحرم عليه لبس القفازين وتجب به الفدية لأنه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف ولا يحرم عليه ستر الوجه لقوله ﷺ في الذي خر من بعيره: "ولا تخمروا رأسه" فخص الرأس بالنهي ويحرم على المرأة ستر الوجه لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن

стр. 427

القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب وليلبس بعد ذلك ما اختير من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف وتجب به الفدية قياساً على الحلق ويجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس إلا بستره لأنه لا يمكن ستر الرأس إلا بستره فعفى عن ستره فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت على وجهها شيئاً لا يباشر الوجه لما روت عائشة ﵂ قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا وكشفنا ولأن الوجه من المرأة كالرأس من الرجل ثم يجوز للرجل ستر الرأس من الشمس بما لا يقع عليه فكذلك المرأة في الوجه ولا يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخف لحديث ابن عمر ﵄ ولأن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين فجاز لها ستره لما ذكرناه وهل يجوز لها لبس القفازين فيه قولان: أحدهما أنه يجوز لأنه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط فجاز لها ستره بالمخيط كالرجل والثاني لا يجوز للخبر ولأنه عضو ليس بعورة فتعلق به حرمة الإحرام في اللبس كالوجه. فصل: ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولا تلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران١" وتجب به الفدية قياساً على الحلق ولا يلبس ثوباً مبخراً بالطيب ولا ثوباً مصبوغاً بالطيب ويجب به الفدية قياساً على ما مسه الورس والزعفران وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لأنه ملبوس فهو كالثوب ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به فإن استعمله في شيء من ذلك لزمته الفدية لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله بالثياب فلأن يجب فيما يستعمله ببدنه أولى وإن كان الطيب في طعام نظرت فإن ظهر ذلك في طعمه أو رائحته لم يجزأ كله وتجب به الفدية

стр. 428

وإن ظهر ذلك في لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال في المختصر الأوسط من الحج لا يجوز وقال في الأم والإملاء يجوز قال أبو إسحاق: يجوز قولاً واحداً وتأول قوله في الأوسط على ما إذا كانت له رائحة ومنهم من قال فيه قولان: أحدهما لا يجوز لأن اللون إحدى صفات الطيب فمنع من استعماله كالطعم والرائحة والثاني يجوز وهو الصحيح لأن الطيب بالطعم والرائحة. فصل: والطيب كل ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب كالمسك والكافور والعنبر والصندل والورد والياسمين والورس والزعفران وفي الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس قولان: أحدهما أنه يجوز شمها لما روي عن عثمان ﵁ أنه سئل عن المحرم يدخل البستان قال: نعم ويشم الريحان ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة فإذا جفت لم يكن لها رائحة والثاني لا يجوز لأنه يراد للرائحة فهو كالورد والزعفران وأما البنفسج فقد قال الشافعي ﵀: ليس بطيب فمن أصحابنا من قال

стр. 429

هو طيب قولاً واحد لأنه يشم رائحته ويتخذ منه الدهن فهو كالورد وتأول قول الشافعي على المربب بالسكر ومنهم من قال ليس بطيب قولاً واحداً لأنه يراد للتداوي ولا يتخذ من يابسه طيب ومنهم من قال هو كالنرجس والريحان وفيه قولان: لأنه يشم رطبه ولا يتخذ من يابسه طيب وأما الأترج فإنه ليس بطيب لأنه يراد للأكل فهو كالتفاح والسفرجل وأما العصفر فليس بطيب لقوله ﷺ : "وليلبسن ما أحببن من المعصفر" ولأنه يراد للون فهو كالنيل والحناء ليس بطيب لما روي أن أزواج النبي ﷺ كن يختضبن بالحناء وهن محرمات ولأنه يراد للون فهو كالعصفر ولا يجوز أن يستعمل الأدهان المطيبة كدهن الورد والزنبق وهدن البان المنشوش وتجب به الفدية لأنه يراد للرائحة وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والبان غير المنشوش فإنه يجوز استعماله في غير الرأس واللحية لأنه ليس فيه طيب ولا تزيين ويحرم استعماله في شعر الرأس واللحية لأنه يرجل الشعر ويربيه وتجب به الفدية فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز له لأنه ليس فيه تزيين وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز لأنه يحسن الشعر إذا نبت ويجوز أن يجلس عند العطار وفي موضع يبخر لأن في المنع من ذلك مشقة ولأن ذلك ليس بطيب مقصود والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر فلا يكره ذلك لأن الجلوس عندها قربة فلا يستحب تركها لأمر مباح وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة والمسك في نافجة ولا فدية عليه لأن دونه حائلاً وإن مس طيباً فعبقت به رائحته ففيه قولان: أحدهما لا فدية عليه لأنه رائحة عن مجاوره فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت بجيفة بقربه والثاني يجب لأن المقصود من الطيب هو الرائحة وقد حصل ذلك وإن كان عليه طيب فأراد غسله فالمستحب أن يولي غيره غسله حتى لا يباشره بيده فإن غسله بنفسه جاز لأن غسله ترك له فلا يتعلق به تحريم كما لو دخل دار غيره بغير إذنه فأراد أن يخرج فإن حصل عليه طيب ولا يقدر على إزالته بغير الماء وهو محدث ومعه من الماء ما لا يكفي الطيب والوضوء غسل به الطيب لأن الوضوء له بدل وغسل الطيب لا بدل له وإن كان عليه

стр. 430

نجاسة استعمل الماء في إزالة النجاسة لأن النجاسة تمنع صحة الصلاة والطيب لا يمنع صحة الحج. فصل: ويحرم عليه أن يتزوج وأن يزوج غيره بالوكالة والولاية الخاصة فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل لما روى عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح١" ولأنه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة والثاني يجوز لأن الولاية العامة آكد والدليل عليه أنه يملك بالولاية العامة أن يزوج المسلمة والكافرة ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة ويجوز أن يشهد في النكاح وقال أبو سعيد الأصطخري لا يجوز لأنه ركن في العقد فلم يجز أن يكون محرما كالولي والمذهب أنه يجوز لأن العقد هو الإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك ويكره له الخطبة لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له ويجوز أن يراجع الزوجة في الإحرام لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنه يصح من غير ولي ولا شهود ويصح من العبد بغير إذن المولى فلم يمنع الإحرام منه كالبقاء على العقد. فصل: ويحرم عليه الوطء في الفرج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] قال ابن عباس: الرفث الجماع وتجب به الكفارة لما روي عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أنهم أوجبوا فيه الكفارة ولأنه إذا وجبت الكفارة في الحلق فلأن تجب في الجماع أولى. فصل: ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج لأنه إذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهي أدعى للوطء أولى وتجب فيه الكفارة لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دماً ولأنه فعل محرم في الإحرام فوجبت به الكفارة كالجماع. فصل: ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير ولا يجوز له أخذه لقوله

стр. 431

تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] فإن أخذه لم يملكه بالأخذ لأن ما منع أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه كما لو غضب مال غيره وإن كان الصيد لآدمي وجب رده إلى مالكه وإن كان من المباح وجب إرساله في موضع يمتنع على من يأخذه لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغصوب فإن هلك عنده وجب عليه الجزاء لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي فإن خلص صيداً من فم سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لأنه قصد الصلاح قال الشافعي ﵀: ولو قيل يضمن لأنه تلف في يده كان محتملاً ويحرم عليه قتله فإن قتله عمداً وجب عليه الجزاء لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فإن قتله خطأ وجب عليه الجزاء لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه كمال الآدمي ولأنه كفارة تجب بالقتل فاستوى فيها الخطأ والعمد ككفارة القتل فإن كان الصيد مملوكاً لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة وقال المزني: لا يجب الجزاء في الصيد المملوك لأنه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ويحرم عليه جرحه لأن ما منع من إتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي وإن أتلف جزءاً منه ضمنه بالجزاء لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدمي ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله ﷺ في مكة: "لا ينفر صيدها" وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام فإن نفره فوقع في بئر فهلك أو نهشته حية أو أكله سبع وجب عليه الضمان لما روي أن عمر ﵁ دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طير فخاف أن ينجسه فطيره فنهشته حية فقال طير طردته حتى نهشته

стр. 432

الحية فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا عليه بشاة ولأنه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بئراً ونصب له أحبولة فهلك بها ويحرم عليه أن يعين على قتله بدلالة أو إعارة آلة لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله كالآدمي وإن أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة فقتل لم يلزمه الجزاء لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه كمال الغير ويحرم عليه أكل ما صيد له لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "الصيد حلال لكم ما لم تصيدوا أو يصد لكم١" ويحرم عليه أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة لما روى عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في قوم محرمين وهو حلال فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطاً فضربه حتى صرعه ثم ذبحه وأكل هو وأصحابه فسألوا رسول الله ﷺ فقال: "هل أشار إليه أحد منكم"؟ قالوا: لا قال: فلم ير بأكله بأساً فإن أكل ما صيد له أو أعان على قتله فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه قولان: أحدها يجب لأنه فعل محرم يحكم الإحرام فوجبت فيه الكفارة كقتل الصيد والثاني لا يجب لأنه ليس بنام ولا بآيل إلى النماء فلا يضمن بالجزاء كالشجر اليابس والبيض المذر فإن ذبح صيداً حرم عليه أكله لأنه إذا حرم عليه ما صيد له أو دل عليه فلأن يحرم ما ذبحه أولى وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان: قال في الجديد يحرم لأن ما حرم على الذابح أكله حرم على غيره كذبيحة المجوسي وقال في القديم لا يحرم لأن من حل بذكاته غير الصيد حل بذكاته الصيد كالحلال فإن أكل ما ذبحه لم يضمن بالأكل لأن ما ضمنه بالقتل لم يضمنه بالأكل كشاة الغير ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو يهبه لما روى ابن عباس ﵁ أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي ﷺ حمار وحش فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" ولأنه سبب يتملك به الصيد فلم يتملك به مع الإحرام كالاصطياد فإن مات من يرثه وله صيد ففيه وجهان: أحدهما لا يرثه لأنه سبب للملك فلا يملك به الصيد كالبيع والهبة والثاني أنه يرثه لأنه يدخل في ملكه بغير قصده ويملك به الصبي والمجنون فجاز أن يملك به المحرم الصيد وإن كان في ملكه

стр. 433

صيد فأحرم ففيه قولان: أحدهما لا يزول ملكه عنه لأنه ملك فلا يزول بالاحرام كملك البضع والثاني يزول عنه لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم على المحرم ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط فإن قلنا إنه لا يزول ملكه جاز له بيعه وهبته ولا يجوز له قتله فإن قتله وجب عليه الجزاء لأن الجزاء كفارة تجب لله تعالى فجاز أن تجب على مالكه ككفارة القتل وإن قلنا يزول ملكه وجب عليه إرساله فإن لم يرسله حتى مات ضمنه بالجزاء وإن لم يرسله حتى تحلل ففيه وجهان: أحدهما يعود إلى ملكه ويسقط عنه فرض الإرسال لأن علة زوال الملك هو الإحرام وقد زال فعاد الملك كالعصير إذا صار خمراً ثم صار خلاً والثاني أنه لا يعود إلى ملكه ويلزمه إرساله لأن يده متعدية فوجب أن يزيلها. فصل: وإن كان الصيد غير مأكول نظرت فإن كان متولداً مما يؤكل ومما لا يؤكل كالسبع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل فحكمه حكم ما يؤكل في تحريم صيده ووجوب الجزاء لأنه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم فغلب التحريم كما غلب جهة التحريم في أكله وإن كان حيواناً لا يؤكل ولا هو متولد مما يؤكل فالحلال والحرام فيه واحد لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام وهذا لا يكون إلا فيما يؤكل وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه فإن كان مما يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والجرجس والزنبور فالمستحب أن يقتله لأنه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازي فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ولا يكره لما فيه من المضرة وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان وبنات وردان فإنه يكره قتله ولا يحرم. فصل: وإن كان الصيد وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه وإذا كسره وجب عليه الجزاء وقال المزني: لا جزاء عليه لأنه لا روح فيه والدليل عليه ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه ولأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ وإن كسر بيضاً لم يحل له أكله وهل يحل لغيره؟ فيه قولان كالصيد وقال شيخنا القاضي أبو الطيب: في تحريمه على غيره نظر لأنه لا روح فيه فلا يحتاج إلى ذكاة وإن كسر بيضاً مذراً لم يضمنه من غير النعامة لأنه لا قيمة له ويضمنه من النعامة لأن لقشر بيض النعامة قيمة.

стр. 434

فصل: وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر شديد أو برد شديد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو إلى شد رأسه بعصابة لجراحة عليه أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] ولحديث كعب بن عجرة فثبت الحلق بالنص وقسنا ما سواه عليه لأنه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس إلى عينه فغطاها فقطع ما غطى العين أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه أو صال عليه صيد فقتله دفعاً عن نفسه جاز ولا كفارة عليه لأن الذي تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه فحلق الشعر لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع وإنما كان من غيره وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان: أحدهما يجب عليه الجزاء لأنه قتله لمنفعة نفسه فأشبه إذا قتله للمجاعة والثاني لا يجب لأن الجراد ألجأه إلى قتله فأشبه إذا صال عليه الصيد فقتله للدفع وإن باض صيد على فراشه فنقله فلم يحضنه الصيد فقد حكى الشافعي ﵀ عن عطاء أنه لا يلزمه ضمانه لأنه مضطر إلى ذلك قال: ويحتمل عندي أن يضمن لأنه أتلفه باختياره فحصل فيه قولان كالجراد وإن كشط من بدنه جلداً وعليه شعر وقطع كفه وفيه أظافر لم تلزمه فدية لأنه تابع لمحله فسقط حكمه تبعاً لمحله كالأطراف مع النفس في قتل الآدمي. فصل: وإن لبس أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جهلاً بالتحريم أو ناسياً للإحرام لم تلزمه الفدية لما روى أبو يعلى بن أمية قال: أتى رسول الله ﷺ رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة وما كنت صانعاً في حجتك فاصنع في عمرتك

стр. 435

ولم يأمره بالفدية فدل على أن الجاهل لا فدية عليه فإذا ثبت هذا في الجاهل ثبت في الناسي لأن الناسي يفعل وهو يجهل تحريمه عليه فإن ذكر ما فعله ناسياً أو علم ما فعله جاهلاً نزع اللباس وأزال الطيب لحديث يعلى بن أمية فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية لأنه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فدية كما لو أكره على التطيب وإن قدر على إزالته واستدام لزمته الفدية لأنه تطيب من غير عذر فأشبه إذا ابتدأ به وهو عالم بالتحريم وإن مس طيباً وهو يظن أنه يابس وكان رطباً ففيه قولان: أحدهما تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب والثاني لا تلزمه لأنه جهل تحريمه فأشبه إذا جهل تحريم الطيب في الإحرام فإن حلق الشعر أو قلم الظفر ناسياً أو جاهلاً بالتحريم فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية لأنه إتلاف فاستوى في ضمانه العمد والسهو كإتلاف مال الآدمي وفيه قول آخر مخرج إنه لا تجب لأنه ترفه وزينة فاختلف في فديته السهو والعمد كالطيب وإن قتل صيداً ناسياً أو جاهلاً بالتحريم وجب عليه الجزاء لأن ضمانه ضمان مال فاستوى فيه السهو والعمد والعلم والجهل كضمان مال الآدميين وإن أحرم ثم جن وقتل صيداً ففيه قولان: أحدهما يجب عليه الجزاء لما ذكرناه والثاني لا يجب لأن المنع من قتل الصيد تعبد والجنون ليس من أهل التعبد فلا يلزمه ضمان ومن أصحابنا من نقل هذين القولين إلى الناسي وليس بشيء وإن جامع ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ففيه قولان: قال في الجديد لا يفسد حجه ولا يلزمه شيء لأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فاختلف في الوطء فيها العمد والسهو كالصوم وقال في القديم يفسد حجه وتلزمه الكفارة لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج فاستوى فيه العمد والسهو كالفوات وإن حلق رجل رأسه فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية لأنه أزال شعره بسبب لا عذر له فيه فأشبه إذا حلقه بنفسه وإن حلقه وهو نائم أو مكره وجبت الفدية وعلى من تجب؟ فيه قولان: أحدهما تجب على الحالق لأنه أمانة عنده فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة إذا أتلفها غاصب والثاني تجب على المحلوق لأنه هو الذي ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه فإذا قلنا تجب الفدية على الحالق فالمحلوق مطالبته بإخراجها لأنها تجب بسببه فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب على المحلوق الفدية وإن قلنا تجب على المحلوق أخذها من الحالق وأخرج وإن افتدى المحلوق نظرت فإن افتدى بالمال رجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع فإن أداها بالصوم لم يرجع عليه لأنه لا يمكن الرجوع به ومن أصحابنا من قال يرجع بثلاثة أمداد لأن صوم كل يوم مقدر بمد وإن حلق رأسه وهو ساكت ففيه طريقان: أحدهما أنه كالنائم والمكره لأن السكوت لا يجري مجرى الإذن والدليل عليه هو أنه لو أتلف رجل ماله وسكت لم يكن سكوته إذناً في إتلافه والثاني أنه

стр. 436

بمنزلة ما لو أذن فيه لأنه يلزمه حفظه والمنع من حلقه فإذا لم يفعل جعل سكوته كالإذن فيه كالمودع إذا سكت عن إتلاف الوديعة. فصل: ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظافره حتى لا ينتثر شعره فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية ويكره أن يفلي رأسه ولحيته فإن فلى وقتل قملة استحب له أن يفديها قال الشافعي ﵀: وأي شيء فداها به فهو خير منها فإن ظهر القمل على بدنه وثيابه لم يكره أن ينحيه لأنه ألجأه إليه ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه لأنه زينة والحاج أشعث أغبر فإن احتاج إليه لم يكره لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة فلأن لا يكره ما لا حرم أولى ويجوز أن يدخل الحمام ويغتسل بالماء لما روى أبو أيوب قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل وهو محرم ويجوز أن يغسل شعره بالماء والسدر لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره: "اغسلوا بماء وسدر" ويجوز أن يحتجم ما لم يقطع شعرا لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم ويجوز أن يفتصد أيضاً كما يجوز أن يحتجم ويجوز أن يستظل سائراً ونازلاً لما روى جابر أن النبي ﷺ أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فإذا ثبت جواز ذلك بالحرم نازلاً وجب أن يجوز سائراً قياساً عليه ويكره أن يلبس الثياب المصبغة لما روي أن عمر ﵁ رأى على طلحة ﵁ ثوبين مصبوغين وهو حرام فقال: أيها الرهط أنتم أئمة يقتدى بكم ولو أن جاهلاً رأى عليك ثوبيك لقال قد كان طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبغة في الإحرام شيئاً ويكره أن يحمل بازاً أو كلباً معلماً لأنه ينفر به الصيد وربما انفلت فقتل صيداً وينبغي أن ينزه إحرامه عن الخصومة والشتم والكلام القبيح لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] قال ابن عباس: الفسوق المنابزة بالألقاب وتقول لأخيك يا ظالم يا فاسق والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه١" وبالله التوفيق.

стр. 437

باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الكفارة وغيرها إذا حلق المحرم رأسه فكفارته أن يذبح شاة أو يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع أو يصوم ثلاثة أيام وهو مخير بين الثلاثة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] ولحديث كعب بن عجرة وإن حلق ثلاثة شعرات كانت كفارته ما ذكرناه في حلق الرأس لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فصار كما لو حلق جميع رأسه وإن حلق شعر رأسه وشعر بدنه لزمه ما ذكرناه وقال أبو القاسم الأنماطي يجب عليه فديتان لأن شعر الرأس مخالف لشعر البدن ألا ترى أنه يتعلق النسك بحلق الرأس ولا يتعلق بشعر البدن والمذهب الأول لأنهما وإن اختلفا في النسك إلا أن الجمع جنس واحد فأجزأه لهما فدية واحدة كما لو غطى رأسه ولبس القميص والسراويل وإن حلق شعره أو شعرتين ففيه ثلاثة أقوال أحدها يجب لكل شعر ثلث دم لأنه إذا وجب فيه ثلاثة شعرات دم وجب في كل شعرة ثلثه والثاني يجب لكل شعرة درهم لأن إخراج ثلث الدم يشق فعدل إلى قيمته وكانت قيمة الشاة ثلاثة دراهم فوجب ثلثها والثالث مد لأن الله تعالى عدل في جزاء الصيد من الحيوان إلى الطعام فيجب أن يكون ههنا مثله وأقل ما يجب من الطعام مد فوجب ذلك فإن قلم أظفاره أو ثلاثة أظفار وجب عليه ما وجب في الحلق وإن قلم ظفراً أو ظفرين وجب فيهما ما يجب في الشعرة أو الشعرتين لأن في معناهما. فصل: وإن تطيب ولبس المخيط في شيء من بدنه أو غطى رأسه أو شيئاً منه أو دهن على رأسه أو لحيته وجب عليه ما يجب في حلق الشعر لأنه ترفه وزينة فهو كالحلق وإن تطيب ولبس وجب لكل واحد منهما كفارة لأنهما جنسان مختلفان وإن لبس ثوباً مطيباً وجبت كفارة واحدة لأن الطيب تابع للثوب فدخل في ضمانه وإن لبس ثم لبس أو تطيب في أوقات متفرقة ففيه قولان: أحدهما تتداخل لأنها جنس واحد فأشبه إذا كانت في وقت واحد والثاني لا تتداخل لأنها في أوقات مختلفة فكان لكل وقت من ذلك حكم نفسه وإن حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات فهي على القولين إن قلنا يتداخل لزمه دم وإن قلنا لا يتداخل وجب لكل شعرة مد وإن حلق

стр. 438

تسع شعرات في ثلاثة أوقات فعلى لقولين إن قلنا لا يتداخل وجب ثلاثة دماء وإن قلنا تتداخل لزمه دم واحد. فصل: وإن وطئ في العمرة أو في الحج قبل التحلل الأول فقد فسد نسكه ويجب عليه أن يمضي في فاسده ثم يقضي لما روي عن عمرو وعلي وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة ﵃ أنهم أوجبوا ذلك وهل يجب القضاء على الفور أو لا؟ فيه وجهان أحدهما أنه على الفور وهو ظاهر النص لما روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا يقضي من قابل والثاني أنه على التراخي لأن الأداء على التراخي فكذلك القضاء وهذا لا يصح لأن القضاء بدل عما أفسده من الأداء وذلك واجب على الفور فوجب أن يكون القضاء مثله ويجب الإحرام في القضاء من حيث أحرم في الأداء لأنه قد تعين ذلك بالدخول فيه فإذا أفسده وجب قضاؤه كحج التطوع فإن سلك طريقاً آخر لزمه أن يحرم من مقدار مسافة الإحرام في الأداء وإن كان قارناً فقضاه بالإفراد جاز لأن الإفراد أفضل من القران ولا يسقط عنه دم القران لأن ذلك دم وجب عليه فلا يسقط عنه بالإفساد كدم الطيب وفي نفقة المرأة في القضاء وجهان: أحدهما في مالها كنفقة الأداء والثاني تجب على الزوج لأنها غرامة تتعلق بالوطء فكانت على الزوج كالكفارة وفي ثمن الماء الذي تغتسل به وجهان: أحدهما يجب على الزوج لما ذكرناه والثاني يجب عليها لأن الغسل يجب للصلاة فكان ثمن الماء عليها وهل يجب عليهما أن يفترقا في موضع الوطء؟ فيه وجهان: أحدهما يجب لما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا يفترقان ولأن اجتماعهما في ذلك الوقت يدعو إلى الوطء فمنع منه والثاني أنه لا يجب وهو الظاهر النص كما لا يجب في سائر الطريق ويجب عليه بدنة روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: على كل واحد منهما بدنة فإن لم يجد فبقرة لأن البقرة كالبدنة لأنها تجزئ في الأضحية عن سبعة فإن لم يجد لزمه سبع من الغنم فإن لم يجد قوم البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة قياساً على فدية الأذى. فصل: وإن كان المحرم صبياً فوطئ عامداً بنيت على القولين فإن قلنا إن عمده خطأ فهو كالناسي وقد بيناه وإن قلنا إن عمده عمد فسد نسكه ووجبت الكفارة وعلى

стр. 439

من تجب فيه قولان: أحدهما في ماله والثاني على الولي وقد بيناه في أول الحج وهل يجب عليه القضاء فيه قولان: أحدهما لا يجب لأنها عبادة تتعلق بالبدن فلا تجب على الصبي كالصوم والصلاة والثاني يجب لأن من فسد الحج بوطئه وجب عليه القضاء كالبالغ فإن قلنا يجب فهل يصح منه في حال الصغر؟ فيه قولان: أحدهما لا يصح لأنه حج واجب فلا يصح من الصبي كحجة الإسلام والثاني يصح لأنه يصح منه أداؤه فصح منه قضاؤه كالبالغ وإن وطئ العبد في إحرامه عامداً فسد حجه ويجب عليه القضاء ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه لأنه ليس من أهل فرض الحج وهذا خطأ لأنه يلزمه الحج بالنذر فلزمه القضاء بالإفساد كالحر وهل يصح منه القضاء في حال الرق؟ على القولين على ما ذكرناه في الصبي فإن قلنا إنه يصح منه القضاء فهل للسيد منعه؟ منه يبنى على الوجهين في أن القضاء على الفور أم لا فإن قلنا إن القضاء على التراخي فله منعه لأن حق السيد على الفور فقدم على الحج وإن قلنا على الفور ففيه وجهان: أحدهما أنه لا يملك منعه لأن موجب ما أذن فيه وهو الحج فصار كما لو أذن فيه والثاني أنه يملك منعه لأن المأذون فيه حجة صحيحية فإن أعتق بعد التحلل من الفاسد وقبل القضاء لم يجز أن يقضي حتى يحج الإسلام ثم يقضي وإن أعتق قبل التحلل من الفاسد نظرت فإن كان بعد الوقوف مضى في فاسده ثم يحج حجة الإسلام في السنة الثانية ثم يحج عن القضاء في السنة الثالثة وإن أعتق قبل الوقوف مضى في فاسده ثم يقضي ويجزئه ذلك عن القضاء وعن حجة الإسلام لأنه لو لم يفسد لكان أداؤه يجزئه عن حجة الإسلام فإذا فسد وجب أن يجزئه قضاؤه عن حجة الإسلام. فصل: وإن وطئ وهو قارن وجب مع البدنة دم القران لأنه دم وجب بغير الوطء فلا يسقط بالوطء كدم الطيب. فصل: وإن وطئ ثم وطئ ولم يكفر عن الأول ففيه قولان: قال في القديم يجب عليه بدنة واحدة كما لو زنى ثم زنى كفاه لهما حد واحد وقال في الجديد يجب عليه للثاني كفارة أخرى وفي الكفارة الثانية قولان: أحدهما شاة لأنها مباشرة لا توجب الفساد فوجبت فيها شاة كالقبلة بشهوة والثاني يلزمه بدنة لأنه وطء في إحرام منعقد فأشبه الوطء في إحرام صحيح وإن وطئ بعد التحلل الأول لم يفسد حجه لأنه قد زال الإحرام فلا يلحقه فساد وعليه كفارة وفي كفارته قولان: أحدهما بدنة لأنه وطيء في حال يحرم فيه الوطء فأشبه ما قبل التحلل والثاني أنها شاة لأنها مباشرة لا توجب الفساد فكانت كفارته شاة كالمباشرة فيما دون الفرج وإن جامع في قضاء الحج لزمته بدنة ولا يلزمه إلا قضاء حجة واحدة لأن المقضى واحد فلا يلزمه أكثر منه.

стр. 440

فصل: والوطء في الدبر واللواط وإتيان البهيمة كالوطء في القبل في جميع ما ذكرناه لأن الجميع وطء. فصل: وإن قبلها بشهوة أو باشرها فيما دون الفرج بشهوة لم يفسد حجه لأنها مباشرة لا توجب الحد فلم تفسد الحج كالمباشرة بغير شهوة ويجب عليه فدية الأذى لأنه استمتاع لا يفسد الحج فكانت كفارته ككفارة فدية الأذى والطيب والاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج لأنه بمنزلتها في التحريم والتعزير فكان بمنزلتها في الكفارة. فصل: وإن قتل صيد نظرت فإن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم والنعم هي الإبل والبقر والغنم والدليل عليه قوله ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فيجب في النعامة بدنة وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة وفي الضبع كبش وفي الغزال عنز وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة لما روي عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن الزبير ومعاوية ﵃ أنهم قضوا في النعامة ببدنة وعن عمر ﵁ أنه جعل في حمار الوحش بقرة وحكم في الضبع بكبش وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وعن عثمان ﵁ أنه حكم في أم حبين بحلان وهو الحمل فما حكم في الصحابة فلا يحتاج إلى اجتهاد وما لم تحكم في الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة لقوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً﴾ [المائدة:٩٥] وروى قبيصة بن جابر الأسدي قال: أصبت ظبياً وأنا محرم فأتيت عمر ﵁ ومعي صاحب لي فذكرت له فأقبل على رجل إلى جنبه فشاوره فقال لي: اذبح شاة فلما انصرفنا قلت لصاحبي إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول فسمعني فأقبل علي ضرباً بالدرة وقال: أتقتل صيداً وأنت محرم وتغمص الفتيا أي تحتقرها وتطعن فيها قال الله عز

стр. 441

وجل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] ها أنا ذا عمر وهذا ابن عوف والمستحب أن يكونا فقيهين وهل يجوز أن يكون القاتل أحدهما؟ فيه وجهان: أحدهما لا يجوز كما لا يجوز أن يكون المتلف للمال أحد المقومين والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأنه يجب عليه لحق الله تعالى فجاز أن يجعل من يجب عليه أميناً فيه كرب المال في الزكاة ويجوز أن يفدى الصغير بالصغير والكبير بالكبير فإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار جاز لأن المقصود فيهما واحد. فصل: وإذا وجب عليه المثل فهو بالخيار بين أن يذبح المثل ويفرقه وبين أن يقومه بالدراهم والدراهم طعاماً ويتصدق به وبين أن يصوم عن كل مد يوماً لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة:٩٥] . فصل: وإن جرح صيداً له مثل فنقص قيمته فالمنصوص أنه يجب عليه عشر ثمن المثل وقال بعض أصحابنا يجب عليه عشر المثل وتأول النص عليه إذا لم يجد عشر المثل لأن ما ضمن كله بالمثل ضمن بعضه بالمثل كالطعام والدليل على المنصوص أن إيجاب بعض المثل يشق فوجب العدول إلى القيمة كما عدل في خمس من الإبل إلى الشاة حين شق إيجاب جزء من البعير وإن ضرب صيداً حاملاً فأسقطت ولداً حياً ثم ماتا ضمن الأم بمثلها وضمن الولد بمثله وإن ضربها فأسقطت جنيناً ميتاً والأم حية ضمن ما بين قيمتها حاملاً وحائلاً ولا يضمن الجنين. فصل: وإن كان الصيد لا مثل له من النعم وجب عليه قيمته في الموضع الذي أتلفه فيه لما روي أن مروان سأل ابن عباس ﵁ عن الصيد يصيده المحرم ولا مثل له من النعم قال ابن عباس: ثمنه يهدى إلى مكة ولأنه تعذر إيجاب المثل فيه فضمن بالقيمة كمال الآدمي فإذا أراد أن يؤدي فهو الخيار بين أن يشتري بثمنه طعاماً ويفرقه وبين أن يقوم ثمنه طعاماً ويصوم عن كل مد يوماً وإن كان الصيد طائراً نظرت فإن كان حماماً وهو الذي يعب ويهدر كالذي يقتنيه الناس في البيوت كالدبسي والقمري والفاختة فإنه يجب فيه شاة لأنه روي ذلك عن عمر وعثمان ونافع بن عبد الحارث وابن

стр. 442

عباس ﵃ ولأن الحمام يشبه الغنم لأنه يعب ويهدر كالغنم فضمن به وإن كان أصغر من الحمام كالعصفور والبلبل والجراد ضمنه بالقيمة لأنه لا مثل له فضمن بالقيمة وإن كان أكبر من الحمام كالقطا واليعقوب والبط والأوز فيه قولان: أحدهما يجب فيه شاة لأنها إذا وجبت في الحمام فلأن تجب في هذا وهو أكبر أولى والثاني أنه يجب فيها قيمتها لأنه لا مثل لها من النعم فضمن بالقيمة وإن كسر بيض صيد ضمنه بالقيمة وإن نتف ريش طائر ثم نبت ففيه وجهان: أحدهما لا يضمن والثاني يضمن بناء على القولين فيمن قلع شيئاً ثم نبت. فصل: وإن قتل صيداً بعد صيد لكل واحد منهما جزاء لأنه ضمان متلف فيتكرر بتكرر الإتلاف وإن اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد وجب عليهم جزاء واحد لأنه بدل متلف يتجزأ فإذا اشترك الجماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقيم المتلفات وإذا اشترك حلال وحرام في قتل صيد وجب على المحرم نصف الجزاء ولم يجب على الحلال شيء كما لو اشترك رجل وسبع في قتل آدمي وإن أمسك محرم صيداً فقتله حلال ضمنه المحرم بالجزاء ثم يرجع به على القاتل لأن القاتل أدخله في الضمان فرجع عليه كما لو غصب مالاً من رجل فأتلفه آخر في يده. فصل: وإن جنى على صيد فأزال امتناعه نظرت فإن قتله غيره ففيه طريقان: قال أبو العباس: عليه ضمان ما نقص وعلى القاتل جزاؤه مجروحاً إن كان محرماً ولا شيء عليه إن كان حلالاً وقال غيره فيه قولان: أحدهما عليه ضمان ما نقص لأنه جرح ولم يقتل فلا يلزمه جزاء كامل كما لو بقي ممتنعاً ولأنا لو أوجبنا عليه جزاء كاملاً وعلى القاتل وإن كان محرماً - جزاء كاملاً سوينا بين القاتل والجارح ولأنه يؤدي إلى أن نوجب

стр. 443

على الجارح أكثر مما يجب على القاتل لأنه يجب على الجارح جزاؤه صحيحاً وعلى القاتل جزاؤه مجروحاً وهذا خلاف الأصول والقول الثاني أنه يجب عليه جزاؤه كاملاً لأنه جعله غير ممتنع فأشبه الهالك فأما إذا كسره ثم أخذه وأطعمه وسقاه حتى بريء نظرت فإن عاد ممتنعاً ففيه وجهان كما قلنا فيمن نتف ريش طائر فعاد ونبت فإن لم يعد ممتنعاً فهو على القولين أحدهما يلزمه ضمان ما نقص والثاني يلزمه جزاء كامل. فصل: والمفرد والقارن في كفارات الإحرام واحد لأن القارن كالمفرد في الأفعال فكان كالمفرد في الكفارات. فصل: ويحرم صيد الحرم على الحلال والمحرم لما روى ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى حرم مكة لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها١" فقال العباس ﵁: إلا الإذخر لصاغتنا فقال: إلا الإذخر وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء فإن قتل محرم صيداً في الحرم لزمه جزاء واحد لأن المقتول واحد فكان الجزاء واحدا كما لو

стр. 444

قتله في الحل وإن اصطاد الحلال صيداً في الحل وأدخله إلى الحرم جاز له التصرف فيه بالإمساك والذبح وغير ذلك مما كان يملكه قبل أن يدخله إلى الحرم لأنه من صيد الحل فلم يمنع من التصرف فيه وإن ذبح الحلال صيداً من صيود الحرم لم يحل له أكله وهل يحرم على غيره فيه طريقان من أصحابنا من قال: هو على قولين كالمحرم إذا ذبح صيداً ومنهم من قال: يحرم ههنا قولاً واحداً لأن الصيد في الحرم محرم على كل أحد فهو كالحيوان الذي لا يؤكل فإن رمى من الحل إلى صيد في الحرم فأصابه لزمه الضمان لأن الصيد في موضع أمنه وإن رمى من المحرم إلى صيد في الحل فأصابه لزمه ضمانه لأن كونه في الحرم يوجب عليه تحريم الصيد فإن رمى من الحل إلى صيد في الحل ومر السهم في موضع من الحرم فأصابه فيه وجهان: أحدهما يضمنه لأن السهم مر من الحرم إلى الصيد والثاني لا يضمنه لأن الصيد في الحل والرمي في الحل وإن كان في الحرم شجرة وأغصانها في الحل فوقعت حمامة على غصن في الحل فرماه من الحل فأصابه لم يضمنه لأن الحمام غير تابع للشجر فهو كطير في هواء الحل وإن رمى صيداً في الحل فعدل السهم فأصاب صيداً في الحرم فقتله لزمه الجزاء لأن العمد والخطأ في ضمان الصيد واحد وإن أرسل كلباً في الحل على صيد في الحل فدخل الصيد الحرم وتبعه الكلب فقتله لم يلزمه الجزاء لأن الكلب اختياراً وقد دخل إلى الحرم باختياره بخلاف السهم قال في الإملاء: إذا أمسك الحلال صيداً في الحل وله فرخ في الحرم فمات الصيد في يده ومات الفرخ لأنه مات في الحرم بسبب من جهته ولا يضمن الأم لأنه صيد في الحل مات في يد الحلال. فصل: وإن دخل كافر إلى الحرم فقتل فيه صيداً فقد قال بعض أصحابنا: يجب عليه الضمان لأنه ضمان يتعلق بالإتلاف فاستوى فيه المسلم والكافر كضمان الأموال ويحتمل عندي أنه لا ضمان عليه لأنه غير ملتزم لحرمة الحرم فلم يضمن صيده. فصل: ويحرم عليه قطع شجر الحرم ومن أصحابنا من قال: ما أنبته الآدميون يجوز قلعه والمذهب الأول لحديث ابن عباس ﵄ ولأن ما حرم لحرمة الحرام استوى فيه المباح والمملوك كالصيد ويجب فيه الجزاء فإن كانت شجرة كبيرة ضمنها ببقرة وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه

стр. 445

قال: في الدوحة بقرة وفي الشجرة الجزلة شاة فإن قطع غصناً منها ضمن ما نقص فإن نبت مكانه فهل يسقط عنه الضمان؟ على قولين بناء على القولين في السن إذا قلع ثم نبت ويجوز أخذ الورق ولا يضمنه لأنه لا يضربها وإن قلع شجرة من الحرم لزمه ردها إلى موضعها كما إذا أخذ صيداً منه لزمه تخليته فإن أعادها إلى موضعها فنبتت لم يلزمه شيء وإن لم تبت وجب عليه ضمانها. فصل: ويحرم قطع حشيش الحرم لقوله ﷺ "ولا يختلى خلاها" ويضمنه لأنه ممنوع من قطعه لحرمة الحرم فضمنه كالشجر وإن قطع الحشيش فنبت مكانه لم يلزمه الضمان قولاً واحداً لأن ذلك يستخلف في العادة فهو كسن الصبي إذا قلعه فنبت مكانه بخلاف الأغصان ويجوز قطع الإذخر لحديث ابن عباس ﵁ ولأن الحاجة تدعو إليه ويجوز رعي الحشيش لأن الحاجة تدعو إلى ذلك فجاز كقطع الإذخر ويجوز قطع العوسج والشوك لأنه مؤذ فلم يمنع من إتلافه كالسبع والذئب. فصل: ولا يجوز إخراج تراب الحرم وأحجاره لما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما كانا يكرهان أن يخرج من تراب الحرم إلى الحل أو يدخل من تراب الحل إلى الحرم وروى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: قدمت مع أمي أو مع جدتي مكة فأتينا صفية بنت شيبة فأرسلت إلى الصفا فقطعت حجراً من جنابه فخرجنا به فنزلنا أول منزل فذكر من علتهم جميعاً فقالت أمي أو جدتي: ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم قال: وكنت أنا أمثلهم فقالت لي: انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها وقل لها: إن الله وضع في حرمه شيئاً لا ينبغي أن يخرج منه قال عبد الأعلى: فما هو إلا ان نحينا ذلك فكأنما أنشطنا من عقال ويجوز إخراج ماء زمزم لما روي أن رسول الله ﷺ استهدى راوية من ماء زمزم فبعث إليه براوية من ماء ولأن الماء يستخلف بخلاف التراب والأحجار.

стр. 446

فصل: ويحرم صيد المدينة وقطع شجرها لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "حرم إبراهيم مكة وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد١" فإن قتل فيها صيداً ففيه قولان: قال في القديم يسلب القاتل لما روي أن سعد بن أبي وقاص ﵁ أخذ سلب رجل قتل صيداً في المدينة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من وجدتموه يقتل صيداً في حرم المدينة فأسلبوه٢" وقال في الجديد: لا يسلب لأنه وضع يجوز دخوله بغير إحرام فلا يضمن كصيدوج فإن قلنا يسلب دفع سلبه إلى مساكين المدينة كما يدفع جزاء صيد مكة إلى مساكين مكة وقال شيخنا القاضي أبو الطيب: يكون سلبه لمن أخذه لأن سعد بن أبي وقاص أخذ سلب القاتل وقال طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ . فصل: ويحرم قتل صيدوج وهو واد بالطائف لما روي أن النبي ﷺ نهى عن قتل صيدوج فإن قتل صيداً لم يضمنه بالجزاء ولم يسلب القاتل لأن الجزاء وجب بالشرع والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم وصيدوج لا يبلغ الحرم في الحرمة فلم يلحق به في الجزاء. فصل: وإذا وجب على المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران ودم الطيب وجزاء الصيد وجب عليه صرفه إلى مساكين الحرم لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] فإن ذبحه في الحل وأدخله إلى الحرم نظرت فإن تغير وأنتن لم يجز لأن

стр. 447

المستحق لحم كامل غير متغير فلم يجزه المنتن المتغير وإن لم يتغير ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فاختص بالحرم كالتفرقة والثاني يجزئه لأن المقصود هو اللحم وقد أوصل ذلك إليهم وإن وجب عليه طعام وجب عليه صرفه إلى مساكين الحرم قياساً على الهدي وإن وجب عليه صوم جاز أن يصوم في كل مكان لأنه لا منفعة لأهل الحرم في صيامه فإن وجب عليه هدي وأحصر عن المحرم جاز أن يذبح ويفرق حيث أحصر لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحالت كفار قرش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وبين الحديبية وبين الحرم ثلاثة أميال ولأنه إذا جاز أن يتحلل في غير موضع التحلل لأجل الإحصار جاز أن ينحر الهدي في غير موضع النحر والله أعلم.

стр. 448

باب صفة الحج والعمرة ... باب صفة الحج العمرة إذا أراد دخول مكة وهو محرم بالحج اغتسل بذي طوى لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لما جاء وادي طوى بات حتى صلى الصبح فاغتسل ثم دخل من ثنية كداء ويدخل من ثنية كداء من أعلى مكة ويخرج من السفل لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى وإذا رأى البيت دعا لما روى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة" ويستحب أن يرفع اليد في دعاء لما روى ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "ترفع الأيدي في الدعاء لاستقبال البيت" ويستحب أن يقول: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن

стр. 449

حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً لما روى ابن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال ذلك ويضيف إليه: "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام" لما روى أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال ذلك. فصل: ويبتدئ بطواف القدوم لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت فإن خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة أتى بها قبل الطواف لأنها تفوت والطواف لا يفوت وهذا الطواف سنة لأنه تحية فلم يجب كتحية المسجد ومن شرط الطواف الطهارة لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام" ومن شرطه ستر العورة لما روي أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ﵁ إلى مكة فنادى ألا لا يطوفن بالبيت مشرك ولا عريان وهل يفتقر إلى النية فيه وجهان: أحدهما يفتقر إلى النية لأنها عبادة تفتقر إلى الستر فافتقرت إلى النية كركعتي المقام والثاني لا يفتقر لأن نية الحج تأتي عليه كما تأتي على الوقوف والسنة أن يضطبع فيجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويطرح طرفيه على منكبه الأيسر ويكشف الأيمن لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا فأمرهم النبي ﷺ فاضطبعوا فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عواتقهم يرملون.

стр. 450

ويطوف سبعاً لما روى جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى وإن ترك السبعة لم يجزه لأن النبي ﷺ طاف سبعاً وقال: "خذوا عني مناسككم١" ولا يجزئه حتى يطوف حول جميع البيت فإن طاف على جدار الحجر لم يجزه لأن الحجر من البيت والدليل عليه ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "الحجر من البيت" فإن طاف على شاذروان الكعبة لم يجزه لأن ذلك كله من البيت والأفضل أن يطوف بالبيت راجلاً لأنه إذا طاف راكباً زاحم الناس وآذاهم فإن كان به مرض يشق معه الطواف راجلاً لم يكره الطواف راكباً لما روت أم سلمة ﵂ أنها قدمت مريضة فقال لها رسول الله ﷺ "طوفي وراء الناس وأنت راكبة" فإن طاف راكباً من غير عذر جاز لما روى جابر أن النبي ﷺ طاف راكباً ليراه الناس ويسألوه فإن حمل محرم محرماً به ونويا جميعاً لم يجز عنهما جميعاً لأنه طواف واحد فلا يسقط به طوفان ولمن يكون الطواف فيه قولان: أحدهما للمحمول لأن الحامل كالراحلة والثاني أنه للحامل لأن المحمول لم يوجد منه فعل وإنما الفعل للحامل فكان الطواف له ويبتدئ الطواف من الحجر الأسود والمستحب أن يستقبل الحجر الأسود

стр. 451

لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ استقبله ووضع شفتيه عليه فإن لم يستقبله جاز لأنه جزء من البيت فلا يجب استقباله كسائر أجزاء البيت ويحاذيه ببدنه لا يجزئه غيره وهل تجزئه المحاذاة ببعض البدن فيه قولان قال في القديم: تجزئه محاذاته ببعضه لأنه لما جاز محاذاة بعض الحجر جاز محاذاته ببعض البدن وقال في الجديد يجب أن يحاذيه بجميع البدن لأن ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن كالاستقبال في الصلاة ويستحب أن يستلم الحجر لما روى ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قدم مكة يستلم الركن الأسود أول ما يطوف ويستحب أن يستفتح الاستلام بالتكبير لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يطوف على راحلته كلما أتى على الركن أشار بشيء في يده وكبر وقبله ويستحب أن يقبله لما روى ابن عمر أن عمر ﵁ قبل الحجر ثم قال: والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك وإن لم يمكنه أن يستلم أو يقبل من الزحام أشار إليه بيده لما روى أبو مالك سعد بن طارق عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف حول البيت فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله ﷺ بمحجن بيده ولا يشير إلى القبلة بالفم لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ويستحب أن يقول عند الاستلام وابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك ﷺ لما روى جابر أن النبي ﷺ استلم الركن الذي فيه الحجر وكبر وقال: "اللهم وفاء بعهدك وتصديقاً بكتابك" وعن علي كرم الله وجهه أنه كان يقول إذا استلم: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ وعن ابن عمر ﵄ مثله ثم يطوف فيجعل البيت على يساره

стр. 452

ويطوف على يمينه لما روى جابر أن النبي ﷺ لما أخذ في الطواف أخذ عن يمينه فإن طاف على يساره لم يجزه لأن النبي ﷺ طاف على يمينه وقال: "خذوا عني مناسككم" ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فاستحق فيها الترتيب كالصلاة والمستحب أن يدنو من البيت لأنه هو المقصود فكان القرب منه أفضل فإذا بلغ الركن اليماني فالمستحب أن يستلمه لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يستلم الركن اليماني والأسود ولا يستلم الآخرين ولأنه ركن بنى على قواعد إبراهيم ﵇ فيسن فيه الاستلام كالركن الأسود ويستحب أن يستلم الركنين في كل طوفة لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يستلم الركنين في كل طوفة ويستحب كلما حاذى الحجر الأسود أن يكبر ويقبله لأنه مشروع في محل فتكرر بتكرره كالاستلام ويستحب إذا استلم أن يقبل يده لما روى نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده وقبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله ويستحب أن يدعو بين الركن اليماني والركن الأسود لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: عند الركن اليماني ملك قائم يقول آمين آمين فإذا مررتم به فقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. فصل: والسنة أن يرمل في الثلاثة الأولى ويمشي في الأربعة لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً فإن كان راكباً حرك دابته في موضع الرمل وإن كان محمولاً رمل به الحامل ويستحب أن يقول في رمله اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً ويدعو بما أحب من أمر

стр. 453

الدين والدنيا قال في الأم: يستحب أن يقرأ القرآن لأنه موضع ذكر والقرآن من أعظم الذكر فإن ترك الرمل في الثلاث لم يقض في الأربعة لأنه هيئة في محل فلا يقضي في غيره كالجهر بالقراءة في الأوليين ولأن السنة في الأربع المشي فإذا قضى الرمل في الأربعة أخل بالسنة في جميع الطواف وإذا اضطبع ورمل في طواف القدوم نظرت فإن سعى بعده لم يعد الرمل والاضطباع في طواف الزيارة لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً فدل على أنه لم يعد في غيره وإن لم يسع بعده وأخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة اضطبع ورمل في طواف الزيارة لأنه يحتاج إلى الاضطباع للمسعى فكره أن يفعل ذلك في السعي ولا يفعله في الطواف وإن طاف للقدوم وسعى بعده ونسي الرمل والاضطباع في الطواف فهل يقضي في طواف الزيارة؟ فيه وجهان: أحدهما أنه يقضي لأنه لم يقض فإنه سنة الرمل والاضطباع ومن أصحابنا من قال لا يقضي وهو المذهب لأنه لو جاز أن يقضي الرمل لقضاه في الأشواط الأربعة فإن ترك الرمل والاضطباع والاستلام والتقبيل والدعاء في الطواف جاز ولم يلزمه شيء لأن الرمل والاضطباع هيئة فلم يتعلق بتركها جبران كالجهر والاسرار في القراءة والتورك والافتراش في التشهد والاستلام والتقبيل والدعاء كمال فلا يتعلق به جبران كالتسبيح في الركوع والسجود ولا ترمل المرأة ولا تضطبع لأن في الرمل تلين أعضاؤها وفي الاضطباع ينكشف ما هو عورة منها ويجوز الكلام في الطواف لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام" والأفضل أن لا يتكلم لما روى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من طاف بالبيت سبعاً لم يتكلم فيه إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" وإن أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو عرضت له حاجة لا بد منها قطع الطواف فإذا فرغ بنى لما

стр. 454

روي أن ابن عمر ﵄ كان يطوف بالبيت فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه وإن أحدث وهو في الطواف توضأ وبنى لأنه يجوز إفراد بعضه عن بعض فإذا بطل ما صادفه الحدث منه لم يبطل الباقي فجاز له البناء عليه. فصل: وإذا فرغ من الطواف صلى ركعتي الطواف وهل يجب ذلك أم لا فيه قولان: أحدهما أنها واجبة لقوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] الأمر يقتضي الوجوب والثاني لا يجب لأنها صلاة زائدة على الصلوات الخمس فلم تجب بالشرع على الأعيان كسائر النوافل والمستحب أن يصليهما عند المقام لما روى جابر أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين فإن صلاهما في مكان آخر جاز لما روي أن عمر ﵁ طاف بعد الصبح ولم ير أن الشمس قد طلعت فركب فلما أتى ذا طوى أناخ راحلته وصلى ركعتين وكان ابن عمر ﵄ يطوف بالبيت ويصلي ركعتين في البيت والمستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما روى جابر أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الطواف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم يعود إلى الركن فيستلمه ويخرج من باب الصفا لما روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ طاف سبعاً وصلى ركعتين ثم رجع إلى الحجر فاستلمه ثم خرج من باب الصفا. فصل: ثم يسعى وهو ركن من أركان الحج لما روي أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم" فلا يصح السعي إلا بعد طواف فإن سعى ثم طاف لم يعتد بالسعي لما روى ابن عمر قال: لما قدم رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ثم طاف بين الصفا والمروة سبعاً قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فنحن نصنع ما صنع رسول الله ﷺ والسعي أن

стр. 455

يمر سبع مرات بين الصفا والمروة لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "نبدأ بالذي بدأ الله به" وبدأ بالصفا حتى فرغ من آخر سعيه على المروة فإن مر من الصفا إلى المروة حسب ذلك مرة وإذا رجع من المروة إلى الصفا حسب ذلك مرة أخرى وقال أبو بكر الصيرفي: لا يحتسب رجوعه من المروة إلى الصفا مرة وهذا خطأ لأنه استوفى ما بينهما بالسعي فحسب مرة كما لو بدأ من الصفا وجاء إلى المروة فإن بدأ بالمروة وسعى إلى الصفا فلم يجزه لما روي أن النبي ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به" ويرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبله ويقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لما روى جابر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الصفا فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى إذا رأى البيت توجه إليه وكبر ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا ثم قال مثل هذا ثلاثاً ثم نزل ثم يدعو لنفسه بما أحب من أمر الدين والدنيا لما روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يدعو بعد التهليل والتكبير لنفسه فإذا فرغ من الدعاء نزل من الصفا ويمشي حتى

стр. 456

يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحو من ستة أذرع فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم يمشي حتى يصعد المروة لما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه فإذا صعد مشى حتى يأتي المروة والمستحب أن يقول بين الصفا والمروة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبي ﷺ قال ذلك فإن ترك السعي ومشى في الجميع جاز لما روي أن ابن عمر ﵁ كان يمشي بين الصفا والمروة وقال: إن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير وإن سعى راكباً جاز لما روى جابر قال: طاف النبي ﷺ في طواف حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس ويسألوه والمستحب إذا صعد المروة أن يفعل مثل ما فعل على الصفا لما روى جابر أن النبي ﷺ فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا قال في الأم: فإن سعى بين الصفا والمروة ولم يرق عليهما أجزأه وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يجزئه حتى يرقى عليهما ليتيقن أنه استوفى السعي بينهما وهذا لا يصح لأن المستحق هو السعي بينهما وقد فعل ذلك وإن كانت امرأة ذات جمال فالمستحب أن تطوف وتسعى ليلاً فإن فعلت ذلك نهاراً مشت في موضع السعي وإن اقيمت الصلاة أو عرض عارض قطع السعي فإذا فرغ بنى لما روي أن ابن عمر ﵄ كان يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ ثم قام فأتم على ما مضى. فصل: ويخطب الإمام اليوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر بمكة ويأمر الناس بالغدو من الغد إلى منى وهي إحدى الخطب الأربع المسنونة في الحج والدليل عليه ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم ويخرج إلى منى في اليوم الثامن ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويثبت بها إلى أن يصلي الصبح لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى يوم التروية بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة فإذا طلعت الشمس سار إلى الموقف لما روى جابر ﵁ قال: ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ثم ركب فأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها فإذا زالت الشمس

стр. 457

خطب الإمام وهي الخطبة الثانية من الخطب الأربع فيخطب خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم إلى الثانية ويبتدئ المؤذن بالأذان حتى يكون فراغ الإمام مع فراغ المؤذن لما روي أن سالم بن عبد الله قال للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر ﵄: صدق ثم يصلي الظهر والعصر اقتداء برسول الله ﷺ . فصل: ثم يروح إلى عرفة ويقف والوقوف ركن من أركان الحج لما روى عبد الرحمن الديلي أن رسول الله ﷺ قال: "الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج١" والمستحب أن يغتسل لما روى نافع أن ابن عمر ﵄ كان يغتسل إذا راح إلى عرفة ولأنه قربة يجتمع بها الخلق في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيد ويصح الوقوف في جميع عرفة لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "عرفة كلها موقف٢" والأفضل أن يقف عند الصخرات لأن رسول الله ﷺ وقف عند الصخرات وجعل بطن ناقته إلى الصخرات ويستحب أن يستقبل القبلة لأن النبي ﷺ استقبل القبلة ولأنه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى لأن النبي ﷺ قال: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ويستحب الإكثار من الدعاء وأفضله لا إله إلا الله وحده لا شريك له لما روى طلحة بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة وافضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله

стр. 458

وحده لا شريك له١" ويستحب أن يرفع يديه لما روى ابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ترفع الأيدي عند الموقفين" يعني عرفة والمشعر الحرام وهل الأفضل أن يكون راكباً أم لا؟ فيه قولان: قال في الأم: النازل والراكب سواء وقال في القديم والإملاء: الوقوف راكباً أفضل وهو الصحيح لأن رسول الله ﷺ وقف راكباً ولأن الراكب أقوى على الدعاء فكان الركوب أولى ولهذا كان الإفطار بعرفة أفضل لأن المفطر أقوى على الوقوف والدعاء وأول وقته إذا زالت الشمس لما روي أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال وقد قال ﷺ خذوا عني مناسككم وآخر وقته إلى أن يطلع الفجر الثاني لحديث عبد الرحمن الديلي فإن حصل بعرفة في وقت الوقوف قائماً أو قاعداً أو مجتازاً فقد أدرك الحج لقوله ﷺ : "من صلى هذه الصلاة معنا وقد قام قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" وإن وقف وهو مغمى عليه لم يدرك الحج وإن وقف وهو نائم فقد أدرك الحج لأن المغمى عليه ليس من أهل العبادات والنائم من أهل العبادات ولهذا لو أغمي عليه في جميع نهار الصوم لم يصح صومه وإن نام في جميع النهار صح صومه وإن وقف وهو لا يعلم أنه عرفة فقد أدرك لأنه وقف بها وهو مكلف فأشبه إذا علم أنها عرفة والسنة أن يقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس لما روى علي كرم الله وجهه قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة ثم أفاض حين غابت الشمس فإن دفع منها قبل الغروب نظرت فإن رجع إليها قبل طلوع الفجر لم يلزمه شيء لأنه جمع في الوقوف بين الليل والنهار فأشبه إذا أقام بها إلى أن غربت الشمس فإن لم يرجع قبل طلوع الفجر أراق دماً وهل يجب ذلك أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما يجب لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك نسكاً فعليه دم" لأنه نسك يختص بمكان فجاز أن يجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات والثاني أنه يستحب لأنه وقف في إحدى زماني الوقوف فلا يلزمه دم للزمان الآخر كما لو وقف في الليل دون النهار. فصل: وإذا غربت الشمس دفع إلى المزدلفة لحديث علي كرم الله وجهه ويمشي

стр. 459

وعليه السكينة لما روى الفضل ابن العباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا "عليكم بالسكينة" فإذا وجد فرجة أسرع لما روى أسامة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ويجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة على ما بيناه في كتاب الصلاة فإن صلى كل واحدة منهما في وقتها جاز لأن الجمع رخصة لأجل السفر فجاز له تركه ويثبت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني لما روى جابر أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء واضجع حتى إذا طلع الفجر صلى الفجر وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر١" وهل يجب المبيت بمزدلفة أم لا؟ فيه قولان: أحدهما يجب لأنه نسك مقصود في موضع فكان واجباً كالرمي والثاني أنه سنة لأنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة فإن قلنا إنه يجب وجب تركه الدم وإن قلنا أنه سنة لم يجب بتركه الدم ويستحب أن يؤخذ منها

стр. 460

حصى جمرة العقبة لما روى الفضل بن العباس أن النبي ﷺ قال غداة يوم النحر القط لي حصى فلقطت له حصيات مثل حصى الحذف ولأن السنة إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمي فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشغل عن الرمي وإن أخذ الحصى من غيرها جاز لأن الاسم يقع عليه ويصلي الصبح بالمزدلفة في أول الوقت وتقديمها أفضل لما روى عبد الله قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها ولأنه يستحب الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر الدعاء فإن صلى وقف على قزح وهو المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويدعو الله تعالى لما روى جابر أن النبي ﷺ ركب القصواء حتى رقى على المشعر الحرام واستقبل القبلة فدعا الله وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس والمستحب أن يدفع قبل طلوع الشمس لحديث جابر فإن أخر الدفع حتى طلعت الشمس كره لما روى المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: "كانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس على رؤوس الجبال كأنهم عمائم الرجال في وجوههم وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ليخالف هدينا هدي أهل الأوثان والشرك" فإن قدم الدفع بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز لما روت عائشة ﵂ أن سودة ﵂ كانت امرأة ثبطة فاستأذنت سول الله ﷺ في تعجيل
следующие страницы →