← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11814

المسودة في أصول الفقه

مجد الدين بن تيمية

Полный текст (1 027 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بخطاب من الله أو١ من جهته ولهذا ذكرت هذه المسألة في الاوامر أعنى مسألة الخطاب وقد ذكر عن التميمي وأبى الخطاب التوقف في ذلك [وأخذ] من كلام أحمد ما يشبه رواية والصواب عنه العكس وعلى هذا فالفعل إذا كان تفسيرا لمجمل شملنا واياه أو امتثالا لامر شملنا واياه لم يحتج الى هذا الأصل وقد يكون هذا من طريق الأولى بأن يعلم سبب التحريم في حقه وهو في حقنا أشد أو سبب٢ الاباحة أو الوجوب. الأصل الثاني أن نفس فعله يدل على حكمه ﷺ إما حكم معين أو حكم مطلق وأدنى الدرجات الاباحة وعلى تعليل التميمي بتجويز الصغائر يتوقف في دلالته في حقه على حكمه وقد اختلف أصحابنا في مذهب أحمد هل يؤخذ٣ فعله على وجهين ومثل هذا تعليله بتجويز النسيان والسهو لكن هذا٤ مأخذ ردىء فإنه لا يقر على ذلك والكلام في فعل لم يظهر عليه عتاب فمتى ثبت أن الفعل يدل على حكم كذا وثبت [أنا مساوون] له في الحكم ثبت الحكم في حقنا. [الأصل الثالث أن الفعل هل يقتضى حكما في حقنا] ٥ من الوجوب مثلا وإن لم يكن واجبا عليه كما يجب على المأموم متابعة الامام فيما لا يجب على الامام وعلى الجيش متابعة الامام فيما لا يجب على الامام وعلى الحجيج موافقة الامام في المقام بالمعرف الى افاضة الامام هذا ممكن أيضا بل من الممكن أن يكون [سبب] الوجوب في حقه معدوما في حقنا ويجب علينا لاجل المتابعة ونحوها كما يجب علينا

стр. 142

الرمل والاضطباع مع عدم السبب الموجب له في حق الأولين أو سبب الاستحباب منتفيا في حقنا وقد نبه القرآن على هذا بقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ١ فصار واجبا عليهم لموافقته ولو لم يكن قد تعين الغزو في ذلك الوقت الى غير ذلك الوجه وهذا الذي ذكرناه في المتابعة قد يقال في كل فعل صدر منه اتفاقا لا قصدا كما كان ابن عمر يفعل في المشى في طريق مكة وكما في تفضيل اخراج التمر وهذا في الاقتداء نظير الامتثال في الأمر فالفائدة قد تكون في نفس تقيدنا بهديه وبأمره وفي نفس الفعل المفعول المأمور به والمقتدى به فهذا أحرى في الاقتداء ينبغى أن تتفطن له فإنه لطيف وطريقة أحمد تقتضيه وهذا في الطرف الآخر من المنافاة لقول من قال المأمور به قد [يرتفع به لارتفاع] علته من غير نسخ فإن أحمد تسرى لأجل المتابعة [واختفي ثلاثا لاجل المتابعة] وقال ما بلغني حديث إلا عملت به حتى أعطى الحجام دينارا وكان يتحرى الموافقة في جميع الأفعال النبوية٢. فصل: احتج القائل بأن فعله لا يدل على وجوبه علينا بأن المتبوع أوكد حالا من المتبع فإذا كان ظاهر فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه فلان لا يدل على وجوبه علينا أولى فقال القاضي هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر فانهم يجعلونه دالا على الوجوب في حق غيره ولا يدل على وجوبه عليه لأن الأمر لا يدخل تحت الأمر عندهم قال: وعلى أنا نقول ان ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه كما تدل على ذلك في حق غيره كما قلنا في أوامره هي لازمه له وهو داخل

стр. 143

تحتها كالمأموم١ سواء ولا فرق بينهما وهذا قياس المذهب. فصل: وليس تركه موجبا علينا ترك ما تركه استدل به المخالف وسلمه القاضي له من غير خلاف ذكره يعتضد بالأمر فإن ترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به وأمره يوجب امتثال ما أمر به.

стр. 144

مسألة: الانبياء معصومون عن كبائر الاثم والفواحش شرعا بالاجماع وأما عقلا فقد ذكر الجوبني أن الذي ذهب إليه طبقات الخلق وجماهير أئمتنا استحالة وقوعها عقلا واختار هو وابن الباقلانى أنها ممتنعة لاجماع حملة الشريعة فأما إذا رددنا الى العقل فليس فيه ما يحيلها نعم لو كان فيما ذكره النبي ﷺ أنه منزه عن الفواحش لاستحالت منه باعتبار قيام دليل لمعجزة على صدقه فيما يخبر به وهذا لا يختص بذلك بل هو في كل خبر يصدر منه.

стр. 145

مسألة: الصغائر لاتوجب الفسق ولا تخرج عن العدالة ... مسألة: فأما الصغائر التي لا توجب الفسق ولا تخرج عن العدالة فجائزة عليهم عقلا عند الجمهور.

стр. 146

مسألة: الانبياء معصومون من الكبائر باجماع الامة إلا قوما لا يعتد بخلافهم.

стр. 147

مسألة: فأما الصغائر فلا نص لاحمد عليه وبه قال١.

стр. 148

مسألة: فأما وقوعها سمعا فهو قولنا وقال أكثر الأشعرية لا يقع وتأولوا النصوص فيه تأويلات متخبطة١ قال الجوبني: والذي عليه [المحصلون]

стр. 149

أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا واثباتا والظواهر مشعرة بوقوعها منهم.

стр. 150

مسألة: فأما جواز النسيان عليهم فيما لا يتعلق بالتكاليف فلا نزاع فيه وكذلك لا نزاع في استحالته منهم إذا أخبروا بأنه لا يقع منهم لقيام معجز صدقهم فأما ما يتعلق بالتكاليف ولم يناقض المعجزة وقوعه فجائز عقلا قال الجوبني: والظواهر دالة على وقوعه ثم حكى أن بعض من لا يجيزها جاحد الحقائق قال إنهم لا يقرون على النسيان بل ينبهون عليه عن قرب قال الجوبني: وهذا لا تحصيل له فليس يمتنع أن يقروا عليه زمنا طويلا لكن لا ينقرض زمانهم وهم مستمرون عليه قال: وهذا متلقى١ من الاجماع لا من مسالك العقول. [ح] فصل: يجوز النسيان على الرسول ﷺ في أحكام الشرع عند جمهور العلماء كما في حديث ذى اليدين وغيره وكما دل عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه بل يعلمه الله به ثم قال الأكثرون شرطه تنبيهه ﷺ على الفور متصلا بالحادثة ولا يقع فيه تأخير وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته واختاره أبو المعالى ومنعت طائفة السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه والستحالته عليه في الاقوال البلاغية وإليه مال أبواسحاق الاسفرائنى قال القاضي: عياض واختلفوا في جواز السهو عليه ﷺ فيما لا يتعلق بالبلاغ وبيان الشرع من أفعاله وعادته وأذكار٢ قلبه فجوزه الجمهور وأما السهو في الاقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده وأما السهو في الاقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق

стр. 151

بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحى فجوزه قوم عليهم قال عياض والحق ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الاخبار كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا لا في صحة ولا في مرض ولا [في موطن] رضا ولا غضب وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع. قلت سيأتى ما يتعلق بهذه المسألة في اجتهاده صلى الله عليه ودعوى الإجماع في الأقوال البلاغية لا تصح وإنما المجمع عليه عدم الإقرار فقط وقوله لم أنس ولم تقصر١ وقوله في حديث إليهودية إنما تفتن يهود ثم بعد أيام أخبر أنه أوحى إليه أنهم يفتنون يدل على عدم ما [رجحه] عياض. ومن مسائل التكليف مسألة في تكليف المستحيل وما لا يطاق. فصل: مسألة تكليف ما لا يطاق على خمسة أقسام الممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين والممتنع في العادة كصعود السماء وعلى ما تعلق به العلم والخبر والمشيئة بأنه لا يكون وعلى جميع أفعال العباد لأنها مخلوقة لله وموقوفة على مشيئته وعلى ما يتعسر فعله لا يتعذر. فالأولان ممتنعان سمعا بالاتفاق وإنما الخلاف في الجواز العقلى على ثلاثة أقوال والثلاثة الباقية واقعة جائزة بلا شك لكن هل يطلق على خلاف المعلوم أو وقفه أنه لا يطاق فيه ثلاثة أقوال أحدها يطلق عليهما والثاني لا يطلق عليهما والثالث الفرق فالخلاف عند التحقيق يرجع الى الجواز العقلى أو الى الاسم اللغوى وأما الشرع فلا خلاف فيه البتة ومن هنا ظهر التخليط.

стр. 152

مسألة: قال المقدسي: والمقتضي بالتكليف فعل كالصلاة وكف كالصوم وترك كالزنا وقيل لا يقتضى الكف إلا أن يتناول التلبس بضد من الاضداد١ فيثاب عليه لا على الترك "ح" وهذا قول الاشعرى وهو قول القدرية وابن أبي الفرج المقدسى وغيرهم قالوا في مسألة الإيمان: الترك في الحقيقة فعل لأنه ضد الحال التي هو عليها وقيل ان قصد [المكلف] ٢ الكف مع التمكن من الفعل أثيب٣ والا فلا ثواب ولا عقاب. [ح] فصل: قال ابن عقيل يجوز تأبيد التكليف إلى غير غاية عند الفقهاء والأشعرية وقالت المعتزلة لا يجوز ذلك لوجوب الجزاء عندهم. فصل: أحكام [خطاب] ٤ الوضع والاخبار. وهو قسمان أحدهما ما يظهر به الحكم كالسبب والعلة والشرط والثاني في الصحة والبطلان.

стр. 153

مسألة: والفاسد١ والباطل بمعنى عندنا وأثبت أبو حنيفة قسمات بين الصحيح والباطل سماه الفاسد وأنه ما كان مشروعا بأصله دون وصفه.

стр. 154

مسألة: مسائل النواهي صيغة لاتفعل ... مسائل النواهي مسألة صيغة لا تفعل من الأعلى للأدنى إذا تجردت عن قرينة فهي نهي واعتبرت المعتزلة ارادة [الترك] وقال الأشعرية لا صيغة له بل هو معنى قائم في النفس كما قالوا في الأمر.

стр. 155

مسألة: النهي يقتضى الترك على الفور والدوام وبه قال الجماعة: وقال أبو بكر بن الباقلانى [زو] والرازى صاحب المحصول لا يقتضى فورا ولا مداومة كالأمر عندهم حكاه القاضي وابن عقيل وغيرهم والأول اختيار الجوبني مع الجماعة وعلل بأن النهي كالنكرة في سياق العموم تعم والأمر كالنكرة في سياق الإثبات.

стр. 156

مسألة: الأصل في النهي التحريم وبه قال الشافعي وأصحابه: وقالت الأشعرية بالوقف١ وحكى أبو الخطاب عن قوم القول بالتنزيه ولم يسمهم وبالغ الشافعى في انكار ذلك ذكره الجوبني في مسألة مفردة في التأويلات واختار الجوبني الجزم٢ بالمنع كما اختار في الأمر الجزم بالفعل ورد مذهب الوقف وصرح بلفظ التحريم في مكان آخر. [ح] فصل: إذا قال: "لاتفعل هذا مرة" فقال القاضي يقتضى الكف مرة فإذا ترك مرة سقط النهي وقال غيره [يقتضى التكرار] ٣.

стр. 157

مسألة إذا تعلق النهي بأشياء بجهة التخيير كقوله لا تكلم زيدا أو بكرا فهو منع من أحدهما لا بعينه عند أصحابنا والشافعية وهو ظاهر كلام أحمد وقول الفقهاء والمتكلمين قاله ابن برهان وقالت المعتزلة وأبو عبد الله الجرجانى يقتضى المنع من كلامهما جميعا وهذا كقولهم في الخصال انها واجبة لكنهم هناك لم يوجبوا الجميع وها [هناك] ١ أوجبوا اجتناب الكل. مسألة النهي عن الشيء أمر بضده إن كان واحدا وإن تعددت فهو أمر بأحدها من حيث المعنى وبه قال أكثر الشافعية: وقال أبو عبد الله الجرجانى

стр. 158

مسألة النهي عن الشيء أمر بضده إن كان واحدا وإن تعددت فهو أمر بأحدها من حيث المعنى وبه قال أكثر الشافعية: وقال أبو عبد الله الجرجانى

стр. 159

لا يكون أمرا بشيء من ذلك كقول أكثر المعتزلة١ وقال بعضهم إن كان له ضد واحد كان أمرا به وإن كان له أضداد لم يكن أمر بشيء منها وذكر [٢أنه مذهب أبي حنيفة وعن الشافعية كالمذاهب الثلاثة وكذلك ذكر] ٢ الجوبني ما يدل عل قول فرقة بالتفصيل وشنع تشنيعا عظيما على من قال: النهي عن الشيء ذى الأضداد أمر بأحد أضداده وقال هذا يؤول إلى موافقة الكعبى ومع ذلك فاختياره أنه لا يكون أمرا بالضد وإن اتحد ثم اختاره في مسألة الأمر.

стр. 160

مسألة: اطلاق النهي يقتضى الفساد نص عليه في مواضع تمسك فيها بالنهي المطلق على الفساد قال القاضي: وهو قول جماعة الفقهاء خلافا للمعتزلة والأشعرية في قولهم لا يقتضى الفساد وهو اختيار أبي بكر القفال وأبى الحسن الكرخى حكاه القاضي وأبو الخطاب وحكى ابن عقيل كمذهبنا عن الجمهور من أصحاب مالك والشافعى وأبى حنيفة منهم الكرخى وعيسى ابن أبان وجميع أهل الظاهر وقوم من المتكلمين وقال ابن برهان اقتضاؤه لفساد قول عامة أصحابنا وبعض الحنفية وقال القفال والكرخى وأبو هاشم [والجبائى] ١ وأبو عبد الله البصرى لا يقتضى الفساد وقال أبو الحسين البصرى يقتضى الفساد في العبادات دون العقود وأما أبو الطيب فحكى أن اقتضاء الفساد قول أكثر أصحابهم وأكثر الحنفية وقول داود قال: ومن أصحابنا من قال: لا يقتضيه وبه قال القفال والمتكلمون وبعض الحنفية قال المقدسي وحكى عن طائفة منهم أبو حنيفة أنه يقتضى الصح [ح] وكذلك حكى ابن نصر المالكى اقتضاء الفساد عن أكثر الفقهاء وحكى ابن عقيل أنه لا يقتضى الفساد عن المعتزلة وأكثر المتكلمين من الأشاعرة [وغيرهم] ١ قال: ثم اختلف يعنى الجمهور في فساده من أى جهة

стр. 161

فقال بعضهم من جهة اللغة واللسان وقال بعضهم من جهة الشرع دون موجب اللغة قال الخطابي: ظاهر النهي يوجب فساد المنهي عنه إلا أن تقوم دلائل١ على خلافه وهذا هو مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه ذكره في الاعلام في النهي عن بيع الكلب.

стр. 162

مسألة: فإن تعلق النهي بمعنى في غير المنهي عنه دل أيضا على الفساد كالبيع [بعد النداء] ١ والصلاة في البقعة المغصوبة عند أصحابنا وداود وبعض أهل الظاهر٢ خلافا لاكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم لا يفيد الفساد ووافقنا أبو هاشم وأتباعه قال الجوبني: وعزى هذا إلى طوائف من الفقهاء وقيل أنه رواية عن [مالك١ واختار] صحة الصلاة في الدار المغصوبة بكلام يقتضى أن البيع لا يصح وقت النداء لكون الشارع٣ لم يرد عنه نهي عن الكون في البقعة الغصب متعلقا بمقصود الصلاة فلو صح نهي مقصود عن الصلاة فيها ولا يصح كما لا تصح صلاة [المحدث] ١ فهذا من كلامه يقتضى فساد البيع وقت النداء لو ورد النهي عنه مقصودا والله أعلم.

стр. 163

مسألة النهي إذا عاد إلى وصف في المنهي عنه كنهي عن الصلاة مع الحدث أو الحيض قال المقدسي: فأبو حنيفة يسمى [المأتى] ١ به فاسدا غير باطل وعندنا أنه كالمنهي عنه [لعينه] ٢ قال: هو قول الشافعى يريد أن الفاسد والباطل بمعنى [واحد] ٣.

стр. 164

مسألة صيغة النهي بعد سابقة الوجوب إذا قلنا ان صيغة الأمر بعد الحظر للاباحة فيه وجهان أحدهما أنه يفيد التنزيه دون التحريم والثاني يفيد

стр. 165

التحريم [ح] واختاره الحلوانى ذكرهما القاضي وقال الجوبني هي١ على الوقف وغلط من ادعى في هذه المسألة اجماعا "ز" وقال ابن عقيل لا يقتضى التحريم [ولا التنزيه بل يقتضى الإسقاط لما أوجبه الأمر وغلط من قال يقتضي التنزيه فضلا عن التحريم] ٢ فصارت على ثلاثة أوجه.

стр. 166

مسألة السجود بين يدى الصنم مع قصد التقرب إلى الله محرم على مذاهب علماء الشريعة ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما المحرم القصد قال الجوبني: وهذا لم أطلع عليه من مصنفاته مع طول بحثى عنها والذي ذكر له من نقل مذهبه أن السجود لا تختلف صفته وإنما المحظورالقصد قال: وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة بحال ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة عن كونها قربات وهو خروج عن دين الأمة١ ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع قصد [وهذا زبدة] كلامه. [ز] فصل: إذا قام دليل على أن النهي [ليس] للفساد لم يكن مجازا لأنه لم ينقل عن جميع موجبه وإنما انتقل عن بعض موجبه فصار كالعموم الذي إذا٢ خرج بعضه بقي حقيقة فيما بقى قاله ابن عقيل قال: وكذا إذا قامت الدلالة على نقله عن التحريم فإنه يبقى [نهيا] حقيقي على التنزيه كما إذا قامت دلالة الأمر على أن الأمر ليس على الوجوب قلت الأول مبنى على أن الفساد مدلول عليه بلفظ النهي [وإلا] فإن كان معلوما بالعقل أو بالشريعة٣ لم يكن [انتفاؤه] مجازا ولا إخراج بعض مدلول

стр. 167

اللفظ وهكذا كل دلالة لزومية فإن ما يخلفها هل يجعل اللفظ مجازا وهل يكون بمنزلة التخصيص.

стр. 168

مسألة: إذا تاب الغاصب وهو في وسط دار مغصوبة فخرج منها تائبا لم يكن عاصيا بحركات خروجه ومشيه فيها اختاره ابن عقيل وهو قول جماعة الشافعية والأشعرية وقال قوم من المعتزلة وغيرهم من المتكلمين لا تصح [توبته] حتى يفارقها وهو عاص [بمشيه] في خروجه. وذكر ابن برهان أن المذهب الأول مما أجمع عليه كافة الفقهاء والمتكلمين وحكى المذهب الثاني عن أبي شمر المرجئ وذكر الجويني أنه قول أبي هاشم وأنه قد عظم النكير عليه من جهة أن هذا الشخص لم يأل جهدا في الإمتثال وإذا كانت حركاته امتثالا استحال جعلها عليه عدوانا ويفارق هذا الصلاة في الدار الغصب لأن العدوان ثم غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصلت الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب والأمر ها هنا بالخروج نحن مدفوعون إليه مباين للعدوان مناقض لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذايلزم أبا هاشم حدا لأنه جعل كون الغاصب في الدار يمنع كونها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقدير الجهتين تناقضا فكيف يحكم للخارج الممتثل باستمرار حكم العدوان عليه واختار الجوبني بعد كلام قرره أن هذا الفعل طاعة من وجه ومعصية من وجه كما في مسألة الصلاة في المغصوبة فهو طاعة من حيث الخروج وأخذه في ترك الغصب حسب الإمكان ومعصية من حيث انه كون في ملك الغير مستندا إلى فعل متعد فيه. قال الجويني ومما أخرجوه على ذلك ما لو أولج في آخر جزء من الليل عالما بأنه لا يتصور منه النزع إلا في جزء من النهار وفرضنا تصور ذلك وفعل ذلك فسد صومه بالنزع لأنه تسبب إلى المخالطة مع مقارنة الفجر بخلاف من ظن بقاء الليل فإنه في فسحه ثم طلع الفجر فبادر النزع فإنه معذور. قلت وأحسن من هذا تمثيلا مسألة فيها عن أحمد روايتان منصوصتان وهو

стр. 169

من قال لزوجته: إذا وطئتك فأنت طالق ثلاثا إذا وطئتك فأنت على كظهر أمي فهل يحل له الإقدام على الوطء فيه روايتان فإذا قلنا يحل له فيجب على قياسها أن يكون الخارج في مسألة الغصب ممتثلا من كل وجه وإن قلنا لا يحل توجه لنا كقول أبي هاشم والجويني والله أعلم. ويشبه ذلك ما لو توسط جمعا من الجرحى متعمدا وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه إن بقى مكانه أهلك من تحته وإن انتقل عنه لم يجد موضع قدم إلا بدن آخر يهلك بانتقاله إليه فقول أبي هاشم فيها كما سبق في التي قبلها وقال الجويني المقطوع به عندي سقوط التكليف عن هذا مع استمرار سخط الله عليه وغضبه أما سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه دوام العصيان عليه تسببه إلى ما لا مخلص١ له منه حتى لو فرضنا حصوله كذلك في وسطهم بغير تعد منه بأن ألقاه غيره فلا تكليف ولا عصيان [ح] وذكر ابن عقيل نحوا من هذا في مسألة ما إذا وطىء فطلع عليه الفجر فقال إن وقع على الجرحى بغير اختياره لزمه المكث ولا يضمن ما تلف بسقوطه وإن تلف شيء باستمرار مكثه أو بانتقاله لزمه ضمانه واختار ابن عقيل في مسألة التائب العاجز عن مفارقة المعصية في الحال أو العاجز عن إزالة أثرها مثل متوسط المكان المغصوب ومتوسط الجرحى أنه تصح توبته ولا تقف صحتها على مفارقة ذلك المكان ولا مشيه وسعيه في عرصة الدار الغصب خارجا عصيان بل هو مع العزم والندم تارك مقلع. ومن ذلك إذا طيب بدنه متعمدا ثم تاب وجعل يغسل الطيب بيده قاصدا لإزالته أو غصب عينا من الأعيان ثم ندم وشرع في حملها [على٢ رأسه] إلى صاحبها أو جعل يرسل الصيد الذي صاده في الإحرام والحرم من الإشراك٣

стр. 170

والرامي بالسهم إذا خرج السهم عن محل مقدرته١ فندم وإذا جرح ثم تاب والجرح [مازال إلى السراية] ٢ فعنده في جميع هذه المواضع الإثم ارتفع بالتوبة والضمان باق وعند المخالف هو عاص إلى أن ينقضي٣ أثر المعصية بخلاف ما لو كان ابتداء الفعل غير محرم مثل أن يستعير دارا فتنتقل إلى غير المعير فيخرج منها أو [يجنب] ٢ في المسجد فيخرج منه أو طلع عليه الفجر وهو مخالط لأهله فنزع فإن هذا غير آثم بالاتفاق وقال ابن عقيل في مسألة الجرحى لا يجوز أن ينتقل إلى آخر قولا واحدا لأنه لا يحصل مبتدأ بالجناية كما لو سقط من غير اختياره فحصل سقوطه على واحد لم يجز له عندنا جميعا أن ينتقل فيقف متندما متمنيا أن يخلق الله له جناحين يطير بهما أو يدلى إليه حبل يتشبث٤ به فإذا علم الله ذلك منه كان ذلك غاية جهده وصار بعد جهده كحجر أوقعه الله على ذلك الجريح كما قال الفقهاء في النار الملقاة في السفينة: إنه إن غلب على ظنه أن النجاة في البقاء أو في الفاء نفسه وجب ذلك وإن غلب على ظنه أن النجاة فيهما خير وإن غلب على ظنه أن الهلاك فيهما وقف ولم يعن على قتل نفسه. ومن جملة صور المسألة توبة الداعي إلى البدع إذا لم يتب من أصله ولأصحابنا فيها وجهان وربما قيل روايتان ونظير هذه المسألة توبة المبتدع الداعي إلى بدعته وفيها روايتان أصحهما الجواز والأخرى اختيار ابن شاقلا لإضلال غيره وكذلك توبة القاتل قد تشبه هذه وفيها روايتان. وأما أبو الخطاب فقال لا نسلم أن حركات الغاصب للخروج طاعة ولا مأمور بها وإنما هي معصية إلا انه يفعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما لأن دوامه في

стр. 171

الدار معصية تطول وخروجه معصية قليلة ولهذا لو قصد إنسانا مؤمنا ليقتله ظلما فهرب منه فاختبأ فجاء إلى من قد رآه فقال رأيت الذي فر منى كان له أن يقول لم أره ليدفع أعظم المعصيتين بأقلهما. والتحقيق أن هذه الأفعال يتعلق بها حق الله وحق الآدمي فأما حق الله فيزول بمجرد الندم وأما حقوق العباد فلا تسقط إلا بعد أدائها إليهم وعجزه عن إيفائها حين التوبة لا يسقطها بل له أن يأخذ من حسنات هذا الظالم في الآخرة إلى حين زوال الظلم وأثره كما له أن يضمنه ذلك في الدنيا إذ لو كان عليه ديون من ظلم عجز عن وفائها أو قتل نفوسا لم يستحل أربابها ولا يعرفهم وكلام ابن عقيل يقتضى ذلك فإنه شبهه بمن تاب من قتل أو إتلاف أموال محترمة مع بقاء أثر ذلك القتل والإتلاف لكنه ادعى أن توبته في هذه المواضع تمحو جميع ذلك وهذا لإطلاق إن لم يقيد وإلا فليس بجيد ثم ذكر أن الإثم واللائمة والمعتبة تزول عنه من جهة الله وجهة المالك ولا يبقى إلا حق الضمان للمالك١. قلت هذا ليس بصحيح بدليل أن الجارح لو تاب بعد الجرح لم يسقط عنه القود وكذلك الذي أوقع نفسه على نيام فمات أحدهم بمكثه عليه فإنه يجب عليه القود ولو كان كالمخطئ لم يجب عليه إلا الدية وكذلك التائب بعد وجوب القود لا يسقط عنه ولو كان مخطئا من الإبتداء لما وجب عليه إلا الدية فقد فرقت الشريعة بين من كان معذورا في ابتداء الفعل وبين التائب في أثناء الفعل وأثره فهذا القول الثالث هو الوسط لمن يتأمل وهكذا هو القول فيمن أضل غيره معتقدا أنه مضل وأما من كان لا يرى أنه مضل فهو كالكافر إذا قتل مسلما أو دعا إلى الكفر ثم تاب فإن جميع معاصيه اندرجت في ضمن اعتقاده وأظن هذا قول الجويني.

стр. 172

مسألة: مسائل العموم للعموم صيغة تفيده بمطلقها ... مسائل العموم مسألة للعموم صيغة تفيده بمطلقها كلفظ الجمع مثل المسلمين والناس وكمن لمن يعقل و [ما] فيما لا يعقل وغير ذلك وبهذا قال جماعة الفقهاء أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود [ح] وعامة المتكلمين وقال أبو الحسن الأشعري [ح] وأصحابه لا صيغة بل توقف الألفاظ الصالحة له حتى يدل دليل على إرادة العموم أو الخصوص وقال محمد بن شجاع البلخى وأبو هاشم وجماعة من المعتزلة يحمل لفظ الجمع على الثلاثة ويوقف فيما زاد وقال قوم تحمل الأوامر والنواهي على العموم وتوقف الأخبار قال ابن برهان: وقالت المرجئة لا صيغة للعموم قال: ونقل عن أبي الحسن وأصحابه لا صيغة له وافترقوا فمنهم من قال: اللفظ مشترك بين العموم والخصوص كسائر الأسماء المعينة ومنهم من قال: اللفظ مبهم لا يدل على شيء إلا بقرينة والجويني نقل نحوه [ز] وكذلك نقل السمنانى أن منهم من يقول الثلاثة مرادة وما زاد موقوف ومنهم من يقف الجميع قال أبو محمد التميمي: وكان أحمد يقول إن النهي يدل على فساد المنهي عنه وله عنده صيغة وإذا ورد الأمر وفيه استثناء من غير جنسه لم يكن استثناء صحيحا عنده وقد اختلف في جميع ذلك أصحابه قال أبو محمد التميمي: وكان [من] ١ مذهب أحمد بن حنبل صحة القول بالعموم وأن له صيغة تدل على استغراق الجنس وبعض أصحابه [كان] ٢ يمنع منه قال القاضي: للعموم صيغة موضوعة له في اللغة إذا وردت متجردة عن القرائن دلت على استغراق الجنس نص على هذا في رواية ابنه عبد الله وقد سأله عن الآية إذا جاءت عامة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ وأخبره أن قوما يقولون لو لم يجيء فيها خبر عن النبي صلى الله

стр. 173

عليه وسلم توقفنا عندها فلم نقطع حتى يبين الله لنا فيها أو يخبر الرسول فقال قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١ فكنا نقف عند الولد لا نورثه حتى ينزل الله٢ إن القاتل لا يرث ولا عبد ولا مشرك وقال في كتاب طاعة الرسول قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم سارق وإن قل فقد وجب عليه القطع ولما قال رسول الله ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثر" دل ذلك على أنها ليست على ظاهرها وأنه على بعض السراق دون بعض واحتجاجه في المسائل بالعموم كثير وقال أبو بكر عبد العزيز في مجموع له قد أبان أبو عبد الله أحمد عموم الخطاب فلا يخصه إلا بدليل وذكر كلاما كثيرا. فصل: لفظ العموم والخصوص جاء في قول النبي ﷺ لعلي: "عم فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض" وقوله: "فعليك بخويصة نفسك وإياك وعوامهم" وقوله: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده" ٣ وقول أبي هريرة٤ فعم وخص وجاء لفظ الخصوص في القرآن ولم يجيء لفظ العموم وتكلم بهما في الأدلة الأئمة كالشافعي وأحمد.

стр. 174

مسألة: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ ومعلوم أنه لم يرد نفس العين بل الفعل فيحمل على كل فعل من بيع

стр. 175

وأكل وغيرهما وكذلك: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه هذا [ح] قول كثير من الشافعية منهم صاحب اللمع في كتابه وهو ظاهر كلام إمامنا وقول أصحابنا القاضي وغيره وإليه ذهب بعض الشافعية وقال أكثر الحنفية وبعض الشافعية لا يثبت العموم في ذلك بل هو مجمل واختاره القاضي في أوائل العدة وآخر العمدة وزعم أن أحمد قد أو ما إليه وذكر عنه كلاما لا يدل عندي على ما قال: بل على خلافه [ز] واختار القاضي في الكفاية الأول قال القاضي: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني أما المضمرات نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ ٢ ومعلوم أنه لم يرد نفس العين لأنها فعل الله وإنما أراد أفعالنا فيها فيعم تحريمها بالأكل والبيع وكذلك قوله: "لا أحل المسجد لجنب" ليس المراد عين المسجد وإنما المراد به أفعالنا فهو عام في الدخول واللبث وكذلك قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" لا يمكن رفعه لأنه قد تقضى والمراد به حكمه فهو عام في المآثم والحكم وكذلك قوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" عام في الصحة والكمال وقد قال أحمد في رواية صالح في الرجل يحدث نفسه: بما إن سكت عنه خاف أن يكون قد أشرك وذهب دينه فقال يروى عن النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" فاستعمل هذا في رفع المأثم٣ وقد استعمله في رفع الحكم في رواية قال: وذهب الأكثر من أصحاب أبي حنيفة و [أصحاب] ٤ الشافعي إلى أنه لا يعتبر العموم في ذلك قال: ودليلنا قوله: رفع فقد علم أنه ما أراد به نفس الفعل لأنه لا يمكن رفعه بعد وقوعه وكذلك قوله: "لا نكاح إلا بولي" لا يمكن رفعه بعد وقوعه وإنما أراد ما تعلق بذلك الفعل والعقد فصار اللفظ محمولا على

стр. 176

ذلك بنفسه لا بدليل وقد حصل تقديره كأنه قال: رفع عن أمتي ما تعلق بالخطأ والنسيان فيعم المآثم والحكم و "لا نكاح إلا بولي" يعم الكمال والصحة وكذلك: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ قد علمنا انه لم يرد تبيين اللفظ بل أراد ذلك وما هو أعلى منه فصار كأنه قال: لا يقر بهما وكان قد كتب أولا أما المضمرات نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" وأما المعاني نحو قوله: أينقص الرطب إذا يبس اللفظ في الرطب والتعليل يعم فيستعمل عمومه في الرطب وغيره وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الميمونى ومنع من بيع رطب٢ بيابس من جنسه واحتج في ذلك بالحديث فجعل تعليله عاما [في المعاني] ٣ وقال أيضا نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ هو خاص في التأفيف من جهة اللفظ وهو عام في المعنى في الضرب وغيره وكذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٤ هو خاص في اللفظ للنبي ﷺ وهو عام في جميع الناس وقد أومأ أحمد إلى هذا لأنه احتج على رهن المصحف من الذمي بنهي النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو واحتج على إبطال شفعة الذمي على المسلم بقول النبي ﷺ : "اضطروهم إلى أضيق الطرق" فدل على أن اللفظ حقيقة عنده في غير ما هو موضوع له وقال في رواية صالح إلى آخره وأظنه قد كان كتب أولا أنه يدعى العموم في المضمرات دون المعاني وكلامه الذي استقر عليه إنما ذكر فيه عموم المضمرات وسكت عن عموم المعاني وكان قد قال: إن قوله: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ونحوه ليس بعام على سبيل الحقيقة وإنما استعمل في تلك الأشياء على طريق التنبيه لا العموم. قال القاضي واحتج المخالف أن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها فإذا حمل

стр. 177

على الفعل يجب أن يصير مجازا كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ قال: والجواب أن هذا وإن لم يتناول ذلك نطقا فهو المراد من غير دليل ويفارق هذا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ونحوه لانا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ لكن بدليل لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله فاحتاج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها. قال شيخنا: قلت: مضمون هذا أن القرينة العقلية إذا عرف المراد بها لم يكن اللفظ مجازا بل حقيقة فكل ما حمل اللفظ عليه بنفس اللفظ مع العقل فهو حقيقة [٢أو أنه يحتمل أن يكون هذا حقيقة عرفية لكن كلامه اقتضى أن ما فهم من اللفظ من غير دليل منفصل فهو حقيقة٢] وإن لم يكن مدلولا عليه بالوضع وستأتي حكايته عن أبي الحسن التميمي أن وصف الأعيان بالحل والحظر [توسع٣ واستعارة كما قال البصري: والصحيح في هذا الباب خلاف القولين أن الأعيان توصف بالحل والحظر٣] حقيقة لغوية كما توصف بالطهارة والنجاسة والطيب والخبث ولا حاجة إلى تكليف لا يقبله عقل ولا لغة ولا شرع وحينئذ فيكون العموم في لفظ التحريم وفرق بين عموم الكل لأجزائه وعموم الجميع لأفراده ويختلف عموم لفظ التحريم وخصوصه بالاستعمال. قلت فقد جعل المضمرات ما يضمر من الألفاظ وجعل المعاني العموم المعنوي من جهة التنبيه أو التعليل أو النظير فهو عموم فيما يعنيه المتكلم سواء كان فيما يعنيه بلفظه الخاص في الأصل أو كان فيما يعنيه بمعنى لفظه وهو العلة والجامع المشترك لكن عليه استدراكات. أحدها أنه جعل منه قوله: "لا نكاح إلا بولي" وليس كذلك عندنا بل حقيقة النكاح منفية لأن المسمى [هنا] شرعي ليس هو حسيا مثل الخطأ

стр. 178

والنسيان فإن الخطأ والنسيان وجدا حقيقة بخلاف النكاح فإنه لم يوجد وإنما وجد نكاح فاسد وذلك لا يدخل في الاسم المطلق وهكذا: "لا صلاة إلا بأم الكتاب" و "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ونحو ذلك. الثاني استشهاده بأن أحمد احتج بقوله: "تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها" قد يقال ليس من هذا الباب فإن الرفع غير التجاوز فإن الخطأ نفسه لم يرتفع وقد يقال تجاوز عن نفس الخطأ وهو مثل قوله: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ١ وذلك أن الرفع يقتضى العدم والتجاوز لا يقتضى العدم بل لا يكون التجاوز إلا عن موجود. ثم ذكر القاضي مسألة أخرى فقال لفظ التحريم إذا تعلق بما لا يصلح تحريمه فإنه يكون عموما في الأفعال في العين المحرمة إلا ما خصه الدليل نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٣ قال: وحكى عن البصري الملقب بجعل٤ أن هذا اللفظ يكون مجازا ولا يدل على تحريم العين نفسها لأن العين فعل الله لا يتوجه التحريم إليها وإنما أراد تحريم أفعالنا فيها فصار اللفظ محمولا على ذلك بنفسه لا بدليل وكل ما حمل اللفظ عليه بنفسه كان حقيقة لا مجازا كقوله: "لا صلاة إلا بطهور" حقيقة هذا رفع الفعل فلما استحال رفعه بعد وقوعه كان معناه حقيقة في رفع حكمه وكذلك ها هنا لأن من أراد أن يحرم على عبده أو ولده شيئا فإنه يقول حرمت عليك كذا فيفهم منه تحريم تصرفه فيه بنفس اللفظ فثبت أن اللفظ نفسه دل على ذلك فكان حقيقة [وقال١ أكثر الحنفية وبعض الشافعية لا يثبت العموم في ذلك بل هو مجمل واختاره القاضي في أوائل العدة وآخر العمدة وزعم أن أحمد قد أومأ إليه وذكر عنه كلاما ما يدل

стр. 179

على ما قال: بل على خلافه واختار القاضي في الكتاب الأولى] ١. وذكر ابن برهان أن مذهبهم أن هذا ليس بمجمل ثم منهم من جعله عاما في كل فعل ومنهم من قال: يصرف إطلاقه على كل عين إلى المقصود اللائق بها وذكر أبو الطيب لهم فيه وجهين أحدهما الإجمال والثاني العموم قال: وبه قال قوم من الحنفية. فصل: قال القاضي فيجب أن يقولوا إن التخصيص يدخل على المضمرات والمعاني بل هكذا نقول. [وز] فصل: إذا قلنا أنه يصح ادعاء العموم في المضمرات كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢ فظاهر كلام أصحابنا لا بل صريحه أنه يحرم فيها كل شيء كالأكل والبيع وما أشبههما وقال المقدسي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ليس بمجمل وإنما المراد به الأكل دون اللمس والنظر لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل وقد ذكر نحو هذا عن أبي الخطاب والحلواني قال: هي ظاهرة في تحريم التصرف واستدل على أن المراد جميع أنواع التصرف فيها بأدلة ذكرها وكذلك قال ابن عقيل: تحرم جميع الأفعال فيها وقد ذكر أنه قول الجبائي وابنه وعبد الجبار قال: ويحتمل عندي فذكره نقلت من مسائل صالح ابن الإمام أحمد في كلام طويل في دباغ [جلود] ٣ الميتة قال صالح: قال [أبي] : إن الله قد حرم الميتة

стр. 180

فالجلد هو من الميتة قلت: فظاهر هذه الآية لا بل صريحها أن هذه الآية عامة في كل نوع من الانتفاع [١إلا أن أبا الخطاب والمقدسي قالا ليست بعامة في كل نوع من الانتفاع] ١ بل يحمل في الميتة على الأكل وها هنا احتج بها أحمد في تحريم الانتفاع بالجلد ثم تبين لي أنه ليس في هذا ما يقتضى عموم الأفعال لأن الجلد من جملة الميتة نفسها فلما حرم الميتة اقتضى على ما قال أبو الخطاب: تحريم الفعل المقصود من كل جزء منها والمقصود من الجلد الانتفاع لا الأكل فيحرم نظرا إلى كونه من الميتة لا إلى عموم الفعل وهذا ظاهر إن شاء الله. وذكر ابن نصر المالكي٢ في الملخص أنه ليس بمجمل وأنه يحمل على المعتاد من التصرف والمقصود من تلك العين في عادة أهل اللغة وعرفهم وما يسبق إلى الفهم٣ عند سماعه من ذلك. [ز] وذكر ابن عقيل العموم وأنه يحرم جميع أفعالنا فيها وذكر القاضي في مسألة الدباغ أنه عام في اللحم والجلد قبل الدبغ وبعده وذكر في مسألة ما لا نفس له سائلة لما احتج عليه بالآية وقيل له التحريم يقتضى التحريم في جميع الوجوه وذلك يقتضي التنجيس قال: التحريم هنا خاص في الأكل بدليل السياق وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ . [ز و] فصل: ذكر عبد الوهاب بن نصر المالكي آيات اعتقدوا أنها عامة وهي مجملة عنده ويقتضى مذهبنا عموم بعضها فلتنظر حرر القاضي أبو يعلى في الكناية ألفاظ الجموع تحريرا حسنا محققا.
следующие страницы →