← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11814

المسودة في أصول الفقه

مجد الدين بن تيمية

Полный текст (1 027 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذلك بنفسه لا بدليل وقد حصل تقديره كأنه قال: رفع عن أمتي ما تعلق بالخطأ والنسيان فيعم المآثم والحكم و "لا نكاح إلا بولي" يعم الكمال والصحة وكذلك: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ قد علمنا انه لم يرد تبيين اللفظ بل أراد ذلك وما هو أعلى منه فصار كأنه قال: لا يقر بهما وكان قد كتب أولا أما المضمرات نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" وأما المعاني نحو قوله: أينقص الرطب إذا يبس اللفظ في الرطب والتعليل يعم فيستعمل عمومه في الرطب وغيره وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الميمونى ومنع من بيع رطب٢ بيابس من جنسه واحتج في ذلك بالحديث فجعل تعليله عاما [في المعاني] ٣ وقال أيضا نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ هو خاص في التأفيف من جهة اللفظ وهو عام في المعنى في الضرب وغيره وكذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٤ هو خاص في اللفظ للنبي ﷺ وهو عام في جميع الناس وقد أومأ أحمد إلى هذا لأنه احتج على رهن المصحف من الذمي بنهي النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو واحتج على إبطال شفعة الذمي على المسلم بقول النبي ﷺ : "اضطروهم إلى أضيق الطرق" فدل على أن اللفظ حقيقة عنده في غير ما هو موضوع له وقال في رواية صالح إلى آخره وأظنه قد كان كتب أولا أنه يدعى العموم في المضمرات دون المعاني وكلامه الذي استقر عليه إنما ذكر فيه عموم المضمرات وسكت عن عموم المعاني وكان قد قال: إن قوله: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ونحوه ليس بعام على سبيل الحقيقة وإنما استعمل في تلك الأشياء على طريق التنبيه لا العموم. قال القاضي واحتج المخالف أن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها فإذا حمل

стр. 177

على الفعل يجب أن يصير مجازا كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ قال: والجواب أن هذا وإن لم يتناول ذلك نطقا فهو المراد من غير دليل ويفارق هذا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ونحوه لانا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ لكن بدليل لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله فاحتاج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها. قال شيخنا: قلت: مضمون هذا أن القرينة العقلية إذا عرف المراد بها لم يكن اللفظ مجازا بل حقيقة فكل ما حمل اللفظ عليه بنفس اللفظ مع العقل فهو حقيقة [٢أو أنه يحتمل أن يكون هذا حقيقة عرفية لكن كلامه اقتضى أن ما فهم من اللفظ من غير دليل منفصل فهو حقيقة٢] وإن لم يكن مدلولا عليه بالوضع وستأتي حكايته عن أبي الحسن التميمي أن وصف الأعيان بالحل والحظر [توسع٣ واستعارة كما قال البصري: والصحيح في هذا الباب خلاف القولين أن الأعيان توصف بالحل والحظر٣] حقيقة لغوية كما توصف بالطهارة والنجاسة والطيب والخبث ولا حاجة إلى تكليف لا يقبله عقل ولا لغة ولا شرع وحينئذ فيكون العموم في لفظ التحريم وفرق بين عموم الكل لأجزائه وعموم الجميع لأفراده ويختلف عموم لفظ التحريم وخصوصه بالاستعمال. قلت فقد جعل المضمرات ما يضمر من الألفاظ وجعل المعاني العموم المعنوي من جهة التنبيه أو التعليل أو النظير فهو عموم فيما يعنيه المتكلم سواء كان فيما يعنيه بلفظه الخاص في الأصل أو كان فيما يعنيه بمعنى لفظه وهو العلة والجامع المشترك لكن عليه استدراكات. أحدها أنه جعل منه قوله: "لا نكاح إلا بولي" وليس كذلك عندنا بل حقيقة النكاح منفية لأن المسمى [هنا] شرعي ليس هو حسيا مثل الخطأ

стр. 178

والنسيان فإن الخطأ والنسيان وجدا حقيقة بخلاف النكاح فإنه لم يوجد وإنما وجد نكاح فاسد وذلك لا يدخل في الاسم المطلق وهكذا: "لا صلاة إلا بأم الكتاب" و "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ونحو ذلك. الثاني استشهاده بأن أحمد احتج بقوله: "تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها" قد يقال ليس من هذا الباب فإن الرفع غير التجاوز فإن الخطأ نفسه لم يرتفع وقد يقال تجاوز عن نفس الخطأ وهو مثل قوله: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ١ وذلك أن الرفع يقتضى العدم والتجاوز لا يقتضى العدم بل لا يكون التجاوز إلا عن موجود. ثم ذكر القاضي مسألة أخرى فقال لفظ التحريم إذا تعلق بما لا يصلح تحريمه فإنه يكون عموما في الأفعال في العين المحرمة إلا ما خصه الدليل نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٣ قال: وحكى عن البصري الملقب بجعل٤ أن هذا اللفظ يكون مجازا ولا يدل على تحريم العين نفسها لأن العين فعل الله لا يتوجه التحريم إليها وإنما أراد تحريم أفعالنا فيها فصار اللفظ محمولا على ذلك بنفسه لا بدليل وكل ما حمل اللفظ عليه بنفسه كان حقيقة لا مجازا كقوله: "لا صلاة إلا بطهور" حقيقة هذا رفع الفعل فلما استحال رفعه بعد وقوعه كان معناه حقيقة في رفع حكمه وكذلك ها هنا لأن من أراد أن يحرم على عبده أو ولده شيئا فإنه يقول حرمت عليك كذا فيفهم منه تحريم تصرفه فيه بنفس اللفظ فثبت أن اللفظ نفسه دل على ذلك فكان حقيقة [وقال١ أكثر الحنفية وبعض الشافعية لا يثبت العموم في ذلك بل هو مجمل واختاره القاضي في أوائل العدة وآخر العمدة وزعم أن أحمد قد أومأ إليه وذكر عنه كلاما ما يدل

стр. 179

على ما قال: بل على خلافه واختار القاضي في الكتاب الأولى] ١. وذكر ابن برهان أن مذهبهم أن هذا ليس بمجمل ثم منهم من جعله عاما في كل فعل ومنهم من قال: يصرف إطلاقه على كل عين إلى المقصود اللائق بها وذكر أبو الطيب لهم فيه وجهين أحدهما الإجمال والثاني العموم قال: وبه قال قوم من الحنفية. فصل: قال القاضي فيجب أن يقولوا إن التخصيص يدخل على المضمرات والمعاني بل هكذا نقول. [وز] فصل: إذا قلنا أنه يصح ادعاء العموم في المضمرات كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢ فظاهر كلام أصحابنا لا بل صريحه أنه يحرم فيها كل شيء كالأكل والبيع وما أشبههما وقال المقدسي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ليس بمجمل وإنما المراد به الأكل دون اللمس والنظر لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل وقد ذكر نحو هذا عن أبي الخطاب والحلواني قال: هي ظاهرة في تحريم التصرف واستدل على أن المراد جميع أنواع التصرف فيها بأدلة ذكرها وكذلك قال ابن عقيل: تحرم جميع الأفعال فيها وقد ذكر أنه قول الجبائي وابنه وعبد الجبار قال: ويحتمل عندي فذكره نقلت من مسائل صالح ابن الإمام أحمد في كلام طويل في دباغ [جلود] ٣ الميتة قال صالح: قال [أبي] : إن الله قد حرم الميتة

стр. 180

فالجلد هو من الميتة قلت: فظاهر هذه الآية لا بل صريحها أن هذه الآية عامة في كل نوع من الانتفاع [١إلا أن أبا الخطاب والمقدسي قالا ليست بعامة في كل نوع من الانتفاع] ١ بل يحمل في الميتة على الأكل وها هنا احتج بها أحمد في تحريم الانتفاع بالجلد ثم تبين لي أنه ليس في هذا ما يقتضى عموم الأفعال لأن الجلد من جملة الميتة نفسها فلما حرم الميتة اقتضى على ما قال أبو الخطاب: تحريم الفعل المقصود من كل جزء منها والمقصود من الجلد الانتفاع لا الأكل فيحرم نظرا إلى كونه من الميتة لا إلى عموم الفعل وهذا ظاهر إن شاء الله. وذكر ابن نصر المالكي٢ في الملخص أنه ليس بمجمل وأنه يحمل على المعتاد من التصرف والمقصود من تلك العين في عادة أهل اللغة وعرفهم وما يسبق إلى الفهم٣ عند سماعه من ذلك. [ز] وذكر ابن عقيل العموم وأنه يحرم جميع أفعالنا فيها وذكر القاضي في مسألة الدباغ أنه عام في اللحم والجلد قبل الدبغ وبعده وذكر في مسألة ما لا نفس له سائلة لما احتج عليه بالآية وقيل له التحريم يقتضى التحريم في جميع الوجوه وذلك يقتضي التنجيس قال: التحريم هنا خاص في الأكل بدليل السياق وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ . [ز و] فصل: ذكر عبد الوهاب بن نصر المالكي آيات اعتقدوا أنها عامة وهي مجملة عنده ويقتضى مذهبنا عموم بعضها فلتنظر حرر القاضي أبو يعلى في الكناية ألفاظ الجموع تحريرا حسنا محققا.

стр. 181

[ز] فصل: وذكر المخالف في مسألة العموم أن استعماله في البعض أكثر ولم يمنعه القاضي وكذلك ذكر في حجة أقل الجمع أن استعمال لفظ العموم في الخصوص هو الغالب وأجاب بأن هذا الغالب لا يختص بثلاثة [ز و] فصل: قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ مجمل قال المقدسي: ليس بمجمل وإنما المراد به الأكل دون اللمس والنظر قال: لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل. [ز] فصل: مقتضى كلام القاضي أن العموم من عوارض الألفاظ والمعاني فإنه قال: المخالف العموم مأخوذ من الخصوص ومنه قولهم مطر عام فأجاب بأن العموم مأخوذ من قولهم عممت الشيء أعمه عموما وعمهم العدل٢ والرخص والغلاء وقوله بأنه يصح ادعاء العموم في المعاني والمضمرات يؤيد ذلك وإن كان المعنيان جنسين فلأصحابنا في ذلك ثلاثة أوجه أحدها أنه من عوارض الألفاظ فقط كقول أبي الخطاب والثاني أنه من عوارض اللفظ والمعنى الذهني كقول أبي محمد والغزالي والثالث أنه من عوارضهما مطلقا وهو قول القاضي وأبى محمد وهو أصح أما في الذوات والصفات الشخصية المتعدية المشروطة بالحياة كالعلم والقدرة٣ والرضا والغضب والحب والبغض فظاهر لا يقبل خلافا وكذلك في الشخص العام كقوله لعلي: "عم" وأما في المعاني الخارجة التي هي الأنواع ذاتا وصفات فلان القدر المشترك هو مسمى اللفظ وهو عام لأن المطلق

стр. 182

لا بشرط التقييد موجود في الخارج وفي الذهن وأما المطلق بشرط عدم التقييد فلا وجود له لا في الخارج ولا في الذهن وبشرط عدم التقييد الخارجي وجوده في الذهن وفرق بين اعتبار الذهن للمطلق وبين تقييده فيه فالكليات المطلقة العامة كلها موجودة في الخارج لكن وجودها فيه مشروط بالتقييد والتخصيص ومسمى اللفظ [فيه] يستوي فيه المقيد وعدم المقيد لأن مسماه لا يشترط فيه قيد ليس هو الذي لا قيد فيه. فصل: الأمر المطلق هل يكون أمرا بمفرداته أو يكون عاما فيها ثلاثة أقوال: أحدها: العموم قال القاضي: محتجا على جواز القضاء في المسجد دليلنا قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١ ولم يفرق بين أن يحكم في المسجد وغيره فإن قيل هذا أمر بالحكم وليس فيه ما يدل على المكان. قيل هو أمر بالحكم لكن متى أتى بالمأمور أجزأ ولا يأتي إلا مقرونا ببعض المفردات وهذا أصح. الثالث:٢ أنه ليس مأمورا بها ولا مأذونا فيها. وسر المسألة أن التعيين هل هو من باب عدم المنهي عنه فيكون في عموم الأمكنة والأزمان إلا ما خصه الدليل القول الثاني أن المفردات ليس مأمورا بها ولا مأذونا فيها استصحابا أو هو من باب المأذون فيه التزاما فيه قولان وقد ذكرنا مثل هذا في الواجب المخير لكن هناك البحث هل التعيين مأمور به أو المأمور به هو المشترك وهنا هل المميز مأذون فيه أو غير ممنوع منه ثم فرق بين أفراد الفعل وبين لوازم الفعل من المكان والزمان والأحوال فالصواب أن مثل هذا لم يتعرض له الأمر لا بإذن ولا بمنع.

стр. 183

فصل: في العموم التبعى وهو ما يدخل في اللفظ ضمنا وتبعا لغيره وإن لم يدخل فيه ابتداء سواء كان دخوله فيه مع مطلق الاسم أو لخصوص التركيب وسواء في ذلك عموم الأجزاء وعموم الأفراد فالأول كدخول المؤنث في لفظ المذكر على قول أصحابنا وكدخول إبليس في الملائكة على قول وكدخول الأحلاف والموالى والنزلاء وابن الأخت في ألفاظ القبائل وكدخول الغلمان في مسمى الجنس ودخول النساء في القوم وهذا قد يدخل فيما ينقله العرف من الخاص إلى العام كلفظ الرقبة والثاني كدخول اللباس والنعل والبناء والغراس في لفظ العبد والفرس والأرض لاقترانه بالمبيع ونحوه وهو من باب ما يدخل في مطلق اللفظ وعلى هذا يخرج ما يدخل في لفظ الموصى والواقف وغيرهما وهو باب نافع. فصل: فيما يشمله اللفظ في حال دون حال أما في النفي دون الإثبات كالعقد الخالي عن وطء يدخل في مسمى قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾ ولا يدخل في مسمى قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ والإيمان عندنا على هذا في ظاهر المذهب وعلى هذا قولهم المطلق من الأسماء يتناول الكامل من المسميات إنما هو فيما يقصد إثباته كالماء والرقبة لا فيما يقصد نفيه وعلى هذا لفظ الدرهم والدينار في مطلق البيع مخصوص بما قيده عرف المعاملة وهو باب نافع في لفظ الشارع والمعامل. وأصل هذا أن اللفظ الواحد تختلف دلالته بحسب التركيب في النفي والإثبات وهو حقيقة في الجميع إذا كان جنس التركيب موضوعا لتقدم استعمال غيره وأما إذا لم يكن نفسه موضوعا كقوله: "رأيت أسدا يكتب" فهنا إنما يفهم بقرينة عقلية وهو العلم بأن البهيمة لا تكتب فتدبر هذا فإنه نافع جدا.

стр. 184

١ثم وضع التركيب قد يكون لغويا وقد يكون عرفيا وهو كثير غالب والعرف يختلف فتختلف دلالة التركيب والجميع حقائق إذا تكرر استعمال ذلك الجنس. فصل: في الفرق بين مطلق اللفظ من المعاني وهو المعنى المطلق عن القيود التي يوجبها اللفظ في حال دون حال وبين اللفظ المطلق فإن الفرق في الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص بين اللفظ وبين معاني اللفظ عام المنفعة. فصل: قال ابن عقيل للعموم صيغة تدل بمجردها على أن مراد الناطق بها شمول الجنس والصفة مما أدخل عليه والصفة من تلك الصيغ وإنما تنكرت ما سلكه الفقهاء من قولهم للعموم صيغة لما قدمت في الأمر والنهي وأن من قال: بأن الكلام هو عين الحروف المؤلفة لا يحسن به أن يقول إن للعموم صيغة لأن الصيغة هي العموم فكأنه يقول للعموم عموم. فصل: حررته في تفسير٢ صيغ العموم الألفاظ معارف ونكرات فالمعارف سبعة فكل اسم معرفة ذي أفراد يفيد العموم فأما ما ليس بذي أفراد كالعلم الشخصي فإنما يفيد عموم الكل لأجزائه فيندرج فيه العلم الجنسي والإشارة إلى عدد والمضمرات الجامعة والموصولات والمعرفات باللام والإضافة من الجموع وأسماء الجموع والأجناس المفردة وغير المفردة والمنادى المقصود والنكرة فكل لفظ نكرة في النفي والنهي والاستفهام فانه

стр. 185

يفيد العموم سواء كان اسما أو فعلا وأما في الشرط فهل يفيده لفظ أو بطريق التعليل فيه نظر. فالمعرفة إنما تعم ما أوجبه التعريف فتعم ما أشار إليه أو عاد الضمير عليه أو قامت به الصلة أو ناداه المنادى فعلى هذا إذا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنما يعم من ثبت أن الله يخاطبه والصبيان والمجانين لم يخاطبوا فلا يشملهم اللفظ وقد ذكر أصحابنا وغيرهم أن اللفظ عام وإنما خرج منه بتخصيص العقل فأما قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ١ فالضمير لا يدل على جنس وإنما يدل بلفظه على المخاطب فلا ينبغي أن يختلف فيه.

стр. 186

مسألة من أعلى صيغ العموم الأسماء التي تقع أدوات في الشرط وهي تنقسم إلى ظرف زمان وظرف مكان واسم مبهم يختص بمن يعقل واسم يختص بمن لا يعقل فكل اسم وقع شرطا عم مقتضاه فإذا قلت: "من أتاني أكرمته" عم كل آت من العقلاء وإذا قلت: "متى جئت أكرمتك" عم كل زمان وإذا قلت: "حيثما أتيتني أكرمتك" عم كل مكان وما يقع منكرا في سياق النفي فهو كذلك يتعين القطع بوضع العرب إياه للعموم. قال الجويني لا شك أن ذلك كله لاقتضاء العموم ودليلنا عليه كدليلنا على تسمية العرب جارحة مخصوصة رأسا. قلت وهذا القسم لا يختلف فيه أحد أثبت العموم ومنه حرف كل.

стр. 187

مسألة أفردها أبو الخطاب وغيره قالوا قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ عام وليس بمجمل نص عليه [زو] وبه قال مالك وأصحابه: قال أبو الخطاب والقاضي خلافا لأصحاب٢ أبي حنيفة أنه مجمل وحكاه القاضي

стр. 188

عن عيسى بن أبان وهذا الكلام لا معنى له لأن المخالف في ذلك إن كان ممن ينكر العموم في المفرد المعرف أو يقول بأن العام المخصص مجمل وهو عيسى بن أبان ومن تبعه فقد سبق القول في ذلك ولا فائدة في أفراد هذه الآية وإن لم يكن المخالف من هؤلاء فما أدرى١ ما هذا. وقد حكى أبو الخطاب في مسألة العام إذا دخله التخصيص عن أبي عبد الله البصري أنه قال: إن كان التخصيص منع من تعلق الحكم بالاسم العام وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر لم يجز٢ التعلق به مثل آية السرقة وقد دل دليل على اعتبار الحرز والنصاب فيه وإن كان التخصيص٣ لا يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام جاز التعلق به مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ فإن المنع من قبل من أعطى الجزية لا يمنع من تعلق القتل بالشرك في حق من لم يعط [الجزية] . قلت وهذا حاصله يرجع إلى الفرق بين الشرط والمانع فيكون مذهبا آخر في التخصيص فيه تفصيل فلا معنى لذكر خصوص الآية.

стр. 189

مسألة إذا قال الراوي: قضى رسول الله ﷺ باليمين والشاهد في المال أو حكم بالرد بالعيب أو أوجب الكفارة على من جامع في نهار رمضان [هل يكون ذلك عاما بمنزلة قوله: "من جامع في رمضان فعليه الكفارة"] ١ ويحكم في الأموال بالشاهد واليمين ونحو ذلك أو ينزل ذلك على أنه قضية في عين قال أصحابنا: هو للعموم وقال قوم لا عموم له.

стр. 190

فصل: قال الجويني نقل أصحاب المقالات عن أبي حنيفة أنه عمم أصولا لا يصير إلى تعميمها الأستاذ في الأصول فضلا عمن يتشوف إلى التحقيق فقال إذا روى الراوي عن الرسول أنه قضى "بكذا" اقتضى عموم القضاء في غير المحل المنقول مثل ما روى أنه قضى بالكفارة على من جامع في رمضان فزعم أبو حنيفة أن هذا يعم كل إفطار وقال الجويني فإن كان هذا متلقي١ من اللفظ ومقتضى مساق الكلام فهو خرق بين وإن قاله قياسا فمسلك القياس غير مردود في الجملة. قلت وأنا أقطع بأن هذا غلط على أبي حنيفة وغيره بهذا التمثيل والتفسير وإنما أراد به المسألة المتقدمة.

стр. 191

مسألة والنكرة في سياق النفي تفيد العموم ظاهرا إذا لم يكن فيها حرف من قال: سيبويه يحسن أن يقول ما رأيت رجلا بل رجالا فإن دخل عليها حرف من أفادته قطعا ولم تحتمل التأويل فيقول ما رأيت من رجل وما جاءني من أحد وشبه ذلك وقال بعض المتأخرين لا تفيد العموم بدون حرف من والأول أصح. فصل: وقولنا: "النكرة في سياق الإثبات لا تعم" هذا فيما إذا لم تكن في سياق الشرط كقولك رأيت رجلا وأعتق رقبة فإن كانت في سياقه كقولك من يأتيني [بأسير] فله دينار فهذا يعم كل [أسير] وكذلك ما أشبهه.

стр. 192

مسألة: وقوله ﷺ (رفع عن امتي الخطأ والنسيان) ... مسألة وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" عام في رفع حكمه١

стр. 193

اختاره أبو الخطاب [ز] وبه قال أكثر المالكية وأكثر الشافعية فيما حكاه ابن نصر وقيل هو مجمل وقيل المراد به نفي المؤاخذة بالإثم. فصل: قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ من أنكر صيغ العموم وقف فيها وأنكر الجويني إطلاقه بكلام بسطه ومع ذلك فهو ممن أثبته وغلا فيه حتى قال: الذي صح عندي من مذهب الشافعي أنا لو قطعنا بانتفاء القرائن المخصصة لكانت الصيغة نصا في الاستغراق وحكى أن من الموافقين للواقفية البرغوث وابن الرواندى وكلاهما من المعتزلة وحكى أن٢ مذهب طائفة يقال لهم أصحاب الخصوص أن صيغ الجمع نصوص في أقل الجمع مجملة في الزيادة وأن مذهب جمهور الفقهاء أنها نصوص في أقل الجمع لا تقبل تأويلا ظاهرة في ما عداه تقبل التأويل [بدليل] ٣.

стр. 194

مسألة اللفظ الموضوع للاستغراق بالجنس الذي واحده [بالهاء] كالتمر والتمرة والشجر والشجرة ونحوهما هما للاستغراق عند أكثر المعممين ومحققيهم واختاره الجوبني وأنكر بعض أصحاب العموم ذلك وزعموا أنه ليس بجمع بدليل قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ١ الْأَخْضَرِ﴾ ٢ [ولأنه يجمع فيقال تمور وأشجار] ٢ ولا هو في معنى أدوات الشرط وزيف الجوبني مذهبه ببيان كونه جمعا وأن الجموع قد تجمع.

стр. 195

مسألة [من] الشرطية تتناول الذكور والاناث هذا قول المحققين

стр. 196

من أهل اللسان والاصول والفقه وذهب شرذمة من الحنفية إلى أنه يختص بالذكور وذكره في مسألة المرتدة قال الجوبني: هو قول بعض الأغبياء الذين لم يعلموا من حقائق اللسان والاصول شيئا وأشنع القول في ذلك.

стр. 197

[١ مسألة: الاسم المفرد إذا دخله التعريف كالزانى والسارق فهو للعموم ما لم يكن هناك قرينة عهد نص عليه في مواضع وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني: وحكاه عن أصحابه واختلفت الشافعية فعندهم المشهور كقولنا واختاره ابن برهان وأبو الطيب أعنى الأشهر ومنهم من قال: لا يفيد العموم وهو قول أبي علي الجبائي وكذلك قول أبي هاشم الجبائي [ز] هو المخالف دون أبيه [ز] حكاه ابن برهان وحكى أبو الخطاب عن أبي هاشم العكس] ١.

стр. 198

مسألة: في اعادة الكلام محررا في الاسم المفرد المعرف بالالف واللام إذا سبق تنكير وظهر ترتب التعريف عليه فهو غير محمول على العموم اتفاقا وإن لم يسبق تنكير ينعطف عليه فهو للجنس ومنه قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ١ و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢ وإن جرى الكلام ولم يدر أنه خرج تعريفا لمنكر سابق أو اشعار بجنس فهو للجنس عند معظم المعممين قال الجوبني: والذي أراه أنه مجمل فإنه حيث يعم لا يعم لصيغة اللفظ بل سبب عمومه وتناوله للجنس حالة مقترنة معه مشعرة٣ بالجنس فإذا ورد اللفظ وليس جمعا ولا موضوعا للابهام المقتضى للاستغراق كأدوات الشرط فالأمر منه متلقى في الخصوص والعموم من حيث القرينة فإذا لم نردها٤ تعين التوقف وبسط القول في ذلك.

стр. 199

مسألة: أفردها ابن برهان بعد الكلام في أصل العموم [زو] حرر المقدسى ألفاظ الجموع [وقسمها ألفاظ الجموع] ١ إذا كانت معرفة فهي للعموم في قول عامة من أثبت العموم خلافا لابي هاشم ووافقنا أبو علي والده.

стр. 200

مسألة: ألفاظ الجموع المنكرة كمسلمين ومشركين لا يفيد العموم وإنما يحمل على أقل الجمع الثلاثة [ح] في احدى الروايتين والاخرى يحمل على العموم ذكرها القاضي في الكفاية والحلوانى وهذا ظاهر كلام أحمد وبه قال أكثر الشافعية ومنهم من قال: [لا] يفيد العموم وحكى ذلك عن الجبائي وحكاه ابن برهان عن بعض المعتزلة ولا أحسب الحكاية عن الجبائي إلا وهما [ح] هذا قول أبي علي والمخالف في الأولى ابنه لا هو قال القاضي: [وقد] أشار إليه أحمد في رواية صالح وقد سأله عن لبس الحرير للصغار فقال لا إنما هو للاناث يروى عن النبي ﷺ في الحرير والذهب: "هذان حرام على ذكور أمتى [حلال على اناثها] " ١ قال القاضي: فقد حمل قوله: "ذكور أمتي" على العموم في الصغار والكبار وإن كانا جميعا ليس فيهما ألف ولا لام. قلت هذا غلط عظيم منه على الإمام لأن قوله: "ذكور أمتى" معرف بالاضافة وهو٢ كالمعرف بالالف واللام ومسألة الخلاف في المنكر.

стр. 201

مسألة نفي المساواة بين الشيئين تفيده عاما في كل شيء [يختلفان١ فيه] [بحيث] لا يتساويان في شيء وبه قالت الشافعية [ح] ومنه قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ قال القاضي: يوجب المنع من التسوية بينهما في

стр. 202

جميع الحالات والمخالف يسوى بينهما في ولاية القضاء والحكم وقالت١ الحنفية لا يفيد العموم بل يكفي [نفي] ٢ المساواة في شيء واحد. فصل: وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" و "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" وبابه يقتضى نفي الصحة نص عليه واختاره أبو الطيب وأكثر الشافعية وقال بعض الشافعية والحنفية هو مجمل واختاره البصرى من الحنفية وذكر ابن برهان [أن] الأول هو المذهب عندهم خلافا لابي هاشم وأبي علي الجبائي وابن الباقلانى ذكره في أول كتاب المجمل. فصل: وقوله: "إنما الأعمال بالنية" ٣ من هذا القبيل يقتضى نفي الصحة والإجزاء هذا مذهب أصحابنا "ح" والمالكية وأصح وجهي الشافعية واختاره أبو الطيب وقد احتج الشافعي وأحمد بذلك في مواضع والثاني عندهم أنه مجمل لأنه لا بد فيه من [إضمار] صحة أو كمال. فصل: وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ونحوه حرر الجوبني فيه المذاهب منهم من رآه ظاهرا ومنهم من جعله مجملا فمن جعله مجملا انقسموا إلى مذهبين أحدهما أنه يقتضى نفي العمل حسا وهو موجود حقيقة واقتضى ذلك أن يتوقف عنه حتى يعلم المراد منه والثاني أن المفهوم منه الشرعي لكنه متردد

стр. 203

بين نفي الإجزاء ونفي الكمال وهذا مذهب ابن الباقلاني وأما الذين جعلوه ظاهرا فلهم ثلاثة أقوال١ منهم من قال: اللفظ عام يتناول نفي الوجود٢ ونفي الحكم لكن خص منه الوجود بقضية دليل العقل فيبقى٣ نفي الحكم على العموم قال الجويبني: هذا قول جمهور الفقهاء والثاني أنه منصرف إلى الشرعى لكنه عام في نفي الصحة والكمال والثالث أنه ظاهر في نفي الصحة وأما [في] نفي الكمال فتأويل ومجاز يحتاج إلى دليل واختار الجوبني هذا وزيف ما عداه لأن النفي الحسى يعلم ابتداء قطعا أن الرسول لم يرده ثم لا هو مبعوث لبيان الحسيات فعلم أنه أراد نفي الشرعى وفي حمله على نفي الكمال اثبات للصحة وهو مخالف للظاهر ثم التعميم أو الاجمال إنما يحسن [أن٤] لو أمكن نفي كل واحد من الأجزاء والكمال منفردا وهذا محال. فصل: قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" يقتضى نفي أصل الصلاة واجزائها لا نفي الفضيلة والكمال. فصل: قوله: "لا وصية لوارث" استدل به أصحابنا مثل القاضي وأبى الخطاب وغيرهم من المالكية والشافعية بعمومه في جميع الوصايا في مسألة الوصية للقاتل وفي الموصين في مسألة وصية المميز وفيه نظر.

стр. 204

مسألة قال الشافعي: ترك الاستفصال من الرسول في حكايات الاحوال مع الاحتمال ينزل١ منزلة العموم في المقال.

стр. 205

قلت وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه احتج في مواضع كثيرة بمثل ذلك وكذلك أصحابنا وأمثلة ذلك كثيرة. وقال الجوبني لا يفيد العموم لاحتمال أن الرسول عرف حاله فترك جوابه على ما عرف ولم ير أن يبين المأخذ والعلة خصوصا لرجل حديث عهد بالاسلام١ وعلى هذا تجرى معظم الفتاوى من المفتين نعم٢ لو تحقق استبهام الحال على الرسول وصح ذلك مع أنه أرسل جوابه فهذا يقتضى العموم لا محالة. قلت وهذا الذي ذكره إنما يمنع قوة العموم فأما ظهوره فلا لأن الأصل عدم المعرفة لما لم يذكر.

стр. 206

مسألة يجب العمل بالعموم واعتقاده في الحال في احدى الروايتين اختارها أبو بكر عبد العزيز والقاضي [ح] وابن عقيل وبها قال أبو بكر الصيرفي من الشافعية وأبو سفيان من الحنفية: والثانية لا يجب اعتقاده ولا العمل به في الحال حتى يبحث وينظر هل هناك دليل مخصص فإذا بحث ونظر فلم يجده تعين العمل به حينئذ وبهذا قال ابن سريج: وأكثر الشافعية١ أبو الطيب وغيره وقال أبو عبد الله الجرجانى متى سمعه السامع من النبي ﷺ على طريق تعليق٢ الحكم وجب اعتقاد عمومه في الحال وإن سمعه من غيره لزم التثبت وطلب ما يقتضى التخصيص كما سبق واختار أبو الخطاب الرواية الثانية "ح" والحلوانى والمقدسىكالأولى واحتج عليهم [ح] هو وابن عقيل بأسماء الحقائق والأمر والنهي وكذلك القاضي احتج عليهم بأسماء الحقائق٣ وذكر عنهم فيها تسليما ومنعا واحتج

стр. 207

ابن عقيل بالأمر للوجوب وأما نحن على الرواية الأخرى فيجب أن يكون قولنا في جميع الظواهر كالعموم وكلام أحمد إنما هو في مطلق الظاهر من غير فرق بين العموم وغيره وكذلك قال أبو الخطاب: واحتج بأن كل لفظ وضع لشيء متى وجد وجب اعتقاد ذلك الشيء كالأسماء والأمر والنهي وغير ذلك قال والجواب أن جميع ذلك كمسألتنا لا نعتقد موجبه حتى نبحث فلا نجد ما يصرفنا عن حقيقتها وكذلك [الأمر] لا نحمله على الوجوب إلا إذا تجرد عن قرينة وكذلك النهي وهذا هو المنصوص عن أحمد في كلامه على تفسير السنة والآثار لظاهر١ القرآن وإن سلمناه٢ في أسماء الحقائق فقط فالفرق أن أسماء الحقائق لا تستعمل في غيرها إلا مجازا والعموم حقيقة في الخصوص والاستغراق وسلم أبو الخطاب أن العموم في الأزمان يخالف٣ العموم [في] الأعيان فيجب حمله على عموم الأزمان وإن جاز أن يكون منسوخا في بعضها اذ النسخ لا يرد إلا بعد ورود الصيغة فلا يجب التوقف لاجله كما لا يتوقف فيمن ثبتت٤ عدالته حتى يرد عليه الفسق. قلت فيه نظر بعد النبي ﷺ فإن معرفة الناسخ والمنسوخ متقدمة على الفتوى قلت: ألفاظ أحمد كالصريحة بالرواية التي نصرها أبو الخطاب لكن إنما هو فيمن لم يسمعه من النبي ﷺ . قال القاضي إذا ورد لفظ العموم الدال بمجرده على استغراق الجنس فهل يجب العمل بموجبه واعتقاد عمومه في الحال قبل البحث عن دليل يخصه وفيه روايتان

стр. 208

أحداهما: يجب العمل بموجبه في الحال وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله لما سأله عن الآية إذا كانت عامة وساق لفظ الرواية كما كتبته عند مسألة العموم. قال وظاهر هذا الحكم به في الحال من غير توقف. قلت إنما رد على من يقف إذا لم يرد مخصص ليس فيه عدم البحث عن المخصص وهو قول أبي بكر في التنبيه. قال وإذا ورد الخطاب من الله أو من الرسول بحكم عام أو خاص حكم بوروده على عمومه حتى ترد الدلالة على تخصيصه أو تخصيص بعضه. قال وفيه رواية أخرى لا يحمل على العموم في الحال حتى تتطلب دليل التخصيص فإن وجد حمل اللفظ على الخصوص وإن لم يوجد حمل حينئذ على العموم. قال وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي الحارث١ وغيره قال في رواية صالح إذا كان للآية ظاهر ينظر [ما] عملت السنة فهو دليل على ظاهرها ومنه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ٢ فلو كانت على ظاهرها لزم من قال بالظاهر أن يورث كل من وقع عليه اسم ولد وإن كان قاتلا ويهوديا. قلت وهذا عام في الظواهر كلها من العموم والمطلق والأمر والنهي والحقائق وهو نص. [١قال وأما إذا لم يكن نفسه موضوعا كقوله: "رأيت أسدا يكتب" فهنا إنما يفهم بقرينة عقلية وهو العلم بأن البهيمة لا تكتب فتدبر هذا فإنه نافع] . [ثم٣ وضع التركيب قد يكون لغويا وقد يكون عرفيا وهو كثير غالب

стр. 209

والعرف يختلف فتختلف دلالة التركيب والجميع حقائق إذا تكرر استعمال ذلك الجنس] . فصل: [١في الفرق بين مطلق اللفظ من المعانى وهو المعنى المطلق عن القيود التي يوجبها اللفظ في حال دون حال وبين اللفظ المطلق فإن الفرق في الاطلاق والتقييد والعموم والخصوص بين اللفظ وبين معانى اللفظ عام المنفعة] ١. وقال فيما كتب به إلى [ابن] ٢ عبد الرحيم الجوزجانى فأما من تأوله على ظاهره يعنى القرآن بلا دلالة من رسول الله ولا أحد من أصحابه فهو تأويل أهل البدع لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها عاما أو يكون ظاهرها على العموم وإنما قصدت لشيء بعينه ورسول الله ﷺ [هو] المعبر عن كتاب الله وما أراد وأصحابه أعلم بذلك منا لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك. قال القاضي وظاهر هذا أنه لا يجب اعتقاده ولا العمل به في الحال حتى يبحث وينظر هل هناك دليل يخصص. قلت الأدلة كالاحكام٣ فكما اشترط في الأحكام معرفة السنة والاجماع والاختلاف في معرفة الكتاب فكذلك دلالة الأدلة يشترط فيها معرفة السنة مع الاجماع والاختلاف فإن السنة والآثار كما يبينان الحكم يبينان دلالة القرآن. وكان القاضي قد نصر مثل قول أبي الخطاب ثم نصر الرواية الأخرى وعمدته أن الأصل عدم القرينة ولكن النفي لا يحكم به قبل البحث.

стр. 210

فصل: عدم المخصص هل هو شرط في العموم أو المخصص من باب المعارض فيه قولان كما في تخصيص العلة لكن كثير ممن يخصص الألفاظ لا يخصص العلل والقاضي تارة يطرد القول في الجميع فإنه لما قال له المخالف: "اللفظ أريد به العموم تارة والخصوص [تارة] أخرى" أجاب بأن اللفظ لم يرد قط إلا وهو دال على العموم وإنما يدل على الخصوص بقرينة. قلت بعض المتكلمين قد يجرده عن قرينة ويكون بعض الأفراد غير مراد له. وقال المخالف أيضا لو كان موضوعا للعموم لما جاز أن يوجد إلا وهو دال عليه كما لا يجوز أن يوجد الفعل إلا وهو دال على فاعل فأجاب بأن اللفظ الدال على العموم هو المجرد عن قرينة ولا يوجد هذا اللفظ إلا وهو دال على العموم وإنما يدل على الخصوص بقرينة تنضم إليه. قلت هذا تصريح بطرد الأدلة كطرد العلل. فصل: ذكر القاضي في مسألة عموم الجمع المعرف أن التعريف يوجب انصراف الاسم إلى ما الإنسان به أعرف فإن كان هناك معهود [هو به] ١ أعرف فينصرف التعريف إليه ولا يكون مجازا والا انصرف إلى الجنس لأنه به أعرف من ابقاء صيغة قال وإذا كانت لتعريف العهد عمت جعله محل وفاق استدل به على من نازع في العموم إذا كانت لتعريف الجنس وأبو الخطاب كذلك وهو لابى الحسين.

стр. 211

فصل:١ في نفي العام إذا قال: "لا أكرم من دخل دارى" أو "لا ألبس الثياب" فهم منه العموم في النفي ولو قال: "لا أكرم كل عاقل دخل دارى" لم يلزم أن لا يكرم كل واحد منهم بل يجوز أن يكرم البعض دون البعض هذا كلام القاضي وأبي الحسين أيضا [فيما أظن وغيرهما فجعلوا بعض ألفاظ العموم يكون نفيها عاما وبعضها يكون نفيها نفيا للعموم لا عموما للنفي وفرق بين عموم النفي وبين نفي العموم] . فصل: قال الشيخ٢: هذا الفصل عظيم الفائدة خصوصا في الإيمان وكلام الخلق المتكلم من الخلق باللفظ العام إما أن يقصد العموم أو الخصوص أو يذهل وإذا لم يقصد العموم٣ فإما أن يقصد ذلك الفرد المعين [أو يذهل وإذا قصد العموم فإما] ٤ أن يقصده باعتبار صفة شاملة هي الموجبة للحكم أو باعتبار الشمول للاسم وعلى هذا فمن وجد فيه ما قد يكون مانعا من الحكم أو وجد من يشمله الاسم دون المعنى اللازم للاسم غالبا فهذا لم يقصد المتكلم دخوله عينا ولا نوعا مع شمول اللفظ وهذا ينبني على الفرق بين ما يوجب الخصوص والعموم وما يبين الخصوص والعموم فالأول هو قصد المتكلم وإرادته والثاني الدلالة وقد تكلموا كلهم القاضي في الكفاية وغيره على الفرق بين ما يصير العام خاصا وبين ما يجعل العام في نفسه خاصا فيقال في الموجب أن الموجب للعموم قصد المتكلم فيكفي في الخصوص عدم قصد العموم أو يقال الموجب للخصوص هو قصد

стр. 212

الخصوص وكلام القاضي يقتضى أن اللفظ في نفسه لا يتصف بعموم ولا خصوص إلا بقصد المتكلم وإرادته وهذا جيد فيفرق بين إرادة عدم الصورة المخصوصة أو عدم إرادة الصورة المخصوصة فإن الفرق بينهما واقع فالأول لا ريب فيه والثاني وهو١ عدم إرادة تلك الصورة لا بد أن يعنى بها عدم إرادة معنى عام يدخل فيه وإلا فعدم إرادتها عينا لا يؤثر بالضرورة٢. فصل: قول الصاحب كان رسول الله ﷺ يفعل هل يفيد التكرار فيه قولان ذكرهما القاضي في الكفاية في الأفعال وقال في التعليق في قول بلال كان يمسح على [المرفقين] والخمار كان إخبار عن دوام الفعل والنبي ﷺ لا يداوم على ما لا يجوز وهذا يمنع تأويله على أنه كان هناك عذر لأن كان للدوام ولم ينقل أنه دام به عذر منعه من المسح وقال أيضا في حديث عبد الله بن زيد في صفة مسح الرأس هذا إخبار عن دوام فعله لأنه سئل كيف كان يتوضأ وإنما يداوم على الواجب وكذلك قال في الروايتين والوجهين في مسألة٣ وكذلك ذكر أبو الخطاب في قول أبي موسى كان إذا حضر أحد الخصمين ولم يحضر الآخر قضى عليه انه إخبار عن دوام الفعل فصارت الأقوال ثلاثة مطلق الفعل والعموم والتكرار.

стр. 213

مسألة١: اللفظ العام إذا دخله التخصيص قال ابن برهان أنقسم فيه أصحابنا فمنهم من قال يكون مجازا وهو الصحيح واختاره الجويني ومنهم من

стр. 214

قال يكون حقيقة وقال أبو الحسن الكرخى إن [١كان التخصيص بدليل متصل كالاستثناء والشرط والصفة لم يكن مجازا وإن] ١ كان التخصيص بدليل منفصل فهو مجاز قال وقال عبد الجبار بن أحمد عكس ذلك ومعنى كونه مجازا معنى في الاقتصار به على البعض الباقي لا في تناوله له وذكر القاضي أن كونه مجازا قول المعتزلة والأشعرية [ح] ونصر أبو الخطاب أن العام إذا دخله التخصيص يصير مجازا خلاف ما أختاره شيخه مع أنه نصر المنصوص في أنه [يكون] ٢ حجة.

стр. 215

مسألة: العموم إذا دخله التخصيص بشيء فهو حجة فيما عداه نص عليه في مواضع وبه قالت الشافعية واختاره الجويني وحكى عن المعتزلة والأشعرية أنه يصير مجازا ولا يحتج به وإليه ذهب عيسى بن أبان وأبو ثور وكذلك ذكر أن بعض أصحابنا اختار أن العام بعد خصوصه لا يبقى١ حجة وحكى عن أبي الحسن الكرخى كقولنا إن كان المخصص متصلا كالاستثناء والشرط وكقول الآخرين إن كان منفصلا وقال أبو بكر الرازي إن كان الباقي جمعا ولم يذكر ابن برهان مخالفا فيها سوى عيسى بن أبان ولم يتعرض لكونه مجازا وذكر غيره أبا ثور معه وهذا أصح أعنى أن المخالف في كونه حجة هذان دون الجمهور ولا أحسب ما حكى عن الكرخى إلا غلطا وكذلك ذكر الاستثناء في هذه المسألة فإننا لا نعلم خلافا بين مثبتي العموم في أن الاستثناء يجعل الباقي وهو المستثنى منه مجملا بل يؤكد عمومه نعم الخلاف في كونه مجازا ربما أمكن وهو بعيد لأنه يلزم منه أن كل استثناء مجاز ويحتمل أن الكرخى وابن أبان أرادا بالمنفصل المقارن كقولنا اقتلوا الكفار ولا تقتلوا الذمي.
следующие страницы →