مسألة: أقل الجمع المطلق فيما له تثنية ثلاثة
نص عليه في مواضع وبه قالت الحنفية فيما ذكره البستي منهم والقاضي ومالك وأكثر الشافعية وزعم ابن برهان أنه قول الفقهاء قاطبة وأكثر المتكلمين وحكى عن أصحاب مالك أقله اثنان١ وبه قال علي بن عيسى النحوي وابن داود وفي كتاب ابن برهان داود
стр. 282
وأبو بكر [بن] ١ الباقلاني وبعض الشافعية ووجدت في مذهب أبي حنيفة ما يدل عليه وقد ذكره الجويني في هذه المسألة فغلط فيها بأشياء منها أنه ادعى أنها تخص أهل العموم ثم زعم أن مالها إلى جواز تخصيص [أسماء الجموع إلى الإثنين ثم اختار جوازه وجواز التخصيص] إلى الواحد إذ قوى دليله ثم أنه ذكر أولا أن قول ابن عباس فيها إن أقله ثلاثة أخذا من مذهبه فإنه كان يرى أن يقف الثلاثة خلف الإمام والاثنان صفا معه وهذا معروف عن ابن مسعود وأين كان عن قول ابن عباس في مسألة الإخوة من الأم الذي هو أشهر من "قفا نبك" فإن كان هذا قد سقط من كتابه فما باله خصص المسألة بالمعممين وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ ٢ لا عموم فيه ولا تختص هذه المسألة بأهل العموم بل الصحيح عندهم أن الجموع [المنكرة] ٣ لا تعم ثم ما باله استبعد في آخر المسألة قول من قال إن من فوائد هذه المسألة أن من أوصى بدراهم أو عبيد أو نذر عتق رقاب وما أشبه ذلك فإنه يحمل على الإثنين عند القائل انه جمع وعلى الثلاثة عند الآخرين وهذا هو معنى الخلاف الذي جرى بين ابن عباس٤ وعثمان والصحابة في قوله فإن كان له إخوة ولقد قال منكرا لذلك وما أرى الفقهاء٥ يسمحون بهذا ولا أرى النزاع في أقل الجمع إلا ما ذكرته.
قلت وأنا لا أدرى معنى قوله: إن الفقهاء لا يسمحون بهذا فإنه إن استبعد حمل لفظ الإقرار والنذر٦ ونحوهما على الثلاثة فهو مذهب الشافعي والجمهور وإن
стр. 283
استبعد حمله على الاثنين وأن يكون به مذهب فقد وجدناه في مذهب أبي حنيفة وأصحابه في مواضع والذي ذكرته المالكية في كتبهم أن قول مالك أن أقل الجمع ثلاثة وهو الذي ينصرونه وقول عبد الملك بن الماجشون [أن أقله اثنان] ١.
فصل:
[شيخنا] قال المخالف لفظ الجمع موضوع لثلاثة فصاعدا فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوعه وترك لحقيقته٢ وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ فقال القاضي والجواب أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص [به٣ ولا يكون بمنزلة النسخ وإنما يكون بمنزلة التخصيص] ولهذا نقول في قوله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٤ أن المراد به موضع٥ الصلاة ونحمله عليه بضرب من الاستدلال.
قال شيخنا قلت: هو وأبو الخطاب وغيرهما يجعلون التخصيص أولى من المجاز وهذا لأن التخصيص٦ ترك بعض اللفظ بخلاف التجوز فإنه عدول عن جميع مسماه ولهذا نصر القاضي أن التخصيص لا يجعله مجازا وأيضا فظاهر اللفظ قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا وأما على قول من يجعل ظهوره بالقرائن المتصلة٧ فذاك أوسع والله أعلم.
стр. 284
مسائل الاستثناء
مسألة: لا يصح الاستثناء إلا متصلا بالمستثنى منه اتصال العادة
نص عليه وهو قول [جماعة] ١ الفقهاء والمتكلمين قال القاضي: نقل أبو النضر وأبو طالب عن أحمد ما يدل على أنه لا يصح إذا فصل وهو اختيار الجويني٢ لأنه قال: إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل وهو الصحيح وذكر أول المسألة أن الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام فأما لو انقطع فإنه لا يعمل وقد ذكر الخرقي في كتاب الإقرار [فقال:] ومن أقر بعشرة دراهم وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال: [زيوفا] أو [صغارا] أو إلى شهر كانت عنده وافية [جيادا حالة] قال: وقد اختلف الرواية عنه في الاستثناء في اليمين فقال في رواية أبي طالب إذا حلف وسكت قليلا ثم قال: إن شاء الله فله استثناؤه لأنه يكفر وكذلك نقل المروذي عنه إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره قال القاضي: وظاهره جواز الفصل بالزمن [اليسير] ما دام في المجلس وحكاه الحلواني عن عطاء والحسن وكذلك حكاه ابن عقيل عن الحسن وابن برهان عن عطاء وحكى عن ابن عباس جواز الاستثناء المنقطع على الإطلاق٣ وبه قال طاوس: وحكوا عن ابن عباس رواية أخرى صحته قبل سنة وبعدها لا يصح.
قال شيخنا رضى الله عنه٤: هاتان الروايتان عن أحمد يجب إجراؤهما في جميع صلات الكلام المغيرة له من التخصيصات والقييدات كالشرط والاستثناء والصفات والأبدال والأحوال ونحو ذلك والأحكام تدل على ذلك فإن الفاتحة لو سكت في [أثنائها] سكوتا [يسيرا] لم يخل المتابعة الواجبة ولو طال أو فصل
стр. 285
بأجنبي أخل مع أن بعضها صفات وبعضها بدل بخلاف كلمات الأذان فإنها جمل مستقلة فهذا فيما إذا كان المتبوع مستقلا والتابع غير مستقل فأما إن كانا مستقلين [كالتخصيصات المنفصلة جاز انفصالها لكن في قبوله في الحكم تفصيل وإن كانا غير مستقلين] ١ كالشرط والجزاء والمبتدأ والخبر فقال القاضي في المسألة فلأن٢ الشرط والجزاء متى تفرقا بقدر المجلس لم يصح كذلك الاستثناء فإن قيل المجلس يجرى مجرى حال العقد بدليل قبض رأس مال السلم وثمن الصرف قيل اعتبار هذا بالشرط والجزاء أشبه لما ذكرنا.
قلت أحمد لم يعتبر مجلس الأبدان المعتبر في الأفعال فإن هذا قد يطول يوما وأكثر وأقل وإنما قال: إذا سكت قليلا وقال إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره فاعتبار الزمان القريب وعدم الأجنبي نظير ما اعتبروه في فصل الفاتحة وهو شبيه بمجلس العقود من الإيجاب٣ والقبول أو أقصر من ذلك لأن ارتباط كلام المتكلم الواحد بعضه ببعض إن لم تكن موالاته أشد من موالاة كلام المتكلمين لم يكن دونه وحينئذ فيقال في المفردين كالمبتدأ والخبر والشرط والجزاء يجوز فصل أحدهما عن الآخر بالزمن اليسير وذلك أن الاتصال والموالاة في الأقوال لا يخل بها الفصل اليسير كالاتصال والموالاة في الأفعال إذ المتقارب متواصل وقد يكون فصل الكلام أبين وأحسن من سرده وفي الباب قوله: "إلا الأذخر" وحديث سليمان لما قال: "لأطوفن" وقوله ﷺ "إلا سهيل بن بيضاء".
وهذا إذا لم ينو السكوت ظاهرا كما أنه في الكتاب كذلك بدليل قصة الحديبية وقول النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد" فإنه دليل على أنه لا يلزم قبل فراغ الكتاب.
стр. 286
فصل:
[شيخنا] قال القاضي: الاستثناء [كلام ذو] صيغ محصورة يدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم نحو قولهم رأيت المؤمنين وما رأيت زيدا ولم أر عمرا أو خالدا لقولنا كلام ذو صيغ محصورة وحروف الاستثناء محصورة وليس الواو منها
قلت هذا [هو] الاستثناء في اصطلاح النحاة وأما الاستثناء في عرف الفقهاء فهذا منها ولهذا لو قال له [هذه] الدار ولى منها هذا البيت كان هذا استثناء عندهم فالاستثناء [قد] يكون بمفرد وهو الاستثناء الخاص وقد يكون بما هو أعم من ذلك كالجملة وهو العام كما أن الإشتراط١ بالمشيئة هو استثناء في كلام النبي صل الله عليه وسلم والصحابة والفقهاء وليس استثناء في العرف النحوي.
فصل:
[شيخنا] يجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه.
فصل:
[شيخنا] يجوز الاستثناء من الاستثناء.
стр. 287
مسألة: لا يجوز أن يستثنى الأكثر من [عدد مسمى]
عند أصحابنا ذكره المالكية والرقى وأبو بكر ونص عليه أحمد في الطلاق١ وذكره طائفة من المالكية وأكثر النحاة وحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي ونصره ابن الباقلانى في كتاب التقريب في أصول الفقه وحكى غير واحد من
стр. 288
الأدباء أنه قول الخليل وسيبويه والنضر بن شميل وجماهير البصريين من أهل العربية قال في شرح الجزولية: قال بعضهم مذهب البصريين أنه لا بد أن يكون المستثنى أقل وقال الكوفيون وبعض البصريين يجوز النصف وأكثر الكوفيين يجيزون الأكثر ونقل المازري عن عبد الملك بن الماجشون المالكي وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جوازه ولا خلاف في جوازه إذا كانت الكثرة من دليل خارج لا من اللفظ وحكى أبو الطيب عن إمامنا أحمد وابن درستويه النحوي أنه لا يصح استثناء النصف ولا أكثر منه وقالت جماعة من الأدباء لا يصح استثناء عقد من العقود بل بعض عقد.
[شيخنا] فصل:
قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ١ وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢ أجاب لقاضى عنه بجوابين أحدهما أنه استثناء من جميع الجنس فيجوز أن يقال فيه انه يجوز إخراج الأكثر من الأقل وأما استثناء الأكثر من الأعداد المحصورة فلا والفرق ورود اللغة في أحدهما دون الآخر ولان حمل جميع الجنس على العموم إنما هو من طريق الظاهر لا من جهة القطع على جميع الجنس بخلاف الأعداد فإن جميعها منطوق به فصار صريحا الجواب الثاني أنه "استثناء" منقطع أي لكن من اتبعك كقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ ٣ وكقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
قلت هذا التنظير٥ ليس بمستقيم.
стр. 289
مسألة١: لا يصح الاستثناء من غير الجنس
نص عليه [قال القاضي: وقد ذكر أصحابنا هذا في الإقرار] وأجازته الحنفية والمالكية وحكاه أبو الخطاب عن مالك و [حكاه] المقدسي عنه وعن أبي حنيفة واختاره ابن الباقلاني وقوم من المتكلمين وعن الشافعية كالمذهبين قال ابن برهان: عدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء قاطبة وهو المنصور وقال بعض أصحابنا يصح وقال الحنفية يصح في المكيل منه والموزون خاصة ونص أبو الطيب كابن برهان.
стр. 290
مسألة: الاستثناء إذا تعقب جملا وعطف بعضها عل بعض وصلح١ عوده إلى كل واحدة منها [لو انفرد] فإنه يعود إلى جميعها إلا أن يرد دليل بخلافه عنده [أكثر] أصحابنا والشافعية والمالكية قال أحمد في رواية ابن منصور: قول النبي ﷺ : "لا يؤمن الرجل في سلطانه٢ ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" قال: أرجو أن يكون الاستثناء على كله وقالت الحنفية وجماعة من المعتزلة يعود إلى الأقرب لا غير وهو الأقوى ولفظ الجمل يراد به ما فيه شمول لا يراد به الجمل النحوية فإن القاضي وغيره ذكر الأعداد من صورها وسوى بين قوله: "رجل ورجل" وبين قوله: "رجلين" وقد ذكر أصحابنا في الاستثناء في الإقرار إذا تعقب جملتين هل يعود إليهما أو إلى الثانية على وجهين كما لو عطف على المستثنى فهل يصير المعطوف والمعطوف عليه كجملة أو هما جملتان على وجهين وقالت الأشعرية بالوقف وعندي أن حاصل قولهم يرجع إلى قول الحنفية وقد ذكر ابن برهان في التفصيل مذهبين آخرين.
[٤والد شيخنا وفصل القاضي في الكفاية فيه تفصيلا مال إليه فلينظر هناك] ٣ وهو قول أبي الحسين وحاصله أنه يفرق بين الجملتين من جنس ومن جنسين.
стр. 291
[شيخنا] فصل:
فأما الشرط المتعقب جملا فقد سلم الحنفية أنه يعود إلى جميعها وكذلك ذكر أبو محمد في الروضة أن الشرط والصفة سلم أكثر المخالفين أنهما يعودان إلى الجميع ونقض عليهم بذلك وكذلك القاضي وذكر أن الشرط كقوله: "نساؤه طوالق وعبيده أحرار وماله صدقة إن شاء زيد" أو "إن دخلت الدار" يعود إلى الجميع وكذلك الاستثناء بمشيئة الله عند الحنفية فأما الصفات وعطف البيان والتوكيد والبدل ونحو ذلك من الأسماء المخصصة فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء وأما الجار والمجرور مثل أن يقول: "على أنه" أو بشرط أنه ونحو ذلك فينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا لأن هذه الأشياء متعلقة بالكلام لا بالاسم فهي بمنزلة الشرط اللفظى فإذا قال: "أكرم بنى تميم وبنى أسد وغطفان المجاهدين" أمكن أن يكون "المجاهدين" تماما لغطفان فقط فإذا قال: بشرط أن يكونوا مؤمنين ١ [أو "على أن يكونوا مؤمنين"] ١ فإن هذا متعلق بالاكرام وهو٢ متناول للجميع تناولا واحدا بمنزلة قوله: "إن كانوا مؤمنين" فيجب أن يفرق ين ما يكون متعلقا بالاسم وما يكون متعلقا بالكلام وهذا فرق ٣ [بين] محقق [يجب اعتباره] ٣.
[شيخنا] فصل:
كثير من الناس يدخل في هذه المسألة الاستثناء المتعقب اسما فيريدون بقولهم: "يعقب جملة"٤ الجملة التي تقبل الاستثناء لا يريدون بها الجملة٥ من الكلام
стр. 292
وهذا موضع يحتاج إلى الفرق فإنه فرق بين أن يقال: "أكرم هؤلاء وهؤلاء إلا الفساق" أو يقال: "أكرم هؤلاء وأكرم هؤلاء إلا الفساق"
[شيخنا] فصل:
موجب ما ذكره أصحابنا١ وغيرهم أنه لا فرق بين العطف بالواو أو بالفاء أو بثم على عموم كلامهم وقد ذكروا في قوله٢: "أنت طالق ثم طالق ان دخلت الدار" وجهين وذكر أبو المعالى الجوبني فرقا بين الحرف المرتب وغيره في الاستثناء والصفة في [شروط] ٣ الوقف وهو يفيد جدا.
قال القاضي في مقدمة المجرد والاستثناء إذا تعقب جملا وصلح أن يعود إلى كل واحدة منها لو انفرد فإنه يعود إلى جميعها فيرفعه وكذلك الشرط والمشيئة مثل آية القذف نص عليه أحمد في طاعة الرسول.
قال شيخنا أبو العباس: الوجه المذكور في الإقرار والطلاق فيما إذا قال: أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة هل نعيدة إلى الجملة الأخيرة فيبطل أو إلى الجميع فيصح فيه وجهان فيخرج مثلهما هنا إلا أن يقال هناك لا يصح عوده إلى الأخيرة لأن الاستثناء يرفع جميع الأخيرة ٤ [ومثل هذا لا يكون عربيا فقد أتى باستثناء لا يصح عوده إلى الأخيرة] ٤ والقاضي قيد المسألة بأن يكون الاستثناء يصح عوده إلى كل واحدة منها لو انفرد وذكر في حجتها٥ أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة لأنه لا فرق بين أن يقول رأيت رجلا ورجلا وبين أن يقول: "رأيت رجلين" قال: وهذا صحيح عل مذهب أحمد لقوله في غير المدخول بها إنه إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق وقع ثلاثا كالجملة
стр. 293
الواحدة قال: وعلى هذا الأصل إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة يقع عليها طلقتان لأنه يكون قد استثنى واحدة من ثلاث.
قال شيخنا في هذه المواضع: لا يصح عود الاستثناء إلى كل جملة بل هنا لم يتعقب الاستثناء جملا بحال فليست هذه المسألة محل النزاع وإنما تقرير كلامه أن الآحاد المتعاقبة بمنزلة الشيء الواحد فكذلك الجمل فهنا ثلاثة أقسام عطف الأسماء الواحدة بعضها على بعض [وعطف الأسماء الشاملة بعضها على بعض] ١ وعطف الكلام المركب بعضه على بعض ومنع القاضي أن العموم يحصل إلا بوقوع السلب٢ على الكلام من غير استثناء وهذا جيد وكذلك جميع المتصل المخصص فإنه مانع لا رافع لكن غايته مذهب الواقفة.
[شيخنا] فصل:
لا يصح الاستثناء٣ من النكرات كما يصح من المعارف ذكره ابن عقيل محل وفاق محتجا به على أن الاستثناء يخرج ما دخل لا ما صح دخوله والقاضي ذكر في مسألة الاستثناء من غير الجنس أن الاستثناء إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ وفي مسألة العموم أيضا قرر ذلك ورد على من قال: هو إخراج ما يصلح دخوله في اللفظ ثم في مسألة الجمع المنكر احتج المخالف بأنه لما صح دخول الاستثناء عليه فيخرج بعضه ثبت أنه من ألفاظ العموم كالجمع المعرف فأجاب القاضي بأن الاستثناء يخرج البعض من البعض [٤ويخرج البعض من كل فخرج البعض من] ٤ الذي هو أقل الجمع.
قال شيخنا: وهذا نقض ما قدمه.
стр. 294
فصل:
الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي عندنا وعند الجمهور وقالت الحنفية ليس كذلك وقيل هو من الإثبات نفي وأما من النفي فليس بإثبات.
قال شيخنا١ ينبغي أن يفرق بين قولنا ما رأيت أحدا إلا زيدا وبين قولنا ما جاء القوم إلا زيد وقولنا ماله عندي عشرة إلا واحد فإنه قد قيل إنه في مثل هذا يكون مقرا بواحد وهذا عندي ليس بجيد وإنما مقصودة أنه ليس له عندي تسعة وذلك أنه لو قصد٢ الإثبات لكان قوله: ماله عندي إلا واحد هو كلام العرب بخلاف الاستثناء من الصيغ العامة فيفرق بين العدد والعموم.
"شيخنا" فصل:
قوله: "لا صلاة إلا بطهور" و "لا نكاح إلى بولي" ونحو ذلك لا يفيد ثبوت الصلاة والنكاح عند وجود الطهور والولي هذا هو المعروف عند الجماعة واحتج القاضي في مسألة أن النكاح لا يفسد بفساد المهر بقوله ﷺ : "لا نكاح إلى بولي وشاهدي عدل" قال: فاقتضى الظاهر أنه إذا حضره الولي والشهود أنه صحيح ولم يفرق بين أن يكون فيه مهر فاسد أو صحيح وهذه دلالة ضعيفة لكن قد يظن أن هذا يعكر عل قولنا إن الاستثناء من النفي إثبات وليس كذلك.
[شيخنا] فصل:
الاستثناء يخرج من الكلام ما لولا هو لوجب دخوله لغة قاله أصحابنا والأكثرون وقال قوم يخرج ما لولا هو لجاز دخوله.
стр. 295
مسائل البيان والمجمل والمحكم والمتشابه والحقيقة والمجاز ونحو ذلك
مسألة: في المحكم والمتشابه وللنحويين كلام كثير في أشياء عدة من ذلك يجعل كتاب التأويل مع ذلك وفيه كلام كثير محقق للجويني.
والد شيخينا١ وللمقدسي كلام في التأويل في القسم الثاني من الأسماء واللغات قال شيخنا١ قال القاضي:
стр. 296
مسألة: في المحكم والمتشابه
ظاهر كلام حمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان لأنه قد قال في كتاب السنة: بيان ما ضلت فيه الزنادقة من المتشابه من القرآن ثم ذكر آيات١ تحتاج إلى بيان وقال في رواية ابن إبراهيم المحكم الذي ليس فيه اختلاف [وهو المستقل بنفسه] ٢ والمتشابه الذي يكون في [موضع كذا] وفي موضع كذا قال: ومعناه ٣ [ما ذكرنا لان قوله المحكم الذي ليس فيه اختلاف هو المستقل بنفسه وقوله المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا معناه] ٣ الذي يحتاج إلى بيان فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا لحصور الاختلاف في تأويله قال: وذلك نحو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٤ لأن القرء من الأسماء المشتركة تارة يعبر به عن الحيض وتارة عن الطهر ونحو قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٥ وهذا قول عامة الفقهاء وكان قد كتب في
стр. 297
العتق ولهم عن هذا عبارات منهم من يقول المحكم ما خلص لفظه عن الإشكال وعرى [معناه] عن الاشتباه١ والمتشابه ما لم يخلص لفظه عن الإشكال ولا عرى معناه عن الاشتباه ومنهم من قال: المحكم ما تأويله تنزيله ولفظه دليله والمعنى متقارب٢ وقال قوم المحكم هو الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد والمتشابه ما كان من ذكر القصص والأمثال لأن المحكم ما استفيد الحكم منه والمتشابه مالا يفيد حكما.
قلت لكن يفيد الدليل.
ومنهم من قال: المحكم ما وصلت حروفه والمتشابه ما فصلت حروفه وتفصيلها أن ينطق بكل حرف كالكلمة كما في أوائل السور لأن المحكم ما عرف معناه والمشابه مالا يعقل معناه ومنهم من قال: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ فإن المنسوخ لا يستفاد منه حكم.
قال شيخنا٣ قلت: لفظ النسخ فيه إجمال كأنهم أرادوا قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ٤ ولكن القرآن كله محكم بهذا المعنى لقوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ٥ وقال أبو الحسين عن أصحابه أن المحكم يستعمل على وجهين أحدهما أنه محكم الصيغة والفصاحة والآخر أنه لا يحتمل تأويلين متشابهين والمتشابه [أيضا] يستعمل على وجهين أحدهما أنه متشابه في الحكم والآخر يحتمل تأويلين مختلفين متشابهين احتمالا شديدا.
قال شيخنا أبو العباس٣ قلت: التشابه الذي هو الاختلاف يعود إلى اللفظ تارة كالمشترك مثلا وإلى المعنى أخرى بأن يكون قد أثبت تارة ونفي أخرى كما في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ٦ مع قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ ٧
стр. 298
ونحو ذلك من المتشابه الذي تكلم عليه [ابن عباس] في مسائل نافع بن الأزرق وتكلم عليه أحمد وغيره فالأول كالوقف لعدم الدليل بمنزلة من ليس له ذكر ولا قيل والثاني كالوقف لتعارض الدليلين بمنزلة الخنثى الذي له فرجان وما كان لعدم الدليل فتارة لأن اللفظ يراد به هذا تارة وهذا تارة كالمشترك وتارة لأن اللفظ لا دلالة له على القدر المميز بحال كالمتواطئ في مثل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ ٢ ونحو ذلك من المجملات ففي الأول دل اللفظ على أحدهما لا بعينه وفي الثاني دل على المشترك بينهما من غير دلالة على أحدهما بحال وفي كلام أحمد ومن قبله على التشابه ببيان معناه أو إزالة التعارض والاختلاف عنه ما يدل على أن التأويل الذي اختص الله به غير بيان المعنى الذي أفهمه خلقه فما كان مشتبها لتنافي الخطابين أو الدليلين في الظاهر فلا بد من التوفيق بينهما كما فعل أحمد وغيره وما كان مشتبها لعدم الدلالة على التعيين فقد نعلم التعيين أيضا لأنه مراد بالخطاب وما أريد بالخطاب يجوز فهمه وما كان مشتبها لعدم الدلالة٣ على القدر المميز كما في صفات الله تعالى فهنا دال القدر المميز ما دل الخطاب عليه وهو تأويل الخطاب لأن تأويل الخطاب لا يجب أن يكون مدلولا عليه به ولا مفهوما منه إذ هو الحقيقة الخارجة ومتى دل عليها ببعض أحوالها لا يجب أن يكون قد بين جميع أحوالها فذاك هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ومنه أيضا مواقيت الوعيد فإن الخطاب لم يبينها ولا يفهم منه وهو من التأويل الذي انفرد الله بعلمه فتدبر هذا فإنه نافع جدا في هذه المجازات فكل ما دل عليه الخطاب يفهم في الجملة ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله وما لم يدل عليه قد لا يفهم ولا يعلم وإن كان تأويلا له وفرق بين أن يدل على معين
стр. 299
ثم يبينه وبين أن لا يدل على خصوصه بحال مع أن المشترك والمتواطئ متقاربان في هذا الموضع وعلى هذا سبب نزول الآية في تأويل النصارى صيغ الجمع على أن الآلهة ثلاثة فهو تأويل في أسماء الله المضمرات وهو نظير مذهب المشبهة كما أن رد المشركين لاسم الرحمن الحاد في أسمائه الظاهرة نظير مذهب الجهمية المعطلة وتأويل اليهود في حروف المعجم أنها دلالة على مقادير أزمنة الحوادث من حيث أن اللفظ فيه اشتراك ولم يبين أحد معانيه والتأويل المذموم لا يعدو ما فعله هؤلاء في الإيمان بالله واليوم الآخر بخلاف التأويل العملي وبخلاف البيان الذي يفسر المراد بالخطاب من غير تعيين تأويله.
وتحرير هذا ببيان أن لفظ التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل في ألفاظ المتأخرين وأن بينهما عموما وخصوصا إذ ذاك التأويل هو مالا يدل عليه اللفظ وهذا التأويل هو ما يدل اللفظ على خلافة والتأويل عند الأولين غير مدلول اللفظ والعين لا تعلم بنفس الخطاب وقد كتبت هذا في غير هذا الموضع١.
стр. 300
مسألة: يجوز أن يشتمل القرآن على مالا يفهم معناه
...
مسألة: يحوز أن يشتمل القرآن على مالا يفهم معناه
عندنا وكذلك قال ابن برهان: يجوز عندنا وقال قوم لا يجوز ذلك ثم بحث أصحابنا يقتضى أنه يفهم على سبيل الجملة لا على سبيل التفصيل ووافقنا أبو الطيب الطبري وحكاه عن أبي بكر الصيرفي وكلهم تمسك بالآية قال الجويني: كل ما ثبت التكليف في العلم به يستحيل استمار الإجمال [فيه] وأما غيره فلا.
стр. 301
مسألة١ في القرآن مجاز
نص عليه بما خرجه في متشابه القرآن في قوله: ﴿إِنَّا﴾ و ﴿نَعْلَمُ﴾ و ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ هذا من مجاز اللغة يقول الرجل إنا سنجرى عليك رزقك إنا سنفعل بك خيرا قال شيخنا: قد يكون مقصوده
стр. 302
يجوز في اللغة وبه قالت الجماعة ومنع منه بعض أصحابنا وبعض أهل الظاهر وبعض الشيعة [والحاكى لهذا الوجه عن بعض أصحابنا أبو الحسن التميمي قال ابن برهان: وقول الإمامية من الشيعة وأهل الظاهر] ١.
والد شيخنا وحكى القاضي عن أبي الفضل ابن أبي الحسن التميمي أنه قال في كتابه في أصول الفقه والقرآن: ليس فيه مجاز عند أصحابنا وأنه ذكر عن الخرزى وابن حامد [ما يؤيد ذلك وكذلك ابن حامد قال في أصول الدين: ليس في القرآن مجاز] .
شيخنا وقال ابن أبي موسى والمكنى٢ مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٣ يريد أهلها: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ٤ أي أهلها قال: ومن أصحابنا من منع أن يكون في القرآن مكنى وحمل كل لفظ وارد في القرآن على الحقيقة والأول أمكن لأن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٥ يقتضى ظاهر هذا أن يكون الخطاب من الله للكفار حقيقة قال: ولا أعلم خلافا بين أصحابنا أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم فعلم بذلك أن المراد بالآية غير ظاهرها.
قلت الحجة ضعيفة فإن القاضي حكى الخلاف بين أصحابنا في محاسبة الكفار والمحاسبة نوعان قال القاضي: رأيت في كتاب أصول الدين من كتب أبي الفضل التميمي قال: والقرآن ليس فيه مجاز عند أصحابنا واستدل بأن المجاز لا حقيقة له ثم قال: فأما قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ.....وَالْعِيرَ﴾ فيجوز أن تكلم الجمادات الأنبياء
стр. 303
ثم قال: وسمعت الخرزى رحمة الله عليه وقد قيل له قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ١ أوجب العجل قال: بل العجل نفسه مثل القرية والعير سواء قال القاضي: وذكر أبو بكر في تفسيره اختلاف الناس في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ فذكر ما ذكره أحمد عن قتادة حب العجل وعن السدي نفس العجل قال أبو بكر: وأولى التأويلين قول من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل لان الماء لا يقال أشرب في قلبه وإنما يقال ذلك في حب الشيء كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ قال: فقد صرح أبو بكر بأن هناك مضمرا محذوفا.
стр. 304
مسألة: يجوز أن يتناول اللفظ الواحد الحقيقة والمجاز جميعا
ذكره القاضي وابن عقيل ومثلاه بقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ١هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد فيحمل عليهما ونحو ذلك ولم يذكر مخالفا وكذلك ذكر الحلواني وحكاه عن الشافعية وأبى على الجبائي قال خلافا لأصحاب أبي حنيفة وأبى هاشم: لا يجوز ذلك وكذلك ذكر ابن عقيل في موضع آخر مسألة المشترك صريحا وحكى الخلاف كما نقل الحلواني وهذا قول أبي عبد الله البصري وذكر القاضي في ضمن كلامه ما يدل على أن المشترك على هذا الخلاف وكذلك حكى الجويني في اللفظ المشترك مذهبين أحدهما ذهب إليه ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه يحمل على جميع معانيه ما لم يمنع منه مانع سواء كان حقيقة في الكل أو حقيقة في البعض مجازا في البعض قال: وهذا اختيار الشافعي والمذهب الثاني أنه لا يجوز حمله على الكل واختاره ابن الباقلاني وأعظم الإنكار على من زعم أنه حقيقة في الجميع لأن اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في الأصل وإنما تصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع فيصير ذلك جمعا بين النقيضين واختار الجويني أنه لا يحمل ذلك على الكل بإطلاقه ولا يفيد العموم
стр. 305
لأنه صالح لإفادة معان على البدل ولم يوضع وضعا مشعرا بالاحتواء فأما إرادة الجميع بقرينة فجائز وسواء كان فيها حقيقة أوفي أحدها وهذا هو الصحيح لأنه يحسن التصريح به وذكر القاضي في ضمن مسألة ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه المراد بالقياس في حجة المخالف أنه لا يجوز أن يراد بالعبارة الواحدة معنيان مختلفان١ في حال واحدة فلم يمنع ذلك لكن قال: إن المعنيين إذا كانا مختلفين جعلنا النص كأن الله تكلم به في وقتين ثم ضرب على "تكلم" وكتب: "أمر به في وقتين" وأراد به أحد المعنيين في وقت والمعنى الآخر في الوقت الآخر وكذلك وجدت قول الحنفية في كتبهم كما حكينا عنهم في المجاز والمشترك وبالجواز كذلك قال عبد الجبار: والمنع فيهما قال أبو الخطاب: وحكى الجواز عن شيخه وعن الشافعية٢ كالمذهبين وذكر القاضي في أوائل العدة أنه قد قيل انه لا يجوز حمل اللفظ الواحد على حقيقتين مختلفتين ولا على الحقيقة والمجاز ونصر ذلك واستدل بإجماع الصحابة على اختلافهم في لفظ القرء وأنهم أجمعوا على الفرض٣ المولى وله موليان من فوق ومن أسفل ولم يذكر في هذا الموضع خلاف هذا القول.
قال الطرطوشى في أية الملامسة قولكم لا يجوز حمله على الحقيقة والمجاز فاللفظ هنا حقيقة فيهما فلا نسلم ما قالوه وإنما هو عام يتناول الجميع كالحدث يتناول إطلاقه جميع الأحداث وهو حقيقة في الجماع وما دونه وكاللون والعين حقيقة في جميع الألوان الأبيض والأسود وغيرهما وكذلك العين حقيقة في عين الرجل وعين الشمس وكذلك كل لفظ احتمل الطلاق وغير الطلاق كان حقيقة في الطلاق والأصل في هذا أن اللفظ المحتمل لشيئين فصاعدا هو حقيقة في محتملاته وإنما المجاز ما تجوز به عن موضوعه واستعمل في غير ما وضع له.
стр. 306
فرع [والد شيخنا] اختلف القائلون بالمنع من استعمال المشترك المفرد في مفهوماته على الجميع فيما إذا كان بلفظ الجمع سواء كان في جانب النفي أو الإثبات هل يجوز على مذهبين فإن كان بلفظ الواحد المفرد منكرا في جانب النفي كقوله: "لا تعتدي بقرء" فقال أبو الخطاب هو كالمشترك في الإثبات ومنعه قال: والذي يظهر لي أنها كالتي قبلها إذ قوله: لا تعتدي بالإقراء هو محل الخلاف
[شيخنا] فصل:
استدل القاضي على أن اللفظ الواحد يجوز أن يكون متناولا لموضع الحقيقة والمجاز بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١ متناول للرقبة الحقيقية ولغيرها من الأعضاء على طريق المجاز وكذلك قوله: "اشتريت كذا وكذا رأسا من الغنم" متناول للرأس الذي هو العضو المخصوص ولسائر الأعضاء.
قال شيخنا قلت: هذا نقل اللفظ من الخصوص إلى العموم وهو من باب الحقيقة العرفية لأن الرأس أدخل في اللفظ من سائر الأعضاء بهذا الوضع لكن اجتمع فيه الوصفان فهو مدلول عليه بهما جميعا فليس هذا من موارد النزاع لكن تقرير كلامه أنه إذا صار يعم موضع الحقيقة وغيره حقيقة فلان يكون ذلك مجازا أولى لكن يقال لفظه في صدر المسألة يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولا لموضع الحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر وعلى هذا التقرير يكون مجازا فيقال هذا في تعميم الخاص نظير البحث في تخصيص العام إلا أنه هناك نقصت الدلالة وهنا زيدت فكما أنه هناك يقال هو حقيقة في دلالته على الباقي مجازا أو لا حقيقة ولا مجاز في عدم دلالته على الخارج يقال هنا هو حقيقة في دلالته على مسماه الأول مجاز في الزيادة على ذلك واستدل أيضا بقولهم عدل العمرين عند من يقول هما أبو بكر وعمر٢ والمنصوص عن أحمد
стр. 307
خلافه قال: هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وكذلك قولهم مالنا طعام إلا الأسودان التمر والماء قاله القاضي
فصل: "في وجوه المجاز"
منها: أن يستعمل اللفظ في غير ما هو موضوع له نحو الحمار أطلقوه على البليد واسم الأسد أطلق على الرجل الشجاع.
ومنها: المستعمل في موضعه وغير موضوعة كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١ يتناول الرقبة وجميع الأعضاء.
وكذلك إطلاق الشيء على ضده كإطلاقهم السليم على اللديغ والمفازة على المهلكة.
ومنها: الحذف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٣.
ومنها: الصلة كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٤ يعنى بما كسبتم.
ومنها: أن يطلق اسم المصدر على المفعول كضرب فلان وخلق الله وعلى الفاعل كرجل عدل.
ومنها: إطلاق اسم المفعول كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ٥ أي مرضية وعلى المصدر كقولك: "تخشى اللائمة" يعنى اللوم.
ومنها: إطلاق اسم المدلول على الدليل يقال سمعت علم فلان أي عبارته عن علمه الدال عليه.
ومنها: أن يطلق اسم المسبب على السبب كإطلاقهم اسم الرحمة على المطر قال: فهذه جملة وجوه للمجاز.
стр. 308
قال شيخنا رضى الله عنه قلت: جماعها إما زيادة وإما نقص وإما نقل والنقل إما إلى النظير وإما إلى الضد وإما إلى الأصل وإما إلى الفرع وقد دخل في الأصل السبب والفاعل وفي الفرع الدليل والمفعول والمصدر بالنسبة إلى الفاعل.
فصل:
لما قال المخالف: المجاز كذب لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع قال القاضي: هذا خرق للإجماع لأنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب قال: وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير طريق لمطابقة والمجاز قد يطابق الخبر من طريق العرف وإن كان لا يطابق من طريق اللغة.
قال شيخنا قلت: هذا المجاز هو الحقيقة العرفية فليس هو المجاز المطلق وقال القاضي أيضا.
فصل:
يصح الاحتجاج بالمجاز والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع [كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع] إلا ترى إلى قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ١ يفيد المعنى وإن كان مجازا لأن الغائظ هو الموضع المطمئن من الأرض استعمل في الخارج قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، لَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ ومعلوم أنه أراد غير الوجوه ناظرة لأن الوجوه لا تنظر وإنما الأعين وقد احتج الإمام أحمد بهذه الآية في وجود النظر٣ يوم القيامة في رواية المروذى والفضل بن زياد وأبى الحارث.
وأيضا فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب كقول الرجل لصاحبه [تعال] أبلغ من قوله: يمنة ويسرة وكذلك قوله: "لزيد على درهم" مجاز وهو أسبق
стр. 309
إلى النفس من قوله: يلزمني لزيد كذا درهم وإذا كان يقع بالمجاز أكثر مما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به.
قال شيخنا قلت: كلامه كأنه يشتمل على أن المجاز يصير حقيقة عرفية أو أنه يكون هو الظاهر لما اقترن به فيكون هو الظاهر إما لاستعمال غالب وإما لاقتران مرجح فإما مجردا وإما مقرونا وقد يكون أدل على المقصود من لفظ الحقيقة وقوله أسبق إلى القلب يراد به أن معنى لفظ المجاز أسبق من معنى حقيقة لفظ المجاز وأن ذلك المعنى أسبق من حقيقة ذلك المعنى فإن معنا حقيقتين حقيقة بآراء لفظ المجاز وحقيقة بإزاء معناه تلك عدل عن معناها وهذه عدل عن لفظها فالمتكلم بالمجاز لا بد أن يعدل عن معنى حقيقة وعن لفظ حقيقة أخرى إلى لفظ المجاز ومعناه.
[والد شيخنا] فصل:
الذين جوزوا استعمال اللفظ المفرد في مفهوميه سواء كانا حقيقيتين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا اختلفوا فيه إذا تجرد عن القرائن المعينة له في أحد المفهومين هل يجب حمله عليهما أو يكون مجملا فيرجع إلى مخصص من خارج ونقل عن الشافعي وابن الباقلاني أنهما قالا بالأول وصرح القاضي وابن عقيل بالثاني وهذا مراد القاضي فيما ذكره في أول العدة والأول في غاية البعد.
وقال القاضي في آخر الكفاية إن كان بلفظ المفرد فكذلك وإن كان بلفظ الجمع فكالمنقول عن الشافعي إن لم يتنافيا وإن تنافيا فكالثاني.
[شيخنا] فصل:
ذكر القاضي من بيان الجملة قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١
стр. 310
قال ثم بينه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١ وبحديث الجدة وبالإجماع على أن للجدتين السدس وللجد من الأب السدس.
"شيخنا" فصل:
إذا قال: لا تعط زيدا حبة فهذا عند ابن عقيل وغيره في اقتضائه النهي عن إعطاء قيراط من باب فحوى الكلام وذكر عمن قال: هذا من باب اللفظ وخالفه بأن للدينار والقيراط اسما يخصه ويخرجه عن دخوله في لفظ الحبة فيقول القائل لم آخذ حبة لكن دينارا وما سلمت عل زيد لكن على أهل القرية وإن كان فيهم زيد فللتخصيص حكم غير التعميم والشمول.
قال شيخنا حاصله أنه يقصد نفي الواحد من الجنس لا نفي الجنس بخلاف ما صار يفهم منه كما قيل مثل هذا في قوله: ما رأيت رجلا بل رجالا وهذا قريب لأن دلالة الفحوى قطعية بالعرف ثم التزم أنه إذا ادعى عليه دينارا فقال لا يستحق على حبة لم يكن جوابا قائما مقام قوله: لا يستحق على ما ادعاه ولا شيئا منه واعتذر بأن هذا لم يكن لأنه ليس بمستفاد من طريق فحوى اللفظ لا المعنى لكن لأنه ليس بنص ولا يكتفي في دفع الدعوى إلا بالنص دون الظاهر ولهذا لا يقبل في يمين المدعى والله إني لصادق فيما ادعيته عليه ولا يكتفي في يمين المنكر والله انه لكاذب فيما ادعاه على كل ذلك طلبا للنص الصريح دون الظاهر.
قال شيخنا: والصواب أن هذا نكرة فيعم جميع الحبان كسائر النكرات ولكن اقتضاؤه لما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى إلا أن يقال مثل هذه الكلمة قد صارت بحكم العرف حقيقة في العموم فيكون هذا أيضا من باب الحقيقة العرفية لا من باب الفحوى فهذا الباب يجب أن يميز فيه ما عم بطريق الوضع اللغوي وما عم بطريق الوضع العرفي وما عم بطريق الفحوى
стр. 311
الخطابي وما عم بطريق المعنى القياسي.
وذكر ابن عقيل من هذا إذا قال: لا تقل عير بعد زيد ولا تمكن القرناء من غنمك من نطح الجماء من غنمه قال: إذا قال: هذا علم ببادرة هذا اللفظ أنه قصد حسم موارد الأذى.
قال شيخنا: هذا نوع خامس قد يكون المنطوق غير مقصود وإنما المقصود المسكوت من غير أن يكون قد صار دلالة عرفية وإنما هو من باب اللحن.
ويظهر الفرق بين العموم العرفي والفحوى أنا في الفحوى نقول فهم المنطوق ثم المسكوت إذ اللازم تابع وفي العموم نقول فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص إلى العام وعلى الأول يكون من باب استعمال الخاص وإرادة العام ولنا في قوله: يدك طالق وجهان بخلاف الرقبة فإنه لا تردد فيها للنقل.
فصل:
يجوز الاحتجاج بالمجاز ذكره القاضي وابن عقيل وابن الزاغوني ولم يذكروا فيه خلافا.
стр. 312
مسألة: لا يقاس على المجاز
قاله ابن عقيل [وتكلم عليه١] ولم يذكر فيه مخالفا وكذلك ذكره ابن الزغوني وحكى الخلاف فيه عن بعض الأصحاب بناء على أن اللغة تثبت قياسا.
قال القاضي في مسألة ثبوت الأسماء بالقياس وأيضا فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى المسمى٢ في غيره وأجروا على الشيء اسم الشيء إذا وجد بعض معناه فيه فسموا الرجل البليد حمارا لوجود البلادة فيه وسموا الرجل الشجاع سبعا لوجود الشدة فيه ونظائر ذلك كثيرة وعلى ذلك قول عمر الخمر ما خامر العقل وقول ابن عباس كل مسكر مخمر خمر قيل له هذه
стр. 313
التسمية منهم مجاز فقال قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازا والآخر حقيقة على أنهم سموا الأبله حمارا حجازا لوجود بعض معانية فلما لم يوجد كل معاينة كان مجازا وأما النبيذ فيوجد فيه معاني الخمر كلها وكذلك اللواط والنباش.
قال شيخنا: هذا تصريح بأن الأسماء تثبت بالقياس حقائقها ومجازاتها لكن فيه قياس المجاز بالحقيقة فأما قياس المجاز بالمجاز فمقتضى كلامه أنه إن وجد فيه معاني المجاز المقاس عليها١ كلها جاز كما أن الحقيقة إذا وجد فيه معنى الحقيقة كلها جاز.
وقال القاضي قد قيل في المجاز لا يقاس عليه ووجهه ولم يذكر غيره.
وقال أبو بكر الطرطوشى أجمع العلماء على أن المجاز لا يقاس عليه في موضع القياس ذكره في مسألة الترتيب في خلافه.
стр. 314
مسألة: ليس في القرآن شيء بغير العربية
ذكره أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني لكن سلم المعرب في بحث المسألة وأما القاضي فقال في المشكاة والإستبرق والقسطاس هي أسماء عربية يجهلها بعض العرب ويعرفها البعض وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين وروى عن ابن عباس وعكرمة أن فيه كلمات بغير العربية وكذلك ذكر ابن برهان ونصره وقال إن القول الأول معروف عن الشافعي نفسه١.
стр. 315
مسألة: لا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل
ذكره القاضي واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وبقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ قال: فأضاف البيان إليه وبالأحاديث على وجه يناقض ما ذكره في الاجتهاد في الأحكام.
стр. 316
قال الميموني سمعت أبا عبد الله أحمد يقول ثلاث ليس لهن أصول المغازي والملاحم والتفسير.
قلت معناه أن الغالب أنه ليس لها إسناد صحيح متصل.
قال١ أبو بكر عبد العزيز فيما حكاه القاضي في مسألة المنع من تفسيره بالرأي والاجتهاد قال أبو بكر: منه مالا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار وذلك مثل الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى ابن مريم وما أشبه ذلك لقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن وذلك بإبانة غرائبه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصافاتها٣ الخاصة دون ما سواها فإن ذلك لا يجهله أحد منهم وذلك كسامع منهم سمع تاليا يتلو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤ لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة وأن الإصلاح ما ينبغي فعله مما فعله منفعة٥ وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا والمعاني التي جعلها الله إصلاحا.
стр. 317
مسألة: تعلم التفسير
...
مسألة: فأما تعلم التفسير
ونقله عمن قوله حجه ففيه ثواب وأجر كتعلم الأحكام من الحلال والحرام وقد فسر أحمد آيات كثيرة رواها عنه المروذى في سورة متفرقة.
стр. 318
مسألة: يجوز تفسيره بمقتضى اللغة
ذكره أحمد في مواضع قال القاضي: ونقل الفضل بن زياد عنه - وقد سئل عن القرآن يتمثل له الرجل بشيء من الشعر -
стр. 319
فقال ما يعجبني قال: هو وأبو الخطاب وظاهر هذا يقتضى المنع وعندي أن هذا لا يقتضيه بل يفيد١ الكراهة أو يحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان صالحة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها وحكى الحلواني القول بالمنع وجها لأصحابنا.
والد شيخنا٢ وذكر القاضي أبو٣ الحسين في التمام٤ في كتاب الصلاة في ذلك روايتين وقال أصحهما أنه لا يجوز.
стр. 320
مسألة: يرجع إلى تفسير الصحابي للقرآن
ذكره القاضي وأبو الخطاب والد شيخنا ونص عليه أحمد فيما كتبه إلى أبي عبد الرحيم الجوزجانى١ وأما في الخبر فقال إذا قال: هذا الخبر منسوخ وجب قبول قوله ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره وقال أبو الخطاب يتخرج أن لا يرجع إليه إذا قلنا ليس قوله٢ بحجة.
قال والد شيخنا قال القاضي: أبو الحسين هو مبنى على الروايتين في قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟